الجمعة، 15 سبتمبر 2017

الخلفية مما وراء توسعة العذر للخَلق عند ابن تيمية

الخلفية مما وراء توسعة العذر للخَلق عند ابن تيمية


بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد :

قبل أن أقرر أن أكتب في هذا الرجل توقفت لسنوات وأنا متردد فيما أرى بعيني من مخالفات لمذهب السلف خطيرة ، وفكرت طويلا ، وكم دعوت الله أن يريني الحق فيه حتى تبين لي جليا أمره بفضل الله عزوجل ، وقد كنت في بداية طلبي قرأت له كثيرا ، يمكن أغلب كتبه قرأتها ، أما الفتاوى فقد قرأته كله ، فضلا عن بقية كتبه ، ولهذا كل ما سأكتبه في هذا الكتاب فهو ما رأته عيني ، ووعاه قلبي ، لا عن غيري ، وهذا البحث أكتبه للموحدين الذين يحبون الحديث والأثر والسلف ، والذين أشكل عليهم الموقف من ابن تيمية ، لا لكل أحد ، وإلا فإن المرجئة والجهمية وأهل البدع عموما ، سيفرحون بهذا الجمع لأنه يعتبر خدمة لهم ، وهو في الحقيقة فضيحة لهم ، وأقول أنه للموحدين فقط ، لأني سأكتفي بعرض مذهب بن تيمية دون الرد عليه ، إنما أضع خطا تحت كل ضلالة يكتفي بها الموحد عن كثرة الكلام ، لأن هذا البحث مجرد إثبات حقيقة مذهب ابن تيمية للموحدين ، وكأني أقول لهم : هذا هو قول ابن تيمية بلا شك فما رأيكم فيه !! فهو باختصار : ( إثبات وعرض يكفي الموحد الإطلاع عليه ) وسأبين في هذا المجموع مذهبه المطرد في قضايا التكفير والعذر بالجهل في الشرك والبدع والضلالات والحكم على الطوائف وأهل الملل ، وكيف جعله أصلا مطردا ومشى عليه دون نقضه حتى مات ، وسنكشف عن حقائق أخفاها حسن الظن ، وكشفها الإرتياب ، تبين من خلالها منهجه الذي خفي على أكثر محبيه ، بينما تبدّى لمن شاء الله من عباده ، فإنه قد أسس أصولا وقواعد واضحة الإطراد في أقواله وأحكامه في مجالات عديدة من العلم ، حتى لا ينكر أي أحد إذ رآها مجموعة في مكان واحد ، أنه مذهبه لا محالة ، وستعلم من خلال هذا البحث أن الكلمة التي قالها تلميذه الذهبي عميقة وواقعية المدى حين قال عن شيخه : ( مذهبه توسعة العذر للخلق ) وعلى هذا الأصل ألف كتابه رفع الملام عن الأئمة الأعلام ، وكان قصده الخفي منه التمكين لهذا الأصل ، وها قد حان الوقت لمعرفة إلى أين مدى وصل مذهب التوسعة في الأعذار عند ابن تيمية ، ولكي تعلم هل تعدَّى ابن تيمية الخطوط الحمراء أم لا ، إقرأ هذه الأوراق  . 

 مقدمة : وهنا نقول : ما هو الأصل الذي اعتمد عليه بن تيمية في أحكامه ، وجعله مطردا في جميع كلامه على الطوائف والملل : فأقول : أراد بن تيمية أن يغلب جانب الرحمة بمفهومها الواسع ، وكم كان يتكلم عن الرحمة والعدل في كتبه وله في ذلك مؤلفات على شكل قواعد ، لكنه فتعدى حدود صفة الرحمة ونجاوز العقبات والخطوط الحمراء ، ثم تغافل عن صفة الغضب والإنتقام لله تعالى ، وغفل عما أوجبه من الكفر بالطاغوت والولاء والبراء ، فوقع في مذاهب الجهمية والإعتزال والإرجاء ويكأنه يعلم !! ويبدو أن طبعه الرقيق طغى عليه كما وصفه به مترجموه ، فجعل طبعه ذاك يتحكم في أحكامه وأقواله ، ومن هنا جاء بأصله المشهور في تأليفاته وكتبه ، وهو توسعة العذر للخلق ، وحتى يتم له توسعة الأعذار للمدى البعيد ، فلابد له من أدوات ، ولهذا اضطر إلى أن يخترع أصلا خطيرا اسمه ( المعين ) ووضع له ( شروطا وموانعا ) !! ثم عززه بمنهج الوازنات ، وحتى تتم له الأمر زعم أن الفرق الضالة كلها كافرها ومبتدعها داخل تحت اسم الأمة المحمدية ، وكل لم يأت به الوحي ، ولم يسبقه أي أحد في هذه الضوابط المخترعة من السلف ، إنما هو من بصمته تظهر عليها حقوق الطبع للمؤلف وإليك البيان والتفصيل :
(تنبيه) تأمل كل (سطر) وضعت تحته (خط) فهو تنبيه مهم (للعلل) حتى لا أكثر التعليق ، وأيضا كان يمكنني نقل عشرات المواضع في كل فصل عنه ومن عدة كتب مختلفة المتأخرة منها والمتقدمة كلها نفس الكلام والمحتوى يعيده في جميع كتبه ، ولكن اجتنابا للتطويل واستحبابا للإختصار أقتصر في كل فصل على موضعين أو ثلاث فقط .

المبحث الأول : التأصيل النظري لهذه التوسعة : 

 وهنا تأصيلات ابن تيمية لهذه القاعدة الكبيرة الفضفاضة لابد من عرضها قبل الدخول في تطبيقاته لها على الفرق والملل ، فلكي يوسع العذر جدا احتاج لأدوات التوسعة وهي كالتالي :

الأصل الأول : واختراعه للعموم والتعيين في التكفير :

اخترع أصلا خطيرا اسمه ( المعين ) فجعل به الشرك كالهواء لا يقع على شيء فيتجسم إلا وعاد كالزئبق محالا يتشكل !! ثم عززه بموانع كالصخر ، ولم يسبقه أي أحد في هذا الضابط المخترع لا من السلف ، ولا من أهل البدع فيما نعلم ، وإليك بعض كلامه فيه :  
وقال في مجموع الفتاوى (12/497-498) : فهذا الكلام يمهد أصلين عظيمين، أحدهما: أن العلم والإيمان والهدى فيما جاء به الرسول، وأن خلاف ذلك كفر على الإطلاق ، فنفي الصفات كفر ، والتكذيب بأن الله يرى في الآخرة ، أو أنه على العرش ، أو أن القرآن كلامه ، أو أنه كلم موسى ، أو أنه اتخذ إبراهيم خليلاً كفر، وكذلك ما كان في معنى ذلك. وهذا معنى كلام أئمة السنة وأهل الحديث ، والأصل الثاني : أن التكفير العام ، كالوعيد العام يجب القول بإطلاقه ، وعمومه ، وأما الحكم على المعين بأنه كافر أو مشهود له بالنار، فهذا يقف على الدليل المعين، فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه، وانتفاء موانعه ) اهـ قال: وهو قول الجهمية الذين كفرهم السلف والأئمة تكفيراً مطلقاً ، وإن كان الواحد المعين لا يكفر إلا بعد قيام الحجة التي يكفر تاركها ) اهــــ

وقال : وكذلك تنازع المتأخرون من أصحابنا في تخليد المكفر من هؤلاء - أي الجهمية - فأطلق أكثرهم عليه التخليد ، كما نقل ذلك عن طائفة من متقدمي علماء الحديث كأبي حاتم وأبي زرعة وغيرهم. وامتنع بعضهم من القول بالتخليد ، وسبب هذا التنازع : تعارض الأدلة ، فإنهم يرون أدلة توجب إلحاق أحكام الكفر بهم ، ثم إنهم يرون من الأعيان الذين قالوا تلك المقالات من قام به من الإيمان ما يمتنع أن يكون كافراً ، فيتعارض عندهم الدليلان. وحقيقة الأمر: أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة، ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع، كلما رأوهم قالوا: من قال كذا فهو كافر. اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتقي في حق المعين ، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط، وانتفت الموانع ) اهـ (مجموع الفتاوى 12/487-488)

وقال : "وكنت أبين لهم أن ما نقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا، فهو أيضاً حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق، والتعيين ) اهـ (مجموع الفتاوى 3/230)

وقال: "والتحقيق في هذا : أن القول قد يكون كفراً ، كمقالات الجهمية الذين قالوا: إن الله لا يتكلم ولا يرى في الآخرة. ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر، فيطلق القول بتكفير القائل؛ كما قال السلف: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر. ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر. ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة) اهـ (مجموع الفتاوى 7/619)

الأصل الثاني : تقييده بالشروط والموانع : 

لا نعرف شروطا وموانعا غير الذي في قوله تعالى ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) على تفصيل فيها ، وغير التي في حديث  ( رفع القلم عن ثلاث : المجنون حتى يفيق .. النائم حتى يستيقظ ... الطفل حتى يبلغ ) لكن لم يكتف بن تيمية بهذه الموانع الشرعية ، لابد حتى يتم له توسيع العذر أن يضيف موانع أخرى ، لأن الشرع سيضيق عليه الأعذار ، فابتدع العذر (بالجهل والتأويل والإجتهاد) وهكذا اتسع مشروعه على نطاقه واسع ، فمما قال :

قال في مجموع الفتاوى (12/487-488) : التكفير له شروط وموانع قد تنتقي في حق المعين وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع يبين هذا : أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات ، لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه ) اهـ 

وقال في منهاج السنة (5/240) : ولا يلزم إذا كان القول كفرا ، أن يكفر كل من قاله مع الجهل والتأويل فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعين كثبوت الوعيد في الآخرة في حقه وذلك له شروط وموانع ، كما بسطناه في موضعه ) اهـــ 

وقال في مجموع الفتاوى (12/489) : وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة، صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون : القرآن مخلوق ، وإن الله لا يرى في الآخرة. وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه كفر به قوماً معينين ، فأما أن يذكر عنه في المسألة روايتان، ففيه نظر ، أو يحمل الأمر على التفصيل فيقال : من كفره بعينه ، فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير، وانتفت موانعه ، ومن لم يكفره بعينه ، فلانتفاء ذلك في حقه. هذا مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم ) اهـــ

الأصل الثالث : أن هذه الأمة مغفور لها بإطلاق ولا تضر اختلافها في الأصول :

ادعى بن تيمية أن كل الفرق على تنوع مللها وبدعها تدخل تحت اسم الأمة المحمدية ، وبالتالي وبهذه المقدمة ، أدخل الجهمية والورافض والأشعرية والعديد من الفرق الكافرة ، التي هي خارجة عن مسمى الفرق الضالة المذكورة في الحديث ، كما قال سفيان الثوري وغيره من السلف ، وبالتالي أمكنه هذا من إيجاد أعذار لهم تنجيهم من الكفر . 

فكان مما قال : كل من أظهر الإسلام ، ولم يكن منافقاً ، فهو مؤمن له من الإيمان بحسب ما أوتيه من ذلك وهو ممن يخرج من النار ، ولو كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ويدخل في هذا : جميع المتنازعين في الصفات والقدر، على اختلاف عقائدهم ) اهــ [ (مجموع الفتاوى 5/254) ]

قال في مجموع الفتاوى : « هذا مع أني دائماً - ومن جالسني يعلم ذلك مني - أني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية ، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها ، كان كافراً تارة ، وفاسقاً تارة أخرى ، وعاصياً أخرى ، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها ، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية ، والمسائل العملية ».

وقال أيضاً : « وهذا يبين أن كل من أقر بالله فعنده من الإيمان بحسب ذلك، ثم من لم تقم عليه الحجة بما جاءت به الأخبار لم يكفر بجحده ، وهذا يبين أن عامة أهل الصلاة مؤمنون بالله ورسوله وإن اختلفت اعتقاداتهم في معبودهم وصفاته ، إلا من كان منافقاً يظهر الإيمان بلسانه ويبطن الكفر بالرسول ، فهذا ليس بمؤمن » اهــــ
وقال أيضاً : « وبيان هذا الموضوع مما يزيل الشبهة ، فإن كثيراً من الفقهاء يظن أن كل من قيل : هو كافر ، فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة ، فلا يرث ولا يورث ولا يناكح، حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه بالتأويل من أهل البدع ، وليس الأمر كذلك ، فإنه قد ثبت أن الناس كانوا ثلاثة أصناف ، مؤمن ، وكافر مظهر للكفر ، ومنافق مظهر للإسلام مبطن للكفر وكان في المنافقين من يعلمه الناس بعلامات ، ودلالات ، بل لا يشكون في نفاقه ، ومن نزل القرآن ببيان نفاقه كابن أبي ، وأمثاله. ومع هذا فلما مات هؤلاء ، ورثهم ورثتهم المسلمون. وكان إذا مات لهم ميت آتوهم ميراثه وكانت تعصم دماؤهم حتى تقوم السنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته »

الأصل الرابع : لا يضلل المخطأ المجتهد ولو في الأصول :

إذا جمعت بين العذر بالجهل مع العذر بالإجتهاد لا يمكنك أبدا تكفير أي معين ، واتسع لديك العذر كالبحر ، وهذا الذي فعله ابن تيمية بالضبط ، إن جئته من جهة كفر العوام قال جهال !! وإن جئت من باب كفر العلماء قال مجتهدون !! وهذا مذهب المعتزلة على التحقيق ، فإن السلف أجمعوا على أنه لا عذر في اجتهاد في مسائل الإعتقاد كما قرره الشافعي وأحمد والدارمي وابن منده وغير واحد من السلف [ أنظر : ذم الكلام (1131) والنقض للدارمي (54) والبدع لابن وضاح (27) والتبصير للطبري (ص113) ] وإنما اشتهر بنشر هذا القول المعتزلة وعلى رأسهم العنبري المعتزلي الذي كفره غير واحد بقوله ذاك .

فمما قال ابن تيمية في هذا : قال في منهاج السنة (5/239) : المتأول الذي قصده متابعة الرسول، لا يكفر، بل ولا يفسق، إذا اجتهد فأخطأ، وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية ، وأما مسائل العقائد ، فكثير من الناس كفر المخطئين فيها ، وهذا القول لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان (!!) ولا عن أحد من أئمة المسلمين ) اهـــ

وقال : ومن جعل كل مجتهد في طاعة أخطأ في بعض الأمور ، مذموماً معيباً ممقوتاً ، فهو مخطئ ضال مبتدع !! ) اهـــ (مجموع الفتاوى 11/15)

وقال : والقول المحكي عن عبيدالله بن الحسن العنبري ، هذا معناه : أنه كان لا يؤثم المخطئ من المجتهدين من هذه الأمة ، لا في الأصول ، ولا في الفروع ، وأنكر جمهور الطائفتين من أهل الكلام والرأي ، على عبيدالله هذا القول ، وأما غير هؤلاء ، فيقول: هذا قول السلف ، وأئمة الفتوى كأبي حنيفة والشافعي والثوري وداود بن علي وغيرهم، لا يؤثمون مجتهداً مخطئا في المسائل الأصولية ولا في الفروعية (!) ، كما ذكر ذلك عنهم ابن حزم (!!) وغيره ، ولهذا كان أبو حنيفة والشافعي وغيرهما، يقبلون شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية ، ويصححون الصلاة خلفهم ، والكافر لا تقبل شهادته على المسلمين ولا يصلى خلفه وقالوا : هذا هو القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين ، أنهم لا يكفرون ولا يفسقون ولا يؤثمون أحداً من المجتهدين المخطئين ، لا في مسألة عملية، ولا علمية ) اهـ [ ( مجموع الفتاوى 19/206-207) ]

وقال: وأما التكفير ، فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقصد الحق فأخطأ ، لم يكفر ، بل يغفر له خطؤه (!!) ، ومن تبين له ما جاء به الرسول ، فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ، واتبع غير سبيل المؤمنين ، فهو كافر ) اهـ (مجموع الفتاوى 12/180)

الأصل الخامس : منهج الموازانات

ولأكون صريحا ، الموازنات بين الحسنات والسيئات منهج صحيح بل هو العدل الذي قامت به السموات والأرض وينصب له الموازين يوم القيامة ، لكن هذا الميزان له كفتان يزن الذرة ويستشعرها ، فبالله عليكم كيف تتخيلوا أن يوضع الشرك في كفة ، والأخلاق مثلا في كفة أخرى ولا تطيش الأخلاق !! أم كيف حتمل عقل رجل ، أن يجعل الجهمي في كفة ، وحسناته في كفة فترجح حسناته  أو تتعادل !! فالكفار لا ينصب له ميزان يوم القيامة أصلا فكيف ننصبه له في الدنيا ، والمبتدع لا يقبل له صرف ولا عدل ، فماذا وضعتم في كفته الأخرى غير البدع والضلالات ؟ فأنا حقيقة مندهش كيف استعملوا الميزان والموازنات !! وابن تيمية أول من اخترع منهج الموازنات بشكله الحاضر مع الزنادقة وأهل البدع !! وكنا نحسب أن هذه الطريقة الغبية التي تعتمد على الموازنات هي من اختراع ذاك الذهبي ، فشتمناه ونهرناه ونسينا أنه مجرد تلميذ لشيخ طريقته تلك ! بل اكتفى الذهبي فقط بالنسخ واللصق كما يقال فابن تيمية في كتبه أثنى على مئات رؤوس البدع والزندقة والإلحاد بزعم أن لهم لهم حسنات وذكاء وفضل وخدمة للإسلام والرد على أهل البدع !! لو نقلتها لكم بحذف اسمه لقلتم ـــ والله ـــ هذا الذهبي !! وسأنقل بعض النصوص هنا ولولا خشية الإطالة لنقلت كراسة منها : 

قال بن تيمية مثلا : أما التميميون كأبي الحسن وابن أبي الفضل وابن رزق الله ، فهم أبعد عن الإثبات ، وأقرب إلى موافقة غيرهم، وألين لهم ، ولهذا تتبعهم الصوفية ، ويميل إليهم فضلاء الأشعرية (!!) ، كالباقلاني، والبيهقي ) اهـ ( مجموع الفتاوى ) 

وقال في مجموع الفتاوى (18/5253) : وقد أمر الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي وقال: أخذها منه أفضل من أخذ عكا ، مع أن الآمدي لم يكن أحد في وقته أكثر تبحراً في العلوم الكلامية والفلسفية منه وكان من أحسنهم إسلاماً ، وأمثلهم اعتقاداً !! ) اهـ 

(قلت) الآمدي أصلا تارك صلاة كما ثبت عنه ، زيادة على كونه جهميا !! 

قال في المنهاج (2/452) : وَعبْد الرحْمن الْأَصمّ - وَإِن كان معْتَزِلِيًّا - فَإِنهُ مِنْ فضلاء النَّاسِ وعلمَائِهمْ (!!) ، وَلَهُ تَفْسِير. وَمِن تَلَامِيذِهِ إِبْراهِيم بْن إِسْمَاعِيل بْن علَيّة ، وَلِإِبْراهِيمَ مناظرات فِي الْفقْه وَأصولِهِ مع الشَّافِعِي وَغيْرِه ، وَفِي الْجمْلَة فهؤلَاء من أذْكِيَاءِ النَّاسِ وَأَحَدِّهِمْ أَذْهَانا ، وَإِذَا ضَلُّوا فِي مَسْأَلَة لَم يَلْزَمْ أَنْ يضِلّوا فِي الْأمُورِ الظاهِرَةِ الَّتِي لَا تَخْفَى عَلَى الصبْيَان ) اهـــ.

وقال في منهاج السنة أيضا (5/157) : والرافضة فيهم من هو متعبد متورع زاهد (!!) ، ولكن ليسوا في ذلك مثل غيرهم من أهل الأهواء ) اهــــ

قال: "وأبو حامد من خيارهم وأعلمهم وأدينهم (!!) ، وهو مع هذا يكفر الفلاسفة - فضلاً عن أن يضللهم – تارة ، وتارة يجعل ما كفرهم به من العلم المضنون به على غير أهله ، ويضلل المتكلمين تارة ، ويجعل طريقهم ليس فيها بيان للحق ، وتارة يجعلها عمدته وأصله الذي يضلل من خالفه، وكذلك تارة يقول في الصوفية الأقوال المتناقضة ، فتارة يجعلهم خاصة الأمة ويفضلهم على الفقهاء، وتارة يمنع إعطاءهم الزكاة ويوجب عليهم الاكتساب مع إباحته إعطاء الزكاة للمتفقهة. وإن كان في آخر عمره مال إلى طريقة أهل الحديث وكان كثير المطالعة لصحيح البخاري وبذلك ختم عمله وعليه مات، وهو أفضل أحواله !! . والله تعالى يغفر لنا ولسائر إخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا يجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ، ومع هذا : فأبو حامد لم يعرف في كلامه خروج إلى الشرك وعبادة الأوثان (!!) ، بل غاية ما ينتهي إليه ضلال الصابئين من المتفلسفة ونحوهم، فكيف بمن يخرج إلى الإشراك بالله الصريح والردة إلى الأمر بعبادة الكواكب والأوثان ؟ وإن كان قد تاب من ذلك وأسلم بعد ذلك ، فإنه يكون كالذين ارتدوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه، ثم عادوا !! ) اهـ (بيان تلبيس الجهمية 6/133-136) 

 ومما قال على سبيل الإختصار :                                    وابن عقيل من أحسن الناس ديناً . 
عبدالرحمن الأصم من فضلاء الناس وعلمائهم .                      وأن أبا حنيفة لا يستريب أحد في فقهه وفهمه وعلمه. 
 قال عن المعتزلة أنهم نصروا الإسلام في مواطن كثيرة. 
وأن الأشعرية أقرب الطوائف إلى السنة والجماعة والحديث. 
وأنهم يعدون من أهل السنة والجماعة ، بالنسبة للمعتزلة والرافضة ونحوهم. 
وأن فيهم فضلاء عقلاء ، وفيهم من له في الإسلام مساع مشكورة ، وحسنات مبرورة . 
 وأن الباقلاني والبيهقي من فضلاء الأشعرية . 
 وأن بعضهم له إيمان وعمل صالح. 
 وأن فيهم المتعبد المتورع الزاهد. 
 وأن أهل الرأي فيهم من أهل العلم والإيمان من لا يحصي عدده إلا الله. 
وأن الإحياء فيه فوائد كثيرة. 
وأن الغزالي من خيارهم وأعلمهم وأدينهم ، وأنه من أعظم الناس ذكاء وطلباً للعلم وبحثاً عن الأمور، وكان من أعظم الناس قصداً للحق، وله من الكلام الحسن المقبول، أشياء عظيمة بليغة. 
وأن الفلاسفة والمتكلمين فيهم فضلاء. 
وأن التغبير - الذي قال فيه الشافعي: أحدثته الزنادقة - أهله من خيار الصوفية. 
 وأن المبتدع يثاب على حسن قصده ، وعمله الذي يعتقده صالحاً ، ولا يكون عالماً أنه منهي عنه. 
ووصف الحكيم الترمذي الصوفي الحلولي بالعلم والفضل. 
وله مئات العبارات نحو هذه لا يمكن نقلها كلها ونقل مواضعها ولكن أختصرت بعضها هنا للتنبيه على أنه صاحب فكرة الموازنات بمفوهومها الإرجائي ، لا بالقسط والعدل الرباني .

المبحث الثاني : تطبيق على الأصل على الطوائف من أهل الضلال والزندقة والإلحاد :

وهنا تأكيد للتنظير وللأصل الذي اخترعه ابن تيمية ، لأنك ربما ستقول ، إنه مجرد تنظير سيخالفه في التطبيق ، لأن تلك التأصيلات يستحيل معها تكفير معين ، فأقول للأسف ، سيخيب ظنك بتطبيقات خطيرة إليك بعضها :



فصل : مذهبه في توسعة العذر للروافض :

لابن تيمية قول قديم في شبابه  قاله في كتاب الصارم المسلول سنة 693 من يقرأه يظن أنه يكفر الرافضة ، وهو قوله : وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر نفسا أو أنهم فسقوا عامتهم فهذا لا ريب أيضا في كفره فإنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع: من الرضى عنهم ) اهــــ

هذا قاله في شبابه ، لكن هل هو كفر بعد إقامة الحجة أم لا كما هو مذهبه !! فلقد توالت كتبه وأقواله بعد ذلك إلى أن مات ، بنقض ظاهر ذاك القول بكل صريح من العبارات التي تحتمل وجها واحدا إليك بعضها : 

قال : ومن كان داعياً منهم إلى الضلال ، لا ينكف شره إلا بقتله، قتل أيضاً وإن أظهر التوبة، وإن لم يحكم بكفره، كأئمة الرفض الذين يضلون الناس، كما قتل المسلمون غيلان القدري، والجعد بن درهم، وأمثالهما من الدعاة ) اهـــ (مجموع الفتاوى 28/555) 

 قال مجموع الفتاوى (13/96) : وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية (!!) وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير !! وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين!! وهو خير من أن يكونوا كفاراً (!!) وكذلك بعض الملوك قد يغزو غزواً يظلم فيه المسلمين والكفار، ويكون آثماً بذلك ، ومع هذا فيحصل به نفع خلق كثير كانوا كفاراً فصاروا مسلمين ، وذاك كان شراً بالنسبة إلى القائم بالواجب ، وأما بالنسبة إلى الكفار فهو خير ) اهـ

وقال في (32/61) : الرافضة المحضة هم أهل أهواء وبدع وضلال ، ولا ينبغي للمسلم أن يزوج موليته من رافضي ، وإن تزوج هو رافضية صح النكاح (!!) إن كان يرجو أن تتوب ، وإلا فترك نكاحها أفضل لئلا تفسد عليه ولده ) اهـ وقال : وأما قوله ( الأئمة معصومون كالأنبياء في ذلك ). فهذه خاصة الرافضة الإمامية التي لم يشركهم فيها أحد لا الزيدية الشيعة ولا سائر طوائف المسلمين إلا من هو شر منهم كالإسماعيلية الذين يقولون بعصمة بني عبيد المنتسبين إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر، القائلين بأن الإمامة بعد جعفر في محمد بن إسماعيل دون موسى بن جعفر ، وأولئك ملاحدة منافقون ، والإمامية الاثنا عشرية خير منهم بكثير، فإن الإمامية مع فرط جهلهم وضلالهم ، فيهم خلق مسلمون باطناً وظاهراً ليسوا زنادقة منافقين، لكنهم جهلوا وضلوا ، واتبعوا أهواءهم ، وأما أولئك : فأئمتهم الكبار العارفون بحقيقة دعوتهم الباطنية زنادقة منافقون ، وأما عوامهم الذين لم يعرفوا باطن أمرهم، فقد يكونون مسلمين ) اهـــ 

وقد سئل: عن رجل يفضل اليهود والنصارى على الرافضة ؟ فأجاب : "الحمد لله، كل من كان مؤمناً بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فهو خير من كل من كفر به ، وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة سواء كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية أو غيرهم ، فإن اليهود والنصارى كفار كفراً معلوماً بالاضطرار من دين الإسلام ، والمبتدع إذا كان يحسب أنه موافق للرسول صلى الله عليه وسلم لا مخالف له ، لم يكن كافراً به ، ولو قدر أنه يكفر ، فليس كفره مثل كفر من كذب الرسول صلى الله عليه وسلم ) اهــــ 

(قلت) بل المرتد أكفر من الكتابي وأسوء حالا منه في أحكام الدنيا والآخرة ، والرافضة كفار أصليون وثنيون ومن شك في كفرهم فهو مثلهم .

وقال في الفتاوى الكبرى (2/308) وهو يتكلم عن مسألة الصلاة خلف أهل البدع : وَأما إذَا كَانَ تَرَكَ الصَّلَاةَ يُفَوِّتُ الْمَأْمُومَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ ، فَهُنَا لَا يَتْرُكُ الصَّلَاةَ خَلْفَهُمْ إلَّا مُبْتَدِعٌ مُخَالِفٌ لِلصحابَة رَضِي اللَّه عَنْهمْ وَكذَلك إذَا كان الْإِمام قَد رَتَّبه وُلَاة الْأمور ، وَلَمْ يكن فِي تَرْك الصلَاة خَلْفَهُ مَصْلَحَةٌ ، فَهُنَا لَيْسَ عَلَيْهِ تَرْكُ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ ، بَلْ الصَّلَاة خَلْفَ الْإِمَام الْأَفْضل أَفْضل ، وَهَذَا كلّه يَكون فِيمَن ظهر مِنْه فِسْق أَوْ بِدْعَة تَظْهَر مخَالَفتهَا لِلْكِتَابِ وَالسنَّة كَبِدْعة الرَّافِضة وَالْجهميَة (!!) وَنَحوِهِمْ ) اهـــ.

اعتذاره للجهمية والقول أنها مجرد بدعة فقط :

الجهمية عنده مجرد مبتدعة لا يكفر المعين منهم إلا بإقامة الحجة مهما اعتقد من تعطيل لصفات الله و نفي علوه والقول بخلق القرآن وغير ذلك من النواقض ، وإليك أقواله فيهم : 

 قال مجموع الفتاوى (13/96) : وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية (!) وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفاراً. وكذلك بعض الملوك قد يغزو غزواً يظلم فيه المسلمين والكفار، ويكون آثماً بذلك، ومع هذا فيحصل به نفع خلق كثير كانوا كفاراً فصاروا مسلمين ، وذاك كان شراً بالنسبة إلى القائم بالواجب ، وأما بالنسبة إلى الكفار فهو خير ) اهــ 

 وقد سبق قوله في موضوع الصلاة خلف أهل البدع في (23/354-355) : ( ... بل الصلاة خلف الإمام الأفضل أفضل، وهذا كله يكون فيمن ظهر منه فسق أو بدعة تظهر مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الرافضة، والجهمية، ونحوهم ) اهـ قال: "وهو قول الجهمية الذين كفرهم السلف والأئمة تكفيراً مطلقاً ، وإن كان الواحد المعين لا يكفر إلا بعد قيام الحجة التي يكفر تاركها ) اهـ (مجموع الفتاوى 2/352)

وقال: ولهذا كان السلف والأئمة يكفرون الجهمية في الإطلاق والتعميم ، وأما المعين منهم: فقد يدعون له ويستغفرون له ، لكونه غير عالم بالصراط المستقيم ! ) اهـ بيان تلبيس الجهمية (1/10)

عذره الأشعرية وثناء على كثير من رؤوسهم :

أما الأشعرية الجهمية الكافرة الملعونة على لسان السلف ، فهي عنده كما صرح في كثير من المواطن بأنهم أقرب الطوائف لأهل السنة وأنهم فيهم فضلاء ولا يجوز لعنهم ومن لعنهم مبتدع ، وأنهم وقعوا في بدع عن غير قصد وهم معذورين مأجورين في ذلك (!!) 

 يقول في مجموع الفتاوى (3/227) : وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَحْشَةٌ وَمُنَافَرَةٌ وَأَنَا كُنْت مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَطَلَبًا لِاتِّفَاقِ كَلِمَتِهِمْ وَاتِّبَاعًا لِمَا أُمِرْنَا بِهِ مِنْ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّهِ وَأَزَلْت عَامَّةَ مَا كَانَ فِي النُّفُوسِ مِنْ الْوَحْشَةِ (!!) وَبَيَّنْت لَهُمْ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ كَانَ مِنْ أَجَلِّ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَنَحْوِهِ الْمُنْتَصِرِينَ لِطَرِيقِهِ كَمَا يَذْكُرُ الْأَشْعَرِيُّ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِ ) اهــ 

 (قلت) ولقد نجح في إزالتها للأسف إلى حد كبير ، فاليوم أهل السنة والأشعرية أحباب !! وهذا ما يسمى اليوم بوحدة الأديان وتقارب الملل ، فهي في الحقيقة فكرته !!

وقال في درء التعارض (8/91) : فالقاضي أبو بكر ، وإن كان أقرب إلى صريح المعقول وصحيح المنقول في أصول الدين (!!) - بخلاف أصول الفقه - من أبي المعالي ، وأتباعه ، والأشعري أقرب إلى ذلك من القاضي أبي بكر ، وأبو محمد بن كلاب ، أقرب إلى ذلك من أبي الحسن ، والسلف والأئمة ، أقرب إلى ذلك من ابن كلاب ) وقال : وأما لعن العلماء لأئمة الأشعرية فمن لعنهم عزر (!!) ، وعادت اللعنة عليه !! فمن لعن من ليس أهلاً للعنة وقعت اللعنة عليه !! ، والعلماء أنصار فروع الدين ، والأشعرية أنصار أصول الدين (!!) .. فالفقيه أبو محمد أيضاً ، إنما منع اللعن ، وأمر بتعزير اللاعن ، لأجل ما نصروه من أصول الدين ، وهو ما ذكرناه من موافقة القرآن والسنة والحديث والرد على من خالف القرآن والسنة والحديث ، ولهذا كان الشيخ أبو إسحاق ، يقول: إنما نفقت الأشعرية عند الناس بانتسابهم إلى الحنابلة ، وهذا ظاهر عليه وعلى أئمة أصحابه في كتبهم ومصنفاتهم قبل وقوع الفتنة القشيرية ببغداد، ولهذا قال أبو القاسم ابن عساكر في مناقبه : ما زالت الحنابلة والأشاعرة في قديم الدهر متفقين غير مفترقين حتى حدثت فتنة ابن القشيري !! ) اهـــ (مجموع الفتاوى 4/16-17) 

وقال منهاج السنة (2/499) : وَهذا نظير ما عمله ابْنُ عَقِيلٍ فِي مَسْأَلَة الْقرْآن، فَإِنَّهُ أَخَذ كلام الْمُعْتزِلَة الَّذِي طعنوا بِهِ عَلَى الْأَشعرِية فِي كَوْنِهمْ يَقولون: هَذَا الْقُرْآن لَيْس كلَام اللَّه بَل عبَارَة عَنْه، فَطعن بِهِ هوَ عَلَى الْأَشْعَرِية ، وَمَقْصود الْمُعْتَزِلة بِذَلِكَ إِثْبَات أَنَّ الْقُرْآن مَخْلوق ، وَالْأَشْعَرِية خيْر مِنْهُمْ فِي نَفْيِ الْخلْق عَن الْقُرْآنِ !! ، وَلَكِنَّ عَيْبَهُمْ فِي تَقْصِيرِهِمْ فِي إِكْمَالِ السُّنَّةِ ) اهـــ 

(قلت) بل هم أخبث وأكفر من المعتزلة والجهمية كما قال السجزي وغير واحد من السلف .

وقال في الصفدية (ص270) : ومعلوم باتفاق المسلمين أن من هو دون الأشعرية كالمعتزلة والشيعة الذين يوجبون الإسلام ويحرمون ما رواءه فهم خير من الفلاسفة الذين يسوغون التدين بدين المسلمين واليهود والنصارى فكيف بالطوائف المنتسبين إلى مذهب أهل السنة والجماعة كالأشعرية والكرامية والسالمية (!!) وغيرهم فإن هؤلاء مع إيجابهم دين الإسلام وتحريمهم ما خالفه يردون على أهل البدع المشهورين بمخالفة السنة والجماعة كالخوارج والشيعة والقدرية والجهمية (!) ولهم في تكفير هؤلاء نزاع وتفصيل فمن جعل الفيلسوف الذي يبيح دين المشركين واليهود والنصارى خيرا من اثنتين وسبعين فرقة فليس بمسلم فكيف بمن جعله خيرا من طوائف أهل الكلام المنتسبين إلى الذب عن السنة والجماعة )  

(قلت) الأشعرية ترد على الجهمية !! كيف يرد الشخص على نفسه ؟ نعم يصح ذلك إذا قلنا أن إناث الجهمية ترد على ذكور الجهمية ، للعداوة القديمة بين الجنسين !!

والعجيب أنه ذكر قول يحيى بن عمار: المعتزلة الجهمية الذكور، والأشعرية : الجهمية الإناث ، ثم علق عليه بقوله : ( ومرادهم الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية ، وأما من قال منهم بكتاب الإبانة الذي صنفه الأشعري في آخر عمره ، ولم يظهر مقالة تناقض ذلك ، فهذا يعد من أهل السنة !! ) اهـ (مجموع الفتاوى 6/359)

عذره للمعتزلة ومدحه لهم : ابن تيمية لا يكفر المعتزلة ويعتذر لهم ويمدح الكثير من رؤوسهم ويعتذر حتى لعمرو بن عبيد رأس المعتزلة وهرمها الكافر !! 

فمما قال : كما في المستدرك من الفتاوى (1/139-140) : القدرية من المعتزلة وغيرهم ، من الذين لا يقرون بأن الله خالق كل شيء ، ولا أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، فإذا أطلق عليهم أنهم خارجون عن التوحيد ، بمعنى أنهم كذبوا بالقدر، فهذا فيه نزاع حتى في مذهب مالك والشافعي وأحمد ، ومسألة التكفير بإنكار بعض الصفات وإثباته ، قد كثر فيها الاضطراب ، وتحقيق الأمر فيها: أن الشخص المعين الذي ثبت إيمانه، لا يحكم بكفره إن لم تقم عليه حجة يكفر بمخالفتها، وإن كان القول كفراً في نفس الأمر، بحيث يكفر بجحوده إذا علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قاله، فقد أنكر طائفة من السلف بعض حروف القرآن ، لعدم علمهم أنها منه ، فلم يكفروا وعلى هذا حمل المحققون حديث الذي قال لأهله: «إذا أنا مت فأحرقوني » فإنه كان جاهلاً بقدرة الله إذا فعل ذلك ، وليس كل من جهل بعض ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم يكفر ، ولهذا قال السلف: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر ، ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، ولا يكفرون المعين الذي يقول ذلك !! ، لأن ثبوت حكم التكفير في حقه ، متوقف على تحقق شروط، وانتفاء موانع ، فلا يحكم بكفر شخص بعينه إلا أن يعلم أنه منافق ، بأن قامت عليه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها ولم يقبلها ، لكن قول هؤلاء المعتزلة وأشباههم هو بلا شك من الكفر والضلال ) اهـ

وقال : المعتزلة لما نصروا الإسلام في مواطن كثيرة !! ، وردوا على الكفار بحجج عقلية ، لم يكن أصل دينهم تكذيب الرسول (!!) ، ورد أخباره ونصوصه ، لكن احتجوا بحجج عقلية ، إما ابتدعوها من تلقاء أنفسهم ، وإما تلقوها عمن احتج بها من غير أهل الإسلام ، فاحتجوا أن يطردوا أصول أقوالهم التي احتجوا بها وتسلم عن النقص والفساد ، فوقعوا في أنواع من رد المعاني الأخبار الإلهية ، وتكذيب الأحاديث النبوية ) اهــــ (درء التعارض 7/106) 
 قال في المنهاج (2/452) : وعبْد الرحْمَن الْأَصم - وَإِنْ كَان معْتزِلِيًّا - فإِنَّه مِنْ فضلَاء النَّاس وَعُلَمَائِهِم ، وَلَهُ تَفْسِير ، وَمن تلامِيذه إِبْرَاهِيم بْن إِسْمَاعِيل بْنِ عُلَيَّة ، وَلِإِبْرَاهِيمَ مناظَرات فِي الْفقه وَأُصولِه مع الشَّافِعِيّ وَغَيْرِه ، وَفِي الْجُمْلَة فهؤُلَاء منْ أذْكِيَاء النَّاس وَأَحدّهِمْ أَذْهانا ، وَإِذا ضلّوا فِي مَسْأَلَة لَم يَلْزمْ أَن يضلُّوا فِي الْأُمورِ الظَّاهرَةِ الَّتِي لَا تَخْفى علَى الصبْيَانِ ) اهـــ.

قوله العذر بالجهل للمشركين والقبوريين :

أما عذره بالجهل في قضايا الشرك الأكبر ، فقد حاول بعض الناس أن يعرجوا بكلامه الواضح من قسم الشرك إلى قسم البدع ، فرارا من رميه بالإرجاء والتجهم !! والعجيب حين ذكر بعضهم أمثلة عن قصده ذكر أنه قصد التجهم لا الشرك !! ولا يدري أن المعطل أكفر من المشرك كما قرره بن تيمية نفسه في كتبه ، والواقع أن بن تيمية يعذر المشرك وغيره ولا يكفر المعين إلا بعد إقامة الحجة في جميع كتبه ، كما سترى فهذه بعض المواضع : 

قال : فإنه بعد معرفة ما جاء به الرسول ، نعلم بالضرورة : أنه لم يشرع لأمته أن تدعو أحداً من الأموات ، لا الأنبياء ، ولا الصالحين ، ولا غيرهم ، لا بلفظ الاستغاثة ، ولا بغيرها ، ولا بلفظ الاستعاذة، ولا يغيرها ، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ، ولا لغير ميت ، ونحو ذلك ، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله ، لكن لغلبة الجهل ، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين، لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ) اهـــ 

(قلت) وقد استمر مذهبه على هذا حتى آخر أيامه ، بل هو أصلا مذهبه من البداية ولم يغيره . قال الذهبي : كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه ، يقول : أنا لا أكفر أحداً من الأمة ويقول : قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) فمن لازم الصلوات بوضوء، فهو مسلم ) اهـــــ (سير الأعلام 1ص5/88) ومن أدلة بقاءه على هذا التأصيل إلى آخر حياته أن لم يكفر البكري والأخنائي الصوفيان المشركان واعتذر لها بل ومدحهما بالعلم والفضل وذلك في أواخر كتبه التي أوصى بها وهو في السجن ولم يتبرأ من أي شيء قاله فيهما !!

دفاعه عن أبي حنيفة وجعله الإمام المفترى عليه !! : 

 أبو حنيفة عفوا (أبو جيفة) كما لقبه السلف وهو حي ، أجمعوا على ضلاله وتجهمه ، بل رماه بالكفر غير واحد ، وقد اجتمعت فيه أصول البدع ، من رفض وإرجاء وخروج وتجهم وفضائح أخرى كل واحدة تقول لأختها إليك عني ، ومن أراد معرفته ضلاله وتجهمه فليقرأ مثلا كتاب السنة لعبد الله بن أحمد بتحقيق آل حمدان ليرى العجب المخبأ ، وأهل التوحيد بحمد الله يعرفونها فلا أحتاج لنقل كلام السلف لهم ، ومع ذلك يأتي ابن تيمية ويقوم محاميا شرسا عنه ويكذب جميع من تكلم فيه من السلف وينصبه إماما للناس ويخترع مصطلح ( الأئمة الأربعة ) ويحشره معهم عنوة ، وقد زكاه وأثنى عليه في مئات المواضع منها :

يقول مثلا في منهاج السنة (2/619) : أَنّ أَبا حَنِيفة وَإِن كَان النَّاس خَالَفوه فِي أَشْيَاء وَأَنْكَروها عَلَيْه فَلَا يَسْتَرِيب أَحَد فِي فِقهه وَفَهْمه وَعِلْمه ، وقد نَقلوا عنْه أَشْيَاء يَقْصِدُون بِها الشناعَة عَلَيْه !! وَهِيَ كَذِبٌ عَلَيْهِ قَطْعًا ) اهـــ 

(قلت) ليت شعري من الكذاب أحمد أم مالك أم الشافعي أم الثوري أم بن مهدي أم من ؟؟؟ فإنهم هم من تكلموا فيه بالطعن !! والأعجب من هذا أنه قال من بدع أبا حنيفة فهو المبتدع في كتابه رفع الملام !! ورددها ذاك الفوزان حين قال من بدع النووي وابن حجر فهو المبتدع !! وهذا ينقض الإسلام عروة عروة !!

دفاعه واعتذاره عن الصوفيه المشركة ومدحها لهم :

الصوفية الزنادقة منهم والمبتدعة عند ابن تيمية ، زهاد وأهل الديانات وأهل الورع وألسنة الصدق ، بل زعم أن بداية دعوة الرسول كانت بالتصوف ! كما ستقرأها ولا تصدق أنه تجرأ وقالها :

قال : فالصوفية العارفون الذين لهم في الأمة لسان صدق ، إذا قالوا علم الباطن أو علوم الباطن ونحو ذلك، فهم لا يريدون بذلك ما يناقض الظاهر، بل هم متفقون على أن من ادعى باطناً من الحقيقة يناقض ظاهر الشريعة، فهو زنديق ) اهـ [ (بيان تلبيس الجهمية 2/113) ] 

 وقال في مجموع الفتاوى 2/23-24) : فأما الأنبياء فأول دعوتهم : شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. وقد اعترف الغزالي بأن طريق الصوفية هو الغاية ، لأنهم يطهرون قلوبهم مما سوى الله ، ويملئونها بذكر الله ، وهذا مبدأ دعوة الرسول (!!) لكن الصوفي الذي ليس معه الأثارة النبوية مفصلة ، يستفيد بها إيماناً مجملاً ، بخلاف صاحب الأثارة النبوية ، فإن المعرفة عنده مفصلة ) اهـ 

(قلت) ومنها ثناءه على معتقد السالمية وهي طائفة من الصوفية الحلولية تنسب لرجل اسمه محمد بن سالم من مشاهير شيوخها أبو طالب المكي صاحب قوت القلوب الذي ملأه بالكفر والحلول والإتحاد ، ومع ذلك يدعي بن تيمية أن غالب أصولهم مثل معتقد أهل السنة والجماعة !!

قال في منهاج السنة (2/499) : وَكذلك بَعْض أَهْل الْحَدِيث السَّالِمِية الْمصنِّفِين فِي مثالِب ابْنِ كُلَّاب وَالْأَشعَرِي وَابْن كَرامٍ ذَكَروا حِكَايَات بَعْضهَا كذِب قطْعا ، وَهِي مِما وَضعَتْه الْمعتَزِلَة أَعْدَاء هَؤلَاء عَلَيْهِم، لِكوْنِهِم يُثْبِتون الصفاتِ وَالْقدر، فجاءَ هَؤُلَاءِ فَذكروا تِلْكَ الْحِكايات ، وَمَقْصودهم التَّنْفِيرُ عَمَّا اعْتَقَدُوا فِي أَقْوَالِهِمْ مِنَ الْخَطَاءِ ، وَتِلْكَ الْحِكَايَاتُ وَضعها مَنْ هوَ أَبْعد عَنِ السّنة مِنْهم. وَكذلك السَّالِمِيَّة أَتْبَاعُ الشَّيْخ أَبِي الْحَسنِ بْنِ سَالِمٍ هُمْ فِي غالِب أُصولِهمْ على قوْل أَهل السُّنَّة و والْجَمَاعَةِ (!!) لكن لما وَقع فِي بَعْضِ أَقْوَالِهِمْ مِنَ الْخَطَاء زَاد فِي الرد عَلَيْهم مَنْ صنف فِي الرد عَليْهم، حَتَّى رد علَيْهمْ قطْعة مِما قَالوه من الْحَق ) اهــ

عذره من نفى العلو حتى تقام عليه الحجة :

إثبات العلو معلوم بالفطرة والعقل لا يحتاج دليلا ، ومنكره كافر بلا تفصيل ، ومع ذلك شغَّب ابن تيمية على هذا المعتقد الواضح الجلي الذي لا خلاف فيه !!

قال : ويقول المثبت : نفي مباينته للعالم ، وعلوه على خلقه باطل ، بل هذه الأمور مستلزمة لتكذيب الرسول فيما أثبته لربه ، وأخبر به عنه ، وهو كفر أيضاً ، لكن ليس كل من تكلم بالكفر يكفر حتى تقوم عليه الحجة المثبتة لكفره !! ، فإذا قامت عليه الحجة ، كفر حينئذ ، بل نفي هذه الأمور مستلزم للتكفير للرسول فيما أثبته لربه ، وأخبر به عنه بل نفي للصانع وتعطيل له في الحقيقة. وإذا كان نفي هذه الأشياء مستلزماً للكفر بهذا الاعتبار، وقد نفاها طوائف كثيرة من أهل الإيمان، فلازم المذهب ليس بمذهب) اهـ (مجموع الفتاوى 5/306)

موقفه من غلاة القدرية وعدم الحكم بكفرهم :

والدليل أنه لا يحكم بكفر غلاة القدرية ما قاله في غيلان القدري معتذرا له : 

 قال : وأما قتل الداعية إلى البدع ، فقد يقتل لكف ضرره عن الناس كما يقتل المحارب ، وإن لم يكن في نفس الأمر كفراً فليس كل من أمر بقتله يكون قتله لردته ، وعلى هذا قتل غيلان القدري وغيره ، قد يكون على هذا الوجه (!!) وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع ، وإنما نبهنا عليها تنبيهاً ) اهـ (مجموع الفتاوى 23/350) 

 وقال : وأما قتل الداعية إلى البدع ، فقد يكون لكف ضرره عن الناس، كقطاع الطريق ، وقتل غيلان القدري قد يكون من هذا الباب "اهـ

اسم المشرك عنده لا يعني شيء ولا يترتب عليه أي حكم بدون إقامة الحجة :

من يرى بن تيمية يتلفظ بعبارة مشرك يظن أنه لا يعذر بالجهل ، والواقع أن هذا الإسم عنده للزينة كما يقال لا يترتب عليه شيء من الأحكام الدنيوية فضلا عن الأخروية ، دون إقامة الحجة على طريقة المرجئة اليوم !! فإنه إذا ألقى اسم المشرك على شخص لا ينزل عليه أحكام الشرك حتى يقيم الحجة ، فالإسم عنده لا يعني أي شيء !! 

يقول في مجموع الفتاوى (3/151) قال طائفة من السلف ، يسألهم مَن خلق السماوات والأرض ؟ فيقولون : الله ، وهم يعبدون غيره ، وإنما كانت عبادتهم إيَّاهم ، أنهم يدعونهم ويتخذونهم وسائطَ ووسائلَ وشُفعاءَ لهم ، فمن سلكَ هذا السبيلَ فهو مشرك بحسب ما فيه من الشرك ، وهذا الشركُ إذا قامت على الإنسان الحجةُ فيه ولم يَنتهِ ، وَجَبَ قتلُه !! كقتلِ أمثالِه من المشركين ، ولم يُدفَنْ في مقابرِ المسلمين، ولم يُصَلَّ عليه ، وإمَّا إذا كان جاهلاً لم يَبلُغْه العلمُ ، ولم يَعرِف حقيقةَ الشرك الذي قاتلَ عليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – المشركين ، فإنه لا يُحكَم بكُفْرِه، ولاسِيَّما وقد كَثُر هذا الشركُ في المنتسبين إلى الإسلام، ومن اعتقدَ مثلَ هذا قُربةً وطاعةً فإنه ضَالٌّ باتفاقِ المسلمين، وهو بعد قيامِ الحجة كافر ، والواجبُ على المسلمين عمومًا وعلى وُلاةِ الأمور خصوصًا النهيُ عن هذه الأمور، والزَّجْرُ عنها بكلِّ طريق، وعقوبةُ مَن لم ينتهِ عن ذلك العقوبةَ الشرعيةَ ، والله أعلم ) اهـــ .

عنده المبتدعة الذين لم يتعمدوا المخالفة لا يعاقبون على بدعهم ويغفر لهم :

من فرائده أنه جعل المبتدع إذا لم يتعمد البدعة معذور لا يعاقب على بدعته ، بل ومأجور !! قال : وأهل البدع لا يجعلون اعتمادهم في الباطن ونفس الأمر، على ما تلقوه عن الرسول ، بل على ما رأوه أو ذاقوه ، ثم إن وجدوا السنة توافقه ، وإلا لم يبالوا بذلك ، فإذا وجدوها تخالفه ، أعرضوا عنها تفويضاً ، أو حرفوها تأويلاً ، فهذا هو الفرقان بين أهل الإيمان والسنة ، وأهل النفاق والبدعة ، وإن كان هؤلاء لهم من الإيمان نصيب وافر من اتباع السنة ، لكن فيهم من النفاق والبدعة بحسب ما تقدموا فيه بين يدي الله ورسوله ، وخالفوا الله ورسوله ، ثم إن لم يعلموا أن ذلك يخالف الرسول ، ولو علموا لما قالوه ، لم يكونوا منافقين ، بل ناقصي الإيمان مبتدعين ، وخطؤهم مغفور لهم، لا يعاقبون عليه (!!) ، وإن نقصوا به ) اهـــ (مجموع الفتاوى 13/63)

وقال في مجموع الفتاوى (13/63) : فلما طال الزمان ، خفي على كثير من الناس ما كان ظاهراً لهم ، ودق على كثير من الناس ما كان جلياً لهم ، فكثر من المتأخرين مخالفة الكتاب والسنة ما لم يكن مثل هذا في السلف ، وإن كانوا مع هذا مجتهدين معذورين ، يغفر الله لهم خطاياهم ، ويثيبهم على اجتهادهم !! ) اهـ وقال : كل عبادة غير مأمور بها ، فلا بد أن ينهى عنها ، ثم إن علم أنها منهي عنها وفعلها، استحق العقاب ، فإن لم يعلم ، لم يستحق العقاب (!!) ، وإن اعتقد أنها مأمور بها ، وكانت من جنس المشروع ، فإنه يثاب عليها ، وإن كانت من جنس الشرك ، فهذا الجنس ليس فيه شيء مأمور به، لكن قد يحسب بعض الناس في بعض أنواعه ، أنه مأمور به ، وهذا لا يكون مجتهداً لأن المجتهد لا بد أن يتبع دليلاً شرعياً ، وهذه لا يكون عليها دليل شرعي ، لكن قد يفعلها باجتهاد مثله، وهو تقليده لمن فعل ذلك من الشيوخ والعلماء ، والذين فعلوا ذلك ، قد فعلوه لأنهم رأوه ينفع ، أو لحديث كذب سمعوه ، فهؤلاء إذا لم تقم عليهم الحجة بالنهي لا يعذبون (!!) وأما الثواب : فإنه قد يكون ثوابهم أنهم أرجح من أهل جنسهم ، وأما الثواب بالتقرب إلى الله فلا يكون بمثل هذه الأعمال ) اهـ (مجموع الفتاوى 20/32)

اختلاقه الاعذار للحلولية الاتحادية

الحلول الذي قال عنه ابن تيمية نفسه أنه أكفر عقيدة موجودة فوق الأرض ، يلتمس لها الأعذار بحجة الجهل أو الإغراق في الفناء ، والسكر والغيبة !! وأشياء أخرى لا تغني الحلولي يوم القيامة شيئا !! ومع ذلك تجده يثني على طوائف الحلولية أحيانا وتارة يعتذر لهم ، ويصفهم بالزهد !!

قال : فهذا التوحيد : هو الذي جاءت به الرسل ، ونزلت به الكتب ، وإليه تشير مشايخ الطريقة، وعلماء الدين ، لكن بعض ذوي الأحوال ، قد يحصل له في حال الفناء القاصر ، سكر وغيبة عن السوي ، والسكر وجد بلا تمييز، فقد يقول في تلك الحال: سبحاني. أو: ما في الجبة إلا الله ، أو نحو ذلك من الكلمات التي تؤثر عن أبي يزيد البسطامي، أو غيره من الأصحاء. وكلمات السكران تطوى ولا تروى ولا تؤدى (!!) إذا لم يكن سكره بسبب محظور من عبادة ، أو وجه منهي عنه ، فأما إذا كان السبب محظوراً ، لم يكن السكران معذوراً ، لا فرق في ذلك ، بين السكر الجسماني والروحاني فسكر الأجسام بالطعام والشراب ، وسكر النفوس بالصور ، وسكر الأرواح بالأصوات ) اهـ (مجموع الفتاوى 2/461) 

وقال في مجموع الفتاوى (2/369): وقد يقع بعض من غلب عليه الحال في نوع من الحلول أو الاتحاد؛ فإن الاتحاد فيه حق وباطل، لكن لما ورد عليه ما غيب عقله أو أفناه عما سوى محبوبه، ولم يكن ذلك بذنب منه، كان معذوراً غير معاقب عليه ما دام غير عاقل، فإن القلم رفع عن المجنون حتى يفيق، وإن كان مخطئاً في ذلك كان داخلاً في قوله: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}. وقال: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به}. وهذا كما يحكى أن رجلين كان أحدهما يحب الآخر فوقع المحبوب في اليم فألقى الآخر نفسه خلفه ، فقال: أنا وقعت فما الذي أوقعك ؟ فقال: غبت بك عني فظننت أنك أني. فهذه الحال تعتري كثيراً من أهل المحبة والإرادة في جانب الحق وفي غير جانبه، وإن كان فيها نقص وخطأ فإنه يغيب بمحبوبه عن حبه وعن نفسه وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن عرفانه وبمشهوده عن شهوده وبموجوده عن وجوده فلا يشعر حينئذ بالتمييز ولا بوجوده؛ فقد يقول في هذه الحال: أنا الحق. أو سبحاني. أو ما في الجبة إلا الله. ونحو ذلك، وهو سكران بوجد المحبة الذي هو لذة وسرور بلا تمييز ) اهـ وقال في مجموع الفتاوى (14/355) : فمن سلك مسلك الجنيد ، من أهل التصوف والمعرفة ، كان قد اهتدى ونجا وسعد !! ) اهـ

اعتذاره لتارك جنس العمل كليا : 

 إذا فهمت منهج التوسعة عند بن تيمية فيما سبق ذكره ، فلعلك تقول فما حال من ترك الأعمال كليا عنده ؟ ، وقد سبق أنه ذكر هو بنفسه في التنظير ، أن ترك العمل كفر ، فكيف سيجد له مخرجا على أصله هذا ؟ فأقول : إقرأ المخرج الذي وجده واملأ فمك دهشة : 

 قال في مجموع الفتاوى (11/137- 138) : التكفير نوعان: أحدهما: كفر النعمة. والثاني: الكفر بالله. والكفر الذي هو ضد الشكر: إنما هو كفر النعمة، لا الكفر بالله. فإذا زال الشكر خلفه كفر النعمة، لا الكفر بالله.  على أنه لو كان ضد الكفر بالله ، فمن ترك الأعمال شاكراً بقلبه ولسانه ، فقد أتى ببعض الشكر وأصله والكفر إنما يثبت إذا عدم الشكر بالكلية ، كما قال أهل السنة: إن من ترك فروع الإيمان لا يكون كافراً حتى يترك أصل الإيمان ، وهو الاعتقاد. ولا يلزم من زوال فروع الحقيقة - التي هي ذات شعب وأجزاء - زوال اسمها كالإنسان إذا قطعت يده ، أو الشجرة إذا قطع بعض فروعها ) اهـ 

(قلت) وهو هنا لا يكفر إلا بالإعتقاد على طريقة الجهمية ويعتبر ترك العمل مع بقاء الشكر !! ليس بكفر مخرج من الملة !! فهل رأيت المخرج ؟ فكيف كان عجبك ؟؟

دفاعه عن المرجئة الفقهاء وادعاء أن الخلاف يسير معهم : 


أما المرجئة فحتى يدخلهم في توسعته ركب لهم مضاف إليه اسمه (الفقهاء) فصار التركيب باسم ( المرجئة الفقهاء ) وكأن القارئ سيتخيل وجود مرجئة من نوع آخر غير المرجئة الضالة ، لا  يقع عليهم كلام السلف في التضليل والتحذير ، مع أن تغيير الإسم لا يغير حقيقة المسمى في شيء ويبقى الإرجاء أخطر ضلالة على أمة محمد كما قال السلف . 

 قال بن تيمية : "وأما أهل السنة والجماعة والصحابة والتابعون لهم بإحسان ، وسائر طوائف المسلمين ، من أهل الحديث ، والفقهاء ، وأهل الكلام من مرجئة الفقهاء والكرامية والكلابية والأشعرية والشيعة مرجئهم وغير مرجئهم ، فيقولون : إن الشخص الواحد قد يعذبه الله بالنار ثم يدخله الجنة كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة ) اهـ (مجموع الفتاوى 7/353)

وقال في مجموع الفتاوى (3/357) : وَأَمَّا الْمُرْجِئَةُ فَلَيْسُوا مِنْ هَذِهِ الْبِدَعِ الْمُغَلَّظَةِ !! بَلْ قَدْ دَخَلَ فِي قَوْلِهِمْ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْعِبَادَةِ ، وَمَا كَانُوا يُعَدُّونَ إلَّا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ ، حَتَّى تغلظ أَمْرُهُمْ بِمَا زَادُوهُ مِنْ الْأَقْوَالِ الْمُغَلَّظَةِ ) اهـــ. 

 قال في شرح الأصفهانية (1/198) : أن فقهاء المرجئة خلافهم مع أهل السنة يسير (!!) وبعضه لفظي ولم يعرف بين الأئمة المشهورين بالفتيا خلاف إلا في هذا فإن ذلك قول طائفة من فقهاء الكوفيين كحماد بن أبي سليمان وصاحبه أبي حنيفة وأصحاب أبي حنيفة، وأما قول الجهمية وهو أن الإيمان مجرد تصديق القلب دون اللسان فهذا لم يقله أحد من المشهورين بالإمامة ولا كان قديما فيضاف هذا إلى المرجئة ، وإنما وافق الجهمية عليه طائفة من المتأخرين من أصحاب الأشعري )

عدم تكفيره المأمون الجهمي وادعى أن أحمد لم يكفره :

لم يكن هذا الإدعاء بلا غاية بل له سبب خبيث وهو أن يرتب عليه اختراع رواية لأحمد ينقض بها إجماع السلف في تكفير الجهمية بلا تفصيل ، ثم من بعدها ينتقل إلى ذكر الخلاف فيهم ، ثم رجح فاختار أنه يجمع بين القولين : فكانت النتيجة أن من طرائق الجمع أن يجوز تكفيرهم بالعموم ويمنع إطلاق الكفر على المعين منهم !!  
الخلاصة : أنه بنى كل دينه ومعتقده في الجهمية على تكفير المأمون أو لا !! وهذه من أعاجيب العلوم !!                        

ودعنا نخص هذه بالرد لأنها اشتبهت على بعض الإخوان ، لذلك ولابد لكي ننقض مقدمته الفاسدة أن أقول : 

 من المحال ألا يكفر الإمام أحمد جهميا رأسا في التجهم جمع إلى تجهمه أنه رافضي مقيت ، وأحمد الذي يقول من لا يكفر الجهمي فهو مثله !! :

جاء الأحكام السلطانية (ص 20) : سئل الإمام أحمد عن امرأة لا ولي لها ؟ فقال: وليها السلطان. فقيل له: تقول السلطان، ونحن على ما ترى اليوم ؟ فقال: أنا لم أقل: على ما نرى اليوم إنما قلت: السلطان ) اهـ 

أي أن الذي يتسلط على المسلمين اليوم كافر، والكافر لا يكون ولياً للمسلمة ، فأخبرهم أنه إنما قال : السلطان، على سبيل الفتوى العامة ، لا أنه يريد هؤلاء الذين يملكون اليوم ، كيف وهو يكفرهم ؟ وقد قال أبو طالب: قلت لأبي عبدالله : إنهم مروا بطرسوس بقبر رجل ، فقال أهل طرسوس: الكافر لا رحمه الله فقال أبو عبدالله « نعم فلا رحمه الله هذا الذي أسس هذا وجاء بهذا » اهـ (السنة للخلال 1708) 
والمأمون دفن بها ، فإنه لا يعرف خليفة دفن بطرسوس غيره ، وقد أقرهم على تكفيره ذاكراً أنه هو الذي أسس مذهب الجهمية. وقال أبو الفتح بن منيع : "سمعت جدي يقول : كان أحمد إذا ذكر المأمون ، قال : (كان لا مأمون ) اهـ (الأحكام السلطانية ص 20) 

أما اشتراط المرجئة نصاً خاصاً في تكفيره ، فهذا من الجهل والسفه ، فإن كل جهمي كافر كما أن كل نصراني كافر، ولا يقال: نريد نصاً في تكفير فلان النصراني. وقد كفر أحمد ، ابن أبي دؤاد ، ولم يكن إلا أداة من أدواتهم ، وداعياً من دعاتهم ، فكيف بالسلطان الذي يؤزه على ذلك أزاً ، ويدعمه، ويحميه ؟! فلولا المأمون ومن معه ، ما راح ابن أبي دؤاد ولا جاء . 

 قال الحسن بن ثواب المخرمي: قلت لأحمد بن حنبل: ابن أبي داود ؟ قال «كافر بالله العظيم» (السنة للخلال 1757) 

هذا وقد أضاف المأمون إلى جهميته ، أنه كان رافضياً خبيثاً قال ابن كثير: وقد أضاف المأمون إلى بدعته هذه التي أزرى فيها على المهاجرين والأنصار وخالفهم في ذلك، البدعة الأخرى، والطامة العظمى، وهي القول بخلق القرآن، مع ما فيه من الانهماك على تعاطي المسكر، وغير ذلك من الأفعال التي تعدد فيها المنكر ) اهـ (البداية والنهاية 14/223) 
 قال: "ولما ابتدع المأمون ما ابتدع من التشيع والاعتزال، فرح بذلك بشر المريسي، وكان بشر هذا شيخ المأمون، فأنشأ المريسي يقول قد قال مأموننا وسيدنا ... قولاً له في الكتاب تصديق إن علياً أعني أبا حسن ... أفضل من أقلت به النوق بعد نبي الهدى وإن لنا ... أعمالنا والقرآن مخلوق"اهـ (البداية والنهاية 14/227-228) 

وقال ذاك المقريزي : وقد كان المأمون عبدالله بن هارون الرشيد سابع خلفاء بني العباس ببغداد، لما شغف بالعلوم القديمة، بعث إلى بلاد الروم من عرب له كتب الفلاسفة، وأتاه بها في أعوام بضع عشرة سنة ومائتين من سني الهجرة، فانتشرت مذاهب الفلاسفة في الناس، واشتهرت كتبهم بعامة الأمصار، وأقبلت المعتزلة والقرامطة والجهمية وغيرهم عليها، وأكثروا من النظر فيها، والتصفح لها، فانجر على الإسلام وأهله من علوم الفلاسفة، ما لا يوصف من البلاء، والمحنة في الدين، وعظم بالفلسفة ضلال أهل البدع، وزادتهم كفراً إلى كفرهم"اهـ (المواعظ والاعتبار 4/190) 

وقال نفطويه: "بعث المأمون منادياً، فنادى في الناس ببراءة الذمة ممن ترحم على معاوية، أو ذكره بخير) اهـ (السير 10/281)

وقال ذاك السيوطي : وفي سنة إحدى عشرة: أمر المأمون بأن ينادى: برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير، وأن أفضل الخلق بعد النبي صلى الله عليه وسلم، علي بن أبي طالب ) اهـــ (تاريخ الخلفاء ص 247)

قوله أن كثير من الأنبياء كانوا على دين قومهم الشرك قبل البعثة :

ثبت عن أحمد أنه سأله رجل عمن يقول : و إن النبي قبل البعثة كان على دين قومه ؟ فقال: هذا قول سوء . 
 من قال بهذا المذهب فقط طعن في الأنبياء بصريح العبارة ، وكأنه أيضا إحدى تفريعاته على الأصل الممهد للعذر بالجهل !!

قال بن تيمية في مجموع الفتاوى (15/29) : قوله سبحانه: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين} {قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا} ظاهره دليل على أن شعيباً والذين آمنوا معه كانوا على ملة قومهم؛ لقولهم: {أو لتعودن في ملتنا} ولقول شعيب: (أنعود فيها {أولو كنا كارهين} ولقوله: {قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم} فدل على أنهم كانوا فيها. ولقوله: {بعد إذ نجانا الله منها} . فدل على أن الله أنجاهم منها بعد التلوث بها؛ ولقوله: {وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا} ولا يجوز أن يكون الضمير عائداً على قومه؛ لأنه صرح فيه بقوله: {لنخرجنك يا شعيب} ولأنه هو المحاور له بقوله: {أولو كنا كارهين} إلى آخرها. وهذا يجب أن يدخل فيه المتكلم. ومثل هذا في سورة إبراهيم {وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين} الآية ) اهـــ

وقال : "هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ فيها، ومنها: قوله: {لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا} الآية وما في معناها. التحقيق: أن الله سبحانه إنما يصطفي لرسالته من كان خيار قومه حتى في النسب كما في حديث هرقل. ومن نشأ بين قوم مشركين جهال لم يكن عليه نقص إذا كان على مثل دينهم إذا كان معروفاً بالصدق والأمانة وفعل ما يعرفون وجوبه وترك ما يعرفون قبحه. قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} فلم يكن هؤلاء مستوجبين العذاب، وليس في هذا ما ينفر عن القبول منهم؛ ولهذا لم يذكره أحد من المشركين قادحاً ، وقد اتفقوا على جواز بعثة رسول لا يعرف ما جاءت به الرسل قبله من النبوة والشرائع وأن من لم يقر بذلك بعد الرسالة فهو كافر. والرسل قبل الوحي لا تعلمه فضلاً عن أن تقر به. قال تعالى: {ينزل الملائكة بالروح من أمره} الآية. وقال: {يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق} فجعل إنذارهم بالتوحيد كالإنذار بيوم التلاق وكلاهما عرفوه بالوحي. وما ذكر أنه صلى الله عليه وسلم بغضت إليه الأوثان، لا يجب أن يكون لكل نبي، فإنه سيد ولد آدم. والرسول الذي ينشأ بين أهل الكفر الذين لا نبوة لهم، يكون أكمل من غيره، من جهة تأييد الله له بالعلم والهدى وبالنصر والقهر، كما كان نوح، وإبراهيم"اهـ [ مجموع الفتاوى (15/30-31) ]

وقال : وكذلك من قال: إنه لا يبعث نبياً إلا من كان مؤمناً قبل النبوة. فإن هؤلاء توهموا أن الذنوب تكون نقصاً ، وإن تاب التائب منها ، وهذا منشأ غلطهم ، فمن ظن أن صاحب الذنوب مع التوبة النصوح يكون ناقصاً ، فهو غالط غلطاً عظيماً ، فإن الذم والعقاب الذي يلحق أهل الذنوب لا يلحق التائب منه شيء أصلاً؛ لكن إن قدم التوبة لم يلحقه شيء، وإن أخر التوبة فقد يلحقه ما بين الذنوب والتوبة من الذم والعقاب ما يناسب حاله. والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه كانوا لا يؤخرون التوبة ، بل يسارعون إليها ويسابقون إليها؛ لا يؤخرون، ولا يصرون على الذنب، بل هم معصومون من ذلك، ومن أخر ذلك زمناً قليلاً، كفر الله ذلك بما يبتليه به، كما فعل بذي النون صلى الله عليه وسلم هذا على المشهور أن إلقاءه كان بعد النبوة؛ وأما من قال: إن إلقاءه كان قبل النبوة. فلا يحتاج إلى هذا. والتائب من الكفر والذنوب، قد يكون أفضل ممن لم يقع في الكفر والذنوب؛ وإذا كان قد يكون أفضل فالأفضل أحق بالنبوة ممن ليس مثله في الفضيلة، وقد أخبر الله عن إخوة يوسف بما أخبر من ذنوبهم، وهم الأسباط الذين نبأهم الله تعالى، وقد قال تعالى: {فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي} . فآمن لوط لإبراهيم عليه السلام، ثم أرسله الله تعالى إلى قوم لوط. وقد قال تعالى في قصة شعيب: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين} {قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين}. وقال تعالى: {وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين} {ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد}"اهـ [ (مجموع الفتاوى 10/309-210) ]

وقال: فالمؤمنون يستغفرون مما كانوا تاركيه قبل الإسلام من توحيد الله وعبادته ، وإن كان ذلك لم يأتهم به رسول بعد كما تقدم. والرسول يستغفر من ترك ما كان تاركه، كما قال فيه: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} وإن كان ذلك لم يكن عليه عقاب"اهـ (مجموع الفتاوى 11/690)

وقال: قال ذاك البغوي : وأهل الأصول على أن الأنبياء عليهم السلام، كانوا مؤمنين قبل الوحي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعبد الله قبل الوحي على دين إبراهيم، ولم يتبين له شرائع دينه. وقوله هذا، يناقض ما ذكره في قوله: }ووجدك ضالاً فهدى{ ومعنى الآية: وجدك ضالاً عما كنت عليه اليوم، فهداك للتوحيد والنبوة، فجعل التوحيد مما كان ضالاً عنه، فهداه إليه. وأيضاً: فقوله: }ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان{ يناقض هذا. وقد روي عن أحمد أنه قال: من قال: إنه كان النبي صلى الله عليه وسلم على دين قومه. فهو قول سوء. ولكن قد قال السدي وغيره: كان على دين قومه أربعين سنة .. والمقصود أن هذا النزاع في وقوع الذنوب منهم قبل النبوة، ليس هو قول المعتزلة فقط، بل هو بين أصحاب الحديث وأهل السنة، قال أبو بكر بن الطيب .. ) اهـ (تفسير آيات أشكلت 1/181-186 )

وقال: "وأما قولهم: إن شعيباً والرسل ما كانوا في ملتهم قط. وهي ملة الكفر، فهذا فيه نزاع مشهور. وبكل حال، فهذا خبر يحتاج إلى دليل سمعي أو عقلي، وليس في أدلة الكتاب والسنة والإجماع ما يخبر بذلك ، وأما العقل: ففيه نزاع. والذي عليه نظار أهل السنة: أنه ليس في العقل ما يمنع ذلك .. وأما تحقيق القول فيه : فالله سبحانه إنما يصطفي لرسالته من كان من خيار قومه .. ومن نشأ بين قوم مشركين جهال، لم يكن عليه منهم نقص ولا بغض ولا غضاضة، إذا كان على مثل دينهم، إذا كان عندهم معروفاً بالصدق والأمانة وفعل ما يعرفون وجوبه واجتناب ما يعرفون قبحه وقد قال تعالى: ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ) ، فلم يكن هؤلاء مستوجبين العذاب قبل الرسالة، وإن كان لا هو ولا هم يعرفون ما أرسل به. وفرق بين من يرتكب ما علم قبحه، وبين من يفعل ما لم يعرف، فإن هذا الثاني لا يذمونه، ولا يعيبون عليه، ولا يكون فعله مما هم عليه منفراً عنه بخلاف الأول ) اهـ ( تفسير آيات أشكلت 1/178-193) 

 (قلت) وسأرد على هذه أيضا لخطورتها وقلة من رد عليها أيضا ولأنها قد تأثر بها أناس يزعمون أنهم علماء وقرروها في مجالسهم !! وهذا القول لا يقوله إلا جاهل سفيه ، وإلا فمن المعلوم أن الرسل هم خيار قومهم ، منزهون عن الآفات والعاهات والكذب وما يخل بالمروءة ، فكيف يعصمهم الله تعالى من هذا ، ولا يعصمهم مما هو أقبح من ذلك ، وهو الشرك وقد وجد في الجاهلية من كان يستقبح الشرك ، ويرى أن الناس على ضلالة ، كسلمان الفارسي ، وعمرو بن عبسة ، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهم صفوة الله من خلقه، لا شك أنهم أولى بذلك. وقد سئل أحمد بن حنبل، عمن زعم أن خديجة كانت على الشرك ، حين تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية ؟ فقال : لا أقول شيئاً ، قد كانت أول من آمن به من النساء ، ثم ماذا يحدث الناس من الكلام ، هؤلاء أصحاب الكلام ، من أحب الكلام لم يفلح ، سبحان الله، سبحان الله لهذا القول ، واستعظم ذلك ) اهـــــ ( السنة للخلال 213) 

 فإذا كان هذا في خديجة رضي الله عنها، فكيف بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟ فما كان أغناه عن هذا الكلام ، وإلا فما الفائدة التي ستعود عليه وعلى الناس من ذلك ومن سبقه من أهل العلم لا أقول : السلف - إلى مثل هذه المسالك ؟ ونحن إنما نقتدي ، ولا نبتدي ، نتبع ، ولا نبتدع ، ومن تكلم في تفسير الآيات التي تطرقت إلى هذا الأمر، لم يتكلم بمثل ما تكلم به ابن تيمية ، بل وجه الآيات بما يناسب مقام الأنبياء ، ومكانتهم ، ورد على ما يوهم خلاف ذلك. وقد أحسن الأوزاعي، حيث قال: قل بما قالوا ، وكف عما كفوا ، وكذا أحمد حيث قال : إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام". 

 قال الطبري في تفسيره (16/539-540) : القول في تأويل قوله عز ذكره: {وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد}. (لنخرجنكم من أرضنا) يعنون: من بلادنا. فنطردكم عنها، (أو لتعودن في ملتنا) ، يعنون: إلا أن تعودوا في ديننا الذي نحن عليه من عبادة الأصنام. وأدخلت في قوله: (لتعودن) "لام"، وهو في معنى شرط، كأنه جواب لليمين، وإنما معنى الكلام: لنخرجنكم من أرضنا، أو تعودون في ملتنا. ومعنى "أو" ههنا معنى "إلا" أو معنى "حتى" كما يقال في الكلام:" لأضربنك أو تقر لي"، فمن العرب من يجعل ما بعد "أو" في مثل هذا الموضع عطفاً على ما قبله، إن كان ما قبله جزماً جزموه، وإن كان نصباً نصبوه، وإن كان فيه "لام" جعلوا فيه "لاما"ً، إذ كانت "أو" حرف نسق. ومنهم من ينصب "ما" بعد "أو" بكل حال، ليعلم بنصبه أنه عن الأول منقطع عما قبله، كما قال امرؤ القيس: بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا ... فقلت له: لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا. فنصب "نموت فنعذرا" وقد رفع "نحاول"، لأنه أراد معنى: إلا أن نموت، أو حتى نموت، ومنه قول الآخر: لا أستطيع نزوعاً عن مودتها ... أو يصنع الحب بي غير الذي صنعا ) اهــــ 

 وقال في (16/101): "وقوله: ( إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله). يقول: إني برئت من ملة من لا يصدق بالله، ويقر بوحدانيته"اهـ وقال الزجاج في معاني القرآن (5/339-540): "وقوله: }ووجدك ضالا فهدى{ معناه - والله أعلم - أنه لم يكن يدري القرآن، ولا الشرائع، فهداه الله إلى القرآن، وشرائع الإسلام، ودليل ذلك، قوله: }وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان{. وقال قوم: كان على أمر قومه أربعين سنة"اهـ 

 وقال ابن قتيبة : قالوا : رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ما كفر بالله نبي قط، وأنه بعث إليه ملكان فاستخرجا من قلبه وهو صغير علقة، ثم غسلا قلبه، ثم رداه إلى مكانه. ثم رويتم، أنه كان على دين قومه أربعين سنة. وأنه زوج ابنتيه، عتبة بن أبي لهب، وأبا العاص بن الربيع، وهما كافران. قالوا: وفي هذا تناقض واختلاف وتنقص لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ونحن نقول: إنه ليس لأحد فيه بنعمة الله متعلق، ولا مقال، إذا عرف معناه، لأن العرب جميعاً من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، خلا اليمن. ولم يزالوا على بقايا من دين أبيهم إبراهيم صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك: حج البيت، وزيارته، والختان، والنكاح، وإيقاع الطلاق إذا كان ثلاثاً، وللزوج الرجعة في الواحدة، والاثنتين، ودية النفس مائة من الإبل، والغسل من الجنابة، واتباع الحكم في المبال في الخنثى، وتحريم ذوات المحارم بالقرابة والصهر والنسب، وهذه أمور مشهورة عنهم. وكانوا مع ذلك يؤمنون بالملكين الكاتبين، قال الأعشى وهو جاهلي: فلا تحسبني كافراً لك نعمة ... على شاهدي يا شاهد الله فاشهد. يريد: على لساني يا ملك الله، فاشهد بما أقول. ويؤمن بعضهم بالبعث والحساب، قال زهير بن أبي سلمى، وهو جاهلي لم يلحق الإسلام، في قصيدته المشهورة التي تعد من السبع: يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقم .. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على دين قومه. يراد: على ما كانوا عليه من الإيمان بالله، والعمل بشرائعهم: في الختان، والغسل، والحج، والمعرفة بالبعث، والقيامة والجزاء وكان مع هذا لا يقرب الأوثان، ويعيبها، وقال: بغضت إلي. غير أنه كان لا يعرف فرائض الله تعالى، والشرائع التي شرعها لعباده، على لسانه حتى أوحي إليه. وكذلك قال الله تعالى: {ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى}. يريد: ضالاً عن تفاصيل الإيمان والإسلام وشرائعه، فهداك الله عز وجل. وكذلك قوله تعالى: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان}. يريد ما كنت تدري، ما القرآن، ولا شرائع الإيمان، ولم يرد الإيمان الذي هو الإقرار، لأن آباءه الذين ماتوا على الكفر والشرك، كانوا يعرفون الله تعالى، ويؤمنون به، ويحجون له، ويتخذون آلهة من دونه، يتقربون بها إليه تعالى وتقربه فيما ذكروا منه، ويتوقون الظلم، ويحذرون عواقبه، ويتحالفون على أن لا يبغى على أحد، ولا يظلم. وقال عبد المطلب لملك الحبشة، حين سأله حاجته فقال: إبل ذهبت لي. فعجب منه، كيف لم يسأله الانصراف عن البيت. فقال: إن لهذا البيت من يمنع منه. أو كما قال. فهؤلاء كانوا يقرون بالله تعالى، ويؤمنون به، فكيف لا يكون الطيب الطاهر المطهر يؤمن به قبل الوحي؟ وهذا لا يخفى على أحد .. ومعنى هذا الحديث، أنه كان على دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. وقومه هؤلاء، لا أبو جهل وغيره من الكفار، لأن الله تعالى حكى عن إبراهيم: {فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم}. وقال لنوح: {إنه ليس من أهلك}. يعني: ابنه، لما كان على غير دينه. وأما تزويجه ابنتيه كافرين، فهذا أيضاً من الشرائع التي كان لا يعلمها، وإنما تقبح الأشياء بالتحريم، وتحسن بالإطلاق والتحليل، وليس في تزويجهما كافرين، قبل أن يحرم الله تعالى عليه إنكاح الكافرين، وقبل أن ينزل عليه الوحي، ما يلحق به كفراً بالله تعالى"اهـ (تأويل مختلف الحديث ص 176-179) 

 وقال أبو جعفر النحاس في معاني القرآن (3/30-31): "وقوله: {إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون} ظاهر. ثم قال: {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} أظهر أنه نبي وأنه من ولد الأنبياء. وقوله: {ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء} معناه: أن الله قد عصمنا من الإشراك به ) اهـــ  

وقال في (3/54): قوله جل وعز ( قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ) يقال: كيف قالوا هذا لشعيب صلى الله عليه وسلم، وهو نبي؟ فعلى هذا جوابان، أحدهما: أن يكون معنى (لتعودن) لتصيرن. كما تقول: عاد علي من فلان مكروه. والجواب الآخر: أنهم لما خلطوا معه من آمن منهم، جاز أن يقولوا : ( أو لتعودن في ملتنا) يعنون : من آمن ) اهـ

وقال في (5/88) : وقوله: {وما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} الكتاب هو القرآن، وقيل: ما كنت تدري ما الكتاب لولا أنزلنا إياه عليك. وقوله: {ولا الإيمان} المعروف: أن المراد به شرائع الإيمان، وهذا قد حكي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة، وغيره من أئمة السنة. وعن بعضهم أن معناه: }ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان{ أي: قبل البلوغ. والقول الثالث: }ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان{ أي: أهل الإيمان، وهذا حكي عن الحسين بن الفضل البجلي. وفي بعض المسانيد برواية النزال بن سبرة عن علي رضي الله عنه، أنه قال: قيل لرسول الله: هل عبدت وثناً قط؟ قال: لا. وقيل له: هل شربت خمراً قط؟ قال: لا. وما زلت أعرف أن ما هم عليه باطل، ولم يوح إلي كتاب، ولا إيمان. والخبر غريب ) اهـ

قوله بمذهب الجهمية في فناء النار : 

 وهذا آخر مذهب التوسعة الذي وصل إليه ابن تيمية ، وبناه على صفة الرحمة كما يزعم ، وقال بأن النار خاصة تفنى ، ونفى أن يكون هذا القول هو مذهب الجهمية ، وادعى أنه أحد أقوال السلف ! وأن قول الجهمية هو القول بفناء والجنة والنار معا وأنهما يفنيان بنفسهما ، بخلافه قوله الذي يزعم ليس من أقوال الجهمية ، وأنه في النار خاصة وأن الله هو من يفينها برحمته بالخلق كما هو تعبييره ! وكتب في ذلك رسالته المشهور والمطبوعة باسم ( قاعدة في الرد على من قال بفناء الجنة والنار ) وهو يقصد برده على مذهب الجمع في القول بفناء الجنة والنار معا لا بإفراد النار بالفناء ، فإن ذلك اختياره ، وهذه الرسالة نقلها ابن القيم وأثبتها لها وحكى قصة كتابتها وسبب ذلك وأنه كتبها في آخر حياته ، مما يؤكد نسبتها له وقد نقل أكثرها في حادي الأرواح ، واستدل بمذهب شيخه وانتصر له أيضا في كتاب شفاء العليل والروح ، ونص ابن عبد الهادي أيضا على ثبوتها في ترجمته لابن تيمية الذي سماه ( العقود الدرية ) وفيه احتج بآيات متشابهات وبآثار ضعيفة وليس واضحة في نفس الوقت ، وترك المحكمات والصول القطعية ، ولا حاجة لإكثار الكلام في ثبوت ذلك والرد على ذاك المذهب ، فهو واضح وقد ألفت في ذلك بحثا مستقلا ، ورددت عليه بذكر الإجماعات الصريحة التي نقلها السلف في بقاء الجنة والنار وأن المخالف في ذلك جهمي ، سواء قال بفناءهما معا أو النار لوحدها لا فرق . والمقصود أن أحد أسباب ضلال بن تيمية في هذا الباب هو أصله الباطل في الرحمة والعفو واتساعه في الأعذار .


وهنا فصل نلخص فيه ما ثبت عنه من أقوال شنيعة باختصار :

يقول: إن الحزن على وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، لا فائدة فيه. يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم، ارتاب في أمر عائشة رضي الله عنها، قبل أن يعلم براءتها يقول: إن الصحابة كانوا كفاراً. يقول: إن عثمان رضي الله عنه ، حصل منه نوع توسع في الأموال، وكان يعطي لأقاربه من العطاء ما لا يعطيه لغيرهم . يقول: إن علياً حين تولى، تخلف عن بيعته قريب من نصف المسلمين من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، وكثير من الذين بايعوه رجعوا عنه ، ومنهم من كفره واستحل دمه ، ومنهم من ذهب إلى معاوية. يقول: إن علياً رضي الله عنه ، كان قصده أن يتزوج على فاطمة رضي الله عنها ، فله في أذاها غرض. يقول: إن تعظيم المولد، واتخاذه موسماً، قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم، لحسن قصده ، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول: المقالة التي هي كفر بالكتاب أو السنة أو الإجماع، يقال: هي كفر. قولاً يطلق، كما دل على ذلك الدليل الشرعي، ولا يجب أن يحكم على كل شخص قال ذلك، بأنه كافر، حتى يثبت في حقه شروط التكفير، وتنتفي موانعه.
يقول: المنتسبون إلى الشيخ يونس، كثير منهم كافر بالله ورسوله، لا يقرون بوجوب الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وحج البيت العتيق ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، بل لهم من الكلام في سب الله ورسوله والقرآن والإسلام، ما يعرفه من عرفهم. وأما من كان فيهم من عامتهم، لا يعرف أسرارهم وحقائقهم فهذا يكون معه إسلام عامة المسلمين.
يقول: لا يلزم إذا كان القول كفراً، أن يكفر كل من قاله مع الجهل والتأويل فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعين، كثبوت الوعيد في الآخرة في حقه، وذلك له شروط وموانع.
يقول: إن كثيراً من الرافضة ليسوا منافقين ولا كفاراً؛ بل بعضهم له إيمان وعمل صالح، ومنهم من هو مخطئ يغفر له خطاياه، ومنهم من هو صاحب ذنب يرجى له مغفرة الله.
يقول: الفلاسفة والباطنية كفار، كفرهم ظاهر عند المسلمين ، وكفرهم ظاهر عند أقل من له علم وإيمان من المسلمين، إذا عرفوا حقيقة قولهم، لكن لا يعرف كفرهم من لم يعرف حقيقة قولهم، وقد يكون قد تشبث ببعض أقوالهم من لم يعلم أنه كفر، فيكون معذوراً لجهله.
يقول: أهل العلم والسنة يتبعون الحق الذي جاء به الكتاب والسنة، ويعذرون من خالفهم إذا كان مجتهداً مخطئا ، أو مقلداً له . ويقول: صوفية أهل الحديث.
يقول: السلف والأئمة كانوا يكفرون الجهمية على الإطلاق والتعميم، أما المعين منهم: فقد يدعون له، ويستغفرون له، لكونه غير عالم بالصراط المستقيم.
يقول: إن اعتقاد ابن فورك ، غالبه موافق لأصول السلف. ويقول: كتب الله في اللوح المحفوظ أنهم مهزومون في هذه الكرة. أي: التتر.
يقول: إن جاز للرافضي أن يقول: كان أبو بكر طالباً للمال والرياسة. أمكن الناصبي أن يقول: كان علي ظالماً طالباً للمال والرياسة ، قاتل على الولاية حتى قتل المسلمين بعضهم بعضاً ، ولم يقاتل كافراً، ولم يحصل للمسلمين في مدة ولايته إلا شر وفتنة في دينهم، ودنياهم.
يقول: فلا رأي أعظم ذماً من رأي أريق به دم ألوف مؤلفة من المسلمين، ولم يحصل بقتلهم مصلحة للمسلمين، لا في دينهم ولا في دنياهم، بل نقص الخير عما كان، وزاد الشر على ما كان. فإذا كان مثل هذا الرأي لا يعاب به، فرأي عمر وغيره في مسائل الفرائض والطلاق أولى أن لا يعاب. مع أن علياً شركهم في هذا الرأي، وامتاز برأيه في الدماء.
يقول: ثم يقال لهؤلاء الرافضة: لو قالت لكم النواصب: علي قد استحل دماء المسلمين: وقاتلهم بغير أمر الله ورسوله على رياسته. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر». وقال: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض». فيكون علي كافراً لذلك. لم تكن حجتكم أقوى من حجتهم; لأن الأحاديث التي احتجوا بها صحيحة. ومذهبه توسعة العذر للخلق، ولا يكفر أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه. و لا يكفر الجهمية والرافضة والمعتزلة والقدرية والأشاعرة والكرامية والاتحادية وعباد القبور.
ولا يكفر قضاة الجهمية نفاة العلو والحلولية.
يقول: إن علياً رضي الله عنه، قاتل الناس على ولايته وطاعته، لا على طاعة الله ورسوله.وأنه قتل بسببه خلق كثير عظيم، ولم يحصل في ولايته، لا قتال للكفار، ولا فتح لبلادهم، ولا كان المسلمون في زيادة خير.وأن أئمة السنة يعلمون أن القتال لم يكن مأموراً به، ولا واجباً، ولا مستحباً، لكنهم يعذرونه لكونه اجتهد فأخطأ.وأنه لو ترك القتال لكان أفضل وأصلح.
وأن خلافته اختلف فيها أهل القبلة ، وأنه لم يكن فيها زيادة قوة للمسلمين ، ولا قهر ونقص للكافرين .
وأن خلافة عثمان هادية مهدية، بخلاف ولاية علي، فكثير من السابقين الأولين لم يتبعوه، ولم يبايعوه، وكثير من الصحابة والتابعين قاتلوه، وفي خلافته لم يُقتل كافر، ولم تُفتح مدينة. وأن من الصحابة من كره خلافته، إما لاجتهاد، أو لهوى. وأنهم - أي الصحابة - اختلفوا في إسلام سفيان والد معاوية رضي الله عنهما. وأن كثيراً من الصحابة والتابعين ، كانوا يبغضون علياً ويسبونه ويقاتلونه. وأن الفساد الذي حصل في خلافة علي، أعظم من الفساد الذي حصل في خلافة عثمان. وأن أكثر العلماء نازعوا علياً في اجتهاده في قتال معاوية ، كما نازعوا عثمان أيضاً في اجتهاده في الأموال .
وأن سعد بن عبادة رضي الله عنه ، استشرف أن يكون أميراً ، فلم يحصل له ذلك ، فبقي في نفسه بقية هوى. ويعتذر لمثل أبي يزيد البسطامي ورابعة العدوية. وينافح عن البكري وابن مخلوف ، ويصفهم بإخوانه المسلمين ، ويقول بأنه لن يكون عوناً عليهم ، فإن الشيطان ينزغ بين المؤمنين ومن ينهى الناس عن أن يُنسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية. ومن يصف الحكيم الترمذي بالعلم والفضل. ويصف رؤوس البدعة والضلالة بالفضل والإمامة. ويصحح الصلاة خلف الرافضة والجهمية. و يعتذر للصوفية ، ويتكلم بكلامهم، ويقر مصطلحاتهم، ويقول: إن فيهم من أولياء الله وصفوته وخيار عباده ما لا يحصى عده ، وأن ذوقهم ووجدهم وإلهاماتهم من المصالح المرسلة. وأن كفرياتهم وقعت بسبب السكر والفناء ، وأن هذا الفناء صحيح ، وهو شبيه بالصعق والصياح الذي حدث في التابعين.
وأن شطحات بعض مشايخهم ، كقول أبي يزيد البسطامي: أنصب خيمتي على جهنم. ونحو ذلك من الأقوال والأعمال المخالفة للشرع ، قد يكون صاحبها غير مأثوم . وأن من سلك منهم مسلك الجنيد ، اهتدى ونجا وسعد.
وأن التغبير - الذي قال فيه الشافعي: أحدثته الزنادقة - أهله من خيار الصوفية. وأن المبتدع يثاب على حسن قصده ، وعمله الذي يعتقده صالحاً ، ولا يكون عالماً أنه منهي عنه.
وأن من أنكر ما ثبت بالتواتر والإجماع ، فهو كافر بعد قيام الحجة عليه.
وأن أهل الرأي فيهم من أهل العلم والإيمان من لا يحصي عدده إلا الله.
وأن الإحياء فيه فوائد كثيرة.
وأن الغزالي من خيارهم وأعلمهم وأدينهم، وأنه من أعظم الناس ذكاء وطلباً للعلم وبحثاً عن الأمور، وكان من أعظم الناس قصداً للحق، وله من الكلام الحسن المقبول، أشياء عظيمة بليغة.
وأن الفلاسفة والمتكلمين فيهم فضلاء.
وأن من لعن أئمة الأشعرية عُزر، وعادت اللعنة عليه.
وأن الباقلاني والبيهقي من فضلاء الأشعرية. وأن الشيعة مسلمون

وأن كثيراً من الرافضة ليسوا منافقين، ولا كفاراً.
وأن بعضهم له إيمان وعمل صالح.
وأن فيهم المتعبد المتورع الزاهد.
وأن عوام الباطنية قد يكونون مسلمين
وأن من عادى المعتزلة وكفرهم، فهو ظالم لنفسه.
وأنهم نصروا الإسلام في مواطن كثيرة.
وأن الأشعرية أقرب الطوائف إلى السنة والجماعة والحديث.
وأنهم يعدون من أهل السنة والجماعة، بالنسبة للمعتزلة والرافضة ونحوهم.
وأن فيهم فضلاء عقلاء، وفيهم من له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة.
وأن من وقع في الكفر لا يكفر إلا إذا تبين أنه معاند.
وأن القدري الذي لا يقر بأن الله خالق كل شيء، ولا أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لا يحكم بكفره ما لم تقم عليه الحجة.
وأن من ترك فروع الإيمان لا يكون كافراً حتى يترك أصل الإيمان، وهو الاعتقاد.
وأن ابن عقيل من أحسن الناس ديناً.
وأن عبدالرحمن الأصم من فضلاء الناس وعلمائهم
وأن أبا حنيفة لا يستريب أحد في فقهه وفهمه وعلمه.
وأنهم نقلوا عنه أشياء يقصدون بها الشناعة عليه ، وهي كذب عليه قطعاً.
وأنه لم يكن يتعمد مخالفة الحديث الصحيح .
قوله في سؤال الميت الدعاء بدعة فقط
دخوله في المنطق والكلام والإغراق فيه .
دخوله في قضية تسلسل الأحداث والتخليط فيها .


الخلاصة :

فهذا باختصار مذهب ابن تيمية وأصوله المطردة التي أسسها على توسعة العذر للخلق وباستعمال قاعدة نفي الفارق نقول : بالله عليك هل رأيتم فرقا بينه وبين الذهبي بل وبين الألباني ؟!! هات فرقا واحدا وسأحذف كل ما كتبته هنا !! ودعك من بكاء جماهيره ومحبيه عليه ، فكل نفس بما كسبت رهينة ، ولا عليك من الهالة المرعبة التي ركبوها حوله ، فالحق فوق الجميع ، ثم إن الله كلفك أن تحكم بالظاهر ، فلا تلجأ للإحتمالات البعيدة ، ولا للأعذار الواهية ، فإن ذلك أسلوبه هو لا أنت ، ولا عليك ممن نصبه شيخا للإسلام ، وعماد السلفية الذي لو سقط سقطت معه الإسلام عندهم !! ، فإننا لا نعرف شيخا للإسلام إلا الخليل إبراهيم عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم ، والله سائلك عنه فما أنت مجيبه ؟



كتبه أبو عبيد الجزائري والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

ليست هناك تعليقات: