بسم الله والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :
زعمت الفلاسفة أن الشمس إذا حركت الريح حدث المد والجزر ، بينما زعم المنجمون أن للقمر والنجوم دخلٌ في حركة البحر مدا وجزرا ، ومما يجعلك لا تدخل معهم في مثل هذه التفسيرات أنك تعلم أن أكثر خرابيطهم فيما يسمونه بالظواهر الطبيعية !! أغلبها إن لم يكن كلها مخالفة لما يعتقده السلف ، كتفسير الرعد والبرق والريح والزلزال والكسوف والخسوف والمطر من أين ينزل ... وغير ذلك من الآيات الكونية التي ورد فيها آثار عن السلف ما يشفي ويكفي . وهاته من تلك ، فالمد والجزر آية من آيات الله والبحر هذا له معتقد عند السلف وورد فيه آثار كثيرة على خلاف المنجمين والملاحدة والجغرافيين والفلاسفة وغيرهم ممن تأثر بهم من المنتسبين للإسلام . ثم إن أغلب الآيات الكونية وكَّل اللهُ عليها ملائكة يسيرونها كما أمرهم الله ، فلا غرابة أن يكون للبحر ملك موكل به ، وأن يكون المد والجزر بسبه أو بسبب غضب البحر من البشر ، أو له سبب آخر نحو هذا ، كما سياتي في المرويات . والبحر كائن حي يعقل عن ربه ، ويسبح ويسجد ويوحد ويخاف الله عزوجل ويسمع ويطيع ، ويعرف عما يجري حوله من أفعال وذنوب العباد ، وعليه ملائكة موكلين به فلما نريد أن نتكلم عن تحركاته لابد نستحضر هذه الأشياء ، ولا يوشوش علينا الفلاسفة والمنجمين ديننا , ومن العجائب أن تجد بعض المعاصرين لما تذكر لهم الآثار في هذه المواضيع يقولون لا تشوش علينا بآثار جديدة !! يعني أقوال الفلاسفة والجغرافيين ليست تشويش والآثار تشويش !! وذلك لأنهم تربوا عليها في المدارس والإعلام فالدخيل عندهم أقوال السلف وهي مصدر تشويش لديهم ، وكلام الملاحدة هو الصفاء والمنطق والعقل !! فإذا كانت الأرض لا يجادل أحد من هؤلاء المتأخرون المنتسبين للإسلام أنها تعقل وتعرف ربها وما يجري فوقها كم يقرؤون في سورة الزلزلة فما بالك بهذا البحر وهو أعظم من الأرض أضعاف مرات لا يعلمها إلا الله !!
روى ابن أبي الدنيا في العقوبات (281) بسند حسن عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْأَرْضَ قُبِضَتْ وَقَالَتِ : الْخَلْقُ عَلَيَّ آدَمُ وَذُرِّيَّتُهُ فَيُلْقُونَ عَلَيَّ نَتْنَهُمْ ، وَيَعْمَلُونَ عَلَيَّ بِالْمَعَاصِي ، فَأَرْسَاهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْجِبَالِ ، فَمِنْهَا مَا تَرَوْنَ ، وَمِنْهَا مَا لَا تَرَوْنَ ، فَكَانَ أَوَّلُ قَرَارِ الْأَرْضِ كَلَحْمِ الْجَزُورِ إِذَا نُحِرَتْ فَاخْتَلَجَ لَحْمُهَا "
ـــ رورى سعيد بن منصور في سننه (2389) من طريق خالد بن عبد الله الواسطي وابن أبي الدنيا في العقوبات (280) من طريق عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ و والعقيلي في الضعفاء (2/338) من طريق وهيب كلهم عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إِلَى الْبَحْرِ الْغَرْبِيِّ حِينَ خَلَقَهُ : قَدْ خَلَقْتُكَ فَأَحْسَنْتُ خَلْقَكَ وَأَكْثَرْتُ فِيكَ مِنَ الْمَاءِ ، وَإِنِّي حَامِلٌ فِيكَ عِبَادًا لِي يُكَبِّرُونِي وَيُسَبِّحُونِي وَيُهَلِّلُونِي وَيُقَدِّسُونِي ، فَكَيْفَ تَفْعَلُ بِهِمْ ؟ قَالَ : أُغْرِقُهُمْ، قَالَ تَعَالَى: فَإِنِّي أَحْمِلُهُمْ عَلَى كَفِّي، وَأَجْعَلُ بَأْسَكَ فِي نَوَاحِيكَ ثُمَّ قَالَ لِلْبَحْرِ الشَّرْقِيِّ : قَدْ خَلَقْتُكَ فَأَحْسَنْتُ خَلْقَكَ ، وَأَكْثَرْتُ فِيكَ الْمَاءَ ، وَإِنِّي حَامِلٌ فِيكَ عِبَادًا لِي ، فَيُكَبِّرُونِي وَيُهَلِّلُونِي وَيُسَبِّحُونِي فَكَيْفَ أَنْتَ فَاعِلٌ بِهِمْ ؟ قَالَ : أُكَبِّرُكَ مَعَهُمْ ، وَأُهَلِّلُكَ مَعَهُمْ ، وَأَحْمَدُكَ مَعَهُمْ وَأَحْمِلُهُمْ بَيْنَ ظَهْرِي وَبَطْنِي ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْحِلْيَةَ وَالصَّيْدَ وَالطَّيِّبَ " [ وهذا سند صحيح ]
ـــ ورواه البزار في مسنده (9108) وأبو الشيخ في العظمة (4/1412) والعقيلي في الضعفاء (2/338) وابن عدى فى الكامل (4/1588) وابن حبان في المجروحين (591) والخطيب فى تاريخه (10/234) ومن طريقه ابن الجوزي فى الواهيات (1/37-38) من طريق عَبْد الرَّحْمن بْنُ عَبْد اللَّهِ بْنِ عُمَرَ العمري عن سهيل عن أبي عن أبي هريرة مرفوعا ولا يصح لأن العمري متروك وتفرد به بهذا السند المرفوع ، وقد أنكروا عليه جدا كما ذكر ابن عدي والبزار والعقيلي والخطيب وابن الجوزي والذهبي وغيرهم . والصحيح الرواية الأولى : أنه موقوف على ابن عمرو بسند صحيح ، وقال العقيلي : "وهذه الرواية أولى ".
وهذه الرواية الموقوفة على ابن عمرو لها حكم الرفع عندنا أهل الأثر لا كما يقول الآرئيون أنه يروي الإسرائيليات ولا يبين !! وهي تبين أن ما يحدث في أطراف البحار من حركة إنما هي بأمر الله ، صرفا لبأسه عن الخلق ، والجوانب هي الأطراف التي يحدث فيها المد والجزر .
وروى سعيد بن منصور (2390) بسند جيد عن الْعَلَاءَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ أَنَّهُ ذُكَرَ لَهُ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ الْبَحْرَ قَالَ: كَيْفَ إِذَا حَمَلْتُ عَلَيْكَ خَلْقًا مِنْ خَلْقِي ؟ قَالَ : لَا أُقِرُّهُمْ عَلَى ظَهْرِي قَالَ : بَلْ لضعر لَكَ وقما سَأَجْعَلُ بَأْسَكَ فِي أَطْرَافِكَ »
ــــ روى عبد الرزاق في تفسيره (3004) وأحمد في مسنده (23238) والبخاري في التاريخ الكبير (2/42) وأبو الشيخ في العظمة (928) وابن قتيبة في غريب الحديث (2/346) وأبو طاهر السلفي في المشيخة البغدادية (33) وابن الجوزي في المنتظم (1/163) من طريق مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ صَبَّاحٍ عَنْ أَشْرَسَ قَالَ : سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْمَدِّ وَالْجَزْرِ فَقَالَ : إِنَّ مَلَكًا مُوَكَّلٌ بِقَامُوسِ الْبَحْرِ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فَاضَتْ ، وَإِذَا رَفَعَهَا غَاضَتْ " . وقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ صَبَّاحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَشْرَسَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مِثْلَهُ .
جاء في الصحاح للجوهري (3/699) : وقاموس البحر : وسطه ومعظمه وفى حديث المد والجزر قال : ملك موكل بقاموس البحر، كلما وضع رجله فيه فاض، فإذا رفعها غاض ".
[قلت] سنده فيه ضعف ، فالصبَّاح روى عنه ابنه والمعتمر بن سليمان ولم يوثقه أحد ففيه جهالة . أما أشرس -وهو ابن الحسن وقيل: ابن أبي الحسن المازني- ذكره البخاري في "الكبير" وابن أبي حاتم ولم يورِدا فيه جرحاً ولا تعديلاً، وقال ابن عدي : له أقل من عشرة أحاديث ، وأرجو أنه لا بأس به ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
لما أورده أحمد في المسند يدل على أن لا نكارة في متنه وله شاهد وهو :
ـــ ما أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (10556) حَدَّثَنَا أَبِي ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ ثنا طَلْحَةُ بْنُ زَيْنٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْبَحْرَ رَقَّ بِيَدِ مَا كَانَ يَغْفُلُ عَنْهَا الْمَلَكُ لَطَمَ عَلَى الأَرْضِ. [قلت سند رجاله كلهم ثقات غير طلحة بن زين لم أعرفه ! وهو شاهد لما قبله] ـ
ــ روى ابن أبي الدنيا في العقوبات (323) وأبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (4/1405) وأبو نعيم في الحلية (6/7) من طريق عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ كَعْبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ : فحكى قصة طويلة عن الخضر وأنه التقى بملك تحت البحر ...فسأله فقال : فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْمَدِّ وَالْجَزْرِ قَالَ : الْمَدُّ : مِنْ نَفَسِ الْحُوتِ ، فَإِذَا تَنَفَّسَ كَانَ الْمَدُّ ، وَإِذَا رَدَّ النَّفَسَ كَانَ الْجَزْرُ ".
[ سنده ضعيف لضعف عبد الله بن صالح وخالد بن يزيد وإن وصفوه بالصدق لكنه يهم . ] ـ
ــ روى الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده" (303) والمقدسي في التوحيد (77) قال : حَدَّثَنَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ حَدَّثَنِي شَيْخٌ كَانَ مُرَابِطًا بِالسَّاحِلِ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا صَالِحٍ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ( لَيْسَ مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا وَالْبَحْرُ يُشْرِفُ فِيهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ عَلَى الْأَرْضِ، يَسْتَأْذِنُ اللهَ فِي أَنْ يَنْفَضِخَ عَلَيْهِمْ، فَيَكُفُّهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ )
ــ وأتم منه لفظا ما رواه المقدسي في التوحيد (78) وذكره في المطالب العالية (9/472) قال إسحاق بن راهوية أخبرنا يزيد بن هارون أنا العوام بن حوشب حدثني شيخ كان مرابطا بالساحل قال: خرجت ليلة حرسي لم يخرج أحد ممن كان علية الحرس غيري ، فجعل يخيل إلي أن البحر مشرف حتى يحاذي برؤؤس الجبال ، ففعل ذلك مرارا وأنا مستيقظ ، ثم نمت ، فرأيت في النوم كأن معي رآيه ، وكان أهل المدينة يمشون خلفي ، وأنا أمامهم ، فلما أصبحت رجعت إلى المدينة ، فلقيت أمير الجيش ، وأبا صالح مولى عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فكانا أول من خرج من المدينة ، فقالا لي: أين الناس ؟ فقلت: رجعوا قبلي ، فقالا: لم لا تصدقنا نحن أول من خرج من المدينة ؟ قال: فأخبرتهما أنه لم يخرج أحد غيري ، قال أبو صالح : فما رأيت ؟ فقلت : والله لقد خيل إلي فيما رأيت أن البحر يشرف حتى يحاذي برؤوس الجبال ! قال أبو صالح : صدقت حدثنا عمر بن الخطاب ـ رضي لله عنه ـ عن رسول الله قال :" ما من ليلة إلا والبحر يشرف ثلاث مرات على أهل الأرض يستأذن الله تعالى إن ينقضي عليهم " يعني : يتدفق ، فيكفه الله تعالى .
[ وأورده ابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 52) والمنتظم (1/152) بسنده ، لكن قال ابن الجوزي في علله العوام بن حوشب ضعيف والشيخ مجهول .
(قلت) سنده رجاله ثقات وعلته فقط جهالة الشيخ ، أما العوام وهو ابن حوشب متفق على عدالته فهذا وهم فاحش من ابن الجوزي الذي لم يعرفه . ورواه يعقوب بن شيبة السدوسي كما في ملخص المسند [مخطوط : ص43/أ] عن يزيد بمثله ، وقال : حديث صالح الإسناد إلا أن فيه رجلا لم يسم فوهى الحديث من أجله . اهـ . (قلت) وهذا أحد الشواهد القوية في الباب .
ــــ روى الطبري (22/460) وابن أبي حاتم (18677) بسند حسن عن ابن عباس في قوله : (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) يقول : المحبوس. قال ابن كثير : وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْمَسْجُورِ : الْمَمْنُوعُ الْمَكْفُوفُ عَنِ الْأَرْضِ لِئَلَّا يَغْمُرَهَا فَيُغْرِقَ أَهْلَهَا ، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ يَقُولُ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ... ".
(قلت) إثبات أصل ذلك المعنى : أن يكون البحر مملوءا بالماء ، ولولا الله تعالى بمنه وكرمه ، لفاض على أهل الأرض ، وفي ذلك بيان المنة وتمام النعمة ، كما هو شأنه تعالى ، بلطفه وقدرته ، في أمر السماء والأرض قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } [فاطر/41] .
قال ابن القيم في المدارج(1/430-431) : فَالسَّمَاءُ تَسْتَأْذِنُ رَبَّهَا أَنْ تَحْصِبَهُ وَالْأَرْضُ تَسْتَأْذِنُهُ أَنْ تَخْسِفَ بِهِ وَالْبَحْرُ يَسْتَأْذِنُهُ أَنْ يُغْرِقَهُ ،كَمَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،مَا مِنْ يَوْمٍ إِلَّا وَالْبَحْرُ يَسْتَأْذِنُ رَبَّهُ أَنْ يُغْرِقَ ابْنَ آدَمَ وَالْمَلَائِكَةُ تَسْتَأْذِنُهُ أَنْ تُعَاجِلَهُ وَتُهْلِكَهُ ، وَالرَّبُّ تَعَالَى يَقُولُ : دَعُوا عَبْدِي فَأَنَا أَعْلَمُ بِهِ إِذْ أَنْشَأْتُهُ مِنَ الْأَرْضِ ، إِنْ كَانَ عَبْدَكُمْ فَشَأْنُكُمْ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدِي فَمِنِّي وَإِلَيَّ عَبْدِي ، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي إِنْ أَتَانِي لَيْلًا قَبِلْتُهُ ، وَإِنْ أَتَانِي نَهَارًا قَبِلْتُهُ ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا ، وَإِنْ مَشَى إِلَيَّ هَرْوَلْتُ إِلَيْهِ ، وَإِنِ اسْتَغْفَرَنِي غَفَرْتُ لَهُ ، وَإِنِ اسْتَقَالَنِي أَقَلْتُهُ وَإِنْ تَابَ إِلَيَّ تُبْتُ عَلَيْهِ مَنْ أَعْظَمَ مِنِّي جُودًا وَكَرَمًا وَأَنَا الْجَوَادُ الْكَرِيمُ ؟ عَبِيدِي يَبِيتُونَ يُبَارِزُونَنِي بِالْعَظَائِمِ وَأَنَا أَكْلَؤُهُمْ فِي مَضَاجِعِهِمْ ، وَأَحْرُسُهُمْ عَلَى فُرُشِهِمْ مَنْ أَقْبَلَ إِلَيَّ تَلَقَّيْتُهُ مِنْ بَعِيدٍ وَمَنْ تَرَكَ لِأَجْلِي أَعْطَيْتُهُ فَوْقَ الْمَزِيدِ وَمَنْ تَصَرَّفَ بِحَوْلِي وَقُوَّتِي أَلَنْتُ لَهُ الْحَدِيدَ وَمَنْ أَرَادَ مُرَادِي أَرَدْتُ مَا يُرِيدُ ، أَهْلُ ذِكْرِي أَهْلُ مُجَالَسَتِي، وَأَهْلُ شُكْرِي أَهْلُ زِيَادَتِي، وَأَهْلُ طَاعَتِي أَهْلُ كَرَامَتِي، وَأَهْلُ مَعْصِيَتِي لَا أُقْنِطُهُمْ مِنْ رَحْمَتِي إِنْ تَابُوا إِلَيَّ فَأَنَا حَبِيبُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا فَأَنَا طَبِيبُهُمْ أَبْتَلِيهِمْ بِالْمَصَائِبِ لِأُطَهِّرَهَمْ مِنَ الْمَعَايِبِ ) اهــ ـ
ــ قال البكري في كتابه المسالك والممالك (1/209) بعدما ذكر علل المد والجزر عن الجغرافيين قال : وقال الشرعيّون : كلّ حال لا يعلم له في الطبيعة مجرى فهو فعل إلاهيّ لا يدخله قياس ولا يدرك بحسّ .
ـــ قال ابن الوردي في كتابه خريدة العجائب (1/46) وقد روي في بعض الأخبار أن الله جعل ملكاً موكلاً بالبحار ، فإذا وضع قدمه في البحر مد وإذا رفعه جزر ، فإن صح ذلك والله أعلم كان اعتقاده أولى من المصير إلى غيره مما لا يفيد حقيقة ، ولو ذهب ذاهب إلى أن ذلك الملك هو مهب الرياح التي تكون سبباً للمد وتزيد في الأنهار وتفعل ذلك عند امتلاء المقر حتى يكون توفيقاً وجمعاً بين الكل لكان ذلك مذهباً حسناً. والله أعلم
(قلت) المقصود أن الموحد السني الأثري عليه يتوقف أن يتكلم في الغيبيات والآيات الكونية التي يسميها هؤلاء ( ظواهر الطبيعة !! ) ويفسرها بالرأي وبكلام الجغرافيين والفلاسفة والمنجمين والعلمانيين ، الذين لا يؤمنون برب ، فضلا أن يؤمنوا بالأحاديث والآثار ، فإن أكثر هذه الآيات ( الظواهر ) لها تفسير عند السلف فلابد من الرجوع لكتب الحديث والأثر لنجد حقيقة هذه الآيات في ديننا ، وأن نعيد النظر في كل ما تعلمناه في الجغرافيا والفلك ونلغيه ونتوقف فيه ، ونرجع للأصول الأثرية ونصفي معلوماتنا القديمة فإن أكثرها مخالفة للسلف والله المستعان .
.. كتبه أبو عبيد الجزائري ..
زعمت الفلاسفة أن الشمس إذا حركت الريح حدث المد والجزر ، بينما زعم المنجمون أن للقمر والنجوم دخلٌ في حركة البحر مدا وجزرا ، ومما يجعلك لا تدخل معهم في مثل هذه التفسيرات أنك تعلم أن أكثر خرابيطهم فيما يسمونه بالظواهر الطبيعية !! أغلبها إن لم يكن كلها مخالفة لما يعتقده السلف ، كتفسير الرعد والبرق والريح والزلزال والكسوف والخسوف والمطر من أين ينزل ... وغير ذلك من الآيات الكونية التي ورد فيها آثار عن السلف ما يشفي ويكفي . وهاته من تلك ، فالمد والجزر آية من آيات الله والبحر هذا له معتقد عند السلف وورد فيه آثار كثيرة على خلاف المنجمين والملاحدة والجغرافيين والفلاسفة وغيرهم ممن تأثر بهم من المنتسبين للإسلام . ثم إن أغلب الآيات الكونية وكَّل اللهُ عليها ملائكة يسيرونها كما أمرهم الله ، فلا غرابة أن يكون للبحر ملك موكل به ، وأن يكون المد والجزر بسبه أو بسبب غضب البحر من البشر ، أو له سبب آخر نحو هذا ، كما سياتي في المرويات . والبحر كائن حي يعقل عن ربه ، ويسبح ويسجد ويوحد ويخاف الله عزوجل ويسمع ويطيع ، ويعرف عما يجري حوله من أفعال وذنوب العباد ، وعليه ملائكة موكلين به فلما نريد أن نتكلم عن تحركاته لابد نستحضر هذه الأشياء ، ولا يوشوش علينا الفلاسفة والمنجمين ديننا , ومن العجائب أن تجد بعض المعاصرين لما تذكر لهم الآثار في هذه المواضيع يقولون لا تشوش علينا بآثار جديدة !! يعني أقوال الفلاسفة والجغرافيين ليست تشويش والآثار تشويش !! وذلك لأنهم تربوا عليها في المدارس والإعلام فالدخيل عندهم أقوال السلف وهي مصدر تشويش لديهم ، وكلام الملاحدة هو الصفاء والمنطق والعقل !! فإذا كانت الأرض لا يجادل أحد من هؤلاء المتأخرون المنتسبين للإسلام أنها تعقل وتعرف ربها وما يجري فوقها كم يقرؤون في سورة الزلزلة فما بالك بهذا البحر وهو أعظم من الأرض أضعاف مرات لا يعلمها إلا الله !!
روى ابن أبي الدنيا في العقوبات (281) بسند حسن عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْأَرْضَ قُبِضَتْ وَقَالَتِ : الْخَلْقُ عَلَيَّ آدَمُ وَذُرِّيَّتُهُ فَيُلْقُونَ عَلَيَّ نَتْنَهُمْ ، وَيَعْمَلُونَ عَلَيَّ بِالْمَعَاصِي ، فَأَرْسَاهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْجِبَالِ ، فَمِنْهَا مَا تَرَوْنَ ، وَمِنْهَا مَا لَا تَرَوْنَ ، فَكَانَ أَوَّلُ قَرَارِ الْأَرْضِ كَلَحْمِ الْجَزُورِ إِذَا نُحِرَتْ فَاخْتَلَجَ لَحْمُهَا "
ـــ رورى سعيد بن منصور في سننه (2389) من طريق خالد بن عبد الله الواسطي وابن أبي الدنيا في العقوبات (280) من طريق عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ و والعقيلي في الضعفاء (2/338) من طريق وهيب كلهم عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إِلَى الْبَحْرِ الْغَرْبِيِّ حِينَ خَلَقَهُ : قَدْ خَلَقْتُكَ فَأَحْسَنْتُ خَلْقَكَ وَأَكْثَرْتُ فِيكَ مِنَ الْمَاءِ ، وَإِنِّي حَامِلٌ فِيكَ عِبَادًا لِي يُكَبِّرُونِي وَيُسَبِّحُونِي وَيُهَلِّلُونِي وَيُقَدِّسُونِي ، فَكَيْفَ تَفْعَلُ بِهِمْ ؟ قَالَ : أُغْرِقُهُمْ، قَالَ تَعَالَى: فَإِنِّي أَحْمِلُهُمْ عَلَى كَفِّي، وَأَجْعَلُ بَأْسَكَ فِي نَوَاحِيكَ ثُمَّ قَالَ لِلْبَحْرِ الشَّرْقِيِّ : قَدْ خَلَقْتُكَ فَأَحْسَنْتُ خَلْقَكَ ، وَأَكْثَرْتُ فِيكَ الْمَاءَ ، وَإِنِّي حَامِلٌ فِيكَ عِبَادًا لِي ، فَيُكَبِّرُونِي وَيُهَلِّلُونِي وَيُسَبِّحُونِي فَكَيْفَ أَنْتَ فَاعِلٌ بِهِمْ ؟ قَالَ : أُكَبِّرُكَ مَعَهُمْ ، وَأُهَلِّلُكَ مَعَهُمْ ، وَأَحْمَدُكَ مَعَهُمْ وَأَحْمِلُهُمْ بَيْنَ ظَهْرِي وَبَطْنِي ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْحِلْيَةَ وَالصَّيْدَ وَالطَّيِّبَ " [ وهذا سند صحيح ]
ـــ ورواه البزار في مسنده (9108) وأبو الشيخ في العظمة (4/1412) والعقيلي في الضعفاء (2/338) وابن عدى فى الكامل (4/1588) وابن حبان في المجروحين (591) والخطيب فى تاريخه (10/234) ومن طريقه ابن الجوزي فى الواهيات (1/37-38) من طريق عَبْد الرَّحْمن بْنُ عَبْد اللَّهِ بْنِ عُمَرَ العمري عن سهيل عن أبي عن أبي هريرة مرفوعا ولا يصح لأن العمري متروك وتفرد به بهذا السند المرفوع ، وقد أنكروا عليه جدا كما ذكر ابن عدي والبزار والعقيلي والخطيب وابن الجوزي والذهبي وغيرهم . والصحيح الرواية الأولى : أنه موقوف على ابن عمرو بسند صحيح ، وقال العقيلي : "وهذه الرواية أولى ".
وهذه الرواية الموقوفة على ابن عمرو لها حكم الرفع عندنا أهل الأثر لا كما يقول الآرئيون أنه يروي الإسرائيليات ولا يبين !! وهي تبين أن ما يحدث في أطراف البحار من حركة إنما هي بأمر الله ، صرفا لبأسه عن الخلق ، والجوانب هي الأطراف التي يحدث فيها المد والجزر .
وروى سعيد بن منصور (2390) بسند جيد عن الْعَلَاءَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ أَنَّهُ ذُكَرَ لَهُ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ الْبَحْرَ قَالَ: كَيْفَ إِذَا حَمَلْتُ عَلَيْكَ خَلْقًا مِنْ خَلْقِي ؟ قَالَ : لَا أُقِرُّهُمْ عَلَى ظَهْرِي قَالَ : بَلْ لضعر لَكَ وقما سَأَجْعَلُ بَأْسَكَ فِي أَطْرَافِكَ »
ــــ روى عبد الرزاق في تفسيره (3004) وأحمد في مسنده (23238) والبخاري في التاريخ الكبير (2/42) وأبو الشيخ في العظمة (928) وابن قتيبة في غريب الحديث (2/346) وأبو طاهر السلفي في المشيخة البغدادية (33) وابن الجوزي في المنتظم (1/163) من طريق مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ صَبَّاحٍ عَنْ أَشْرَسَ قَالَ : سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْمَدِّ وَالْجَزْرِ فَقَالَ : إِنَّ مَلَكًا مُوَكَّلٌ بِقَامُوسِ الْبَحْرِ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فَاضَتْ ، وَإِذَا رَفَعَهَا غَاضَتْ " . وقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ صَبَّاحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَشْرَسَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مِثْلَهُ .
جاء في الصحاح للجوهري (3/699) : وقاموس البحر : وسطه ومعظمه وفى حديث المد والجزر قال : ملك موكل بقاموس البحر، كلما وضع رجله فيه فاض، فإذا رفعها غاض ".
[قلت] سنده فيه ضعف ، فالصبَّاح روى عنه ابنه والمعتمر بن سليمان ولم يوثقه أحد ففيه جهالة . أما أشرس -وهو ابن الحسن وقيل: ابن أبي الحسن المازني- ذكره البخاري في "الكبير" وابن أبي حاتم ولم يورِدا فيه جرحاً ولا تعديلاً، وقال ابن عدي : له أقل من عشرة أحاديث ، وأرجو أنه لا بأس به ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
لما أورده أحمد في المسند يدل على أن لا نكارة في متنه وله شاهد وهو :
ـــ ما أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (10556) حَدَّثَنَا أَبِي ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ ثنا طَلْحَةُ بْنُ زَيْنٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْبَحْرَ رَقَّ بِيَدِ مَا كَانَ يَغْفُلُ عَنْهَا الْمَلَكُ لَطَمَ عَلَى الأَرْضِ. [قلت سند رجاله كلهم ثقات غير طلحة بن زين لم أعرفه ! وهو شاهد لما قبله] ـ
ــ روى ابن أبي الدنيا في العقوبات (323) وأبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (4/1405) وأبو نعيم في الحلية (6/7) من طريق عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ كَعْبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ : فحكى قصة طويلة عن الخضر وأنه التقى بملك تحت البحر ...فسأله فقال : فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْمَدِّ وَالْجَزْرِ قَالَ : الْمَدُّ : مِنْ نَفَسِ الْحُوتِ ، فَإِذَا تَنَفَّسَ كَانَ الْمَدُّ ، وَإِذَا رَدَّ النَّفَسَ كَانَ الْجَزْرُ ".
[ سنده ضعيف لضعف عبد الله بن صالح وخالد بن يزيد وإن وصفوه بالصدق لكنه يهم . ] ـ
ــ روى الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده" (303) والمقدسي في التوحيد (77) قال : حَدَّثَنَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ حَدَّثَنِي شَيْخٌ كَانَ مُرَابِطًا بِالسَّاحِلِ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا صَالِحٍ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ( لَيْسَ مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا وَالْبَحْرُ يُشْرِفُ فِيهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ عَلَى الْأَرْضِ، يَسْتَأْذِنُ اللهَ فِي أَنْ يَنْفَضِخَ عَلَيْهِمْ، فَيَكُفُّهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ )
ــ وأتم منه لفظا ما رواه المقدسي في التوحيد (78) وذكره في المطالب العالية (9/472) قال إسحاق بن راهوية أخبرنا يزيد بن هارون أنا العوام بن حوشب حدثني شيخ كان مرابطا بالساحل قال: خرجت ليلة حرسي لم يخرج أحد ممن كان علية الحرس غيري ، فجعل يخيل إلي أن البحر مشرف حتى يحاذي برؤؤس الجبال ، ففعل ذلك مرارا وأنا مستيقظ ، ثم نمت ، فرأيت في النوم كأن معي رآيه ، وكان أهل المدينة يمشون خلفي ، وأنا أمامهم ، فلما أصبحت رجعت إلى المدينة ، فلقيت أمير الجيش ، وأبا صالح مولى عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فكانا أول من خرج من المدينة ، فقالا لي: أين الناس ؟ فقلت: رجعوا قبلي ، فقالا: لم لا تصدقنا نحن أول من خرج من المدينة ؟ قال: فأخبرتهما أنه لم يخرج أحد غيري ، قال أبو صالح : فما رأيت ؟ فقلت : والله لقد خيل إلي فيما رأيت أن البحر يشرف حتى يحاذي برؤوس الجبال ! قال أبو صالح : صدقت حدثنا عمر بن الخطاب ـ رضي لله عنه ـ عن رسول الله قال :" ما من ليلة إلا والبحر يشرف ثلاث مرات على أهل الأرض يستأذن الله تعالى إن ينقضي عليهم " يعني : يتدفق ، فيكفه الله تعالى .
[ وأورده ابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 52) والمنتظم (1/152) بسنده ، لكن قال ابن الجوزي في علله العوام بن حوشب ضعيف والشيخ مجهول .
(قلت) سنده رجاله ثقات وعلته فقط جهالة الشيخ ، أما العوام وهو ابن حوشب متفق على عدالته فهذا وهم فاحش من ابن الجوزي الذي لم يعرفه . ورواه يعقوب بن شيبة السدوسي كما في ملخص المسند [مخطوط : ص43/أ] عن يزيد بمثله ، وقال : حديث صالح الإسناد إلا أن فيه رجلا لم يسم فوهى الحديث من أجله . اهـ . (قلت) وهذا أحد الشواهد القوية في الباب .
ــــ روى الطبري (22/460) وابن أبي حاتم (18677) بسند حسن عن ابن عباس في قوله : (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) يقول : المحبوس. قال ابن كثير : وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْمَسْجُورِ : الْمَمْنُوعُ الْمَكْفُوفُ عَنِ الْأَرْضِ لِئَلَّا يَغْمُرَهَا فَيُغْرِقَ أَهْلَهَا ، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ يَقُولُ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ... ".
(قلت) إثبات أصل ذلك المعنى : أن يكون البحر مملوءا بالماء ، ولولا الله تعالى بمنه وكرمه ، لفاض على أهل الأرض ، وفي ذلك بيان المنة وتمام النعمة ، كما هو شأنه تعالى ، بلطفه وقدرته ، في أمر السماء والأرض قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } [فاطر/41] .
قال ابن القيم في المدارج(1/430-431) : فَالسَّمَاءُ تَسْتَأْذِنُ رَبَّهَا أَنْ تَحْصِبَهُ وَالْأَرْضُ تَسْتَأْذِنُهُ أَنْ تَخْسِفَ بِهِ وَالْبَحْرُ يَسْتَأْذِنُهُ أَنْ يُغْرِقَهُ ،كَمَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،مَا مِنْ يَوْمٍ إِلَّا وَالْبَحْرُ يَسْتَأْذِنُ رَبَّهُ أَنْ يُغْرِقَ ابْنَ آدَمَ وَالْمَلَائِكَةُ تَسْتَأْذِنُهُ أَنْ تُعَاجِلَهُ وَتُهْلِكَهُ ، وَالرَّبُّ تَعَالَى يَقُولُ : دَعُوا عَبْدِي فَأَنَا أَعْلَمُ بِهِ إِذْ أَنْشَأْتُهُ مِنَ الْأَرْضِ ، إِنْ كَانَ عَبْدَكُمْ فَشَأْنُكُمْ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدِي فَمِنِّي وَإِلَيَّ عَبْدِي ، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي إِنْ أَتَانِي لَيْلًا قَبِلْتُهُ ، وَإِنْ أَتَانِي نَهَارًا قَبِلْتُهُ ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا ، وَإِنْ مَشَى إِلَيَّ هَرْوَلْتُ إِلَيْهِ ، وَإِنِ اسْتَغْفَرَنِي غَفَرْتُ لَهُ ، وَإِنِ اسْتَقَالَنِي أَقَلْتُهُ وَإِنْ تَابَ إِلَيَّ تُبْتُ عَلَيْهِ مَنْ أَعْظَمَ مِنِّي جُودًا وَكَرَمًا وَأَنَا الْجَوَادُ الْكَرِيمُ ؟ عَبِيدِي يَبِيتُونَ يُبَارِزُونَنِي بِالْعَظَائِمِ وَأَنَا أَكْلَؤُهُمْ فِي مَضَاجِعِهِمْ ، وَأَحْرُسُهُمْ عَلَى فُرُشِهِمْ مَنْ أَقْبَلَ إِلَيَّ تَلَقَّيْتُهُ مِنْ بَعِيدٍ وَمَنْ تَرَكَ لِأَجْلِي أَعْطَيْتُهُ فَوْقَ الْمَزِيدِ وَمَنْ تَصَرَّفَ بِحَوْلِي وَقُوَّتِي أَلَنْتُ لَهُ الْحَدِيدَ وَمَنْ أَرَادَ مُرَادِي أَرَدْتُ مَا يُرِيدُ ، أَهْلُ ذِكْرِي أَهْلُ مُجَالَسَتِي، وَأَهْلُ شُكْرِي أَهْلُ زِيَادَتِي، وَأَهْلُ طَاعَتِي أَهْلُ كَرَامَتِي، وَأَهْلُ مَعْصِيَتِي لَا أُقْنِطُهُمْ مِنْ رَحْمَتِي إِنْ تَابُوا إِلَيَّ فَأَنَا حَبِيبُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا فَأَنَا طَبِيبُهُمْ أَبْتَلِيهِمْ بِالْمَصَائِبِ لِأُطَهِّرَهَمْ مِنَ الْمَعَايِبِ ) اهــ ـ
ــ قال البكري في كتابه المسالك والممالك (1/209) بعدما ذكر علل المد والجزر عن الجغرافيين قال : وقال الشرعيّون : كلّ حال لا يعلم له في الطبيعة مجرى فهو فعل إلاهيّ لا يدخله قياس ولا يدرك بحسّ .
ـــ قال ابن الوردي في كتابه خريدة العجائب (1/46) وقد روي في بعض الأخبار أن الله جعل ملكاً موكلاً بالبحار ، فإذا وضع قدمه في البحر مد وإذا رفعه جزر ، فإن صح ذلك والله أعلم كان اعتقاده أولى من المصير إلى غيره مما لا يفيد حقيقة ، ولو ذهب ذاهب إلى أن ذلك الملك هو مهب الرياح التي تكون سبباً للمد وتزيد في الأنهار وتفعل ذلك عند امتلاء المقر حتى يكون توفيقاً وجمعاً بين الكل لكان ذلك مذهباً حسناً. والله أعلم
(قلت) المقصود أن الموحد السني الأثري عليه يتوقف أن يتكلم في الغيبيات والآيات الكونية التي يسميها هؤلاء ( ظواهر الطبيعة !! ) ويفسرها بالرأي وبكلام الجغرافيين والفلاسفة والمنجمين والعلمانيين ، الذين لا يؤمنون برب ، فضلا أن يؤمنوا بالأحاديث والآثار ، فإن أكثر هذه الآيات ( الظواهر ) لها تفسير عند السلف فلابد من الرجوع لكتب الحديث والأثر لنجد حقيقة هذه الآيات في ديننا ، وأن نعيد النظر في كل ما تعلمناه في الجغرافيا والفلك ونلغيه ونتوقف فيه ، ونرجع للأصول الأثرية ونصفي معلوماتنا القديمة فإن أكثرها مخالفة للسلف والله المستعان .
.. كتبه أبو عبيد الجزائري ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق