‏إظهار الرسائل ذات التسميات الذب عن الآثار والرد على أهل الرأي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الذب عن الآثار والرد على أهل الرأي. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 1 أكتوبر 2017

شد المحال في رمي ما احتج به أهل الحيل بالقطع والإرسال

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد :


احتج أهل الحيل من الأحاديث ــ وجعلوه أصلا عندهم ــ بحديث عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :  إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه و لينصرف و ليتوضأ .
قَالَ الْحَاكِم في الستدرك عند تخريجه لهذا الحديث : وَسمعت عَلّي بن عمر الْحَافِظ يَقُول: سَمِعت أَبَا بكر الشَّافِعِي الصَّيْرَفِي يَقُول: كل من أفتَى من أَئِمَّة الْمُسلمين بالحيل إِنَّمَا أَخذه من هَذَا الحَدِيث .

(قلت) وعلى هذا مضى أهل الحيل في جدالاتهم إلى يومنا هذا تواطؤوا على الإحتجاج بهذا الحديث في حيلهم ومن ذلك على سبيل المثال :
ما قاله صاحب كتاب الفيض القدير عند شرحه : ( فيه مشروعية الحيل التي يتوصل بها إلى مصالح ومنافع دينية ) !!

والجواب :

من حيث العموم نقول : لنا مع هذا الحديث وقفات :
أولا : الحديث مرسل والمرسل ضعيف فكيف تحتجون علينا بالمراسيل ؟؟
ثانيا : ليس في معناه إن صح ما يدل على الحيل أبدا ، بل أقصى ما فيه جواز المعاريض للحاجة فقط هذا من حيث العموم وإليكم التفاصيل :


( تخريج الحديث وبيان حكمه عند أهل الحديث المتقدمين )

أخرجه الحاكم في المستدرك (1/293 رقم: 655) و(1/391 رقم: 958) ، وأبو داود (كتاب الصلاة / باب استئذان المحدث الإمام: رقم: (1114) وابن ماجه (كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها/ باب ما جاء فيمن أحدث في الصلاة كيف ينصرف: رقم: 1222)، وابن خزيمة في صحيحه (2/108 رقم: 1019) والدارقطني في سننه (1/289 رقم: 587) الترمذي في العلل الكبير (ص99 رقم: 170) و(1/391 رقم: 958) والبيهقي في الكبرى (2/361 رقم: 3378، و3379 ) وفي معرفة السنن (3/386 -387 رقم: 6556 -6557) وابن الجارود في المنتقى (ص66 رقم: 222) وابن حبان في صحيحه 6/11 رقم: 2239) من طريق ابن جريج والفضلُ بن موسى وعمرُ بن علي المقدمي وعمرُ بن قيس ومحمدُ بن بشر العبدي كلهم ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عائشة هكذا موصولا وسيأتي ذكر الروايات المرسلة تخريجها )

الحكم على الحديث :

السند إلى عروة صحيح فقد رواه عشرات الرواة الثقات عن عروة ، لكن وقع بينهم فيه خلاف شديد بين وصله وإرساله ، وسوف نعرض الخلاف ثم نرجح الأصح بينهما :


أولا : الروايات الموصولة :

رواه موصولا كل من : والفضلُ بن موسى ، وعمرُ بن علي المقدمي، وعمرُ بن قيس، ومحمدُ بن بشر العبدي وابنَ جريج .

1- أما رواية الفضلُ بن موسى : فأخرجها الترمذي في العلل الكبير (ص99 رقم: 170)، والحاكم في المستدرك (1/294 رقم: 656) و(1/391 رقم: 958)، والدارقطني في سننه (1/289 رقم: 589)، والبيهقي في الكبرى (2/361 رقم: 3378، و3379 ) وفي معرفة السنن (3/386 -387 رقم: 6556 -6557)، وابن الجارود في المنتقى (ص66 رقم: 222)، وابن حبان في صحيحه 6/11 رقم: 2239) من طريق الفضل بن موسى، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.

2- وأما رواية عمر بن علي المقدمي: فأخرجها ابن ماجه (كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها/ باب ما جاء فيمن أحدث في الصلاة كيف ينصرف: رقم: 1222)، وابن خزيمة في صحيحه (2/108 رقم: 1019)، وابن حبان في صحيحه (6/9 -10 رقم: 2238)، والدارقطني في سننه (1/288 رقم: 585) من طريق عمر بن علي المقدمي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
3- وأما رواية عمر بن قيس : فأخرجها ابن ماجه (كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها/ باب ما جاء فيمن أحدث في الصلاة كيف ينصرف: رقم: 1222) من طريق عمر بن قيس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.

4- وأما رواية محمد بن بشر العبدي : فأخرجها الدارقطني في سننه (1/288 رقم: 586)، من طريق محمد بن بشر العبدي , عن هشام بن عروة , عن أبيه , عن عائشة.

5 ــــــ رواية بن جريح : أخرجها الحاكم في المستدرك (1/293 رقم: 655) وأبو داود (كتاب الصلاة / باب استئذان المحدث الإمام: رقم: (1114) والدارقطني في سننه (1/289 رقم: 587) والبيهقي في الكبرى (2/361 رقم: 3378، و3379 )

وأما الروايات المرسلة :

فرواه مرسلا كل من : سفيان الثوري وعبد الله بن داود وعبدة بن سليمان وسفيان بن عيينة وإسماعيل المؤدب وأبي أسامة وحماد بن سلمة وشعبة وزائدة بن قدامة وابن المبارك وشعيب بن إسحاق ويحي بن أيوب .

1- فأما رواية سفيان الثوري : فأخرجها عبد الرزاق في المصنف (1/140 رقم: 532) عن الثوري ، عن هشام بن عروة، عن أبيه مرفوعاً ).

2- وأما رواية عبد الله بن داود :فأخرجها مسدد في مسنده كما في إتحاف الخيرة (2/250 رقم: 1444) عن عبد الله بن داود ، ثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ).

3- وأما رواية عبدة بن سليمان: فأخرجها ابن أبي داود في مسند عائشة (ص73 رقم: 55)، من طريق عبدة بن سليمان، عن هشام، عن أبيه مرفوعاً ).

4 و 5 ـــــ سفيان بن عيينة وإسماعيل المؤدب : أشار إليهما الدارقطني في علله (14/160 رقم: 3501)

6 و7 ــــــ أبو أسامة وهو حماد بن أسامة و حماد بن سلمة : هكذا جاءت عند أبو داود في سننه (ص73 رقم: 55) فقال : رواه حماد بن سلمة وأبو أسامة عن هشام عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكرا عائشة رضي الله عنها .

(تنبيه) كنت أشك أن (الواو) بين حماد بن سلمة وأبي أسامة في كلام أبي داود في سننه زائدة فيكون حماد بن سلمة أبو أسامة لأنها كنيته ثم وقفت على أن من الرواة عن هشام بن عروة أبي أسامة حماد بن أسامة وأنه هو المقصود من كلام أبي داود ، وهو يشتبه بكنية حماد بن سلمة ورأيت أهل الحديث عندما يطلقون ( أبو أسامة ) يعنون به حماد بن أسامة ، أما حماد بن سلمة في الغالب لا يكنونه للتفريق بينهما ، وإذا كنوه يذكرون اسمه كاملا فيقولون (حماد بن سلمة أبو أسامة ) ذكرت هذا للتنبيه لأنه قد يقع الغلط فيه كثيرا .

( 8 و9 و10) ـــــــ شعبة وزائدة بن قدامة وابن المبارك وشعيب بن إسحاق :
أشار إلى هاته المتابعات البيهقي في سننه (2/ 254) ولم أقف على أسانيدهم .

11) يحي بن أيوب : أشار إليه الدارقطني في علله (14/160 رقم: 3501) ولم أقف على إسناد هاته المتابعة إلا ما أشار إليه هنا .
ذكر الأقوال في الترجيح بين الوصل والإرسال :

أولا : من رجح إرساله : وهم المتقدمون من أهل الحديث كل من الدارقطني والترمذي وابن خزيمة وأبي داود ومال إليه ذاك البيهقي .

1) الدارقطني : فقد قال في العلل (14/160 رقم: 3501) وقد سئل عن هذا الحديث.
قال: يرويه هشام بن عروة ، واختلف عنه :
فرواه الفضل بن موسى، وابن المبارك، من رواية جبارة عنه، ومحمد بن بشر، وعمر بن علي المقدمي ، وابن جريج ، وعمر بن قيس، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة.
وخالفهم سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة ، وأبو إسماعيل المؤدب ، وعبدة بن سليمان، ويحيى بن أيوب، فرووه عن هشام، عن أبيه مرسلا. والمرسل أصح ) اهـــ .

2) الترمذي : فقد قال في علله الكبير (1/306) مرجحا رواية الإرسال : هشام بن عروة , عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أصح من حديث الفضل بن موسى ) .

3) ابن خزيمة : فقد قال في صحيحه : أنا خائف أن يكون ذكر عائشة في هذا الخبر وهم فإن حفاظ أصحاب ابن هشام قالوا : عن عروة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً.

3) أبو داود : فقد قال في سننه مشيرا إلى إعلال رواية الوصل : رواه حماد بن سلمة وأبو أسامة عن هشام عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ،لم يذكرا عائشة رضي الله عنها.

4) البيهقي : قال في سننه بعد ذكره لرواية بن جريج الموصولة ( وكذَلِكَ رَوَاهُ الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّينَانِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ هِشَامٍ مُرْسَلًا دُونَ ذِكْرِ عَائِشَةَ فِيهِ، وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ هِشَامٍ مُرْسَلًا قَالَ : " إِذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلْيُمْسِكْ عَلَى أَنْفِهِ ثُمَّ لِيَخْرُجْ ) .

وقال أيضا بإثر حديث الفضل بن موسى عن هشام : تابعه على وصله حجاج بن محمد عن ابن جريج عن هشام، وعمر بن علي المقدمي عن هشام، وجبارة بن المغلس عن عبد الله بن المبارك عن هشام ورواه الثوري وشعبة وزائدة وابن المبارك وشعيب بن إسحاق وعبيدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، مرسلاً، قال أبو عيسى الترمذي: وهذا أصح من حديث الفضل بن موسى ) .

(ثانيا) : من رجح وصله :


وهو اختيار المتأخرين ابتداء من الحاكم وبن حبان والعسقلاني والبوصيري والألباني وغيرهم .

1) الحاكم : قال في مستدركه بعد روايته لرواية بن جريج الموصولة : تَابَعَهُ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ « وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ »

2) ابن حبان : قال في صحيحه بعد تصحيح رواية الوصل : ( من زعم أن هذا الخبر ما رفعه عن هشام بن عروة إلا المقدمي فهو مدحوض القول ) اهــــ

3) العسقلاني : أشار في النكت الظراف بهامش تحفة الأشراف (12/174) إلى أن الحديث صحيح ورد على الترمذي تعليله إياه .
4) البوصيري : قال في تحفة المهرة : ( هكذا رواه مسدد مرسلاً ، ورواه ابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والدارقطني وابن الجارود والحاكم كلهم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا، وهو الصواب ) اهــ .

5) الألباني : قال في صحيح أبي داود (4/278) : « فهؤلاء جماعة خمسة ، كلهم ثقات غير عمر بن قيس قد وصلوه، فلا يضره إرسال حماد بن سلمة، وأبي أسامة وغيرهما ممن أرسله، ممن جاء ذكره عند البيهقي، قال: ورواه الثوري، وشعبة، وزائدة، وابن المبارك، وشعيب بن إسحاق، وعبيدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ... مرسلاً ، قال أبو عيسى الترمذي: وهذا أصح من حديث الفضل بن موسى (قلت) [ أي الألباني]: قد توبع الفضل من جماعة ثقات كما سبق، والرفع زيادة من ثقات؛ فيجب قبولها؛ لأنه يبعد أن يتفقوا جميعا على الوصل خطأ ) اهــــ

الترجيح بين الأقوال والروايات :

الأصح هي رواية الإرسال وأن الحديث فيه ضعف من هذا الوجه لعدة قرائن وأسباب كثيرة أذكر منها :

السبب الأول : أن من وصله أكثر عددا فقد بلغ عددهم إحدى عشر راو .
السبب الثاني : أن من وصله هم أعلم أصحاب هشام بن عروة كشعبة والثوري وأبو أسامة وسفيان بن عيينة وزائدة وغيرهم .
منهم الثوري : فقد نقل بن رجب في شرح علل الترمذي (2/681) قال الدارقطني : أثبت الرواة عن هشام بن عروة الثوري ، ومالك ويحيى القطان، وابن نمير والليث بن سعد.

(قلت) فهذا الثوري الذي قدمه الدارقطني في حديث هشام على مالك مع من أرسل .
ومنهم أبو أسامة وهو حماد بن أسامة : ففي سؤالات بن الجنيد (74) سئل يحيى بن معين وأنا أسمع : حماد بن سلمة أروى عن هشام بن عروة أو أبو أسامة ؟ فقال: « أبو أسامة »

وقال أحمد كما في شرح العلل لابن رجب (2/681) : وقال أيضاً: ما رأيت أحداً أكثر رواية عن هشام بن عروة من أبي أسامة ، ولا أحسن رواية منه، ثم ذكر حديث "تركة الزبير فقال: ما أحسن ما جاء بذلك الحديث وأتمه ؟ قال: وحديث الإفك حسنه وجوده وجوده )

(قلت) وهذا الثاني أبو أسامة الذي كان يجود أحاديث هشام قد أرسل الحديث .

ومنهم عبدة بن سليمان فقد وجدت البخاري وأبي حاتم كثيرا ما يرجحون روايته عن هشام على بعض الرواة فهو من أوثق الرواة في هشام بن عروة .

ــــ ولهذا لم يكن يحي بن معين يفضل بين أبي أسامة وعبدة لتساويهما في الحفظ والإتقان قَال عثمان بْن سَعِيد الدارمي في تاريخه الترجمة (242) : سألت يحيى بْن مَعِين قلت : أَبُو أسامة أحب إليك أو عبدة بن سُلَيْمان ؟ فقال: ما منهما إلا ثقة ) اهـــ

السبب الثالث : كثيرا ما يرجح أهل الحديث رواية الإرسال في حديث هشام كما يفعله البخاري في العلل الكبير للترمذي وأحمد والدارقطني وغيرهم ، فليس عندهم أن رواية الوصل تقدم دائما في روايات هشام بن عروة .

السبب الرابع : أغلب من روى الوصل في حفظهم شيء أو في روايتهم عن هشام كلام وإليك البيان :

1) ابن جريج : قال الترمذي في العلل الصغير : حَدثنَا أَبُو بكر عَن عَليّ بن عبد الله عَن يحيى بن سعيد قَالَ جَاءَ بن جريج إِلَى هِشَام بن عُرْوَة بِكِتَاب فَقَالَ هَذَا حَدِيثك أرويه عَنْك فَقَالَ نعم قَالَ يحيى فَقلت فِي نَفسِي لَا أَدْرِي أَيهمَا أعجب أمرا ) اهـــ

2) الفضل بن موسى : هو ثقة لكنه يغرب وأحيانا يأتي بمناكير قَال الذهبي في (الميزان) : ما علمت فيه لينا إلا ما روى عَبد اللَّهِ بن علي بن المديني، سمعت أبي وسئل عَن أبي تميلة والسيناني فقدم أبا تميلة، وَقَال: روى الفضل أحاديث مناكير (3 / الترجمة 6754) وَقَال عَبد الله بن علي بن المديني: سَأَلتُ أبي عن حديث الفضل بن موسى، عن معمر عن ابن طاووس عَن أبيه عن ابن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شهر سيفه فدمه هدر؟ فقال: منكر ضعيف (8 / 287)

3) عمر بن قيس : وهو في السند هنا عُمَر بن قيس المكي ، أبو حفص وهو منكر الحديث قال عنه أحمد بْن حنبل: متروك الحديث، ليس يسوى حديثه شيئا، لم يكن حديثه بصحيح، أحاديثه بواطيل . الجرح والتعديل: (6 / الترجمة 703) ولهذا لما روى ابن ماجة رواية عمر بن قيس علق عليها البوصيري فقال في مصباح الزجاجة (1/145): إسناده ضعيف لاتفاقهم على ضعف عمر بن قيس ) اهـــ

السبب الخامس : أن رواية أهل المدينة عن هشام أصح من رواية العراقيين كما قال أحمد بل في رواية العراقيين عنه شيء ، ففي شرح العلل (2/680) : قال ابن خراش في تاريخه : هشام بن عروة كان مالك لا يرضاه ، وكان هشام صدوقاً ، تدخل أخباره في الصحاح، بلغني أن مالكاً نقم عليه حديثه لأهل العراق، قدم الكوفة ثلاث قدمات، قدمة كان يقول: حدثني أبي، قال: سمعت عائشة، وقدم الثانية، فكان يقول: حدثني أبي، عن عائشة، (وقدم الثالثة فكان يقول : أبي، عن عائشة ، يعني لا يذكر السماع )
قال ابن رجب معلقا : وهذا مما يؤيد ما ذكره الإمام أحمد أن حديث أهل المدينة عنه كمالك وغيره ، أصح من حديث أهل العراق عنه ) اهـــ
ثم ذكر بن رجب عن زهير بن أبي خيثمة قال: ورأيت في كتاب علي بن المديني، قال: قال يحيى بن سعيد: رأيت مالك بن أنس في النوم فسألته عن هشام بن عروة، فقال: أما ما حدث به وهو عندنا فهو، أي كأنه صححه، وما حدث به بعدما خرج من عندنا فكأنه يوهنه ).

(قلت) وممن روى الوصل أغلبهم من العراق ونحوه ، مثل محمد بن بشر الكوفي الفضل بن موسى مروزي وعمي بن علي المقدمي البصري وهذه على خفية جدا .

السبب الخامس : وهو الأوثق عندي ولولاه لما قمت وقعدت إلا وهو أنه مذهب المتقدمين كأبي داود والترمذي والدارقطني ، وأنا لا أعدل بمذهب المتقدمين شيئا ، وكل ما رجحوه هو الصواب عندي وهذا ديني واعتقادي .


((شرح الحديث وبيان توجيهه الصحيح ))

قد روى البخاري في الأدب المفرد والبيهقي في الشعب والطبراني في الكبير عن عمران بن حصين موقوفاً : ( أن في المعاريض لمندوحة عن الكذب )

قال ذاك الخطابي في المعالم (ج1: ص248): قال إِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِأَنْفِهِ لِيُوهِمَ الْقَوْمَ أَنَّ بِهِ رُعَافًا، وَفِي هَذَا بَابٌ مِنَ الأَخْذِ بِالأَدَبِ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَإِخْفَاءِ الْقَبِيحِ مِنَ الأَمْرِ وَالتَّوْرِيَةِ بِمَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ، وَلَيْسَ يَدْخُلُ هَذَا فِي بَابِ الرِّيَاءِ وَالْكَذِبِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ التَّجَمُّلِ، وَاسْتِعْمَالِ الْحَيَاءِ، وَطَلَبِ السَّلامَةِ مِنَ النَّاسِ ) اهـــ.

(قلت) ومثله ما رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ، فَتَنَفَّسَ رَجُلٌ، يَعْنِي الْحَدَثَ، وَلَكِنَّهُ كنى، فَقَالَ عُمَرُ: عَزَمْتُ عَلَى صَاحِبِ هَذِهِ إِلا قَامَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى، قَالَ جَرِيرٌ: فَقُلْتُ: اعْزِمْ عَلَيْنَا جَمِيعًا، فَقَالَ: أَعْزِمُ عَلَيَّ وَعَلَيْكُمْ، لما قُمْنَا فَتَوَضَّأْنَا ثُمَّ صَلَّيْنَا ) اهـــ

الاثنين، 11 سبتمبر 2017

الدفاع عن آثار كعب الأحبار والرد على المتأخرين

الدفاع عن آثار كعب الأحبار والرد على المتأخرين :

هاجم المتأخرون آثار كعب الأحبار هجوما عشوائيا دون أي ضوابط ، فقط لأنه أزعجهم بآثار في الصفات والتفسير لا تتماشى مع قواعدهم وزبالات أفكارهم ، فكانوا كلما وقفوا على ما لا تهواه أنفسهم قالوا هذه من أخبار بني إسرائيل المكذوبة وردوا كلامه !! بل صاروا كلما وجدوا أثرا عن بن عباس أو عبد الله بن عمرو بن العاص لا يوافق أهوائهم ، قالوا يمكن أخذوه عن كعب الأحبار !! وتخلصوا منه بهذا الطريقة !! 
مع أن السلف احترموا علم هذا الحبر العالم الكبير وأنزلوه في منزلته اللائقة به ونقلوا عن الآثار في التوحيد والصفات والقدر دون أي إشكال ، ومن شدة تقدير علمه سموه كعب الأحبار جمع حبر وكأنه مجموعة من أحبار في رجل واحد ، وإليك التفاصيل :
ولتعرف اهتمام السلف بالرواية والأخذ عن هذا الحبر إليك إليك من روى عنه ممن عاصره واعتنى به وبمروياته وعلمه :

من روى عنه واهتم بعلمه من الصحابة والتابعين :

جاء من ترجمته من تهذيب الكمال : رَوَى عَنه : الأخنس بْن خليفة الضبي ، وأسلم مولى عُمَربن الخطاب ، وابْن امرأته تبيع الحميري ، وجرير بْن جَابِر الخثعمي ، وخالد بْن مَعْدَان ، وروح بْن زنباع ، وأبو المخارق زهير ابن سالم السلولي ، وسَعِيد بْن المُسَيَّب ، وشريح بْن عُبَيد ولم يدركه ، وعبد الله بْن رباح الأَنْصارِيّ ، وعبد الله بْن الزبير بْن العوام، وعبد الله بْن ضَمْرَة السلولي ، وعَبْد اللَّهِ بْن عباس ، وعبد الله بن عُمَربن الخطاب، وعبد الله بْن غيلان، وعبد الرحمن بْن مغيث ، وعطاء بْن أَبي رباح ، ومالك ابن أَبي عَامِر الأصبحي ، ومُحَمَّد بْن عَبد اللَّهِ بْن صيفي، ومطرف بْن عَبد الله بْن الشخير ، ومعاوية بْن أَبي سُفْيَان ، ومغيث بْن سمي، وممطور أَبُو سلام الأَسْوَد، وهمام شيخ لعبد الغفور الواسطي، ويزيد بْن خمير اليزني، ويزيد بْن قوذر، وأَبُو إِبْرَاهِيم الردماني، وأَبُو رافع الصَّائِغ ، وأَبُو سَعِيد الحبراني، وأَبُو مروان الأَسلميّ والد عَطَاء بْن أَبي مروان، وأَبُو هُرَيْرة ، وابْن مواهن ) اهـــ

من روى عنه من أهل الحديث ووثقوا به : 

روى عن الإمام مالك في موطئه في شتى المواضيع وهو الذي تشدد في الرجال وقبول الحديث وروى أصحاب الكتب التسعة كلها ولا أعلم أحدا تجنب حديث من أهل الحديث ، وقيل أن الوحيد من تجنب الرواية عن ابن قتيبة ولا يصح ذلك بل قد روى عنه في غريب الحديث ثم إن ابن قتيبة لم يؤلف في جمع السنة حتى يقال هذا الكلام أصلا !! .

ثناء كبار السلف على علمه :

قَال أَبُو الدَّرْدَاء : إن عند ابن الحميرية لعلما كثيرا .
وقال مُعَاوِيَة: ألا إن أَبَا الدَّرْدَاء أحد الحكماء ألا إن عَمْرو بْن العاص أحد الحكماء ألا إن كَعْب الأحبار أحد العلماء إن كَانَ عنده لعلم كالثمار وإن كنا فيه لمفرطين .
وقال معاوية أيضا : إن كَانَ من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عَنِ الكتاب وإن كنا مع ذلك لنبلو عَلَيْهِ الكذب [أي يخطأ أحيانا كما فسرها أهل الحديث] .

مصادر علمه موارده :

درس كعب الأحبار كل الكتب السابقة ونخلها تنخيلا ، وقارن بين النسخ وعلل وانتقد وفكر وقدر حتى كشف حقها من باطلها ثم أسلم في زمن عمر وقيل أنه أسلم على يدي أبي بكر ، ولازم عمر وتعلم منه ومن كبار الصحابة ودرس الإسلام عليهم ثم قارن ما معه من علم الأولين فنقحه مرة أخرى فصار ما معه من علم باهر وأصبح يعرف ما يروي وما يمسك عنه ، فسمي بالأحبار ، بل قد روي عنه أنه وقف على نسخ للتوراة لم يقع فيها التحريف لهذا تجد مروياته إذا روى عن الكتب توافق ما في الإسلام حتى يتعجب منه الصحابة ويدل عليه هاته الرواية العجيبة :

روى ابن عساكر في تاريخه (58/345) وذكره ذاك الذهبي في تاريخ الإسلام (2/739) ونسبه لأَحْمَدُ بْنُ أبي خيثمة في تاريخه : قَالَ هَمَّامٌ : وحدَّثني بِسْطَامُ بنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بنُ قُرَّةَ , أَنَّهُم تَذَاكَرُوا ذَلِكَ الكِتَابَ ، فمَرَّ بِهِم شَهْرُ بنُ حَوْشَبٍ ، فَقَالَ : عَلَى الخَبِيْرِ سَقَطْتُم ، إِنَّ كَعْباً لَمَّا احتُضِرَ قَالَ: ألَا رَجُلٌ أَأْتَمِنُهُ عَلَى أَمَانَةٍ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ : أَنَا فَدَفَعَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الكِتَابَ، وَقَالَ : ارْكَبِ البُحَيْرَةَ ، فَإِذَا بَلَغْتَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا، فَاقْذِفْهُ. فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِ كَعْبٍ ، فَقَالَ: كِتَابٌ فِيْهِ عِلْمٌ ، وَيَمُوْتُ كَعْبٌ لاَ أفرِّط بِهِ. فَأَتَى كَعْباً، وَقَالَ: فَعَلْتُ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ. قَالَ: فَمَا رَأَيْتَ ؟ قَالَ : لَمْ أَرَ شَيْئاً , فَعَلِمَ كَذِبَهُ ، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُ وَيَطْلُبُ إِلَيْهِ حَتَّى ردَّه عَلَيْهِ، فَقَالَ : ألَا مَنْ يُؤَدِّي أَمَانَةً؟ قَالَ رَجُلٌ : أَنَا فَرَكِبَ سَفِيْنَةً ، فلمَّا أَتَى ذَلِكَ المَكَانَ ذَهَبَ لِيَقْذِفَهُ، فَانْفَرَجَ لَهُ البَحْرُ ، حَتَّى رَأَى الأَرْضَ ، فَقَذَفَهُ وَأَتَاهُ فَأَخْبَرَهُ , فَقَالَ كَعْبٌ: إِنَّهَا التَّوْرَاةُ كما أنزلها الله على موسى، مَا غُيِّرَتْ وَلاَ بدَّلت ، وَلَكِنْ خَشِيْتُ أَنْ يتَّكل عَلَى مَا فِيْهَا، وَلَكِن قُوْلُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، ولقِّنوها مَوْتَاكُم .

(قلت) ولعلها هي النسخة التي ورثها من عند والده والتي كان والده يخزنها عنه ويظهر باقي النسخ لأنها وكأنها لم تتعرض للتحريف أو أنها أقرب النسخ للحق مما بقي في الكتب :

أخرج ابن سعد (7/309) بسند حسن عن سعيد بن المسيّب قال: قال العباس لكعب : ما منعك أن تسلم في عهد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلم وأبي بكر ؟ قال : إنّ أبي كان كتب لي كتابا من التوراة ، فقال : اعمل بهذا ، وختم على سائر كتبه ، وأخذ عليّ بحقّ الوالد ألّا أفض الختم عنها ، فلما رأيت ظهور الإسلام قلت : لعلّ أبي غيب عني علما ، ففتحتها فإذا صفة محمد وأمته ، فجئت الآن مسلما ) .

علق عليها الذهبي في السير (4/474) فقال : ( وَهَذَا القَوْلُ مِنْ كَعْبٍ دالٌّ عَلَى أَنَّ تِيْكَ النُّسْخَةَ مَا غُيِّرَتْ وَلاَ بُدِّلَتْ ، وأنَّ مَا عَدَاهَا بِخِلاَفِ ذَلِكَ ، فَمَنِ الَّذِي يَسْتَحِلُّ أَنْ يُورِدَ اليَوْمَ مِنَ التَّوْرَاةِ شَيْئاً عَلَى وَجْهِ الاحْتِجَاجِ مُعْتَقِداً أَنَّهَا التَّوْرَاةُ المنزَّلة ؟ كلَّا وَاللهِ ) .

وقد قال ابن تيمية بخصوص هذا في كتاب الجواب الصحيح : فَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ أَنَّهُ وَقَعَ تَبْدِيلٌ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَانَ فِي الْكُتُبِ مَا يُبَيِّنُ لَكَ الْغَلَطَ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَدَّعُونَ أَنَّ كُلَّ نُسْخَةٍ فِي الْعَالَمِ مِنْ زَمَنِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكُلِّ لِسَانٍ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ بُدِّلَتْ أَلْفَاظُهَا ، فَإِنَّ هَذَا لَا أَعْرِفُ أَحَدًا مِنَ السَّلَفِ قَالَهُ ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ قَدْ يَقُولُ ذَلِكَ ، كَمَا فِي بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ يُجَوِّزُ الِاسْتِنْجَاءَ بِكُلِّ مَا فِي الْعَالَمِ مِنْ نُسَخِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَلَيْسَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ وَنَحْوُهَا مِنْ أَقْوَالِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا رَأَى بِيَدِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ نُسْخَةً مِنَ التَّوْرَاةِ قَالَ: يَا كَعْبُ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ التَّوْرَاةُ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ فَاقْرَأْهَا فَعَلَّقَ الْأَمْرَ عَلَى مَا يَمْتَنِعُ الْعِلْمُ بِهِ وَلَمْ يَجْزِمْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَنَّ أَلْفَاظَ تِلْكَ مُبَدَّلَةً لَمَّا لَمْ يَتَأَمَّلْ كُلَّ مَا فِيهَا ) اهـــ .

(قلت) فتهجم المتأخرون على كعب والحال هذه ، يعتبر من الإعتداء الباطل الذي سيوقفون عليه يوم القيامة !!

قال ذاك الذهبي في تاريخ الإسلام عن روايته عن الكتب : ( كان في الغالب يعرف حقَّها من باطلها لسعةِ عِلْمه وكثرة اطّلاعه ) .

وقال في السير (4/472): ( وَكَانَ خَبِيْراً بِكُتُبِ اليَهُوْدِ، لَهُ ذَوْقٌ فِي مَعْرِفَةِ صَحِيحِهَا مِنْ بَاطِلِهَا فِي الجُمْلَةِ ) اهــــ.

(قلت) ولهذا سمحوا له بالتحديث والقصص ولم يخافوا من مروياته أبدا لأنه فقيه بما يحدث :

روى الشاشي في مسنده (83) والطبراني في المعجم الكبير (140) وتاريخ دمشق (50/170) أنه كان كعب يقصّ فبلغه حديث النبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلم ، لا يقصّ إلا أمير أو مأمور أو محتال، فترك القصص حتى أمره معاوية فصار يقصّ بعد ذلك . (قلت) ثبت أن معاوية كان يمنع القصاص من التحديث ولكنه استأمن كعبا في ذلك لثقه وعلمه ولم يخف منه كما فعل المتأخرون !!

من أسباب ثقة السلف به أيضا :  

أنه كان لا يخبر بشيء إلا وقع غالبا ، كما روى ابن سعد في الطبقات (549) والحاكم في المستدرك (3/ 549) والفاكهي في أخبار مكة (751) والطبراني في الكبير (18/ 56، 66، 78) والطبراني في الصغير (1/ 216) بسند جيد عن عبد اللَّه بن الزّبير لما أتي برأس المختار: ما وقع في سلطاني شيء إلا أخبرني به كعب إلا أنه ذكر لي أنه يقتلني رجل من ثقيف وهذه رأسه بين يدي ، وما دري أنّ الحجاج خبئ له . [ أنظر الإصابة (5/483) ]

شبهة وجوابها :

يحتج بعض الجهال والأغبياء برواية عن معاوية أنه كان يحدّث رهطا من قريش بالمدينة ، وذكر كعبا فقال: إن كان لمن أصدق من هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب.

الجواب : كما قال ذاك ابن حبان الأشعري والقاضي عياض وابن الجوزي والذهبي وغيرهم : أن الكذب معناه الخبر خالف الواقع أي أنه بشيء أحيانا أنه سيقع هكذا فلا يقع ، فالخطأ من الكتب وليس منه مع أن الغالب على أخباره أنها تقع كما قال ابن الزبير عنه ، فإن معاوية نفسه هو من قال في كعب أنه من العلماء الذين فرطت فيهم ، فهل يعقل أن يندم على تفريط في علم رجل يعتقد أنه يكذب ومعاوية داهية العرب ومن أجلهم وأوسعهم عقلا !!
وقد قربه عمر بن الخطاب وسمع منه وأكثر من سؤاله وعمر هو من قال : لست بالخب ولا الخب يخدعني .

أما نهي عمر له عن التحديث : 

فإن عمر كان ينهى الناس جميعا مطلقا عن كثرة التحديث حتى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس هذا خاص بكعب فقط بل نهى حتى كبار الصحابة عن التحديث فهل يشك أحد في عدالة وثقة الصحابة لأن عمر نهاهم ؟؟ فنهي كعب والحال هذه سيكون في حقه أولى وأولى ، ثم إن عمر هو أكثر من جالسه وذاكره وأخذ بعلمه ورأيه .

اهتمام الصحابة بعلم كعب الأحبار : 

 كبار علماء الصحابة كانوا يسألون كعب الأحبار ويستشيرونه ويأخذون منه الحكم والتجارب والعلم وروى عنه الكثير من الصحابة أخبارا كثيرا ولم ينتقدوا عليه شيء حتى جاء الرعاع من المتأخرين فظنوا أنهم أفطن من الصحابة فأخذوا ينتقدون أشياء أمرها الصحابة !! نماذج من تلقي كبار الصحابة لمرويات كعب الأحبار :

الأنموذج 1 : روى مالك في الموطأ (1284) ﻋﻦ ﻋﻄﺎء ﺑﻦ ﻳﺴﺎﺭ ﺃﻥ ﻛﻌﺐ اﻷﺣﺒﺎﺭ ﺃﻗﺒﻞ ﻣﻦ اﻟﺸاﻡ ﻓﻲ ﺭﻛﺐ ﻣﺤﺮﻣﻴﻦ ، ﺣﺘﻰ ﺇﺫا ﻛﺎﻧﻮا ﺑﺒﻌﺾ اﻟﻄﺮﻳﻖ، ﻭﺟﺪﻭا ﻟﺤﻢ ﺻﻴﺪ. ﻓﺄﻓﺘﺎﻫﻢ ﻛﻌﺐ ﺑﺄﻛﻠﻪ ﻗﺎﻝ ﻓﻠﻤﺎ ﻗﺪﻣﻮا ﻋﻠﻰ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ اﻟﺨﻄﺎﺏ ﺫﻛﺮﻭا ﺫﻟﻚ ﻟﻪ ﻓﻘﺎﻝ: ﻣﻦ ﺃﻓﺘﺎﻛﻢ ﺑﻬﺬا ؟ ﻗﺎﻟﻮا : ﻛﻌﺐ. ﻗﺎﻝ : ﻓﺈﻧﻲ ﻗﺪ ﺃﻣﺮﺗﻪ ﻋﻠﻴﻜﻢ ﺣﺘﻰ ﺗﺮﺟﻌﻮا. ﺛﻢ ﻟﻤﺎ ﻛﺎﻧﻮا ﺑﺒﻌﺾ ﻃﺮﻳﻖ ﻣﻜﺔ، ﻣﺮﺕ ﺑﻬﻢ ﺭﺟﻞ ﻣﻦ ﺟﺮاﺩ. ﻓﺄﻓﺘﺎﻫﻢ ﻛﻌﺐ ﺃﻥ ﻳﺄﺧﺬﻭﻩ، ﻭﻳﺄﻛﻠﻮﻩ. ﻗﺎﻝ: ﻓﻠﻤﺎ ﻗﺪﻣﻮا ﻋﻠﻰ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ اﻟﺨﻄﺎﺏ ﺫﻛﺮﻭا ﺫﻟﻚ ﻟﻪ. ﻓﻘﺎﻝ: ﻣﺎ ﺣﻤﻠﻚ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺗﻔﺘﻴﻬﻢ ﺑﻬﺬا ؟ ﻗﺎﻝ: ﻫﻮ ﻣﻦ ﺻﻴﺪ اﻟﺒﺤﺮ ﻗﺎﻝ: ﻭﻣﺎ ﻳﺪﺭﻳﻚ ؟ ﻗﺎﻝ: ﻳﺎ ﺃﻣﻴﺮ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ. ﻭاﻟﺬﻱ ﻧﻔﺴﻲ ﺑﻴﺪﻩ. ﺇﻥ ﻫﻲ ﺇﻻ ﻧﺜﺮﺓ ﺣﻮﺕ ، ﻳﻨﺘﺮﻩ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻋﺎﻡ ﻣﺮﺗﻴﻦ . (قلت) فسكت عمر عنه ولم يعلق بشيء ، ولو كان في مكانه المتأخرون لرموه بالعظائم .

الأنموذج 2 : روى أحمد في فضائل الصحابة (1953) عن ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﺃﻧﻬﻢ ﺣﺠﻮا ﺃﻭ اﻋﺘﻤﺮﻭا ﻣﻊ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ اﻟﺨﻄﺎﺏ ﻭﻣﻌﻪ ﻛﻌﺐ اﻷﺣﺒﺎﺭ ﻓﺄﺻﺎﺑﻬﻢ ﻓﻲ ﺳﻔﺮ ﻣﻄﺮ ﻭﺭﻋﺪ ﻭﺑﺮﺩ ، ﻓﺘﻔﺮﻕ اﻟﻨﺎﺱ، ﻓﻘﺎﻝ اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﻓﻜﻨﺖ ﻣﻊ ﻛﻌﺐ ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻲ ﻛﻌﺐ : ﺇﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﻣﻦ ﺃﺣﺪ ﻳﻘﻮﻝ : ﺳﺒﺤﺎﻥ ﻣﻦ ﺳﺒﺢ اﻟﺮﻋﺪ ﺑﺤﻤﺪﻩ ، ﻭاﻟﻤﻼﺋﻜﺔ ﻣﻦ ﺧﺸﻴﺘﻪ ، ﺛﻼﺙ ﻣﺮاﺭ ﺣﻴﻦ ﻳﺮﻯ ﺳﺤﺎﺑﺎ ﻳﺘﺨﻮﻑ ﻣﻨﻪ ﺇﻻ ﻭﻗﺎﻩ اﻟﻠﻪ ﺷﺮ ﺫﻟﻚ اﻟﺴﺤﺎﺏ ﻓﻘﻠﻨﺎ ﺫﻟﻚ ﻓﻌﻮﻓﻴﻨﺎ ﻟﻴﻠﺘﻨﺎ ، ﺛﻢ ﺃﺻﺒﺢ اﻟﻨﺎﺱ ﻭﻗﺪ ﺃﺻﺎﺑﻬﻢ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ، ﻭﺃﺻﺎﺏ ﻳﻮﻣﺌﺬ ﻋﻤﺮ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻔﻪ ﺃﺻﺎﺑﺘﻪ ﺑﺮﺩﺓ ، ﻓﻠﻤﺎ ﺭﺁﻧﺎ ﻗﺎﻝ : ﺃﻳﻦ ﻛﻨﺘﻤﺎ ؟ ﻓﻮاﻟﻠﻪ ﻣﺎ ﺃﺭاﻛﻤﺎ ﺇﻻ ﻗﺪ ﺳﻠﻤﺘﻤﺎ، ﻟﻘﺪ ﻛﻨﺘﻤﺎ ﻓﻲ ﻛﻦ ، ﻓﻘﺎﻝ: اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﻓﺄﺧﺒﺮﺗﻪ ﻗﻮﻝ ﻛﻌﺐ ﻓﻘﺎﻝ ﻋﻤﺮ ﻓﻬﻼ ﺃﺧﺒﺮﺗﻤﺎﻧﻲ ﺑﺬﻟﻚ ".
(قلت) تأمل كيف كانوا يأخذون عنه أمور غيبيات ويعملون بها ، لعلمهم أنه لا يخبر عن شيء إلا وقع كما أخبر ابن الزبير ، وأن علمه منخول منقى ، لترى الفرق الشاسع بين تعمل المتأخرين مع كعب الأحبار وبين تعامل السلف معه .

الأنموذج 3 : وروى معمر في جامعه (20461) ومالك في موطئه (3577) عن طاووس ﺃﻥ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ اﻟﺨﻄﺎﺏ ﺃﺭاﺩ اﻟﺨﺮﻭﺝ ﺇﻟﻰ اﻟﻌﺮاﻕ ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﻛﻌﺐ اﻷﺣﺒﺎﺭ: ﻻ ﺗﺨﺮﺝ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻳﺎ ﺃﻣﻴﺮ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ. ﻓﺈﻥ ﺑﻬﺎ ﺗﺴﻌﺔ ﺃﻋﺸﺎﺭ اﻟﺴﺤﺮ. ﻭﺑﻬﺎ ﻓﺴﻘﺔ اﻟﺠﻦ. ﻭﺑﻬﺎ اﻟﺪاء اﻟﻌﻀﺎﻝ . (قلت) فلم يخرج عمر للعراق وأخذ بخبر كعب فأين المتأخرون من هذه النماذج الطيبة عن السلف ؟؟ وأين الإسرائيليات ؟

الأنموذج 4 : ﺃﺧﺮج ﻋﺒﺪ اﻟﺮﺯاﻕ ﻓﻲﺗﻔﺴﻴﺮﻩ (1/53) ﻭﻋﻨﻪ اﺑﻦ ﺟﺮﻳﺮ (1684) ﻭ (1685) ﻋﻦ ﺳﻔﻴﺎﻥ اﻟﺜﻮﺭﻱ ، ﻋﻦ ﻣﻮﺳﻰ ﺑﻦ ﻋﻘﺒﺔ ، ﻋﻦ ﺳﺎﻟﻢ ، ﻋﻦ اﺑﻦ ﻋﻤﺮ ﻋﻦ ﻛﻌﺐ اﻷﺣﺒﺎﺭ ﻗﺎﻝ : ﺫﻛﺮﺕ اﻟﻤﻼﺋﻜﺔ ﺃﻋﻤﺎﻝ ﺑﻨﻲ ..}وذكر قصة تفسير { ﺃﺗﺠﻌﻞ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﻳﻔﺴﺪ ﻓﻴﻬﺎ ﻭﻳﺴﻔﻚ اﻟﺪﻣﺎء ﻭﻧﺤﻦ ﻧﺴﺒﺢ ﺑﺤﻤﺪﻙ ﻭﻧﻘﺪﺱ ﻟﻚ ﻗﺎﻝ ﺇﻧﻲ ﺃﻋﻠﻢ ﻣﺎ ﻻ ﺗﻌﻠﻤﻮﻥ} . (قلت) كان ابن عمر يحدث عنه كثيرا وهذا أحد مروياته عنه ، فأين الإسرائيليات وابن عمر تعرفون شدته ؟؟؟

استغراب :

روى الطبري (20485) ﺣﺪﺛﻨﻲ اﻟﻤﺜﻨﻰ ﻗﺎﻝ: ﺣﺪﺛﻨﺎ اﻟﺤﺠﺎﺝ ﻗﺎﻝ: ﺣﺪﺛﻨﺎ ﺣﻤﺎﺩ، ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﺣﻤﺰﺓ، ﻋﻦ ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ، ﺃﻥ ﻛﻌﺒﺎ ﻗﺎﻝ ﻟﻌﻤﺮ ﺭﺣﻤﺔ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ : ﻳﺎ ﺃﻣﻴﺮ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ، ﻟﻮﻻ ﺁﻳﺔ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺏ اﻟﻠﻪ ﻷﻧﺒﺄﺗﻚ ﻣﺎ ﻫﻮ ﻛﺎﺋﻦ ﺇﻟﻰ ﻳﻮﻡ اﻟﻘﻴﺎﻣﺔ ﻗﺎﻝ: ﻭﻣﺎ ﻫﻲ ؟ ﻗﺎﻝ : ﻗﻮﻝ اﻟﻠﻪ : ( ﻳﻤﺤﻮ اﻟﻠﻪ ﻣﺎ ﻳﺸﺎء ﻭﻳﺜﺒﺖ ﻭﻋﻨﺪﻩ ﺃﻡ اﻟﻜﺘﺎﺏ ) .                                      

علق أحمد شاكر فقال : ﻭﻫﺬا ﺇﺳﻨﺎﺩ ﻭاﻩ ﺟﺪا ، ﻭاﻟﻌﺠﺐ ﻣﻦ اﻟﺴﻴﺪ ﺭﺷﻴﺪ ﺭﺿﺎ ﻓﻲ ﺗﻌﻠﻴﻘﻪ ﻋﻠﻰ ﺗﻔﺴﻴﺮ اﺑﻦ ﻛﺜﻴﺮ (4: 537) ﺣﻴﺚ ﻳﻘﻮﻝ : ﻣﻦ اﻟﻐﺮﻳﺐ ﺃﻥ ﺗﺒﻠﻎ اﻟﺠﺮﺃﺓ ﺑﻜﻌﺐ ﺇﻟﻰ ﻫﺬا اﻟﺤﺪ اﻟﺒﺎﻃﻞ ﺷﺮﻋﺎ ﻭﻋﻘﻼ ﺛﻢ ﻳﻌﺘﺪﻭﻥ ﺑﺪﻳﻨﻪ ﻭﻋﻠﻤﻪ !! ﻭﻳﺮﺩﻭﻥ ﻋﻨﻪ ، ﻭاﻟﻐﺮﻳﺐ ﻫﻮ ﺗﺤﺎﻣﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﻛﻌﺐ اﻷﺣﺒﺎﺭ ﻗﺒﻞ اﻟﺘﺜﺒﺖ ﻣﻦ ﺇﺳﻨﺎﺩ اﻟﺨﺒﺮ، ﻭﻣﺎ ﺫﻧﺐ ﻛﻌﺐ ﺇﺫا اﺑﺘﻼﻩ ﺑﺬﻟﻚ ﻣﺜﻞ" ﺃﺑﻲ ﺣﻤﺰﺓ اﻷﻋﻮﺭ " ؟ ﻭﻟﻜﻦ ﻫﻜﺬا ﺩﻳﺪﻥ اﻟﺸﻴﺦ ، ﺇﺫا ﺟﺎء ﺫﻛﺮ ﻛﻌﺐ اﻷﺣﺒﺎﺭ، ﻳﺘﻬﻤﻪ ﺑﻼ ﺑﻴﻨﺔ ) اهــــ . 
(قلت) لماذا كل هذه الحملة الشرسة المقيتة على كعب رحمه الله !!

ونختم بما في بيان تلبيس الجهمية (3/268) ذكر بن تيمية أثرا لكعب الأحبار مهما وعلق عليه : قال عثمان بن سعيد في رده على الجهمية ثنا عبد الله ابن صالح المصري حدثني الليث وهو ابن سعد حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال أن زيد بن أسلم حدثه عن عطاء بن يسار قال أتى رجل كعبًا وهو في نفر فقال يا أبا إسحاق حدثني عن الجبار فأعظم القوم قوله فقال كعب دعوا الرجل فإن كان جاهلاً تعلم وإن كان عالمًا ازداد علمًا ثم قال كعب أخبرك أن الله خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن ثم جعل ما بين كل سماءين كما بين السماء الدنيا والأرض وكثفهن مثل ذلك وجعل بين كل أرضين كما بين السماء الدنيا والأرض وكثفهن مثل ذلك ثم رفع العرش فاستوى عليه فما في السموات سماء إلا لها أطيط كأطيط الرّحل العُلا في أول ما يرتحل من ثُقل الجبار فوقهن وهذا الأثر وإن كان في رواية كعب فيحتمل أن يكون من علوم أهل الكتاب ويحتمل أن يكون مما تلقاه عن الصحابة ورواية أهل الكتاب التي ليس عندنا شاهد هو لا دافعها لا يصدقها ولا يكذبها فهؤلاء الأئمة المذكورة في إسناده هم من أجل الأئمة وقد حدثوا به هم وغيرهم ولم ينكروا ما فيه من قوله من ثقل الجبار فوقهن فلو كان هذا القول منكرًا في دين الإسلام عندهم لم يحدثوا به على هذا الوجه ) اهــ

قصة سليمان عليه السلام وقوله تعالى ( وألقينا على كرسيه جسدا )

                          الجسد والكرسي .

القصة رُويت عن علي وبه قال ابن عباس رضي اللله عنهما  وتبعهم في ذلك أغلب التابعين كما سيأتي ولم ينكرها إلا المعتزلة كالزمخشري والرازي وتبعهم المفسرون من الأشعرية الجهمية مثل أبي حيان والقرطبي والقاضي عياض والخازن وابن الجوزي وممن تأثر بكلامهم كابن كثير والآلوسي والشنقيطي في تفسيره والألباني في ضعيفته وغيرهم .

المرويات في الباب :

رُوي حديث ضعيف ولا يصح تفسيرا للآية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وُلِدَ لِسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ وَلَدٌ فَقَالَ لِلشَّيَاطِينِ : أَيْنَ نُوَارِيهِ مِنَ الْمَوْتِ ؟ فَقَالُوا : نَذْهَبُ بِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ فَقَالَ : يَصِلُ إِلَيْهِ الْمَوْتُ ، قَالُوا : فَإِلَى الْمَغْرِبِ ، قَالَ : يَصِلُ إِلَيْهِ الْمَوْتُ ، قَالُوا : إِلَى الْبِحَارِ، قَالَ: يَصِلُ إِلَيْهِ، قَالُوا: نَضَعُهُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَنَزَلَ عَلَيْهِ مَلَكُ الْمَوْتِ فَقَالَ: يَا ابْنَ دَاوُدَ، إِنِّي أُمِرْتُ بِقَبْضِ نَسَمَةٍ طَلَبْتُهَا بِالْمُشْرِقِ فَلَمْ أُصِبْهَا، فَطَلَبْتُهَا فِي الْمَغْرِبِ فَلَمْ أُصِبْهَا، فَطَلَبْتُهَا فِي الْبِحَارِ وَطَلَبْتُهَا فِي تُخُومِ الْأَرْضِ فَلَمْ أُصِبْهَا، فَبَيْنَا أَنَا أَصْعَدُ إِذْ أَصَبْتُهَا فَقَبَضْتُهَا وَجَاءَ جَسَدُهُ حَتَّى وَقَعَ عَلَى كُرْسِيِّهِ ، فَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ} »                          

[ سنده منكر جدا ، فيه ثلاث من الضعفاء ، رواه العقيلي في الضعفاء (4/424) والطبراني في الأوسط (5960) وابن الجوزي في الموضوعات (3/217) وذكره في الدر (7/181) وزاد نسبته لابن مردويه ، قال العقيلي : لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ . وقال ابن الجوزي : هَذَا حَدِيث مَوْضُوع . واستنكره ذاك الذهبي في تلخيص الموضوعات (1/337) وقال الهيثمي : وَفِيهِ يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ صَاحِبُ الْبَصْرِيِّ وَهُوَ مَتْرُوكٌ وَابْنُهُ كَثِيرٌ ضَعِيفٌ أَيْضًا .         (قلت) ونسي الثالث وهو مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ يَحْيَى بْن معِين : مَا زَالَ النَّاس يتقون حَدِيث مُحَمَّد بن عَمْرو. 
(قلت) وقد روى ابن سعد في الطبقات (8/164) خبرا عن المقبري مقطوعا نحوه حديث أبي هريرة ولا يصح لأنه من رواية الواقدي المتهم ]

إنما العمدة على آثار الصحابة والتابعين :

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ : أَرَادَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلاءَ فَأَعْطَى الْجَرَادَةَ خَاتَمَهُ وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ، وَكَانَتْ أَحَبَّ نِسَائِهِ إِلَيْهِ فَجَاءَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ سُلَيْمَانَ فَقَالَ لَهَا : هَاتِي خَاتَمِي فَأَعْطَتْهُ فَلَمَّا لَبِسَهُ دَانَتْ لَهُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَالشَّيَاطِينُ ، فَلَمَّا خَرَجَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْخَلَاءِ قال لها: هَاتِي خَاتَمِي فَقَالَتْ: قَدْ أَعْطَيْتُهُ سُلَيْمَانَ قَالَ : أَنَا سُلَيْمَانُ قَالَتْ : كَذَبْتَ لَسْتَ سُلَيْمَانَ فَجَعَلَ لَا يَأْتِي أَحَدًا يَقُولُ : أَنَا سُلَيْمَانُ إِلا كَذَّبَهُ حَتَّى جَعَلَ الصِّبْيَانُ يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَامَ الشَّيْطَانُ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ وَيَغْلِبُهُمْ فَأَكَفَرَ النَّاسُ سُلَيْمَانَ فَلَمْ يَزَالُوا يكفرونه وبعث ذلك الشيطان بالخاتم فَدَعَا سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَالَ: تَحْمِلُ لِي هذه السمك؟ ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمَّا انْتَهَى الرَّجُلُ إِلَى بَابِ دَارِهِ، أَعْطَاهُ تِلْكَ السَّمَكَةَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا الْخَاتَمُ فَأَخَذَهَا سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَشَقَّ بَطْنَهَا فَإِذَا الْخَاتَمُ فِي جَوْفِهَا فَأَخَذَهُ فَلَبِسَهُ فَلَمَّا لَبِسَهُ دَانَتْ لَهُ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ، وَعَادَ إِلَى حَالِهِ، وَهَرَبَ الشَّيْطَانُ حَتَّى لحق بجزيرة مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ، فَأَرْسَلَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي طَلَبِهِ، وَكَانَ شَيْطَانًا مَرِيدًا يَطْلُبُونَهُ وَلا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ حَتَّى وَجَدَوهُ يَوْمًا نَائِمًا فَجَاءُوا فَنَقَبُوا عَلَيْهِ بُنْيَانًا مِنْ رُصَاصٍ فَاسْتَيْقَظَ فَوَثَبَ فَجَعَلَ لَا يَثْبُتُ فِي مَكَانٍ مِنَ الْبَيْتِ إِلا أَنْ دَارَ مَعَهُ الرُّصَاصُ فَأَخَذُوهُ وَأَوْثَقُوهُ وَجَاءُوا بِهِ إِلَى سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأَمَرَ بِهِ فَنُقِرَ لَهُ فِي رُخَامٍ ثُمَّ أُدْخِلَ فِي جَوْفِهِ ثُمَّ سَدَّ بِالنُّحَاسِ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَطُرِحَ فِي الْبَحْرِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا يَعْنِي: الشَّيْطَانَ الَّذِي كَانَ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ ..

[ أثر سنده صحيح وهو أصح ما في الباب : رواه النسائي في السنن الكبرى (10926) وابن أبي حاتم في تفسيره (18355) والحاكم في مستدركه (3623) وابن أبي الدنيا في العقوبات (192) ووكيع في أخبار القضاة (1/29) والسرقسطي في الدلائل في غريب الحديث (138) والضياء المقدسي في المنتقى (301) وذكره في تحفة الأشراف (5631) والدر المنثور (7/179) وصححه الحاكم وقال ذاك الذهبي : هو على شرط البخاري ومسلم وقال ابن أبي حاتم : سَنَده قَوَيٍ ، وروى ابن عساكر في تاريخه (22/243) والطبري في تفسيره (21/161) من طريق آخر عن جويبر عن الضحاك عن أبن عباس مختصرا ]

عَنْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : بَيْنَمَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ جَالِسًا عَلَى شَاطِئِ البحر، وهو يبعث بِخَاتَمِهِ إِذْ سَقَطَ مِنْهُ فِي الْبَحْرِ، وَكَانَ مُلْكُهُ فِي خَاتَمِهِ ، فَانْطَلَقَ وَخَلَّفَ شَيْطَانًا فِي أَهْلِهِ فَأَتَى عَجُوزًا فَأَوَى إِلَيْهَا فَقَالَتْ لَهُ الْعَجُوزُ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تَنْطَلِقَ فَتَطْلُبَ وَأَكْفِيكَ عَمَلَ الْبَيْتِ وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَكْفِينِي عَمَلَ الْبَيْتِ وَأَنْطَلِقُ فَالْتَمِسُ قَالَ: فَانْطَلَقَ يَلْتَمِسُ فَأَتَى قَوْمًا يَصِيدُونَ السَّمَكَ فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ فَنَبَذُوا سَمَكَاتٍ فَانْطَلَقَ بِهِنَّ حَتَّى أَتَى الْعَجُوزَ فَأَخَذَتْ تُصْلِحُهُ فَشَقَتْ بَطْنَ سَمَكَةٍ فَإِذَا فِيهَا الْخَاتَمُ فَأَخَذْتُهُ وَقَالَتْ لِسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، مَا هَذَا ؟ فَأَخَذَهُ سليمان عليه السلام فلبسه فأقبلت إِلَيْهِ الشَّيَاطِينُ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالطَّيْرُ وَالْوَحْشُ، وَهَرَبَ الشَّيْطَانُ الَّذِي خَلَّفَ فِي أَهْلِهِ فَأَتَى جَزِيرَةً فِي الْبَحْرِ فَبَعَثَ إِلَيْهِ الشَّيَاطِينَ فَقَالُوا: لَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ إِنَّهُ يَرِدُ عَيْنًا فِي جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ فِي سَبْعَةِ أَيَّامٍ وَلا نَقْدِرُ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْكَرَ ، قَالَ : فَصَبَّ لَهُ فِي تِلْكَ الْعَيْنِ خَمْرًا فَأَقْبَلَ فَشَرِبَ فَسَكِرَ، فَأَرَوْهُ الْخَاتَمَ فَقَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً فَأَوْثَقَهُ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إِلَى الْجَبَلِ فَذَكَرُوا أَنَّهُ جَبْلُ الدُّخَانِ فَالدُّخَانُ الَّذِي يَرَوْنَ مِنْ نَفَسِهِ وَالْمَاءُ يَخْرُجُ مِنَ الْجَبَلِ بَوْلُهُ . 
 [ سنده ضعيف جدا : رواه ابن أبي حاتم (18356) وابن أبي الدنيا في العقوبات (197) وابن الأعرابي في معجمه (106) ومن طريق ابن عساكر في تاريخه (22/259) وذكره في كنز العمال (4574) والدر (7/182) وزادا نسبته لعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر (قلت) في سنده أبو خالد القرشي متروك ، وله سند آخر عند ابن أبي الدنيا لكن ضعيف ومنقطع لا يفرح به ولهذا ذكر ذاك الذهبي هذا الأثر في الميزان (2/622) من مناكيره ]

ما روي عن التابعين في الباب

 يطول سرد حكايات التابعين ومروياتهم في الباب ولكن نشير إلى من رواها والمصدر : 
مجاهد بن جبر : كما في تفسير مجاهد (1/554) وتفسير الطبري (21/197) والفريابي كما في تغليق التعليق (4/32) وذكره في الدر (7/181) وزاد في نسبته عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر . 

سعيد بن المسيب : كما في تفسير مجاهد (1/554) والبغوي في تفسيره (4 / 64) وابن عساكر في تاريخه (22/248) وذكره في الدر (7/183) وزاد نسبته لعبد بن حميد والحكيم التِّرْمِذِيّ . 

 وقتادة بن دعامة : عند عبد الرزاق في مصنفه (9753) وتفسير الطبري (21/198) وذكره في الدر (7/180) وزاد نسبته ولعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر .

 ووهب بن منبه : عند الخرائطي في اعتلال القلوب (224) والطبري في تاريخه (1/496) وابن عساكر في تاريخه (22/245) .

والْحَسَنِ البصري : عند ابن أبي حاتم في تفسيره (18357) والطبري في تفسيره (21/197) وابن أبي الدنيا في العقوبات (194) 

 وعكرمة : عند ابن أبي الدنيا في العقوبات (195) 

 والسدي : الطبري في تفسيره (21 /198) وتاريخه (1/499) وابن أبي الدنيا في العقوبات (196) 

 والضحاك : كما عند الطبري (21/199) وسعيد بن عبد العزيز عند ابن أبي الدنيا في العقوبات (201) 

 ومقاتل بن سليمان في تفسيره (3/645) 

 ومن المفسرين المتقدمين
 الطبري في تفسيره وابن أبي حاتم وعبد الرزاق في تفسيره ، وقد سبق ذكر المصادر عنهم ، والزجاج في معاني القرآن (4/332) وابن أبي زمنين في تفسيره (4/90) ومكي بن أبي طالب في تفسيره الهداية (10/6245) والسمعاني في تفسيره (4/441) والبغوي (7/90) وغيرهم .

شبهة وجوابها : 

قد يقال إن ابن عباس أخذ هذا الخبر من كعب الأحبار كما روى عَبْدُ الرَّزَّاقِ في تفسيره (2596) بسند صحيح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَرْبَعُ آيَاتٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَمْ أَدْرِ مَا هُنَّ حَتَّى سَأَلْتُ عَنْهُنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ: قَوْمُ تُبَّعٍ فِي الْقُرْآنِ وَلَمْ يُذْكَرْ تُبَّعٌ قَالَ : إِنَّ تُبَّعًا كَانَ مَلِكًا وَكَانَ قَوْمُهُ كُهَّانًا , وَكَانَ فِي قَوْمِهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَكَانَ الْكُهَّانُ يَبْغُونَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ , وَيَقْتُلُونَ تَابِعَتَهُمْ , فَقَالَ أَصْحَابُ الْكِتَابِ لِتُبَّعٍ : إِنَّهُمْ يَكْذِبُونَ عَلَيْنَا قَالَ : فَإِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَقَرِّبُوا قُرْبَانًا فَأَيُّكُمْ كَانَ أَفْضَلَ أَكَلَتِ النَّارُ قُرْبَانَهُ قَالَ : فَقَرَّبَ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْكُهَّانُ , فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ: فَتَبِعَهُمْ تُبَّعٌ فَأَسْلَمَ , فَلِهَذَا ذَكَرَ اللَّهُ قَوْمَهُ فِي الْقُرْآنِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ , وَسَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ} قَالَ : شَيْطَانٌ أَخَذَ خَاتَمَ سُلَيْمَانَ الَّذِي فِيهِ مُلْكُهُ فَقَذَفَ بِهِ فِي الْبَحْرِ فَوَقَعَ فِي بَطْنِ سَمَكَةٍ , فَانْطَلَقَ سُلَيْمَانُ يَطُوفُ إِذْ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ بِتِلْكَ السَّمَكَةِ , فَاشْتَرَاهَا فَأَكَلَهَا , فَإِذَا فِيهَا خَاتَمُهُ فَرَجَعَ إِلَيْهِ مُلْكُهُ » فالجواب : لو وجد ابن عباس ما يستنكره من هذه الرواية لم يحدث بها ، ولم يروها ، بل يرد على كعب ما استنكره منها ، ولكن كيف يرد عليه وهو كان يرى عمر الفاروق يسأل كعبا ويأخذ منه ولا يرد كلامه وقد ذكر مالك في موطئه الكثير من سؤالات عمر لكعب الأحبار والأخذ بأخباره دون استنكار منه ، وهو الملهم الشديد في ذات الله ، فكيف يأخذ منه السلف بلا نكير وتنكرون أنتم أيها المتخلفون !! ومن جهة أخرى أن السلف تتابعوا على رواية قصة سليمان دون استنكار لها فهل أنتم أعلم وأورع منهم ، أم أنكم تتعالمون ؟ .

الأربعاء، 7 يونيو 2017

الإحياء لآثار سماع الأموات

                    الإحياء لآثار سماع الموتى من الأحياء

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :

فهذه مسالة سماع الموتى الشهيرة ، والتي أنكرها أكثر أهل العصر وجهلها العوام اليوم كثيرا ، وعلى إنكارها تدور أغلب الفتوة اليوم ، وهي بين من أثبتها بغلو فوقع في الشرك ، كما هو حال الصوفية من عباد الأوثان والقبور ، وبين من نفاها بإطلاق لجهله لما عليه السلف وما ورد فيه من أحاديث وآثار ، وبين مخلط بين هذا وذاك .
وكنت قبل أسابيع نشرت بعض الآثار الواردة في المسألة من باب الإختصار ، لكن تفاجئت بردود فعل من بعض الإخوة أنها لا تكفي لمعارضة الآية في قوله تعالى ( وما أنت بمسمع من في القبور ) !! فقلت سبحان الله !! أليست هاته الآية نزل على السلف الذين أثبتوا السماع ؟ فهل نحن أفهم منهم بهذه الآية ، وهل هم وحاشاهم ردوا الآيات وعارضوا القرآن ؟؟                                      بل هم أعلم من ذلك وأورع وأزكى رضوان الله عليهم ، وكما قال مطرف : ( نحن نطلب من هم أعلم منا بالقرآن ) .                     فقلت في نفسي لابد من الإستطراد قليلا ، نزولا عند رغبة بعض إخواننا ، وسنشبع الموضوع بالآثار والأحاديث لكي نسلم من المعارض ، فأضفت الكثير من الأحاديث والآثار وبعض كلام السلف وأهل العلم منهم ، وختمتها برد الطبري على من استدل بتلك الآيات ونحوها من الحجج الضعيفة ، فهاكه جزءا حديثيا لطيفا مع زوائده وفوائده ، أرجوا أن يكون مقنعا لأهل الحديث والأثر ، وخالصا لوجهه الكريم ، واعلم أنه ليس لي فيه ناقة ولا جمل ، إنما هو مجرد جمع لكلام السلف وآثارهم التي قد تخفى علينا ، لغربة الأحاديث والآثار في هذا الزمن ، وقلة من يحييها ويعتني بأسانيدها والله المستعان .                                         وفيه : قضية سماع الموتى لكلام الأحياء وعرض أعمال الأحياء عليهم ، ومعرفتهم بزيارة الزائر وسماع سلامه واستشعارهم بما حولهم ، وغير ذلك من عالم القبور ، وهو خبر مشهور عند السلف في مواضع كثيرة منها :

فصل : الأصل في هذا الباب :
الأصل في هذا قوله تعالى عن أنبياءه حين كلموا الموتى من الكفار بعد إهلاكم ، وخاطبوهم خطاب من يسمع للموعظة في عدة آيات من ذلك :
قال تعالى في الأعراف أن شعيبا عليه السلام قال لقومه وهم موتى : فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (93)
وقال صالح عليه السلام لقومه وهم موتى : فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ [ الأعراف (79) ]
وهذا الشيء نفسه قد اقتدى فيه النبي صلى الله عليه وسلم بمن قبله من الأنبياء فقال لقومه المشركين يوم قليب بدر لما قتلوا جاثمين نحو كلام الأنبياء قبله ، كما سيأتي نصه .                                                   
روى ابن أبي حاتم في تفسيره (8690) عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ : فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ قَالَ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَالِحًا أَسْمَعَ قَوْمَهُ كَمَا وَاللَّهِ أَسْمَعَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ ) .
وروى الطبري في تهذيبه برقم (739) عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنِ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ : أَظُنُّهُ الْمُطَّلِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَادًا لَمَّا أَهْلَكَهَا اللَّهُ بِمَا أَهْلَكَهَا قَامَ فِيهِمْ نَبِيُّهُمْ فَقَالَ : عَادٌ « هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا ، هَلْ زُلْزِلَتْ أَقْدَامُكُمْ ؟ وَرَجَفَتْ قُلُوبُكُمْ ؟ وَشُقَّتِ الْأَحْقَافُ عَلَيْكُمْ ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَقَالَتِي »
قال السمعاني في تفسيره (2/195) والبغوي في تفسيره (2/209) : قَوْله - تَعَالَى -: {فَتَوَلّى عَنْهُم وَقَالَ يَا قوم لقد أبلغتكم رِسَالَة رَبِّي وَنَصَحْت لكم وَلَكِن لَا تحبون الناصحين} فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ خاطبهم وَقد هَلَكُوا ؟ قيل: هُوَ كَمَا خَاطب الرَّسُول الْكفَّار الْقَتْلَى يَوْم بدر حِين ألقاهم فِي القليب؛ جَاءَ إِلَى رَأس الْبِئْر، وَقَالَ: " يَا عتبَة، يَا شيبَة، وَيَا أَبَا جهل، قد وجدت مَا وَعَدَني رَبِّي حَقًا؛ فَهَل وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا ؟ فَقَالَ عمر: يَا رَسُول الله ، كَيفَ تخاطب قوما قد جيفوا ؟ فَقَالَ: مَا أَنْتُم بأسمع مِنْهُم وَلَكنهُمْ لَا يقدرُونَ على الْإِجَابَة " وَقيل: إِنَّمَا خاطبهم بِهِ ، ليَكُون عِبْرَة لمن خَلفهم ، وَقيل: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير ، وتقديرها : فَتَوَلّى عَنْهُم، فَأَخَذتهم الرجفة ، فَأَصْبحُوا فِي دَارهم جاثمين ، وَذَلِكَ أَن الله - تَعَالَى - مَا كَانَ ليعذب قوما ونبيهم بَينهم ) اهـــ

أما الأصول الحديثية :                                                                         
وقد هذا السماع على أصول من السنة ، هي مجموعة من الأحاديث منها :                                                              1) حديث أنس المشهور في سماع قرع النعال .                      
2) وحديث قليب بدر الذين كلمهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو نص في الباب .                
3) حديث إلقاء السلام على الموتى وزيارتهم .                         
4) حديث تبشير موتى المشركين بالنار عند قبورهم .                                                 
وغير ذلك من الآثار كما سيأتي ، وقد وردت آثار عن الصحابة والتابعين سأختار منها ما يشنف أسماع المخالفين وتقر به أعين أهل الأثر فأقول :
فصل : ما جاء في رؤية وسماع الميت كلام أهل الجنازة وحاله قبل الدفن:                                          
من ذلك ما خرجه ابن أبي الدنيا في كتاب المنامات (7) : من طريقِ سالم بنِ أبي الجعدِ قال: قال حذيفةُ : الروحُ بيدِ ملَكٍ وإن الجسدَ ليغسَّلَ، وإنَّ الملَكَ ليمشِي معه إلى القبرِ، فإذا سُوي عليه سلَكَ فيه، فذلكَ حين يخاطبُ )                                                       
وروى ابن أبي شيبة (34952) وابن أبي الدنيا في المنامات (7) عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى قال: الروحُ بيد ملَكٍ يمشي مع الجنازةِ، يقولُ: اسمعْ ما يقالُ لك، فإذا بلغ حفرتَهُ دفنَ معه . 
وروى ابن أبي الدنيا (8) عن أبي نجيحِ قال: ما مِنْ ميِّت يموتُ إلا روحُهُ في يد مَلَكٍ ينظرُ إلى جسدِهِ ، كيف يغسلُ ويكفَّنُ وكيف يُمشَى به إلى قبر، ثم تُعاد إليه روحُه، فيجلسُ في قبره ) . 
وروى ابن أبي الدنيا (9) عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : « إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ فَمَلَكٌ قَابِضٌ نَفْسَهُ , فَمَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ يَرَاهُ عِنْدَ غُسْلِهِ وَعِنْدَ حَمْلِهِ , حَتَّى يَصِيرَ إِلَى قَبْرِهِ »                                            
وروى فيه (10) عن ُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَالَ: سَمِعْتُ بَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيَّ، يَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّهُ « مَا مِنْ مَيِّتٍ إِلَّا وَرُوحُهُ بِيَدِ مَلَكِ الْمَوْتِ , فَهُمْ يُغَسِّلُونَهُ وَيُكَفِّنُونَهُ , وَهُوَ يَرَى مَا يَصْنَعُ أَهْلُهُ , فَلَوْ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ لَنَهَاهُمْ عَنِ الرَّنَّةِ ، وَالْعَوِيلِ »                            
وروى (11) عن يَحْيَى الْحِمَّانِيَّ قَالَ: دَخَلَ حَمَّادُ بْنُ مُغِيثٍ عَلَى ابْنِ السَّمَّاكِ يَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ فَقَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ: إِنَّهُ لَيَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ يَعْنِي الْمَيِّتَ حَتَّى إِنَّهُ لَيُنَاشِدُ غَاسِلَهُ بِاللَّهِ أَلَا خَفَّفْتَ غَسْلِي»                                                                               وروى (12) عن ابْنُ السَّمَّاكِ قَالَ : " غَسَّلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ أَبِي ، فَلَمَّا غَسَّلَهُ قَالَ : « أَمَا إِنَّهُ الْآنَ يَرَى مَا نَصْنَعُ بِهِ »                                                                     
وبوب الطبري في كتابه تهذيب الآثار (2/505) : الْقَوْلُ فِي مَعَانِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ فِي مَعَانِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ يَكْثُرُ عَدَدُهَا بِتَصْحِيحِهَا ، وَتَصْحِيحِ الْقَوْلِ بِظَاهِرِهَا وَعُمُومِهَا ، وَقَالُوا: الْمَيِّتُ بَعْدَ مَوْتِهِ يَسْمَعُ كَلَامَ الْأَحْيَاءِ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْقَلِيبِ بَعْدَمَا أُلْقُوا فِيهِ مَا قَالَ قَالُوا : وَفِي قَوْلِهِ لِأَصْحَابِهِ ، إِذْ قَالُوا : أَتُكَلِّمُ أَقْوَامًا قَدْ مَاتُوا وَصَارُوا أَجْسَادًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا ؟ فَقَالَ : « مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ» أَوْضَحُ الْبَيَانِ عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ ، مِنْ أَنَّ الْمَوْتَى يَسْمَعُونَ كَلَامَ الْأَحْيَاءِ ، وَاعْتَلُّوا فِي ذَلِكَ بِأَخْبَارٍ رُوِيَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ثم بدأ بذكر بعض الآثار في الباب : 
ثم بوب أيضا في (2/510) : ذِكْرُ مَنْ قَالَ بِتَصْحِيحِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنَ السَّلَفِ وَقَالُوا : إِنَّ الْمَوْتَى يَسْمَعُونَ كَلَامَ الْأَحْيَاءِ ، وَيَتَكَلَّمُونَ وَيَعْلَمُونَ ) اهـــ                                      
وقال الطبري بعد ذكر الأحاديث والأثار في الباب : هَذِهِ أَخْبَارٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِحَاحٌ .                                                                            
(قلت) والآثار في هذا المعنى كثيرة مبثوثة في كتب الأثر والأجزاء الحديثية وسيأتي أغلبها هنا .                                    ( فائدة ) : وقد روى ابن أبي الدنيا منامات آثارا كثيرة عن السلف ماتوا ثم رؤوا بعد ذلك وأنهم حكوا سماعهم لكلام الأحياء من أقاربهم وأصحابهم ، وتواطأت الرؤى على ذلك ولا يخفى ما في الرؤى إذا تواترت وتواطأت من آيات كما في حديث ( أرى رؤاكم قد تواطأت ) .                 
قال ابن القيم في كتاب الروح (ص 11) : وَهَذِه المرائى وَإِن لم تصح بمجردها لإثبات مثل ذَلِك فهى على كثرتها وَأَنَّهَا لَا يحصيها إِلَّا الله قد تواطأت على هَذَا الْمَعْنى وَقد قَالَ النَّبِي أرى رُؤْيا رؤياكم قد تواطأت على أَنَّهَا فِي الْعشْر الْأَوَاخِر يَعْنِي لَيْلَة الْقدر فَإِذا تواطأت رُؤْيا الْمُؤمنِينَ على شَيْء كَانَ كتواطؤ روايتهم لَهُ وكتواطؤ رَأْيهمْ على استحسانه واستقباحه وَمَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن وَمَا رَأَوْهُ قبيحا فَهُوَ عِنْد الله قَبِيح على أَنا لم نثبت هَذَا بِمُجَرَّد الرُّؤْيَا بل بِمَا ذَكرْنَاهُ من الْحجَج وَغَيرهَا ) اهـــ     (قلت) وستأتي الحجج والآثار التي نعتمد عليها .

فصل : في معرفة أهل المقابر بالزائر وبالأيام :

ــــ وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي  كِتَابِ الْقُبُورِ والبيهقي في الشعب (8857) من طريق عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِذَا مَرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرٍ يَعْرِفُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ وَعَرَفَهُ ، وَإِذَا مَرَّ بِقَبْرٍ لَا يَعْرِفُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ.
ـــــ وَرَوَى البيهقي في الشعب (8868) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْمَوْتَى يَعْلَمُونَ بِزُوَّارِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمًا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ.                                                   
وَعَنِ الضحاك قَالَ : مَنْ زَارَ قَبْرًا يَوْمَ السَّبْتِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلِمَ الْمَيِّتُ بِزِيَارَتِهِ قِيلَ لَهُ : وَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : لِمَكَانِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ.
ـــ وروى البيهقي (8863) عن سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ قَالَ بَلَغَنِي عَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّهُ قَالَ : " مِنْ زَارَ قَبْرًا يَوْمَ السَّبْتِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلِمَ الْمَيِّتُ بِزِيَارَتِهِ قِيلَ لَهُ : وَكَيْفَ ذَاكَ ؟ قَالَ : لِمَكَانِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ "
فصل : في ما روي في أن أعمال الأحياء تعرض على أمواتهم من أقاربهم :              
   
وهذا باب واسع مليئ بالآثار ، وفيه ما يدل على أنهم يعلمون بزيارتهم في مقابرهم , ومن أوضح الآثار في الباب نختار منها :                                                                                 ما رواه ابن أبي الدنيا في المنامات (21) عن سعيد بن المسيب قال :الْتَقَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَّامٍ  وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ , فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: " إِنْ مُتَّ قَبْلِي فَالْقَنِي فَأَخْبِرْنِي مَا لَقِيتَ مِنْ رَبِّكَ , وَإِنْ مِتُّ قَبْلَكَ لَقِيتُكَ فَأَخْبَرْتُكَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: وَهَلْ يَلْقَى الْأَمْوَاتُ الْأَحْيَاءَ ؟ قَالَ: نَعَمْ , أَرْوَاحُهُمْ فِي الْجَنَّةِ تَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَتْ , قَالَ: فَمَاتَ فُلَانٌ فَلَقِيَهُ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ: تَوَكَّلْ وَأَبْشِرْ , فَلَمْ أَرَ مِثْلَ التَّوَكُّلِ قَطُّ . "                                                       
ــــ وروى البيهقي في الشعب (8874) عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ : إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يَتَوَكَّفُونَ الْأَخْبَارَ إِذَا أَتَاهُمُ الْمَيِّتُ سَأَلُوهُ مَا فَعَلَ فُلَانٌ ؟ فَيَقُولُ : صَالِحٌ ، فَيَقُولُ : مَا فَعَلَ فُلَانٌ ؟ فَيَقُولُ : أَلَمْ يَأْتِكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : لَا ، فَيَقُولُونَ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ سَلَكَ بِهِ غَيْرَ طَرِيقِنَا "
روى ابن المبارك في الزهد (447) والأصبهاني في الحجة (2/333) عَن عثْمَان بن عبد الله بن أَوْس أَن سعيد بن جبَير قَالَ لَهُ إستأذن علي ابنة أخي وَهِي زَوْجَة عُثْمَان وَهِي إبنة عمْرو بن أَوْس فاسْتَأْذن لَه علَيْهَا فَدخل فَقَالَ كَيفَ يفعل بك زَوجك قالت إِنّه إِلي لمحسن مَا اسْتطاع فَقَالَ يَا عُثْمَان أحسن إِلَيْها فَإنَّك لَا تصنع بهَا شَيْئا إِلَّا جَاءَ عَمْرو بن أَوْس فَقلت هَل تَأتي الْأَمْوَات أَخْبَار الْأَحْيَاء قَالَ نعم ما من أحد لَه حميم إِلَّا وتأتيه أَخْبَار أَقَاربه فَإِن كَانَ خيرا سر بِهِ وَفَرح وهنىء بِهِ ، وَإِن كَانَ شرا إبتأس بِه وحزن حَتَّى إِنَّهُم يسألونه عَن الرجل قد مَاتَ فَيُقَال أَو لم يأتكم ؟ فَيَقُولُونَ لَا خُولِفَ بِهِ إِلَى أمه الهاوية .                                       
وروى الطبري في تهذيب الآثار (2/510) عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَال: " إِنَّ أَعْمَالَكُم تُعْرَض عَلَى أَقْرِبَائِكُمْ مِنْ مَوْتَاكُمْ ، فَإِنْ رَأوا خَيْرا فَرِحوا بِهِ، وَإِن رَأَوْا شَرًّا كَرِهُوهُ ، وَإِنَّهم يَسْتَخْبِرُون الْمَيِّت إِذَا أَتَاهُمْ ، مَنْ مَاتَ بَعْدَهُمْ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ يَسْأَل عَنِ امْرَأَتِهِ أَتَزَوَّجَتْ أَمْ لَا ؟ وَحَتَّى إِنَّ الرَّجل يَسْأَل عَنِ الرَّجُلِ، فَإِذَا قِيلَ: قَدْ مَاتَ قَالَ : هَيْهَات ذَهَبَ ذَاكَ ، فَإِنْ لَمْ يُحِسُّوهُ عِنْدَهُمْ قَالوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، ذهِب بِه إِلَى أُمِّه الْهَاوِيَة ، فَبِئْسَ الْمُرَبِّية ."

وَأخرج ابْنِ أبي شيبَة فِي المُصَنّف (35658) عَن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة قَالَ غزا أَبُو أَيُّوب الْقُسْطَنْطِينِيَّة فَمر بقاص وَهُوَ يَقُول إِذا عمل العَبْد الْعَمَل فِي صدر النَّهَار عرض على معارفه إِذا أَمْسَى من أهل الْآخِرَة وَإِذا عمل الْعَمَل فِي آخر النَّهَار عرض على معارفه إِذا أصبح من أهل الْآخِرَة فَقَالَ أَبُو أَيُّوب أنظر مَا تَقول قَالَ وَالله إِنَّه لَكمَا أَقُول فَقَالَ أَبُو أَيُّوب اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك أَن تفضحني عِنْد عبَادَة بن الصَّامِت وَسعد بن عبَادَة بِمَا عملت بعدهمْ فَقَالَ الْقَاص وَالله لَا يكْتب الله ولَايَته لعبد إِلَّا ستر عوراته وَأثْنى عَلَيْهِ بِأَحْسَن عمله .                             
روى ابن المبارك في الزهد (2/42) وأبو داود في الزهد (211) عن صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ يَقُولُ: « إِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَى مَوْتَاكُمْ ، فَيُسَرُّونَ وَيُسَاءُونَ» قَالَ: يَقُولُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَعْمَلَ عَمَلًا يُخْزَى بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ) (قلت) وبوب له ابن المبارك رحمه الله في كتابه ( باب في عرض عمل الأحياء على الأموات ) .                                                                     
وروى ابن أبي الدنيا في كتابه المنامات (3) : عَن إبراهيم عَن أَبى أَيُّوب قَالَ : تعرض أَعمال الْأَحْيَاء على الْمَوْتَى فَإِذا رَأَوْا حسنا فرحوا وَاسْتَبْشَرُوا وَإِن رَأَوْا سوءا قَالُوا اللَّهُمَّ رَاجع بِهِ )    وَروى ابن أبي الدنيا (16) عن مجاهد قَالَ: إِنَّهُ لَيُبَشَّرُ بِصَلَاحِ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ لِتَقَرَّ بِذَلِكَ عَيْنُهُ قال ابن القيم في الروح (ص10) : وَهَذَا بَاب فِي آثَار كَثِيرَة عَن الصَّحَابَة وَكَانَ بعض الْأَنْصَار من أقَارِب عبد الله بن رَوَاحَة يَقُول اللَّهُمَّ إنى أعوذ بك من عمل أخزى بِهِ عِنْد عبد الله بن رَوَاحَة كَانَ يَقُول ذَلِك بعد أَن اسْتشْهد عبد الله .

فصل : وورد أن الميت يشعر ويسمع بالحي أمامه وقد يرى ، وقد يتأذى منه :

وروى ابن أبي الدنيا في القبور كما في الروح لابن القيم (ص 7) عَن يزِيد بن أَبى حبيب أن سليم بن عُمَيْر مر على مَقْبرَة وَهُوَ حاقن قد غَلبه الْبَوْل فَقَالَ لَهُ بعض أَصْحَابه : لَو نزلت إِلَى هَذِه الْمَقَابِر فبلت فِي بعض حفرهَا !! ، فَبكى ثمَّ قَالَ سُبْحَانَ الله وَالله إنى لأَسْتَحي من الْأَمْوَات كَمَا استحي من الْأَحْيَاء وَلَوْلَا أَن الْمَيِّت يشْعر بذلك لما استحيا مِنْهُ )                           
وروى الطبري في تهذيبه برقم (742) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَيْهِ السَّلَامَ قَالَ « الْمَيِّتُ يَسْمَعُ نِعَالَكُمْ إِذَا وَلَّيْتُمْ عَنْهُ »                                                                                    
روى أحمد (38) بسند صحيح عَنْ عُمرو بْنِ حَزْمٍ قَالَ : رَآنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مُتَّكِئٌ عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ : انْزِلْ مِنَ الْقَبْرِ لَا تُؤْذِي صَاحِبَ الْقَبْرِ ، وَلَا يُؤْذِيكَ ) "                
وفي لفظ : قال له : ( انزل لا تؤذ صاحب هذا القبر )                                                                                   
وروى مسلم (121) عن عبد الله بن شماسة المهري أن عمرو بن العاص لما حضر الموت قال في وصيته: إذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنا ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي .
وروى ابن المبارك في الزهد (2/42) عن مَنْصُورَ بْنَ أَبِي مَنْصُورٍ حَدَّثَهُ قَالَ : سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو فَقُلْتُ : أَخْبِرْنِي عَنْ أَرْوَاحِ الْمُسْلِمِينَ ، أَيْنَ هِيَ حِينَ يَمُوتُونَ ؟ قَالَ : « مَا تَقُولُونَ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ ؟ » قُلْتُ : لَا أَدْرِي قَالَ : فَإِنَّهَا فِي صُوَرِ طَيْرٍ بِيضٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ ، وَأَرْوَاحُ الْكَافِرِينَ فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ ، فَإِذَا مَاتَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ وَمُرَّ بِهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَهُمْ فِي أَنْدِيَةٍ ، وَيَسْأَلُونَهُ عَنْ أَصْحَابِهِمْ، فَإِنْ قَالَ: قَدْ مَاتَ قَالُوا : قَدْ سُفِلَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا هُوِيَ بِهِ إِلَى الْأَرْضِ السَّافِلَةِ فَيَسْأَلُونَهُ عَنِ الرَّجُلِ ، فَإِنْ قَالَ: قَدْ مَاتَ قَالُوا : عُلِيَ بِهِ ، قَالَ يَزِيدُ : كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ : « إِنِّي لَأَسْتَحْيِي مِنَ الْأَمْوَاتِ كَمَا أَسْتَحْيِي مِنَ الْأَحْيَاءِ »

وفي تاريخ مكة للفاكهي (2903) أن عائشة أتت قبر أخيها وأخذت تكلمه وقالت : لَوْ شَهِدْتُكَ مَا بَكَيْتُ عَلَيْكَ ، وَلَوْ حَضَرْتُكَ دَفَنْتُكَ حَيْثُ مُتَّ ".                             
وكانت تكلم أباها الصديق رضي الله عنه إذا وقفت على قبره كما روى أبو يعلى الموصلي في مسنده (88) والدينوري في المجالسة (2422) عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ : أَنَّهَا مَرَّتْ عَلَى قَبْرِ أَبِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَكَ ، وَشَكَرَ لَكَ صَالِحَ سَعْيِكَ ، فَلَقَدْ كُنْتَ لِلدُّنْيَا مُذِلًّا ، بِإِعْرَاضِكَ عَنْهَا وَلِلْآخِرَةِ مُعِزًّا ، بِإِقْبَالِكَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَ أَجَلَّ الْمَرَازِئِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُزْؤُكَ ، وَأَعْظَمَهَا بَعْدَهُ فَقْدُكَ ، إِنَّ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَيَعِدُ بِالْعَزَاءِ عَنْكَ أَحْسَنَ الْعِوَضِ مِنْكَ، فَأَنَا أَتَنَجَّزُ مِنَ اللَّهِ مَوْعُودَهُ فِيكَ الصَّبْرَ عَلَيْكَ ، وَأَسْتَعِيضُهُ مِنْكَ بِالدُّعَاءِ لَكَ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ، تَوْدِيعَ غَيْرِ قَالِيَةٍ لِحَيَاتِكَ ، وَلَا زَارِيَةٍ عَلَى الْقَضَاءِ فِيهِ ."                                                                                                                 ومن الأدلة أيضا على أن الميت يشعر بما حوله ويسمع في يوم جنازته ما في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت : قدموني وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها : يا ويلها أين تذهبون بها يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمع الإنسان لصعق .

وروى ابن المبارك في الزهد (2/42) دَاوُدُ بْنُ نَافِذٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ يَقُولُ: بَلَغَنِي " أَنَّ الْمَيِّتَ يَقْعُدُ فِي حُفْرَتِهِ ، وَهُوَ يَسْمَعُ وَخْطَ مُشَيِّعِيهِ ، وَلَا يُكَلِّمُهُ شَيْءٌ أَوَّلُ مِنْ حُفْرَتِهِ تَقُولُ : وَيْحَكَ ابْنَ آدَمَ ، أَلَيْسَ قَدْ حُذِّرْتَنِي ، وَحُذِّرْتَ ضِيقِي، وَظُلْمَتِي، وَنَتْنِي، وَهَذَا مَا أَعْدَدْتُ لَكَ ؟، فَمَا أَعْدَدْتَ لِي ؟ )                                           
وروى ابن أبي شيبة في المصنف (11774) وسنن ابن ماجه (1567) بسند صحيح عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قَالَ : ما أُبَالِي أَفِي الْقُبُورِ قَضَيْتُ حَاجَتِي أَمْ فِي السُّوقِ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِ ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ » (قلت) ومن هنا والله أعلم يحتمل أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس النعال والمشي بها بين القبور ، لعل ذلك يزعج أهل القبور بسماعهم قرع النعال ، لأنك إذا مشيت بلا نعل لا يصدر منك أي قرع ، ويشبهه النهي عن الجلوس على القبر أو إيذاءه بالغائط أو البول هذا احتمال فقط وإلا فهو أمر غيبي لا يمكن الجزم بشيء فيه .

فصل في أن الميت يسمع السلام من الزائر :

ما روي عن عائشة رضي الله عنها بسند ــــ فيه ضعف ـــ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا استأنس به ورد عليه حتى يقوم ) .                      [ رواه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور كما نسبه إليه ذاك العراقي في تخريج الإحياء ، ورواه ابن عبد البر في الإستذكار (1/185) من حديث ابن عباس نحوه وصححه عبد الحق الإشبيلي ) اهـــ (قلت) لكن في سنده متروك وقد قال ابن رجب في أهوال القبور (ص86) معقبا : قال عبد الحق الإشبيلي إسناده صحيح يشير إن رجاله ثقات إلا أنه غريب بل منكر ) اهـــ
وروي هذا أيضا من حديث أبي هريرة كما في فوائد تمام (139) وأبو العباس الأصم في مجموع أجزاءه (214) والهكاري في كتابه هداية الأحياء للأموات (25) والخطيب في تاريخه (6/137) وابن عساكر (10/380) وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية (1523) : لا يصح .           
وقال ابن رجب فب أهوال القبور (ص87) : عبد الرحمن بن زيد: فيه ضعف وقد خولف في إسناده. (قلت) ولكن وردت آثار صحيحة كثيرة في الباب من ذلك :                           
ـــ روى عبد الرزاق في المصنف (6723) عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : مَرَّ أَبُو هُرَيْرَةَ وَصَاحِبٌ لَهُ عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : سَلِّمْ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : أُسَلِّمُ عَلَى الْقَبْرِ ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : « إِنْ كَانَ رَآكَ فِي الدُّنْيَا يَوْمًا قَطُّ إِنَّهُ لَيَعْرِفُكَ الْآنَ »                                                         
ـــ وروى ابن أبي شيبة في المصنف  (11789) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الْجَارِي قَالَ : قَالَ لِي أَبُو هُرَيْرَةَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ إِذَا مَرَرْتُ بِالْقُبُورِ قَدْ كُنْتُ تَعْرِفُهُمْ فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَصْحَابَ الْقُبُورِ، وَإِذَا مَرَرْتُ بِالْقُبُورِ لَا تَعْرِفُهُمْ فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ "                                                          
(قلت) ولهذا كان صنيع بن عمر على هذا لا يتركه :                                                     
روى عبد الرزاق (6721) عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَمُرُّ بِقَبْرٍ إِلَّا سَلَّمَ .                                                                                 
ـــ وروى ابن أبي شيبة في المصنف (11788) والطبري في تهذيب الآثار (741) عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ سَعْدًا كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى ضَيْعَتِهِ مَرَّ بِقُبُورِ الشُّهَدَاءِ فَيَقُولُ لِأَصْحَابِهِ : « أَلَا تُسَلِّمُونَ عَلَى الشُّهَدَاءِ فَيَرُدُّوا عَلَيْكُمْ »                                                                   
ـــ وروى الطبري في تهذيبه برقم (737) عن عَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَالَةٌ لِي يُقَالُ لَهَا تُهْلَلُ بِنْتُ الْعَطَّافِ ، وَكَانَتْ مِنَ الْعَوَابِدِ ، وَكَانَتْ كَثِيرًا مَا تَرْكَبُ إِلَى الشُّهَدَاءِ قَالَتْ : " رَكِبْتُ إِلَيْهِمْ يَوْمًا فَصَلَّيْتُ عِنْدَ قَبْرِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أصَلِّيَ ، حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ فَقمْت ، فَقُلْتُ هَكَذَا بِيَدِي السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، قَالَتْ: فَسَمِعَتْ أُذُنَايَ السَّلَامَ يَخْرُجُ إِلَيَّ  مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ، أَعْرِفُهُ كَمَا أَعْرِفُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَنِي، وَكَمَا أَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ، وَمَا فِي الْوَادِي دَاعٍ، وَلَا مُجِيبَ يَتَحَرَّكُ إِلَّا غُلَامِي نَائِمًا أَخَذَ بِرَأْسِ دَابَّتِي ، فَاقْشَعَرَّت كُل شَعْرَة مِنِّي، فَدَعَوْت الْغلَام: يَا بُنَيَّ هلم دَابَّتِي، فَأَدْنَى دَابَّتِي فَرَكِبْتُ .

قال ابن القيم : وَيَكْفِي فِي هَذَا تَسْمِيَة الْمُسلم عَلَيْهِم زَائِرًا وَلَوْلَا أَنهم يَشْعُرُونَ بِهِ لما صَحَّ تَسْمِيَته زَائِرًا فَإِن المزور إِن لم يعلم بزيارة من زَارَهُ لم يَصح أَن يُقَال زَارَهُ هَذَا هُوَ الْمَعْقُول من الزِّيَارَة عِنْد جَمِيع الْأُمَم وَكَذَلِكَ السَّلَام عَلَيْهِم أَيْضا فَإِن السَّلَام على من لَا يشْعر وَلَا يعلم بِالْمُسلمِ محَال وَقد علم النَّبِي أمته إِذا زاروا الْقُبُور أَن يَقُولُوا سَلام عَلَيْكُم أهل الديار من الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون يرحم الله الْمُسْتَقْدِمِينَ منا ومنكم والمستأخرين نسْأَل الله لنا وَلكم الْعَافِيَة ، وَهَذَا السَّلَام وَالْخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب وَيعْقل ويردو إِن لم يسمع الْمُسلم الرَّد وَإِذا صلى الرجل قَرِيبا مِنْهُم شاهدوه وَعَلمُوا صلَاته وغبطوه على ذَلِك .                            
قَالَ يزِيد بن هَارُون أخبرنَا سُلَيْمَان التيمى عَن أَبى عُثْمَان النهدى أَن ابْن سَاس خرج فِي جَنَازَة فِي يَوْم وَعَلِيهِ ثِيَاب خفاف فَانْتهى إِلَى قبر قَالَ فَصليت رَكْعَتَيْنِ ثمَّ اتكأت عَلَيْهِ فوَاللَّه إِن قلبي ليقظان إِذْ سَمِعت صَوتا من الْقَبْر إِلَيْك : عَنى لَا تؤذنى ! فَإِنَّكُم قوم تَعْمَلُونَ وَلَا تعلمُونَ وَنحن قوم نعلم وَلَا نعمل وَلِأَن يكون لى مثل ركعتيك أحب إِلَى من كَذَا وَكَذَا ) ، فَهَذَا قد علم باتكاء الرجل على الْقَبْر وبصلاته ) اهــــ

في كتاب الإمتاع بالأربعين (ص86) : وَاسْتدلَّ جمَاعَة مِنْهُم عبد الْحق على حُصُول الِاسْتِمَاع من الْمَيِّت بمشروعية السَّلَام على الْمَوْتَى فَقَالُوا لَو لم يسمعوا السَّلَام لَكَانَ خطابهم بِهِ عَبَثا ) اهــ

فصل : سماع الموتى المشركين لتقريع المسلمين :

والأصل في هذا حديث قليب بدر المشهور ، فهو أصل في سماع أموات الكفار لتقريع المسلمين لهم وتبشيرهم بالنار ، وتوبيخهم على كفرهم ، ولقد سطرت هذه المسألة في كتب العقائد لا لعبث فيقولون الإيمان بكذا وكذا ويذكرونها .
فقد ذكرها ابن أبي عاصم في السنة (884) عند ذكره حديث عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: كُنَّا عند عبد الله بْنِ مَسْعُودٍ فِي بَيْتِ الْمَالِ قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْقُلَيْبِ قُلَيْبِ بَدْرٍ فَقَالَ : "يَا فُلانُ يا فلان هل وجدتم وما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا"؟ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ يَسْمَعُونَ ؟ قَالَ : مَا أَنْتُمْ لأَسْمَعُ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمُ الْيَوْمَ لا يُجِيبُونَ )                                  
ثم قَالَ ابن أبي عاصم معلقا : وَالأَخْبَارُ الَّتِي فِي قُلَيْبِ بَدْرٍ وَنِدَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُمْ وَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَهُ أَخْبَارٌ ثَابِتَةٌ تُوجِبُ الْعَمَلَ وَالْمُحَاسَبَةَ فِيهِ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ قَدْ أَثْبَتْنَاهَا في مواضعها ) اهــــ
وقال البربهاري في شرح السنة (61) : والإيمان بأن النبي صلى الله عليه وسلم حين كلم أهل القليب يوم بدر، أن المشركين كانوا يسمعون كلامه ) اهــــ .

شبهة : 
اعترض بعض الناس ممن أنكر السماع كليا ، بأن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم أو أنه معجزة خاصة به ، فلا يصح الإحتجاج به والحال هذه !!                       
فالجواب : 
أن يقال أولا هذا تحريف للحديث عن ظاهره ، وثانيا : إنّ النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نفعل مثل ما فعله من توبيخ المشرك وهو ميت في قبره ، فبطل الإعتراض على التخصيص وثبت تعميمه بالدليل القطعي وهو التالي :

فصل : في تبشير المشرك في قبره بالنار :
                                                                               ــــ من ذلك حديث أبي رزين العقيلي المشهور الطويل الذي قال فيه  :لَعَمْرُ اللهِ مَا أَتَيْتَ عَلَيْهِ مِنْ قَبْرِ عَامِرِيٍّ ، أَوْ قُرَشِيٍّ مِنْ مُشْرِكٍ ، فَقُلْ : أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ مُحَمَّدٌ، فَأُبَشِّرُكَ بِمَا يَسُوءُكَ، تُجَرُّ عَلَى وَجْهِكَ، وَبَطْنِكَ فِي النَّارِ ..) وهو حديث صحيح تلقاه السلف بالقبول .                                                    
 ومن شواهده ، حديث سعد بن أبي وقاص عند البزار 1/64، 65، والطبراني (326) ، وابن السني (600) ، والبيهقي في دلائل النبوة (1/191، 192) والضياء في "المختارة (1/333) الأعرابي الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم : « حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ مُشْرِكٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ » قَالَ: فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ بَعْدُ وَقَالَ : لَقَدْ كَلَّفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَبًا ، مَا مَرَرْتُ بِقَبْرِ كَافِرٍ إِلَّا بَشَّرْتُهُ بِالنَّارِ . 
(قلت) وفيه ضعف يسير ، وقد أخرجه ابن ماجه (1/ 476 - 477) من هذا الوجه لكنه جعله من مسند عبد الله ابن عمر وقال البوصيري في : ( إسناده صحيح، رجاله ثقات ) (قلت) وفيه إرسال ذكره أبو حاتم في علله لكنه مرسل صحيح الإسناد قوي ولهذا قد صححه الجوزقاني في الأباطيل (1/387) وقال حديث صحيح .                  
وقد روى ابن حبان في صحيحه (847) عمل اليوم والليلة برقم (599) والجوزقاني في الأباطيل (1/388) بسند ضعيف عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا مَرَرْتُمْ بِقُبُورِنَا وَقُبُورِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَخْبِرُوهُمْ أَنَّهُمْ فِي النارِ".

ونحوه هذه الأحاديث التي تدل على أن هذا التقريع ليس خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه أي قبر مشرك مررت عليه تقرعه بهذا الكلام ، وأنه يسمع هذا التقريع وإلا صار عبثا هذا الأمر ، وعكسه في المقابل ، فإنا إذا مررنا على قبور المسلمين نسلم عليهم وندعوا لهم ، ونخاطب خطاب من يسمع ونبشرهم بالخير ، ونخبرهم أننا قريبا نلتحق بكم ، فقد روى عبد الرزاق في (6720) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : حُدِّثْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْطَلِقُ بِطَوَائِفَ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى دَفْنَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَيَقُولُ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ، لَوْ تَعْلَمُونَ مِمَّا نَجَّاكُمُ اللَّهُ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ » ، فلاحظ هذه المقابلة اللطيفة !! .

فصل : مما ورد من القراءة على الميت في قبره :                                         
وما يدل على السماع : أنه ذكر عَن جمَاعَة من السّلف أَنهم أوصوا أَن يقْرَأ عِنْد قُبُورهم وَقت الدّفن قَالَ عبد الْحق الإشبيلي يرْوى أَن عبد الله بن عمر أَمر أَن يقْرَأ عِنْد قَبره سُورَة الْبَقَرَة وَمِمَّنْ رأى ذَلِك الْمُعَلَّى بن عبد الرَّحْمَن وَكَانَ الامام أَحْمد يُنكر ذَلِك أَولا حَيْثُ لم يبلغهُ فِيهِ أثر ثمَّ رَجَعَ عَن ذَلِك                                                                                                                                 ــ ومن ذلك ما رواه الخلال في جزء القراءة على القبور (ص3) :عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ اللَّجْلَاجِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " إِنِّي إِذَا أَنَا مُتُّ، فَضَعْنِي فِي اللَّحْدِ، وَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَسُنَّ عَلَيَّ التُّرَابَ سَنًّا، وَاقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِي بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَأَوَّلِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ ذَلِكَ قَالَ الدُّورِيُّ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قُلْتُ: تَحْفَظُ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الْقُبُورِ شَيْئًا، فَقَالَ: لَا. وَسَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ، فَحَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ ) .

وقد روى الخلال قصة تراجع الإمام أحمد عن إنكاره لذلك فقال : وَأَخْبَرَنِي الْحَسَن بْن أَحْمَد الْوَرَّاقُ، قَال: حَدَّثَنِي عَلِي بْن موسى الْحَدَّاد وَكَانَ صدوقا، وَكَان ابْن حَماد الْمقرِئ يرْشِد إِلَيْهِ، فَأَخْبَرَنِي قَالَ: " كُنْتُ مَعَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ الْجَوْهَرِيِّ فِي جِنَازَةٍ، فَلَمَّا دُفِنَ الْمَيِّتُ جَلَسَ رَجُلٌ ضَرِيرٌ يَقْرَأُ عِنْدَ الْقَبْرِ، فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: يَا هَذَا، " إِنَّ الْقِرَاءَةَ عِنْدَ الْقَبْرِ بِدْعَةٌ فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنَ الْمَقَابِرِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي مُبَشِّرٍ الْحَلَبِيِّ؟ قَالَ: ثِقَةٌ، قَالَ: كَتَبْتَ عَنْهُ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَخْبَرَنِي مُبَشِّرٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ اللَّجْلَاجِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَوْصَى إِذَا دُفِنَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَ رَأْسِهِ بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا، وَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يُوصِي بِذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: فَارْجِعْ، فَقُلْ لِلرَّجُلِ يَقْرَأْ " وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ صَدَقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيَّ، قَالَ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي جِنَازَةٍ وَمَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: فَلَمَّا قُبِرَ الْمَيِّتُ، جَعَلَ إِنْسَانٌ يَقْرَأُ عِنْدَهُ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لِرَجُلٍ: تَمُرُّ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي يَقْرَأُ، فَقُلْ لَهُ: لَا يَفْعَلْ، فَلَمَّا مَضَى، قَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ: مُبَشِّرٌ الْحَلَبِيُّ، كَيْفَ هُوَ؟ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِعَيْنِهَا .                               
وروى الخلال (ص5) عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : « كَانَتِ الْأَنْصَارُ إِذَا مَاتَ لَهُمُ الْمَيِّتُ اخْتَلَفُوا إِلَى قَبْرِهِ يَقْرَءُونَ عِنْدَهُ الْقُرْآنَ »                                                                   
وروى الخلال في كتاب الأمر بالمعروف (ص90) : أَخْبَرَنِي أَبُو يَحْيَى النَّاقِدُ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ الْحُرِّ وَهُوَ يَقُولُ: " مَرَرْتُ عَلَى قَبْرِ أُخْتٍ لِي فَقَرَأْتُ عِنْدَهَا تَبَارَكَ لِمَا يُذْكَرُ فِيهَا ، فَجَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْتُ أُخْتَكَ فِي الْمَنَامِ تَقُولُ: جَزَى اللَّهُ أَبَا عَلِيٍّ خَيْرًا ، فَقَدِ انْتَفَعْتُ بِمَا قَرَأَ ."                                                       

(قلت) والآثار كثيرة لا يسعني نقلها كلها في هذه الأوراق ، وإنما المراد التنبيه على أصولها ، ومن أراد مراجعها فعليك بكتاب (الزهد لابن المبارك) وكفى به حجة فقد بوب فيه فقال ( بَابٌ فِي عَرْضِ عَمَلِ الْأَحْيَاءِ عَلَى الْأَمْوَاتِ) وكتاب (تهذيب الآثار للطبري) فقد بوب لها عدة تويبات في سماع الموتى للأحياء ، وعقد لها أيضا ( الأصبهاني في كتاب الحجة ) فصلا فقال : ( فصل فِيمَن يُنكر أَن الْأَمْوَات يعلمُونَ بأخبار الْأَحْيَاء ويسمعون ) (وكتاب أهوال القبور ) لابن رجب فقد عقد لها فصلا كبيرا فقال ( فصل: معرفة الموتى في قبورهم بحال أهليهم وأقاربهم في الدنيا ) فقد بوب لها بقوله : ( الباب الثامن: فيما ورد من سماع الموتى كلام الأحياء ومعرفتهم بمن يسأل عليهم ويزروهم ومعرفتهم بحالهم بعد الموت وحال أقاربهم في الدنيا ) وذكر منها الكثير الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه (أحكام تمني الموت) وراجع ابن أَبى الدُّنْيَا فِي كتاب الْقُبُور   ( بَاب معرفَة الْمَوْتَى بزيارة الْأَحْيَاء) والتذكرة لذاك القرطبي ، وفي كتاب الروح لابن القيم قال ( الْمَسْأَلَة الأولى وَهِي هَل تعرف الْأَمْوَات زِيَارَة الْأَحْيَاء وسلامهم أم لَا ) وغيرهم كثير .


فصل : الرد على من أنكر ذلك من المعاصرين :

كل هذه الأحاديث والآثار بمجموعها تدل على أن للموتى سماعا لكلام الأحياء ، ولم يحسن من أنكر سماعهم بإطلاق فقط لمجرد فراره من معتقد وشبهات الصوفية !! فليس من العقل دفع شيء من الحق فرارا من الباطل ، فإن هذا السماع لا يفيد المشركين في شيء إثباته ، لأنه سماع مقيد بعدم قدرة ولا نفع في شيء ، لحديث إن الميت إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث ، ولهذا لما احتج بها ذاك السبكي الجهمي على جواز الشرك لم يرد عليه ابن عبد الهادي في الصارم المنكي (ص16) إلا بقوله ( ثم ذكر الأحاديث الواردة في سماع الموتى وكلامهم وإدراكهم وعود الروح إلى البدن وما يتبع ذلك ثم أشار إلى اختلاف المتكلمين وغيرهم في ماهية الروح وحقيقتها وتكلم في ذلك بكلام لا تحقيق فيه ولا حاجة إليه ) اهـ .
أما قوله تعالى (وما أنت بمسمع من في القبور) وقوله ( إنك لا تسمع الموتى ) فقد روى الطبري في تفسيره عن قتادة في قوله (إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) قال كذلك الكافر لا يسمع ، ولا ينتفع بما يسمع.

وقال مقاتل في تفسيره :وذلك أن الله- جل وعز- شبه الكافر من الأحياء حين دعوا إلى الإيمان فلم يسمعوا ، بالأموات أهل القبور الذين لا يسمعون الدعاء ، ثم قال للنبي- عليه السلام- حين لم «يجيبوه» إلى الإيمان إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ ) اهـــ                                                     
وقال يحي بن سلام في تفسيره :أَيْ: وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ الْكُفَّارَ، هُمْ بِمَنْزِلَةِ الأَمْوَاتِ لا يَسْمَعُونَ مِنْكَ الْهُدَى سَمْعَ قَبُولٍ، كَمَا أَنَّ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ لا يَسْمَعُونَ.وقد قال الطبري ملخصا كلام السلف في مثل هاته الآيات من تفسيره (19/490) : وقوله: (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) يقول: إنك يا محمد لا تقدر أن تُفِهم الحقّ من طبع الله على قلبه فأماته، لأن الله قد ختم عليه أن لا يفهمه (وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ) يقول: ولا تقدر أن تسمع ذلك من أصمّ الله عن سماعه سمعه (إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ) يقول: إذا هم أدبروا معرضين عنه، لا يسمعون له لغلبة دين الكفر على قلوبهم، ولا يُصغون للحقّ، ولا يتدبرونه، ولا ينصتون لقائله، ولكنهم يعرضون عنه، وينكرون القول به، والاستماع له ) اهــــ                                                                 
(قلت) فقد فسرها السلف بأن معناها تشبيه المشرك الذي أضله الله بالميت الذي لا يفهم ما يقال له وما يسمعه من الحق ، ولم يقل أحد من السلف عند تفسير هذه الآية أنها على ظاهرها إلا ما روي عن عائشة رضي الله عنها من أنها أنكرت سماع موتى قليب بدر لكلام النبي صلى الله عليه وسلم لهم لظاهر هاته الآيات ، وخالفها الصحابة في ذلك .                                    
فقد روى البخاري (3980) عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: وَقَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَلِيبِ بَدْرٍ فَقَالَ: «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا» ثُمَّ قَالَ: «إِنَّهُمُ الآنَ يَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ»، فَذُكِرَ لِعَائِشَةَ ، فَقَالَتْ : إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنَّهُمُ الآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ هُوَ الحَقُّ» ثُمَّ قَرَأَتْ {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى} [النمل: 80] حَتَّى قَرَأَتْ الآيَةَ (قلت) ويقال عنها أنها تراجعت عن ذلك .

فصل : مهم في رد الطبري على من احتج بالآيتين السابقتين :

قال الطبري في تهذيب الآثار (745) عند ذكره حديثا عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُولَئِكَ الرَّهْطِ، عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَأَصْحَابِهِ، فَأُلْقُوا فِي الطُّوَى قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «جَزَى اللَّهُ شَرًّا مِنْ قَوْمِ نَبِيٍّ، مَا كَانَ أَسْوَأَ الطَّرْدِ، وَأَشَدَّ التَّكْذِيبِ» قَالَ: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تُكَلِّمُ قَوْمًا قَدْ جَيَّفُوا ؟ قَالَ: «مَا أَنْتُمْ بِأَفْهَمَ لِقَوْلِي مِنْهُمْ» أَوْ: «لَهُمْ أَفْهَمُ لِقَوْلِي مِنْكُمْ» قَالُوا : فَخَبَرُ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي رَوَتْهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ، إِذْ قَالُوا لَهُ حِينَ قَالَ مَا قَالَ لِأَهْلِ الْقَلِيبِ: «أَتُكَلِّمُ أَجْسَادًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا مَا أَنْتُمْ بِأَعْلَمَ بِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَمَا أَنْتُمْ بِأَفْهَمَ لَهُ مِنْهُمْ» يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ مَا قُلْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ مِنْ أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ: مَا أَنْتُمْ بِأَعْلَمَ، لَا أَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ أَصْوَاتَ بَنِي آدَمَ وَكَلَامَهُمْ، قَالُوا: وَلَوْ كَانُوا يَسْمَعُونَ كَلَامَ النَّاسِ وَهُمْ مَوْتَى، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى، ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] ، وَلَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] مَعْنًى قَالُوا: وَفِي فَسَادِ الْقَوْلِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا مَعْنَى لَهُ، صِحَّةُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَمْوَاتَ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ لَا يَسْمَعُونَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ شَيْئًا. وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ صَحِيحَةٌ , عُدُولٌ نَقَلَتُهَا، فَالْوَاجِبُ عَلَى مَا انْتَهَتْ إِلَيْهِ، وَقَامَتْ عَلَيْهِ حُجَّةُ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ الْإِيمَانُ بِهَا وَالْإِقْرَارُ بِأَنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مِنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ بَعْدِ مَمَاتِهِ مَا شَاءَ مِنْ كَلَامِ خَلْقِهِ مِنْ بَنِي آدَمَ وَغَيْرِهِمْ عَلَى مَا شَاءَ، وَيُفْهِمُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ مَا شَاءَ، وَيُنَعِّمُ مَنْ أَحَبَّ مِنْهُمْ بِمَا أَحَبَّ، وَيُعَذِّبُ فِي قَبْرِهِ الْكَافِرَ، وَمَنِ اسْتَحَقَّ مِنْهُمُ الْعَذَابَ كَيْفَ أَرَادَ، عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآثَارُ وَصَحَّتْ بِهِ الْأَخْبَارُ. وَلَيْسَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} [النمل: 80] ، وَلَا فِي قَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] حُجَّةٌ لِمَنِ احْتَجَّ بِهِ فِي دَفْعِ مَا صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَةُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ لِأَصْحَابِهِ إِذْ قَالُوا لَهُ فِي خِطَابِهِ أَهْلِ الْقَلِيبِ بِمَا خَاطَبَهُمْ بِهِ: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ» ، وَلَا فِي إِنْكَارِ مَا ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ لِأَصْحَابِهِ مُخْبِرَهُمْ عَنِ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ: «إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ» ، إِذْ كَانَ قَوْلُهُ: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] ، وَقَوْلُهُ: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] ، مُحْتَمِلًا مِنَ التَّأْوِيلِ أَوْجُهًا سِوَى التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلَهُ الْمُوَجِّهُ تَأْوِيلَهُ إِلَى أَنَّهُ لَا مَيِّتَ يَسْمَعُ مِنْ كَلَامِ الْأَحْيَاءِ شَيْئًا. فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى بِطَاقَتِكَ وَقُدْرَتِكَ، إِذْ كَانَ خَالِقُ السَّمْعِ غَيْرَكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ هُوَ الَّذِي يُسْمِعُهُمْ إِذَا شَاءَ، إِذْ كَانَ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى ذَلِكَ دُونَ مَنْ سِوَاهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: {وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ} [النمل: 81] . وَذَلِكَ أَنَّ الْهِدَايَةَ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ وَالتَّوْفِيقَ لِلرَّشَادِ بِيَدِ اللَّهِ دُونَ مَنْ سِوَاهُ، فَنَفَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا أَنْ يُسْمِعَ الْمَوْتَى إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ، كَمَا نَفَى أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى هِدَايَةِ الضُّلَّالِ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَذَلِكَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] ، أَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى إِسْمَاعِ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، بِقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ} [فاطر: 22] ، ثُمَّ نَفَى عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُدْرَةَ عَلَى مَا أَثْبَتَهُ وَأَوْجَبَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] ، وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسْمِعُهُمْ دُونَكَ، وَبِيَدِهِ الْإِفْهَامُ وَالْإِرْشَادُ وَالتَّوْفِيقُ، وَإِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ، فَبَلِّغْ مَا أَرْسِلْتَ بِهِ. فَهَذَا أَحَدُ أَوْجُهِهِ , وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى إِسْمَاعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدِ انْقَطَعَتْ عَنْهُمُ الْأَعْمَالُ، وَخَرَجُوا مِنْ دَارِ الْأَعْمَالِ إِلَى دَارِ الْجَزَاءِ، فَلَا يَنْفَعُهُمْ دُعَاؤُكَ إِيَّاهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَتَبَ رَبُّكَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، لَا يُسْمِعُهُمْ دُعَاؤُكَ إِلَى الْحَقِّ إِسْمَاعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ خَتَمَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُؤْمِنُوا، كَمَا خَتَمَ عَلَى أَهْلِ الْقُبُورِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ أَنَّهُمْ لَا يَنْفَعُهُمْ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْ دَارِ الدُّنْيَا إِلَى مَسَاكِنِهِمْ مِنَ الْقُبُورِ إِيمَانٌ وَلَا عَمَلٌ؛ لِأَنَّ الْآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدَارِ امْتِحَانٍ، وَإِنَّمَا هِيَ دَارُ مُجَازَاةٍ، وَكَذَلِكَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ وجُوهِ الْمَعَانِي. فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمِلًا مِنَ الْمَعَانِي مَا وَصَفْنَا، فَلَيْسَ لِمُوَجِّهِهِ إِلَى أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَيِّتٌ شَيْئًا بِحَالٍ حُجَّةٌ، إِذْ كَانَ لَا خَبَرَ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَحِّحُهُ، وَلَا فِي الْفِعْلِ شَاهِدٌ بِحَقِيقَتِهِ، بَلْ تَأْوِيلُ مُخَالِفِيهِ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَوْلَى بِالصِّحَّةِ لِمَا رُوِّينَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ عَنْهُ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ الْأَحْيَاءِ، عَلَى مَا وَرَدَتْ بِهِ عَنْهُ الْآثَارُ. فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] ، وَقَوْلَهُ لَهُ: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] ، لَمَّا كَانَ عَامًّا ظَاهِرُهُ فِي كُلِّ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَفِي جَمِيعِ الْمَوْتَى، مِنْ غَيْرِ خُصُوصِ بَعْضٍ مِنْهُمْ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْقَائِلِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعُوا فِي حَالِ مَا هُمْ فِي الْبَرْزَخِ شَيْئًا مِنْ كَلَامِ الْأَحْيَاءِ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِإِجَازَةِ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، فَقَدْ ظَنَّ غَيْرَ الصَّوَابِ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَعَلَ بَيَانَ مَا نَزَلَ إِلَيْنَا مِنْ كِتَابِهِ إِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ بَيَّنَ لَنَا عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ ذَكَرَ حَالَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فِي قُبُورِهِمَا حِينَ يُسْأَلَانِ عَنْ دِينِهِمَا: أَنَّهُمَا يَسْمَعَانِ خَفْقَ نِعَالِ مُتَّبِعِي جَنَائِزِهِمَا إِذَا وَلَّوْا عَنْهُمَا مُدْبِرِينَ، فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] ، وَقَوْلَهُ: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] ، مَعْنِيٌّ بِهِ إِسْمَاعُ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ دُونَ جَمِيعِهَا، وَدَلِيلًا عَلَى أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: قَدْ يَسْمَعُونَ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ قَوْلِ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ. فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَمَا تُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا وَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ» ، إِنَّهُ لِيَعْلَمَ ذَلِكَ، إِذْ كَانَ مَعْرُوفًا مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ مِنْهُمْ لِصَاحِبِهِ: قَدْ سَمِعْتُ مِنْكَ مَا قُلْتَ، بِمَعْنَى: فَهِمْتُ عَنْكَ مَا قُلْتَ، وَاسْمَعْ مِنِّي مَا أَقُولُ، بِمَعْنَى: افْهَمْ عَنِّي مَا أَقُولُ؟ قِيلَ لَهُ: إِنْ ذَلِكَ لَوْ وَجَّهْنَاهُ إِلَى الْمَعْنَى الَّذِي قُلْتُهُ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ خَالَفَ قَوْلَنَا فِي أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ السَّمَاعَ الْمَفْهُومَ حُجَّةٌ، وَذَلِكَ أَنَّا إِنْ قُلْنَا: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ خَفْقَ نِعَالِهِمْ، لَمْ يَخْلُ عِلْمُهُمْ بِذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَدَثَ لَهُمْ عَنْ سَمَاعٍ مِنْهُمْ خَفْقَ نِعَالِهِمْ، أَوْ عَنْ خَبَرٍ أُخْبِرُوا بِهِ فِي قُبُورِهِمْ ، وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ فَإِنَّهُ مُحَقَّقٌ قَوْلُنَا فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ يُسْمِعُ مِنْ شَاءَ مِنَ الْأَمْوَاتِ مَا شَاءَ مِنْ كَلَامِ الْأَحْيَاءِ ، وَيُعَرِّفُ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ مِنْ أَخْبَارِهِمْ ، وَيُنَعِّمُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ فِي قَبْرِهِ بِمَا شَاءَ ، وَيُعَذِّبُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ كَيْفَ شَاءَ ، لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) اهـــ                                                                                
فائدة : وقد حكى ابن رجب في تفسيره (2/96) أن الجمهور أجازوا سماع الموتى وحكى كلام بن عبد البر أنه قالَ: ذهبَ إلى ذلكَ جماعة من أهلِ العلم - وهم الأكثرونَ - وهو اختيارُ الطبريِّ وغيره، وكذلكَ ذكرَهُ ابنُ قتيبةَ وغيرُه من العلماءِ ) اهــــ                                  
وقد ظن بعض من لا يهتم بالآثار من المعاصرين ، أن ابن القيم هو من أتى بهذه المسألة في كتاب الروح فراحوا يشنعون عليه ، ومن عجائب ما احتجوا به في ردهم عليه أنهم قالوا : لعل بن القيم كتبه في أول حياته لما كان صوفيا !! وألف ذاك الآلوسي كتابا سماه (الآيات البينات في عدم سماع الأموات على مذهب الحنفية السادات ) ووحققها الألباني فراحوا ينفون سماع الأموات ويردون على من أثبته بكل ما أوتوا ، فلم يأتوا بشيء !!

فصل : في ما روي من أحاديث في الباب مع تخريجها باختصار 

رويت في الباب بعض الأحاديث وإن كان في إسنادها ضعف وبعضها صالح ، فقد ثبتتها أخبار الصحابة المستفيضة وعليها اعتمادنا وإنما ذكرنا هذه الروايات المرفوعة للإستئناس من ذلك :

ــ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ (12683) ثَنَا عبد الرزاق عَنْ سفيان عَمَّنْ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " « إِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَى أَقَارِبِكُمْ وَعَشَائِرِكُمْ مِنَ الْأَمْوَاتِ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا اسْتَبْشَرُوا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُمْ حَتَّى تَهْدِيَهُمْ كَمَا هَدَيْتَنَا » (قلت) سنده ضعيف لأجل الإبهام الذي في السند .
ــ وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ (1903) : حَدَّثَنَا الصلت بن دينار عَنِ الحسن عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " « إِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَى عَشَائِرِكُمْ وَعَلَى أَقْرِبَائِكُمْ فِي قُبُورِهِمْ ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا اسْتَبْشَرُوا بِهِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ قَالُوا : اللَّهُمَّ أَلْهِمْهُمْ أَنْ يَعْمَلُوا بِطَاعَتِكَ » (قلت) فيه ضعف فلم يسمع الحسن من جابر . 
ــ وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ (148) مِنْ طَرِيقِ مسلمة بن علي - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ وَهِشَامِ بْنِ الْغَازِ، عَنْ مكحول، عَنْ عبد الرحمن بن سلامة، عَنْ أبي رهم، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنَّ نَفْسَ الْمُؤْمِنِ إِذَا قُبِضَتْ، تَلَقَّاهَا أَهْلُ الرَّحْمَةِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ كَمَا تَلْقَوْنَ الْبَشِيرَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُونَ: أَنْظِرُوا صَاحِبَكُمْ لِيَسْتَرِيحَ؛ فَإِنَّهُ فِي كَرْبٍ شَدِيدٍ، ثُمَّ لَيَسْأَلُونَهُ : مَا فَعَلَ فُلَانٌ وَفُلَانَةُ ، هَلْ تَزَوَّجَتْ؟ فَإِذَا سَأَلُوهُ عَنِ الرَّجُلِ قَدْ مَاتَ قَبْلَهُ فَيَقُولُ: أَيْهَاتَ، قَدْ مَاتَ ذَاكَ قَبْلِي ، فَيَقُولُونَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الْأُمُّ وَبِئْسَتِ الْمُرَبِّيَةُ، وَقَالَ: إِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَى أَقَارِبِكُمْ وَعَشَائِرِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا فَرِحُوا وَاسْتَبْشَرُوا وَقَالُوا: اللَّهُمَّ هَذَا فَضْلُكَ وَرَحْمَتُكَ، فَأَتْمِمْ نِعْمَتَكَ عَلَيْهِ وَأَمِتْهُ عَلَيْهَا، وَيُعْرَضُ عَلَيْهِمْ عَمَلُ الْمُسِيءِ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ أَلْهِمْهُ عَمَلًا صَالِحًا تَرْضَى بِهِ وَتُقَرِّبُهُ إِلَيْكَ » .
ــ روى الحاكم (7849) وابن أبي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْمَنَامَاتِ (ص5) والدولابي في الكنى (519) وأمثال الحديث لأبي الشيخ (314) والبيهقي في الشعب (9761) من طريق يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ ثَنَا أبو إسماعيل السلولي: سَمِعْتُ مالك بن الداء: يَقُولُ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: « اللَّهَ اللَّهَ فِي إِخْوَانِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ، فَإِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ » (قلت) وفي إسناده ضعف لأجل جهالة بعض رواته ولهذا ضعفه الأزدي  .
ـــ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ (3/3 (11010) وغيْره مِنْ طرِيق أبي عامر العقدي عَنْ عبد الملك بن الحسن المدني عَنْ سعد بن عمرو بن سليم عَنْ معاوية - أَوِ ابن معاوية - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يُغَسِّلُهُ وَيَحْمِلُهُ وَيُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ »

(قلت) في سنده ضعف الراوي عن أبي سعيد فيه جهالة .. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي " الْأَوْسَطِ " مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أبي سعيد ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ عَنْ عمرو بن دينار وبكر بن عبد الله المزني، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ مَعْنَى ذَلِكَ .
ــ وروى ابن أبي الدنيا في المنامات (2) والأصبهاني في الترغيب (156) والمحاملي وغيرهم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَفْضَحُوا مَوْتَاكُمْ بِسَيِّئَاتِ أَعْمَالِكُمْ، فَإِنَّهَا تُعْرَضُ عَلَى أَوْلِيَائِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُبُور»            (قلت) إسناده ضعيف أيضا ضعفه غير واحد

هذه كانت هي المسألة التي كثر فيها الشغب والتخليط والسلف بمعزل عن كل هذا !! فيا قوم متى ترجعون للأثر وتهتمون بالإسناد وأقوال السلف ؟



انتهى هذا الفصل والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات                                    كتبه أبو عبيد الجزائري .

ً