الأربعاء، 5 يوليو 2017

ملء العيبة ببيان فضائل مصنف ابن أبي شيبة

ملء العيبة ببيان فضائل مصنف ابن أبي شيية


بسم الله الرحمن الرحيم

وهآ بين يديك سفر عظيم ، فضله على أهل الأثر عميم ، كتاب لا يمل منه الجليس ، ويستفز برونقه إبليس ، إن فتحته فأنت بين الصحابة موجود ، وفي عزلة عن الجهالة كالمفقود ، حلاه مُسنِدُه بالآثار ، وجنبه رأي المفسدين وأهل الحيل الفجار فهو قرة عين أهل الحديث والأثر وشوكة في حلوق أهل الرأي والنظر ، وهذه تحفة سنية ، وسيرة مرضية ، لخصت فيها فضائل هذا الكتاب الأثري الجميل ، وبينت قدر مؤلفه الحافظ الجليل ، فاملأ بهذه الأرواق اليسيرة عيبتك أيها الفتى وارضى بالقليل .

اسم المؤلف :

عبد اللَّه بْن مُحَمَّد بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْن عُثْمَان ، أَبُو بكر العبسي المعروف بابن أَبِي شيبة
مولده ووفته : ولد سنة تسع وخمسين ومائة. أما الوفاة: 231 - 240 هـ

مشايخه :

سمع شريك بن عبد اللَّه وهو من أقدم مشايخه ، وأبا الأحوص سلام بن سليم ، وسفيان بن عيينة وعمرو بن عبيد ، وهشيمًا ، وعبد اللَّه بن المبارك ، وحفص بن غياث، وعباد بن العوام ، وعبد اللَّه بن إدريس وأبا أسامة ، وعبد اللَّه بن نُمير ، وأبا خالد الأحمر، وحسين بن علي الجعفي ومُحَمَّد بن بشر العبدي ، وعبد الرحمن المحاربي ومُحَمَّد بن فضيل ، ووكيعًا ، وأبا نعيم ، ويَحْيَى بن سعيد القطان ، وعبد الرحمن بْن مهدي.

ممن روى عنه وتتلمذ عليه :

وَرَوَى عَنْهُ من القدماء محمد بْن سَعْد فِي الطبّقات ، وعَنْهُ أَحْمَد بْن حنبل، وابنه عَبْد اللَّه بْن أَحْمَدَ، وعباس بْن مُحَمَّد الدوري، ويعقوب بن شيبة، ومُحَمَّد بن عبيد الله بن المنادي ، ومُحَمَّد بْنُ إِبْرَاهِيمَ المربع ، وإِبْرَاهِيم الحربي ، ومُحَمَّد بن إسحاق الصاغاني والحسن ابن علي المعمري ، ومُحَمَّد بن عبدوس بن كامل ، وموسى بن إسحاق الْأَنْصَارِيّ ومُحَمَّد بْن مُحَمَّد الباغندي ، وأبو القاسم البغوي، وغيرهم.

عقيدته :

ابن أبي شيبة من أئمة السلف على معتقد أهل السنة والجماعة وقد عده اللالكائي في كتابه أصول الإعتقاد من الأئمة الذين علة منهج السلف وكتابه الإيمان يدب على إمامته في السنة .

ثناء السلف على علم وحفظ أبي بكر بن أبي شيبة :

في سؤالات السلمي للدارقطني (426) والخطيب في تاريخه (10/69) عن قال : وعن عبدَاللهِ بنَ الحكمِ القَطَوانيَّ يقولُ: سمعتُ أبا عُبيدٍ القاسمَ بنَ سلاَّمٍ يقولُ: انتهى علمُ الناسِ إلى أربعةٍ: أحمدُ بنُ حنبلٍ ويحيى بنُ معينٍ ، وأَبو بكرِ بنُ أبي شيبةَ ، وعليُّ بنُ المدينيِّ .

فأما أحمدُ بنُ حنبلٍ فكان أفقهَهم، وأما يحيى فكان أجمعَهم له، وأما أبو بكرِ بنُ أبي شيبةَ فكان أحفظَهم له، وأما عليٌّ فكان أعرفَهم به.

قال ابن حبان في الثقات (13859) : وَكَانَ متقنا حَافِظًا دينا مِمَّن كتب وَجمع وصنف وذاكر وَكَانَ أحفظ أهل زمانة بالمقاطيع .(قلت) أي الآثار الموقوفة ، لأن الأثر يسمى بالمقطوع .

وقال ابن عدي في كتاب من روى عنهم البخاري في الصحيح (147) ومن طريقه الخطيب في تاريخه (10/69): سَمِعت عَبْدَانِ يَقُول كَانَ أَبُو بكر بن أبي شيبَة وَأَخُوهُ عُثْمَان ومشكدانه عبد الله بن عمر بن أبان وَعبد الله بن براد الْأَشْعَرِيّ يَقْعُدُونَ عِنْد أسطوانة من أساطين جَامع الْكُوفَة وَكلهمْ كَانُوا سكُوتًا إِلَّا أَبَا بكر بن أبي شيبَة فَإِنَّهُ كَانَ يهدر .

قَالَ ابن عدي : والأسطوانة هي التي يجلس إليها ابن سعيد . قَالَ لي ابن سعيد : هي أسطوانة ابن مسعود، وجلس إليها بعده علقمة وبعده إِبْرَاهِيم، وبعده منصور، وبعده الثوري، وبعده وكيع، وبعده أبو بكر بن أبي شيبة ، وبعده مطين، وبعده ابن سعيد.

قال سَمِعت ابْن عَرَفَة يَقُول سَمِعت ابْن خرَاش يَقُول سَمِعت أَبَا زرْعَة الرَّازِيّ يَقُول مَا رَأَيْت أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبَة فَقلت لَهُ يَا أَبَا زرْعَة فأصحابنا البغداديون فَقَالَ دع أَصْحَابك أَصْحَابك أَصْحَاب مخاريق مَا رَأَيْت أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبَة .

عن إبراهيم بن محمد بن عرفة قال : سنة أربع وثلاثين ومائتين فيها أشخص المتوكل الفقهاء والمحدثين فكان فيهم مصعب الزبيري ، وإسحاق بن أبي إسرائيل وإِبْرَاهِيم بن عبد اللَّه الهروي، وعبد اللَّه وعثمان ابنا مُحَمَّد بن أبي شيبة الكوفيان، وهما من بني عبس- وكانا من حفاظ الناس- فقسمت بينهم الجوائز وأجريت عليهم الأرزاق، وأمرهم المتوكل أن يجلسوا للناس وأن يحدثوا بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية وأن يحدثوا بالأحاديث في الرؤية، فجلس عثمان بن مُحَمَّد بن أَبِي شيبة في مدينة أبي جعفر المنصور، ووضع له منبر واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفًا من الناس. فأَخْبَرَنِي حامد بن العباس أنه كتب عن عثمان بن أَبِي شيبة. وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في مسجد الرصافة، وكان أشد تقدمًا من أخيه عثمان، واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفًا، ومات في هذه السنة أبو بكر ابن أبي شيبة.

عن محمّد بن إبراهيم المربع الْحَافِظُ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فَانْقَلَبَتْ بِهِ بَغْدَادُ، وَنُصِبَ لَهُ الْمِنْبَرُ فِي مَسْجِدِ الرَّصَافَةِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ. فَقَالَ مِنْ حِفْظِهِ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، ثُمّ قَالَ: هِيَ بَغْدَادُ، وَأَخَافُ أَنْ تَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ، يَا أَبَا شَيْبَةَ هَاتِ الْكِتَابَ.

وعن عُثْمَان بن سعيد الدارمي قَالَ : سمعت يَحْيَى الحماني يَقُول : أولاد ابن أبي شيبة من أهل العلم ، كانوا يزاحموننا عند كل محدث. عن عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن حنبل قَالَ: حَدَّثَنِي أبو زيد الغلفي قَالَ: قلت لأَحْمَد بن حميد: من أحفظ أهل الكوفة ؟ قَالَ: أبو بكر بن أَبِي شيبة، فذكرت ذلك لأبي بكر فَقَالَ: ما ظننته يقر لي ، قلت: أَحْمَد بن حميد يعرف بدار أم سلمة، وكان من شيوخ الكوفيين ومتقنيهم وحفاظهم.

عن صالح بْن مُحَمَّد يَقُول: أعلم من أدركت بالحديث وعلله علي بن المديني وأعلمهم بتصحيف المشايخ يَحْيَى بن معين، وأحفظهم عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة. عن أَحْمَد بن زهير قَالَ:

- وذكر يَحْيَى بن معين يومًا الكوفة- فَقَالَ: ليس بِها أحد خراب. قيل له فعمن نكتب بها ؟ قَالَ: عن ابن أبي شيبة قيل له : أي بني أبي شيبة ؟ قَالَ: أبو بكر وعثمان قيل له فقاسم ؟ قَالَ : اكتب عنهما. عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْعَلاءِ الْجُرْجَانِيُّ يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ- وَسَأَلْتُهُ عَنْ سَمَاعِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ شَرِيكٍ- فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ عِنْدَنَا صَدُوقٌ، وَلَوِ ادَّعَى السَّمَاعَ مِنْ أَجَلِّ مِنْ شَرِيكٍ لَكَانَ مُصَدَّقًا فِيهِ، وَمَا يَحْمِلُهُ أَنْ يَقُولَ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي بِخَطِّهِ؟! وَحَدَّثْتُ عَنْ رَوْحٍ بِحَدِيثِ الدَّجَّالِ. وَكُنَّا نَظُنَّ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هِشَامٍ الرِّفَاعِيِّ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لا يَذْكُرُ أَبَا هِشَامٍ.

وقال أبو مسلم صالح بن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وهو ابن أَبِي شيبة- كوفي ثقة وكان حافظًا للحديث. [ راجع تاريخ بغداد (10/66) والسير(11/123) والبداية والنهاية (5/238)]

روى الرامهرمزي في كتاب المحدث الفاصل (377) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ التُّسْتَرِيُّ، ثَنَا أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ، يَقُولُ: «مَنْ لَمْ يَكْتُبْ عِشْرِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ إِمْلَاءً لَمْ يَعُدْ صَاحِبَ حَدِيثٍ»

وفي شرح العلل لابن رجب (1/481) : وقال إبراهيم الحربي: انتهى علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رواه أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الشام ، إلى أربعة : إلى أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبي خيثمة، وأبي بكر بن أبي شيبة ، وكان أحمد أفقه القوم.

وقال الأصبهاني في كتاب سير السلف الصالحين (1/1137) ذِكْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَبْسِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، كَانَ حَافِظًا مُتَّقِيًا دَيِّنًا. وفي تهذيب الكمال (16/40) وَقَال عَمْرو بْن عَلِيّ: ما رأيت أحفظ من ابْن أَبي شَيْبَة، قدم علينا مع علي ابن المديني، فسرد للشيباني أربع مئة حديث حفظا، وقام. روى الخطيب في الجامع (1035) بسنده عن مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ مُرَتَّعٌ الْحَافِظُ قَالَ: " قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فَانْقَلَبَتْ بِهِ بَغْدَادُ وَنُصِبَ لَهُ الْمِنْبَرُ فِي مَسْجِدِ الرَّصَافَةِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ فَقَالَ مِنْ حِفْظِهِ نَا شَرِيكٌ ثُمَّ قَالَ: «هِيَ بَغْدَادُ وَأَخَافُ أَنْ تَزَلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا يَا أَبَا شَيْبَةَ هَاتِ الْكِتَابُ» وَقَال عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أَبي حاتم : قيل لابي زرعة بلغنا عنك أنك قلت لم أر أحدًا أحفظ من ابن أَبي شَيْبَة ؟ فقال: نعم ، في الحفظ ولكن في الحديث - كأنه لم يحمده، فقال روى مرة حديث حذيفة في "الازار"فقال: حَدَّثَنَا أبو الأحوص ، عَن أبي إسحاق ، عَن أبي معلى عن حذيفة قلت له إنما هو أبو إسحاق عن مسلم بن نذير عن حذيفة، وذاك الذي ذكرت عَن أبي إسحاق عَن أبي المعلى عن حذيفة قال : كنت ذرب اللسان. فبقي فقلت للوراق : أحضروا المسند ، فأتوا بمسند حذيفة فأصابه كما قلت. ( تقدمة الجرح والتعديل: 1 / 337 - 338)

وَقَال ذاك الذهبي في الميزان (الترجمة 4549) : أبو بكر ممن قفز القنطرة ، وإليه المنتهى في الثقة . وفي تذكرة الحفاظ قال (2/16) : أبو بكر بن أبي شيبة الحافظ عديم النظير الثبت النحرير عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي مولاهم الكوفي صاحب المسند والمصنف وغير ذلك .

الثناء العاطر على كتابه المصنف واعتناءهم به :

قَالَ أبو عبيد القاسم بْن سلام : ربانيو الحديث أربعة : فأعلمهم بالحلال والحرام أَحْمَد بن حنبل، وأحسنهم سياقة وأداء له علي بن المديني ، وأحسنهم وضعًا لكتاب ابن أبي شيبة ، وأعلمهم بصحيح الحديث وسقيمه يَحْيَى بْن معين. (قلت) وكفى بشهادة أبي عبيد فخرا لهذا المصنف الكبير .

قال الرامهرمزي في المحدث الفاصل : الْمُصَنِّفُونَ مِنْ رُوَاةِ الْفِقْهِ فِي الْأَمْصَارِ : أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ وَبَوَّبَ فِيمَا أَعْلَمُ الرَّبِيعُ بْنُ صَبِيحٍ بِالْبَصْرَةِ ، ثُمَّ سَعِيدُ بْنُ عَرُوبَةَ بِهَا ، وَخَالِدُ بْنُ جَمِيلٍ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْعَبْدُ ، وَمَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ بِالْيَمَنِ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ بِمَكَّةَ ، ثُمَّ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ بِالْكُوفَةِ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِالْبَصْرَةِ ، وَصَنَّفَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِمَكَّةَ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ بِالشَّامِ ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بِالرِّيِّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ بِمَرْوَ وَخُرَاسَانِ ، وَهُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ بِوَاسِطٍ وَصَنَّفَ فِي هَذَا الْعَصْرِ بِالْكُوفَةِ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، وَابْنُ فُضَيْلٍ ، وَوَكِيعٌ ، ثُمَّ صَنَّفَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِالْيَمَنِ ، وَأَبُو قُرَّةَ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ، وَتَفَرَّدَ بِالْكُوفَةِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِتَكْثِيرِ الْأَبْوَابِ وَجَوْدَةِ التَّرْتِيبِ، وَحُسْنِ التَّأْلِيفِ. وَسَمِعْتُ مَنْ يَذْكُرُ أَنَّ الْمُصَنِّفِينَ ثَلَاثَةٌ ، فَذَكَرَ أَبَا عُبَيْدِ الْقَاسِمَ بْنَ سَلَّامٍ ، وَابْنَ أَبِي شَيْبَةَ ، وَذَكَرَ عَمْرَو بْنَ بَحْرٍ فِي مَعْنَاهُ ) اهـــ .

ومما يدل على أن السلف أعتنوا بمصنف ابن أبي شيبة :
ما ذكره المزي في تهذيب الكمال (1/479) كما في ترجمة أبي بكر الأثرم قال رجاء بن مرجي : أريد رجلا يكتب لي من كتاب الصلاة ما ليس في كتب ابن أبي شيبة فقيل له : ليس لك إلا أبو بكر الأثرم .

(قلت) وهذا أيضا يدل على استيعاب كتاب المصنف لأغلب الآثار عن السلف .

وقال ذاك ابن الحزم الجهمي وهو يذكر أولى الكتب في الآثار التي ينبغي الإعتناء بها هي قال : ثم بعد ذلك الكُتُب الّتي فيها كلامه عليه السّلام، وكلام غيره، مثل " مُصّنَّف عبد الرزّاق " و"مصنف ابن أبي شيبة "، و" مصنف بقيّ بن مَخْلد "، وكتاب محمد بن نصر المَرْوَزيّ، وكتابيّ ابن المُنْذِر الأكبر والَأصغر. ثمّ " مصنف حمّاد بن سلمة "، و" مصنّف سعيد بن منصور "، و" مصنّف وكيع "، و" مصنّف الفِريابي "، و" موطأ مالك "، و" موطأ ابن أبي ذئب "، و" موطأ ابن وهْب ، ومسائل أَحْمَد بن حنبل ، وفقه أبي عُبَيْد، وفقه أبي ثور. [ تاريخ الإسلام (10/74) ]

وقال ابن الكتبي : وهو ينكلم عن ابن سيد الناس : وكان عنده كتب كبار ، وأمهات جيدة منها مصنف ابن أبي شيبة ومسنده .
وجاء في طبقات الشافعية قال ذاك : ولما رأيت فص كتب ابقفال عن أقاويل السلف في هذه المسألة فكشفت أوعب الكتب لأقاويل هو مصنف ابن أبي شيبة .

وقال ذاك ابن كثير : صاحب المصنف الذي لم يصنف أحد مثله قط لا قبله ولا بعده .

محنة كتاب المصنف لابن أبي شيبة :

كعادة الأثر يبتلى بأهل الرأي يحاربونه ويتضجرون منه ، فإنه قد تعرض هذا الكتاب للطعونات والنبز والغمز ورميه بالشذوذ والغرائب منذ عهد قديم في زمن بقي بن مخلد وهو أول من نشر الصنف للناس وأحيى به الآثار ، وكان العدو الأول لهذا الكتاب العظيم هم أهل الرأي والمتعصبة للمذهبية أصحاب المسائل ، وهكذا هم أهل الرأي مع الآثار ولن يتغيروا تزعجهم الآثار جدا ويتأففون منها لأنها تنقض مسائلهم وأفهامهم الخاصة وتأصيلاتهم المخالف للسلف فغير مستغرب أن يكون لهذا الكتاب محن مع أهل الرأي من زمان.

ولما كان بقي بن مخلد الإمام الكبير حافظ الأندلس ومحدثها من تلاميذ أبي بكر بن أبي شيبة وسمع من المصنف كله ورعا دبه للأندلس ونشره وأحيى الآثار بها ، فعاده أهل الرأي والمسائل والمتعصبين لمذهب مالك وإليك القصة :

جاء في السير (13/287) : وَقَالَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ حَيُّوْنَ، عَنْ بَقِيِّ بنِ مَخْلَدٍ، قَالَ: لَمَّا رَجَعْتُ مِنَ العِرَاقِ، أَجْلَسَنِي يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ إِلَى جَنْبِهِ، وَسَمِعَ مِنِّي سَبْعَةَ أَحَادِيْثَ.

وَقَالَ أَبُو الوَلِيْدِ بنِ الفَرَضِيِّ فِي تَارِيْخِهِ (1/108) : مَلأَ بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ الأَنْدَلُسَ حَدِيْثاً، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ الأَنْدَلُسِيُّوْنَ: أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ ، وَمُحَمَّدُ بنُ الحَارِثِ، وَأَبُو زَيْدٍ، مَا أَدْخَلَهُ مِنْ كُتُبِ الاختِلاَفِ، وَغَرَائِبِ الحَدِيْثِ، فَأَغْرُوا بِهِ السُّلْطَانَ وَأَخَافُوهُ بِهِ، ثُمَّ إِنَّ اللهَ أَظْهَرَهُ عَلَيْهِم، وَعَصَمَهُ مِنْهُم، فَنَشَر حَدِيْثَهُ وَقَرَأَ لِلنَّاسِ رِوَايَتَهُ ، فمن يومئذ انتشر الحديث بالاندلس ".

قال : ثُمَّ تَلاَهُ ابْنُ وَضَّاحٍ، فَصَارَتِ الأَنْدَلُسُ دَارَ حَدِيْثٍ وَإِسْنَادٍ
قال : وإنما كان الغالب عليها قبل ذلك حفظ رأي مالك وأصحابه ".

قال ذاك الذهبي معلقا : وَمِمَّا انْفَرَدَ بِهِ، وَلَمْ يُدْخِلْهُ سِوَاهُ (مُصَنَّفُ) أَبِي بَكْرٍ بنِ أَبِي شَيْبَةَ بِتَمَامِهِ..وَكَانَ وَرِعاً فَاضِلاً زَاهِداً قَدْ ظَهَرَتْ لَهُ إِجَابَاتُ الدَّعْوَةِ فِي غَيْرِ مَا شَيء. (قلت) وقد انتشر مصنف ابن ابي شيبة في الأندلس بقوة بعد بقي بن مخلد فممن حدث به ذاك الباجي الاندلسي وسمعه من ابن عبد البر كما ذكر ذاك الذهبي في تاريخ الاسلام .

قَالَ ابن عساكر الأشعري في تاريخ دمشق (10/56) : وَكَانَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأُموِيُّ صَاحِبُ الأَنْدَلُس مُحِبّاً للعُلُوْمِ عَارِفاً، فَلَمَّا دَخَلَ بَقِيٌّ الأَنْدَلُسَ (بِمُصَنَّفِ) أَبِي بَكْرٍ بنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَقُرِئ عَلَيْهِ، أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الرَّأْي مَا فِيْهِ مِنَ الخِلاَفِ، وَاسْتَبْشَعُوهُ وَنَشَّطُوا العَامَّةَ عَلَيْهِ، وَمَنَعُوهُ مِنْ قِرَاءَتِهِ، فَاسْتَحْضَرَهُ صَاحِبُ الأَنْدَلُسِ مُحَمَّدٌ وَإِيَّاهُم ، وَتَصَفَّحَ الكِتَابَ كُلَّهُ جُزْءاً جُزْءاً، حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِ، ثُمَّ قَالَ لخَازِنِ الكُتُبِ: هَذَا كِتَابٌ لاَ تَسْتغْنِي خِزَانَتُنَا عَنْهُ، فَانْظُرْ فِي نَسْخِهِ لَنَا ، ثُمَّ قَالَ لَبَقِيٍّ: انشُرْ عِلْمَكَ وَاروِ مَا عِنْدَكَ. وَنَهَاهُم أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ.

عَنْ أَبِي الفَتْحِ نَصْرِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ المَلِكِ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبِي.... فَذَكَرَهَا، وَفِيْهَا: ثُمَّ قَالُوا: قَدْ أَطلَقَكَ اللهُ، فَلاَ يُمْكِنُنَا أَن نُقَيِّدَكَ فَزَوَّدُونِي، وَبَعَثَوا بِي.
قَالَ: وَكَانَ بَقِيٌّ أَوَّلَ مَنْ كَثَّرَ الحَدِيْثَ بِالأَنْدَلُسِ وَنَشَرَهُ، وَهَاجَمَ بِهِ شُيُوْخَ الأَنْدَلُسِ، فَثَارُوا عَلَيْهِ، لأَنَّهُم كَانَ عِلْمُهُم بِالمَسَائِلِ وَمَذْهَبِ مَالِكٍ، وَكَانَ بَقِيٌّ يُفْتِي بِالأَثَرِ، فَشَذَّ عَنْهُم شُذُوذاً عَظِيْماً، فَعَقَدُوا عَلَيْهِ الشَّهَادَات، وَبَدَّعُوهُ، وَنَسَبُوا إِلَيْهِ الزَّنْدَقَة، وَأَشيَاء نَزَّهَهُ اللهُ مِنْهَا.
وَكَانَ بَقِيٌّ يَقُوْلُ: لَقَدْ غَرَسْتُ لَهُم بِالأَنْدَلُسِ غَرْساً لاَ يُقْلَعُ إِلاَّ بِخُرُوْجِ الدَّجَّالِ.

(قلت) من المتعصبة المتحاملين عليه وعلى نشره المصنف لابن أبي شيبة رجل متعصب اسمه أَصْبَغُ بنُ خَلِيْلٍ أَبُو القَاسِمِ الأَنْدَلُسِيُّ المَالِكِيُّ

قال ذاك الذهبي في السير (13/202) : وَكَانَ لاَ يَدْرِي الأَثَرَ، وَقَدِ اتُّهِمَ فِي النَّقْلِ، وَوَضَعَ فِي عَدَمِ رَفْعِ اليَدَيْنِ - فِيْمَا قِيْلَ - وَقَالَ قَاسِمُ بنُ أَصْبَغَ: هُوَ مَنَعَنِي السَّمَاعَ مِنْ بَقِيٍّ .
وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ : أُحِبُّ أَنْ يَكُوْنَ فِي تَابُوتِي خِنْزِيرٌ ، وَلاَ يَكُونُ فِيْهِ مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ . ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِ قَاسِمٌ.

(قلت) وقد استغل هذا الكلام الخبيث ذاك الكوثري الجهمي الزنديق فوقع عليه كالذباب يقع على الجيفة ، واحتج به في الطعن في مصنف ابن أبي شيبة بسب أن ابن أبي شيبة بوب بابا كبيرا في الرد على أبي حنيفة وفضحه جدا . وقد تولى الرد عليه ذاك المعلمي في التنكيل (1/418 ــ 419) : أقول :( مصنف ابن أبي شيبة ) مشتمل مع أحاديث صحاح على ضعاف وعلى أقوال مختلفة محكية عن بعض الصحابة وبعض التابعين وبعض من بعدهم والظن بأصبغ أنه لم يقصد ذم الأحاديث كيف وكان هو يروي (الموطأ) وغيره ؟ وبعد ، فماذا على المالكية من أصبغ هذا وقد كذبه أجلتهم كالقاسم بن أصبغ وابن الفرضي وعياض ، ودوران الفتوى عليه إنما هو نتيجة أن العامة كانوا حريصين على الجمود على أقوال ابن القاسم صاحب مالك، والدولة موافقة لهم على ذلك، وكان هو عارفا بها جامداً عليها. وفي المالكية من حفاظ الحديث والمتبعين له إذا خالفه المنقول في مذهبهم عدد غير قليل، لعلهم يفضلون بذلك على بعض أصحاب المذاهب الأخرى!

ومن تأمل حال كثير من علماء المذاهب رأى أن كثيراً منهم قد تكون حالهم عند التحقيق شراً من حال أصبغ وذلك أنهم يظهرون التدين بقبول الحديث وتعظيم (الصحيحين) ويزيد بعضهم حتى من أهل عصرنا هذا فيقول: إن الحديث إذا كان في (الصحيحين) أو أحدهما فهو مقطوع بصحته، فإذا جاءوا إلى حديث مخالف لمذهبهم حرفوه أقبح تحريف، فالرد الصريح أخف ضرراً على المسلمين وأهو ن مؤنة على أهل «العلم والدين من إثارة الشبه والتطويل والتهويل الذي يغتر به كثير من الناس ويضطر العالم» إلى صرف وقته في كشف ذلك. والله المستعان) اهـ

منهجه في كتابه المصنف :

بعد سنوات من الإشتغال بهذا الكتاب العظيم والذي كل يوم ازداد حبا له ورجوعا إليه تلخص لدي عدة نقاط :
ـــ موضوع كتابه الفقه والأحكام وأحيانا يورد أبوابا لها علاقة بالعقيدة والسنة والهدي والتفسير والرقائق والفضائل والردود ، كتبويبه للرد على أبي حنيفة .
ــ أسانيد جيدة جدا في الغالب وكأنه ينتقيها ولا يختار إلا صحيح أو ما يقاربه .
وكان لا يدخل في كتابه من عرف بالنكارة في الحديث وهذا يزيد كتابه المصنف قيمة وقدرا

ففي سؤالات البرذعي (2/427) : قال ابن أبي شيبة : "إذا رأيتني قد كتبت ، عن الرجل ، ولا أحدث عنه فلا تسأل عنه ، وكان كتب عن الحكم ولم يحدث عنه ، ثم قال: حدث عن عاصم ، عن زرّ ، عن عبد الله فجعل يعدد تلك المناكير إذا رأيت معاوية ، وغيره فأراد رجل أن يكتب حديثا مما ذكر، فقال له الحكم، عن السدي ، عمن قال: لايكتب عني ، عن الحكم بن ظهير شيئا".

وفي الجرح والتعديل (1/ 119) قال علي بن الحسين بن الجنيد : رأيت ابن أبي شيبة لا يرضى الحكم بن ظهير ولم يدخله في تصنيفه" [ وانظر : تهذيب التهذيب ج2/428] .

(قلت) فهاتين القصتين تبين لك مدى حرص ابن أبي شيبة على تصفية مصنفه من الشواذ والغرائب ، وأنه اهتم بالعلل ولم يرو كل شيء كما يتهمه البعض !!

ـــ يورد كل ما ورد في الباب من آثار للصحابة والتابعين ويحلي ذلك ببعض الأحاديث المرفوعة حتى يؤصل للباب ، وأحيانا تجده يرجح بين أحد الأقوال وهو قليل .

ـــ راوي المصنف هو بقي بن مخلد الأندلسي كما سبق فعامة النسخ الموجودة والتي طبع عليها الكتاب هي من روايته ، ما عدا كتاب الأوائل فهو من رواية بن عبدوس السراج .

ـــ إذا كان هناك خلافا بين السلف في مسألة ما فإنه يبوب لكل قول باب .
ـــ تبويباته كأنه شرح للمسألة وتصوير لما سينقله من آثار .
ـــ من خلال تبويباته يمكنك معرفة توجيه الآثار ومساقها ومعانيها ، ويظهر الغموض منها فهو حسن الترتيب والتبويب جدا كما قال أبو عبيد القاسم بالضبط ، وأنا شخصيا أفضله على مصنف عبد الرزاق لهذه الأسباب الكثيرة ، بل هو يوجه الآثار الموجودة عند عبد الرزاق والتي لا يفهم سبب إيرادها ومعانيها لأجل اختصار متونها أو نحو ذلك ، فإنك إذا رجعت لابن أبي شيبة في مصنفه ستعرف توجيه تلك الآثار عند عبد الرزاق .
ـــ أكثر فيه من شرح الألفاظ وهذا يعين الطالب على تفهم الآثار التي فيه .
ـــ عنايته بالمتابعات والشواهد والتنبيه على الفروق بين المتون
ـــ أسانيد أغلبها رباعية أو خماسية أي عالية الإسناد بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه أيضا الثلاثيات ، وبأقل بدرجة ودرجتين بينه وبين الصحابة ، وبأقل مثله في التابعين .
ـــ بلغت نصوص الآثار في مصنف ابن أبي شيبة (38940) نصا مسندا بحسب طبعة الرشد 1425 هــ
المرفوع منها (7915) حديثا
ـــ والموقوف أي من أثار الصحابة (11050) أثرا
ـــ والمقطوع أي من أقوال التابعين ومن بعدهم (17259) أثرا .
ــ لقد كانت زوائد كتابه المسند على الكتب الستة فقد بغلت (572) حديثا ، فأتوقع أن زوائد كتابه المصنف أكثر بكثير لأنه حجم المصنف أكبر من حجم المسند له بأضعاف .
ـــ عدد الكتب التي في المصنف (39) كتابا وقد بدأ هذه الكتب بكتاب " الطهارة " وختمها ب " كتاب الجمل وصفين والخوارج " وعدد أبوابه (5494) بابا .


وكتبه أبو عبيد الجزائري
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

ليست هناك تعليقات: