بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد :
احتج أهل الحيل من الأحاديث ــ وجعلوه أصلا عندهم ــ بحديث عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه و لينصرف و ليتوضأ .
قَالَ الْحَاكِم في الستدرك عند تخريجه لهذا الحديث : وَسمعت عَلّي بن عمر الْحَافِظ يَقُول: سَمِعت أَبَا بكر الشَّافِعِي الصَّيْرَفِي يَقُول: كل من أفتَى من أَئِمَّة الْمُسلمين بالحيل إِنَّمَا أَخذه من هَذَا الحَدِيث .
(قلت) وعلى هذا مضى أهل الحيل في جدالاتهم إلى يومنا هذا تواطؤوا على الإحتجاج بهذا الحديث في حيلهم ومن ذلك على سبيل المثال :
ما قاله صاحب كتاب الفيض القدير عند شرحه : ( فيه مشروعية الحيل التي يتوصل بها إلى مصالح ومنافع دينية ) !!
والجواب :
من حيث العموم نقول : لنا مع هذا الحديث وقفات :
أولا : الحديث مرسل والمرسل ضعيف فكيف تحتجون علينا بالمراسيل ؟؟
ثانيا : ليس في معناه إن صح ما يدل على الحيل أبدا ، بل أقصى ما فيه جواز المعاريض للحاجة فقط هذا من حيث العموم وإليكم التفاصيل :
( تخريج الحديث وبيان حكمه عند أهل الحديث المتقدمين )
أخرجه الحاكم في المستدرك (1/293 رقم: 655) و(1/391 رقم: 958) ، وأبو داود (كتاب الصلاة / باب استئذان المحدث الإمام: رقم: (1114) وابن ماجه (كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها/ باب ما جاء فيمن أحدث في الصلاة كيف ينصرف: رقم: 1222)، وابن خزيمة في صحيحه (2/108 رقم: 1019) والدارقطني في سننه (1/289 رقم: 587) الترمذي في العلل الكبير (ص99 رقم: 170) و(1/391 رقم: 958) والبيهقي في الكبرى (2/361 رقم: 3378، و3379 ) وفي معرفة السنن (3/386 -387 رقم: 6556 -6557) وابن الجارود في المنتقى (ص66 رقم: 222) وابن حبان في صحيحه 6/11 رقم: 2239) من طريق ابن جريج والفضلُ بن موسى وعمرُ بن علي المقدمي وعمرُ بن قيس ومحمدُ بن بشر العبدي كلهم ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عائشة هكذا موصولا وسيأتي ذكر الروايات المرسلة تخريجها )
الحكم على الحديث :
السند إلى عروة صحيح فقد رواه عشرات الرواة الثقات عن عروة ، لكن وقع بينهم فيه خلاف شديد بين وصله وإرساله ، وسوف نعرض الخلاف ثم نرجح الأصح بينهما :
أولا : الروايات الموصولة :
رواه موصولا كل من : والفضلُ بن موسى ، وعمرُ بن علي المقدمي، وعمرُ بن قيس، ومحمدُ بن بشر العبدي وابنَ جريج .
1- أما رواية الفضلُ بن موسى : فأخرجها الترمذي في العلل الكبير (ص99 رقم: 170)، والحاكم في المستدرك (1/294 رقم: 656) و(1/391 رقم: 958)، والدارقطني في سننه (1/289 رقم: 589)، والبيهقي في الكبرى (2/361 رقم: 3378، و3379 ) وفي معرفة السنن (3/386 -387 رقم: 6556 -6557)، وابن الجارود في المنتقى (ص66 رقم: 222)، وابن حبان في صحيحه 6/11 رقم: 2239) من طريق الفضل بن موسى، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
2- وأما رواية عمر بن علي المقدمي: فأخرجها ابن ماجه (كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها/ باب ما جاء فيمن أحدث في الصلاة كيف ينصرف: رقم: 1222)، وابن خزيمة في صحيحه (2/108 رقم: 1019)، وابن حبان في صحيحه (6/9 -10 رقم: 2238)، والدارقطني في سننه (1/288 رقم: 585) من طريق عمر بن علي المقدمي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
3- وأما رواية عمر بن قيس : فأخرجها ابن ماجه (كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها/ باب ما جاء فيمن أحدث في الصلاة كيف ينصرف: رقم: 1222) من طريق عمر بن قيس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
4- وأما رواية محمد بن بشر العبدي : فأخرجها الدارقطني في سننه (1/288 رقم: 586)، من طريق محمد بن بشر العبدي , عن هشام بن عروة , عن أبيه , عن عائشة.
5 ــــــ رواية بن جريح : أخرجها الحاكم في المستدرك (1/293 رقم: 655) وأبو داود (كتاب الصلاة / باب استئذان المحدث الإمام: رقم: (1114) والدارقطني في سننه (1/289 رقم: 587) والبيهقي في الكبرى (2/361 رقم: 3378، و3379 )
وأما الروايات المرسلة :
فرواه مرسلا كل من : سفيان الثوري وعبد الله بن داود وعبدة بن سليمان وسفيان بن عيينة وإسماعيل المؤدب وأبي أسامة وحماد بن سلمة وشعبة وزائدة بن قدامة وابن المبارك وشعيب بن إسحاق ويحي بن أيوب .
1- فأما رواية سفيان الثوري : فأخرجها عبد الرزاق في المصنف (1/140 رقم: 532) عن الثوري ، عن هشام بن عروة، عن أبيه مرفوعاً ).
2- وأما رواية عبد الله بن داود :فأخرجها مسدد في مسنده كما في إتحاف الخيرة (2/250 رقم: 1444) عن عبد الله بن داود ، ثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ).
3- وأما رواية عبدة بن سليمان: فأخرجها ابن أبي داود في مسند عائشة (ص73 رقم: 55)، من طريق عبدة بن سليمان، عن هشام، عن أبيه مرفوعاً ).
4 و 5 ـــــ سفيان بن عيينة وإسماعيل المؤدب : أشار إليهما الدارقطني في علله (14/160 رقم: 3501)
6 و7 ــــــ أبو أسامة وهو حماد بن أسامة و حماد بن سلمة : هكذا جاءت عند أبو داود في سننه (ص73 رقم: 55) فقال : رواه حماد بن سلمة وأبو أسامة عن هشام عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكرا عائشة رضي الله عنها .
(تنبيه) كنت أشك أن (الواو) بين حماد بن سلمة وأبي أسامة في كلام أبي داود في سننه زائدة فيكون حماد بن سلمة أبو أسامة لأنها كنيته ثم وقفت على أن من الرواة عن هشام بن عروة أبي أسامة حماد بن أسامة وأنه هو المقصود من كلام أبي داود ، وهو يشتبه بكنية حماد بن سلمة ورأيت أهل الحديث عندما يطلقون ( أبو أسامة ) يعنون به حماد بن أسامة ، أما حماد بن سلمة في الغالب لا يكنونه للتفريق بينهما ، وإذا كنوه يذكرون اسمه كاملا فيقولون (حماد بن سلمة أبو أسامة ) ذكرت هذا للتنبيه لأنه قد يقع الغلط فيه كثيرا .
( 8 و9 و10) ـــــــ شعبة وزائدة بن قدامة وابن المبارك وشعيب بن إسحاق :
أشار إلى هاته المتابعات البيهقي في سننه (2/ 254) ولم أقف على أسانيدهم .
11) يحي بن أيوب : أشار إليه الدارقطني في علله (14/160 رقم: 3501) ولم أقف على إسناد هاته المتابعة إلا ما أشار إليه هنا .
ذكر الأقوال في الترجيح بين الوصل والإرسال :
أولا : من رجح إرساله : وهم المتقدمون من أهل الحديث كل من الدارقطني والترمذي وابن خزيمة وأبي داود ومال إليه ذاك البيهقي .
1) الدارقطني : فقد قال في العلل (14/160 رقم: 3501) وقد سئل عن هذا الحديث.
قال: يرويه هشام بن عروة ، واختلف عنه :
فرواه الفضل بن موسى، وابن المبارك، من رواية جبارة عنه، ومحمد بن بشر، وعمر بن علي المقدمي ، وابن جريج ، وعمر بن قيس، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة.
وخالفهم سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة ، وأبو إسماعيل المؤدب ، وعبدة بن سليمان، ويحيى بن أيوب، فرووه عن هشام، عن أبيه مرسلا. والمرسل أصح ) اهـــ .
2) الترمذي : فقد قال في علله الكبير (1/306) مرجحا رواية الإرسال : هشام بن عروة , عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أصح من حديث الفضل بن موسى ) .
3) ابن خزيمة : فقد قال في صحيحه : أنا خائف أن يكون ذكر عائشة في هذا الخبر وهم فإن حفاظ أصحاب ابن هشام قالوا : عن عروة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً.
3) أبو داود : فقد قال في سننه مشيرا إلى إعلال رواية الوصل : رواه حماد بن سلمة وأبو أسامة عن هشام عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ،لم يذكرا عائشة رضي الله عنها.
4) البيهقي : قال في سننه بعد ذكره لرواية بن جريج الموصولة ( وكذَلِكَ رَوَاهُ الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّينَانِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ هِشَامٍ مُرْسَلًا دُونَ ذِكْرِ عَائِشَةَ فِيهِ، وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ هِشَامٍ مُرْسَلًا قَالَ : " إِذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلْيُمْسِكْ عَلَى أَنْفِهِ ثُمَّ لِيَخْرُجْ ) .
وقال أيضا بإثر حديث الفضل بن موسى عن هشام : تابعه على وصله حجاج بن محمد عن ابن جريج عن هشام، وعمر بن علي المقدمي عن هشام، وجبارة بن المغلس عن عبد الله بن المبارك عن هشام ورواه الثوري وشعبة وزائدة وابن المبارك وشعيب بن إسحاق وعبيدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، مرسلاً، قال أبو عيسى الترمذي: وهذا أصح من حديث الفضل بن موسى ) .
(ثانيا) : من رجح وصله :
وهو اختيار المتأخرين ابتداء من الحاكم وبن حبان والعسقلاني والبوصيري والألباني وغيرهم .
1) الحاكم : قال في مستدركه بعد روايته لرواية بن جريج الموصولة : تَابَعَهُ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ « وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ »
2) ابن حبان : قال في صحيحه بعد تصحيح رواية الوصل : ( من زعم أن هذا الخبر ما رفعه عن هشام بن عروة إلا المقدمي فهو مدحوض القول ) اهــــ
3) العسقلاني : أشار في النكت الظراف بهامش تحفة الأشراف (12/174) إلى أن الحديث صحيح ورد على الترمذي تعليله إياه .
4) البوصيري : قال في تحفة المهرة : ( هكذا رواه مسدد مرسلاً ، ورواه ابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والدارقطني وابن الجارود والحاكم كلهم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا، وهو الصواب ) اهــ .
5) الألباني : قال في صحيح أبي داود (4/278) : « فهؤلاء جماعة خمسة ، كلهم ثقات غير عمر بن قيس قد وصلوه، فلا يضره إرسال حماد بن سلمة، وأبي أسامة وغيرهما ممن أرسله، ممن جاء ذكره عند البيهقي، قال: ورواه الثوري، وشعبة، وزائدة، وابن المبارك، وشعيب بن إسحاق، وعبيدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ... مرسلاً ، قال أبو عيسى الترمذي: وهذا أصح من حديث الفضل بن موسى (قلت) [ أي الألباني]: قد توبع الفضل من جماعة ثقات كما سبق، والرفع زيادة من ثقات؛ فيجب قبولها؛ لأنه يبعد أن يتفقوا جميعا على الوصل خطأ ) اهــــ
الترجيح بين الأقوال والروايات :
الأصح هي رواية الإرسال وأن الحديث فيه ضعف من هذا الوجه لعدة قرائن وأسباب كثيرة أذكر منها :
السبب الأول : أن من وصله أكثر عددا فقد بلغ عددهم إحدى عشر راو .
السبب الثاني : أن من وصله هم أعلم أصحاب هشام بن عروة كشعبة والثوري وأبو أسامة وسفيان بن عيينة وزائدة وغيرهم .
منهم الثوري : فقد نقل بن رجب في شرح علل الترمذي (2/681) قال الدارقطني : أثبت الرواة عن هشام بن عروة الثوري ، ومالك ويحيى القطان، وابن نمير والليث بن سعد.
(قلت) فهذا الثوري الذي قدمه الدارقطني في حديث هشام على مالك مع من أرسل .
ومنهم أبو أسامة وهو حماد بن أسامة : ففي سؤالات بن الجنيد (74) سئل يحيى بن معين وأنا أسمع : حماد بن سلمة أروى عن هشام بن عروة أو أبو أسامة ؟ فقال: « أبو أسامة »
وقال أحمد كما في شرح العلل لابن رجب (2/681) : وقال أيضاً: ما رأيت أحداً أكثر رواية عن هشام بن عروة من أبي أسامة ، ولا أحسن رواية منه، ثم ذكر حديث "تركة الزبير فقال: ما أحسن ما جاء بذلك الحديث وأتمه ؟ قال: وحديث الإفك حسنه وجوده وجوده )
(قلت) وهذا الثاني أبو أسامة الذي كان يجود أحاديث هشام قد أرسل الحديث .
ومنهم عبدة بن سليمان فقد وجدت البخاري وأبي حاتم كثيرا ما يرجحون روايته عن هشام على بعض الرواة فهو من أوثق الرواة في هشام بن عروة .
ــــ ولهذا لم يكن يحي بن معين يفضل بين أبي أسامة وعبدة لتساويهما في الحفظ والإتقان قَال عثمان بْن سَعِيد الدارمي في تاريخه الترجمة (242) : سألت يحيى بْن مَعِين قلت : أَبُو أسامة أحب إليك أو عبدة بن سُلَيْمان ؟ فقال: ما منهما إلا ثقة ) اهـــ
السبب الثالث : كثيرا ما يرجح أهل الحديث رواية الإرسال في حديث هشام كما يفعله البخاري في العلل الكبير للترمذي وأحمد والدارقطني وغيرهم ، فليس عندهم أن رواية الوصل تقدم دائما في روايات هشام بن عروة .
السبب الرابع : أغلب من روى الوصل في حفظهم شيء أو في روايتهم عن هشام كلام وإليك البيان :
1) ابن جريج : قال الترمذي في العلل الصغير : حَدثنَا أَبُو بكر عَن عَليّ بن عبد الله عَن يحيى بن سعيد قَالَ جَاءَ بن جريج إِلَى هِشَام بن عُرْوَة بِكِتَاب فَقَالَ هَذَا حَدِيثك أرويه عَنْك فَقَالَ نعم قَالَ يحيى فَقلت فِي نَفسِي لَا أَدْرِي أَيهمَا أعجب أمرا ) اهـــ
2) الفضل بن موسى : هو ثقة لكنه يغرب وأحيانا يأتي بمناكير قَال الذهبي في (الميزان) : ما علمت فيه لينا إلا ما روى عَبد اللَّهِ بن علي بن المديني، سمعت أبي وسئل عَن أبي تميلة والسيناني فقدم أبا تميلة، وَقَال: روى الفضل أحاديث مناكير (3 / الترجمة 6754) وَقَال عَبد الله بن علي بن المديني: سَأَلتُ أبي عن حديث الفضل بن موسى، عن معمر عن ابن طاووس عَن أبيه عن ابن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شهر سيفه فدمه هدر؟ فقال: منكر ضعيف (8 / 287)
3) عمر بن قيس : وهو في السند هنا عُمَر بن قيس المكي ، أبو حفص وهو منكر الحديث قال عنه أحمد بْن حنبل: متروك الحديث، ليس يسوى حديثه شيئا، لم يكن حديثه بصحيح، أحاديثه بواطيل . الجرح والتعديل: (6 / الترجمة 703) ولهذا لما روى ابن ماجة رواية عمر بن قيس علق عليها البوصيري فقال في مصباح الزجاجة (1/145): إسناده ضعيف لاتفاقهم على ضعف عمر بن قيس ) اهـــ
السبب الخامس : أن رواية أهل المدينة عن هشام أصح من رواية العراقيين كما قال أحمد بل في رواية العراقيين عنه شيء ، ففي شرح العلل (2/680) : قال ابن خراش في تاريخه : هشام بن عروة كان مالك لا يرضاه ، وكان هشام صدوقاً ، تدخل أخباره في الصحاح، بلغني أن مالكاً نقم عليه حديثه لأهل العراق، قدم الكوفة ثلاث قدمات، قدمة كان يقول: حدثني أبي، قال: سمعت عائشة، وقدم الثانية، فكان يقول: حدثني أبي، عن عائشة، (وقدم الثالثة فكان يقول : أبي، عن عائشة ، يعني لا يذكر السماع )
قال ابن رجب معلقا : وهذا مما يؤيد ما ذكره الإمام أحمد أن حديث أهل المدينة عنه كمالك وغيره ، أصح من حديث أهل العراق عنه ) اهـــ
ثم ذكر بن رجب عن زهير بن أبي خيثمة قال: ورأيت في كتاب علي بن المديني، قال: قال يحيى بن سعيد: رأيت مالك بن أنس في النوم فسألته عن هشام بن عروة، فقال: أما ما حدث به وهو عندنا فهو، أي كأنه صححه، وما حدث به بعدما خرج من عندنا فكأنه يوهنه ).
(قلت) وممن روى الوصل أغلبهم من العراق ونحوه ، مثل محمد بن بشر الكوفي الفضل بن موسى مروزي وعمي بن علي المقدمي البصري وهذه على خفية جدا .
السبب الخامس : وهو الأوثق عندي ولولاه لما قمت وقعدت إلا وهو أنه مذهب المتقدمين كأبي داود والترمذي والدارقطني ، وأنا لا أعدل بمذهب المتقدمين شيئا ، وكل ما رجحوه هو الصواب عندي وهذا ديني واعتقادي .
((شرح الحديث وبيان توجيهه الصحيح ))
قد روى البخاري في الأدب المفرد والبيهقي في الشعب والطبراني في الكبير عن عمران بن حصين موقوفاً : ( أن في المعاريض لمندوحة عن الكذب )
قال ذاك الخطابي في المعالم (ج1: ص248): قال إِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِأَنْفِهِ لِيُوهِمَ الْقَوْمَ أَنَّ بِهِ رُعَافًا، وَفِي هَذَا بَابٌ مِنَ الأَخْذِ بِالأَدَبِ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَإِخْفَاءِ الْقَبِيحِ مِنَ الأَمْرِ وَالتَّوْرِيَةِ بِمَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ، وَلَيْسَ يَدْخُلُ هَذَا فِي بَابِ الرِّيَاءِ وَالْكَذِبِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ التَّجَمُّلِ، وَاسْتِعْمَالِ الْحَيَاءِ، وَطَلَبِ السَّلامَةِ مِنَ النَّاسِ ) اهـــ.
(قلت) ومثله ما رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ، فَتَنَفَّسَ رَجُلٌ، يَعْنِي الْحَدَثَ، وَلَكِنَّهُ كنى، فَقَالَ عُمَرُ: عَزَمْتُ عَلَى صَاحِبِ هَذِهِ إِلا قَامَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى، قَالَ جَرِيرٌ: فَقُلْتُ: اعْزِمْ عَلَيْنَا جَمِيعًا، فَقَالَ: أَعْزِمُ عَلَيَّ وَعَلَيْكُمْ، لما قُمْنَا فَتَوَضَّأْنَا ثُمَّ صَلَّيْنَا ) اهـــ
احتج أهل الحيل من الأحاديث ــ وجعلوه أصلا عندهم ــ بحديث عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه و لينصرف و ليتوضأ .
قَالَ الْحَاكِم في الستدرك عند تخريجه لهذا الحديث : وَسمعت عَلّي بن عمر الْحَافِظ يَقُول: سَمِعت أَبَا بكر الشَّافِعِي الصَّيْرَفِي يَقُول: كل من أفتَى من أَئِمَّة الْمُسلمين بالحيل إِنَّمَا أَخذه من هَذَا الحَدِيث .
(قلت) وعلى هذا مضى أهل الحيل في جدالاتهم إلى يومنا هذا تواطؤوا على الإحتجاج بهذا الحديث في حيلهم ومن ذلك على سبيل المثال :
ما قاله صاحب كتاب الفيض القدير عند شرحه : ( فيه مشروعية الحيل التي يتوصل بها إلى مصالح ومنافع دينية ) !!
والجواب :
من حيث العموم نقول : لنا مع هذا الحديث وقفات :
أولا : الحديث مرسل والمرسل ضعيف فكيف تحتجون علينا بالمراسيل ؟؟
ثانيا : ليس في معناه إن صح ما يدل على الحيل أبدا ، بل أقصى ما فيه جواز المعاريض للحاجة فقط هذا من حيث العموم وإليكم التفاصيل :
( تخريج الحديث وبيان حكمه عند أهل الحديث المتقدمين )
أخرجه الحاكم في المستدرك (1/293 رقم: 655) و(1/391 رقم: 958) ، وأبو داود (كتاب الصلاة / باب استئذان المحدث الإمام: رقم: (1114) وابن ماجه (كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها/ باب ما جاء فيمن أحدث في الصلاة كيف ينصرف: رقم: 1222)، وابن خزيمة في صحيحه (2/108 رقم: 1019) والدارقطني في سننه (1/289 رقم: 587) الترمذي في العلل الكبير (ص99 رقم: 170) و(1/391 رقم: 958) والبيهقي في الكبرى (2/361 رقم: 3378، و3379 ) وفي معرفة السنن (3/386 -387 رقم: 6556 -6557) وابن الجارود في المنتقى (ص66 رقم: 222) وابن حبان في صحيحه 6/11 رقم: 2239) من طريق ابن جريج والفضلُ بن موسى وعمرُ بن علي المقدمي وعمرُ بن قيس ومحمدُ بن بشر العبدي كلهم ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عائشة هكذا موصولا وسيأتي ذكر الروايات المرسلة تخريجها )
الحكم على الحديث :
السند إلى عروة صحيح فقد رواه عشرات الرواة الثقات عن عروة ، لكن وقع بينهم فيه خلاف شديد بين وصله وإرساله ، وسوف نعرض الخلاف ثم نرجح الأصح بينهما :
أولا : الروايات الموصولة :
رواه موصولا كل من : والفضلُ بن موسى ، وعمرُ بن علي المقدمي، وعمرُ بن قيس، ومحمدُ بن بشر العبدي وابنَ جريج .
1- أما رواية الفضلُ بن موسى : فأخرجها الترمذي في العلل الكبير (ص99 رقم: 170)، والحاكم في المستدرك (1/294 رقم: 656) و(1/391 رقم: 958)، والدارقطني في سننه (1/289 رقم: 589)، والبيهقي في الكبرى (2/361 رقم: 3378، و3379 ) وفي معرفة السنن (3/386 -387 رقم: 6556 -6557)، وابن الجارود في المنتقى (ص66 رقم: 222)، وابن حبان في صحيحه 6/11 رقم: 2239) من طريق الفضل بن موسى، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
2- وأما رواية عمر بن علي المقدمي: فأخرجها ابن ماجه (كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها/ باب ما جاء فيمن أحدث في الصلاة كيف ينصرف: رقم: 1222)، وابن خزيمة في صحيحه (2/108 رقم: 1019)، وابن حبان في صحيحه (6/9 -10 رقم: 2238)، والدارقطني في سننه (1/288 رقم: 585) من طريق عمر بن علي المقدمي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
3- وأما رواية عمر بن قيس : فأخرجها ابن ماجه (كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها/ باب ما جاء فيمن أحدث في الصلاة كيف ينصرف: رقم: 1222) من طريق عمر بن قيس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
4- وأما رواية محمد بن بشر العبدي : فأخرجها الدارقطني في سننه (1/288 رقم: 586)، من طريق محمد بن بشر العبدي , عن هشام بن عروة , عن أبيه , عن عائشة.
5 ــــــ رواية بن جريح : أخرجها الحاكم في المستدرك (1/293 رقم: 655) وأبو داود (كتاب الصلاة / باب استئذان المحدث الإمام: رقم: (1114) والدارقطني في سننه (1/289 رقم: 587) والبيهقي في الكبرى (2/361 رقم: 3378، و3379 )
وأما الروايات المرسلة :
فرواه مرسلا كل من : سفيان الثوري وعبد الله بن داود وعبدة بن سليمان وسفيان بن عيينة وإسماعيل المؤدب وأبي أسامة وحماد بن سلمة وشعبة وزائدة بن قدامة وابن المبارك وشعيب بن إسحاق ويحي بن أيوب .
1- فأما رواية سفيان الثوري : فأخرجها عبد الرزاق في المصنف (1/140 رقم: 532) عن الثوري ، عن هشام بن عروة، عن أبيه مرفوعاً ).
2- وأما رواية عبد الله بن داود :فأخرجها مسدد في مسنده كما في إتحاف الخيرة (2/250 رقم: 1444) عن عبد الله بن داود ، ثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ).
3- وأما رواية عبدة بن سليمان: فأخرجها ابن أبي داود في مسند عائشة (ص73 رقم: 55)، من طريق عبدة بن سليمان، عن هشام، عن أبيه مرفوعاً ).
4 و 5 ـــــ سفيان بن عيينة وإسماعيل المؤدب : أشار إليهما الدارقطني في علله (14/160 رقم: 3501)
6 و7 ــــــ أبو أسامة وهو حماد بن أسامة و حماد بن سلمة : هكذا جاءت عند أبو داود في سننه (ص73 رقم: 55) فقال : رواه حماد بن سلمة وأبو أسامة عن هشام عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكرا عائشة رضي الله عنها .
(تنبيه) كنت أشك أن (الواو) بين حماد بن سلمة وأبي أسامة في كلام أبي داود في سننه زائدة فيكون حماد بن سلمة أبو أسامة لأنها كنيته ثم وقفت على أن من الرواة عن هشام بن عروة أبي أسامة حماد بن أسامة وأنه هو المقصود من كلام أبي داود ، وهو يشتبه بكنية حماد بن سلمة ورأيت أهل الحديث عندما يطلقون ( أبو أسامة ) يعنون به حماد بن أسامة ، أما حماد بن سلمة في الغالب لا يكنونه للتفريق بينهما ، وإذا كنوه يذكرون اسمه كاملا فيقولون (حماد بن سلمة أبو أسامة ) ذكرت هذا للتنبيه لأنه قد يقع الغلط فيه كثيرا .
( 8 و9 و10) ـــــــ شعبة وزائدة بن قدامة وابن المبارك وشعيب بن إسحاق :
أشار إلى هاته المتابعات البيهقي في سننه (2/ 254) ولم أقف على أسانيدهم .
11) يحي بن أيوب : أشار إليه الدارقطني في علله (14/160 رقم: 3501) ولم أقف على إسناد هاته المتابعة إلا ما أشار إليه هنا .
ذكر الأقوال في الترجيح بين الوصل والإرسال :
أولا : من رجح إرساله : وهم المتقدمون من أهل الحديث كل من الدارقطني والترمذي وابن خزيمة وأبي داود ومال إليه ذاك البيهقي .
1) الدارقطني : فقد قال في العلل (14/160 رقم: 3501) وقد سئل عن هذا الحديث.
قال: يرويه هشام بن عروة ، واختلف عنه :
فرواه الفضل بن موسى، وابن المبارك، من رواية جبارة عنه، ومحمد بن بشر، وعمر بن علي المقدمي ، وابن جريج ، وعمر بن قيس، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة.
وخالفهم سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة ، وأبو إسماعيل المؤدب ، وعبدة بن سليمان، ويحيى بن أيوب، فرووه عن هشام، عن أبيه مرسلا. والمرسل أصح ) اهـــ .
2) الترمذي : فقد قال في علله الكبير (1/306) مرجحا رواية الإرسال : هشام بن عروة , عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أصح من حديث الفضل بن موسى ) .
3) ابن خزيمة : فقد قال في صحيحه : أنا خائف أن يكون ذكر عائشة في هذا الخبر وهم فإن حفاظ أصحاب ابن هشام قالوا : عن عروة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً.
3) أبو داود : فقد قال في سننه مشيرا إلى إعلال رواية الوصل : رواه حماد بن سلمة وأبو أسامة عن هشام عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ،لم يذكرا عائشة رضي الله عنها.
4) البيهقي : قال في سننه بعد ذكره لرواية بن جريج الموصولة ( وكذَلِكَ رَوَاهُ الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّينَانِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ هِشَامٍ مُرْسَلًا دُونَ ذِكْرِ عَائِشَةَ فِيهِ، وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ هِشَامٍ مُرْسَلًا قَالَ : " إِذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلْيُمْسِكْ عَلَى أَنْفِهِ ثُمَّ لِيَخْرُجْ ) .
وقال أيضا بإثر حديث الفضل بن موسى عن هشام : تابعه على وصله حجاج بن محمد عن ابن جريج عن هشام، وعمر بن علي المقدمي عن هشام، وجبارة بن المغلس عن عبد الله بن المبارك عن هشام ورواه الثوري وشعبة وزائدة وابن المبارك وشعيب بن إسحاق وعبيدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، مرسلاً، قال أبو عيسى الترمذي: وهذا أصح من حديث الفضل بن موسى ) .
(ثانيا) : من رجح وصله :
وهو اختيار المتأخرين ابتداء من الحاكم وبن حبان والعسقلاني والبوصيري والألباني وغيرهم .
1) الحاكم : قال في مستدركه بعد روايته لرواية بن جريج الموصولة : تَابَعَهُ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ « وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ »
2) ابن حبان : قال في صحيحه بعد تصحيح رواية الوصل : ( من زعم أن هذا الخبر ما رفعه عن هشام بن عروة إلا المقدمي فهو مدحوض القول ) اهــــ
3) العسقلاني : أشار في النكت الظراف بهامش تحفة الأشراف (12/174) إلى أن الحديث صحيح ورد على الترمذي تعليله إياه .
4) البوصيري : قال في تحفة المهرة : ( هكذا رواه مسدد مرسلاً ، ورواه ابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والدارقطني وابن الجارود والحاكم كلهم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا، وهو الصواب ) اهــ .
5) الألباني : قال في صحيح أبي داود (4/278) : « فهؤلاء جماعة خمسة ، كلهم ثقات غير عمر بن قيس قد وصلوه، فلا يضره إرسال حماد بن سلمة، وأبي أسامة وغيرهما ممن أرسله، ممن جاء ذكره عند البيهقي، قال: ورواه الثوري، وشعبة، وزائدة، وابن المبارك، وشعيب بن إسحاق، وعبيدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ... مرسلاً ، قال أبو عيسى الترمذي: وهذا أصح من حديث الفضل بن موسى (قلت) [ أي الألباني]: قد توبع الفضل من جماعة ثقات كما سبق، والرفع زيادة من ثقات؛ فيجب قبولها؛ لأنه يبعد أن يتفقوا جميعا على الوصل خطأ ) اهــــ
الترجيح بين الأقوال والروايات :
الأصح هي رواية الإرسال وأن الحديث فيه ضعف من هذا الوجه لعدة قرائن وأسباب كثيرة أذكر منها :
السبب الأول : أن من وصله أكثر عددا فقد بلغ عددهم إحدى عشر راو .
السبب الثاني : أن من وصله هم أعلم أصحاب هشام بن عروة كشعبة والثوري وأبو أسامة وسفيان بن عيينة وزائدة وغيرهم .
منهم الثوري : فقد نقل بن رجب في شرح علل الترمذي (2/681) قال الدارقطني : أثبت الرواة عن هشام بن عروة الثوري ، ومالك ويحيى القطان، وابن نمير والليث بن سعد.
(قلت) فهذا الثوري الذي قدمه الدارقطني في حديث هشام على مالك مع من أرسل .
ومنهم أبو أسامة وهو حماد بن أسامة : ففي سؤالات بن الجنيد (74) سئل يحيى بن معين وأنا أسمع : حماد بن سلمة أروى عن هشام بن عروة أو أبو أسامة ؟ فقال: « أبو أسامة »
وقال أحمد كما في شرح العلل لابن رجب (2/681) : وقال أيضاً: ما رأيت أحداً أكثر رواية عن هشام بن عروة من أبي أسامة ، ولا أحسن رواية منه، ثم ذكر حديث "تركة الزبير فقال: ما أحسن ما جاء بذلك الحديث وأتمه ؟ قال: وحديث الإفك حسنه وجوده وجوده )
(قلت) وهذا الثاني أبو أسامة الذي كان يجود أحاديث هشام قد أرسل الحديث .
ومنهم عبدة بن سليمان فقد وجدت البخاري وأبي حاتم كثيرا ما يرجحون روايته عن هشام على بعض الرواة فهو من أوثق الرواة في هشام بن عروة .
ــــ ولهذا لم يكن يحي بن معين يفضل بين أبي أسامة وعبدة لتساويهما في الحفظ والإتقان قَال عثمان بْن سَعِيد الدارمي في تاريخه الترجمة (242) : سألت يحيى بْن مَعِين قلت : أَبُو أسامة أحب إليك أو عبدة بن سُلَيْمان ؟ فقال: ما منهما إلا ثقة ) اهـــ
السبب الثالث : كثيرا ما يرجح أهل الحديث رواية الإرسال في حديث هشام كما يفعله البخاري في العلل الكبير للترمذي وأحمد والدارقطني وغيرهم ، فليس عندهم أن رواية الوصل تقدم دائما في روايات هشام بن عروة .
السبب الرابع : أغلب من روى الوصل في حفظهم شيء أو في روايتهم عن هشام كلام وإليك البيان :
1) ابن جريج : قال الترمذي في العلل الصغير : حَدثنَا أَبُو بكر عَن عَليّ بن عبد الله عَن يحيى بن سعيد قَالَ جَاءَ بن جريج إِلَى هِشَام بن عُرْوَة بِكِتَاب فَقَالَ هَذَا حَدِيثك أرويه عَنْك فَقَالَ نعم قَالَ يحيى فَقلت فِي نَفسِي لَا أَدْرِي أَيهمَا أعجب أمرا ) اهـــ
2) الفضل بن موسى : هو ثقة لكنه يغرب وأحيانا يأتي بمناكير قَال الذهبي في (الميزان) : ما علمت فيه لينا إلا ما روى عَبد اللَّهِ بن علي بن المديني، سمعت أبي وسئل عَن أبي تميلة والسيناني فقدم أبا تميلة، وَقَال: روى الفضل أحاديث مناكير (3 / الترجمة 6754) وَقَال عَبد الله بن علي بن المديني: سَأَلتُ أبي عن حديث الفضل بن موسى، عن معمر عن ابن طاووس عَن أبيه عن ابن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شهر سيفه فدمه هدر؟ فقال: منكر ضعيف (8 / 287)
3) عمر بن قيس : وهو في السند هنا عُمَر بن قيس المكي ، أبو حفص وهو منكر الحديث قال عنه أحمد بْن حنبل: متروك الحديث، ليس يسوى حديثه شيئا، لم يكن حديثه بصحيح، أحاديثه بواطيل . الجرح والتعديل: (6 / الترجمة 703) ولهذا لما روى ابن ماجة رواية عمر بن قيس علق عليها البوصيري فقال في مصباح الزجاجة (1/145): إسناده ضعيف لاتفاقهم على ضعف عمر بن قيس ) اهـــ
السبب الخامس : أن رواية أهل المدينة عن هشام أصح من رواية العراقيين كما قال أحمد بل في رواية العراقيين عنه شيء ، ففي شرح العلل (2/680) : قال ابن خراش في تاريخه : هشام بن عروة كان مالك لا يرضاه ، وكان هشام صدوقاً ، تدخل أخباره في الصحاح، بلغني أن مالكاً نقم عليه حديثه لأهل العراق، قدم الكوفة ثلاث قدمات، قدمة كان يقول: حدثني أبي، قال: سمعت عائشة، وقدم الثانية، فكان يقول: حدثني أبي، عن عائشة، (وقدم الثالثة فكان يقول : أبي، عن عائشة ، يعني لا يذكر السماع )
قال ابن رجب معلقا : وهذا مما يؤيد ما ذكره الإمام أحمد أن حديث أهل المدينة عنه كمالك وغيره ، أصح من حديث أهل العراق عنه ) اهـــ
ثم ذكر بن رجب عن زهير بن أبي خيثمة قال: ورأيت في كتاب علي بن المديني، قال: قال يحيى بن سعيد: رأيت مالك بن أنس في النوم فسألته عن هشام بن عروة، فقال: أما ما حدث به وهو عندنا فهو، أي كأنه صححه، وما حدث به بعدما خرج من عندنا فكأنه يوهنه ).
(قلت) وممن روى الوصل أغلبهم من العراق ونحوه ، مثل محمد بن بشر الكوفي الفضل بن موسى مروزي وعمي بن علي المقدمي البصري وهذه على خفية جدا .
السبب الخامس : وهو الأوثق عندي ولولاه لما قمت وقعدت إلا وهو أنه مذهب المتقدمين كأبي داود والترمذي والدارقطني ، وأنا لا أعدل بمذهب المتقدمين شيئا ، وكل ما رجحوه هو الصواب عندي وهذا ديني واعتقادي .
((شرح الحديث وبيان توجيهه الصحيح ))
قد روى البخاري في الأدب المفرد والبيهقي في الشعب والطبراني في الكبير عن عمران بن حصين موقوفاً : ( أن في المعاريض لمندوحة عن الكذب )
قال ذاك الخطابي في المعالم (ج1: ص248): قال إِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِأَنْفِهِ لِيُوهِمَ الْقَوْمَ أَنَّ بِهِ رُعَافًا، وَفِي هَذَا بَابٌ مِنَ الأَخْذِ بِالأَدَبِ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَإِخْفَاءِ الْقَبِيحِ مِنَ الأَمْرِ وَالتَّوْرِيَةِ بِمَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ، وَلَيْسَ يَدْخُلُ هَذَا فِي بَابِ الرِّيَاءِ وَالْكَذِبِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ التَّجَمُّلِ، وَاسْتِعْمَالِ الْحَيَاءِ، وَطَلَبِ السَّلامَةِ مِنَ النَّاسِ ) اهـــ.
(قلت) ومثله ما رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ، فَتَنَفَّسَ رَجُلٌ، يَعْنِي الْحَدَثَ، وَلَكِنَّهُ كنى، فَقَالَ عُمَرُ: عَزَمْتُ عَلَى صَاحِبِ هَذِهِ إِلا قَامَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى، قَالَ جَرِيرٌ: فَقُلْتُ: اعْزِمْ عَلَيْنَا جَمِيعًا، فَقَالَ: أَعْزِمُ عَلَيَّ وَعَلَيْكُمْ، لما قُمْنَا فَتَوَضَّأْنَا ثُمَّ صَلَّيْنَا ) اهـــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق