السبت، 1 يوليو 2017

التنبيه على إباحة صور الموطوء وما لا روح فيه

التنبيه على إباحة تصوير ما لا روح فيه



بسم الله الرحمن الرحيم .

هذا مقال جمعت فيه ما أبيح من الصور ، وما لا يباح منها ، وفيه وسطية بين من ميع التصوير وأباح كل شيء ووقع في الحرام المجمع عليه ، وبين من شدد فحرم كل شيء من الصور دون أن يستثني شيئا من المباح !! وهذا أيضا هو من الخطورة بمكان إذا حرم المباح الذي أحله الشرع ، وليس هذا القول بأقل خطرا من القول الأول ، وكلاهما وقعا في شيء السمه ( تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحله الله ) وليس هذا المقال رد على أصحاب القول الأول المائع المستهتر بأحكام الله تعالى المتعرض لغضبه ، فإنه قد كفانا غير واحد في الرد عليهم ، وإنما هذا البحث هو موجه لأصحاب القول الثاني خاصة ، وهو قول بعض المعاصرين ، وقولهم لم يقل به أحد من السلف بذاك الإطلاق كما سأبين ذلك ، فإن هذه المسألة أقصى أمرها أن تكون من باب الورع في فضول المباحات لا كراهة ولا تحريما ، وليس القصد جعل هذا النوع من الصور من قبيل الحرفة والإشتغال به لا ، فإن التوسع في المباحات بهذا الشكل هو باب للمكروهات ثم المحرمات ، وليس القصد أيضا التكلم عن المباح إذا اعتراه ما يجعله مكروها أو محرما ، وإنما القصد بيان المسألة من حيث الأصل فقط وكما سأبين في هذا البحث الأشياء التي استثناها الشرع من تحريم الصور وأبين التفاصيل التي ذكرها السلف ، وسأعتمد فقط على الأحاديث والآثار ، وأقوال السلف من القرون الأولى والأئمة المتبعين من أهل الحديث وأدع ما خلط فيه المتأخرون وما أغرق فيه المعاصرون فمن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، وهم لا يعنوننا في أمر ديننا إلا من رحم الله وقليل ما هم والله المستعان .

فصل : اختصاص التحريم بتصوير ذوات الأرواح
وقد حرم أصحاب هذا القول حتى صور التي ليست من ذوات الروح ولم يفرقوا بينها وبين غيرها من الصور ، وهذا مخالف للإجماع المتقدم في زمن الصحابة .
وإباحة صور ذوات الأرواح تدل عليه عدة ألفاظ وردت في الأحاديث منها :
لفظ ( أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ) أي اجعلوا فيها روح وهذا خاص بذات الروح من الإنسان والحيوان ومثل هذا لفظ ( يكلف بأن ينفخ فيها الروح ) ولفظ (يُصَوِّرُونَ مَا لَا يَخْلُقُونَ)
ومن هذا كله أخذ ابن عباس وغيره من السلف تخصيص تحريم الصور بذوات الأرواح . عن ابن عباس رضي اللهُ عنهما ، قال : سمعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ (( كُلُّ مُصَوِّرٍ في النَّارِ يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ فَيُعَذِّبُهُ في جَهَنَّمَ )) قال ابن عباس فإنْ كُنْتَ لاَ بُدَّ فَاعِلاً ، فَاصْنعِ الشَّجَرَ وَمَا لاَ رُوحَ فِيهِ. متفق عليه.
وفي رواية عن بن عباس قال : جاءه رجل فقال: اني عملت هذه التصاوير قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله يعذب المصورين لما صوروا" قال: فذهب الرجل وزعم أن له عيالا قال بن عباس: لا تصور شيئا فيه روح.
وفي رواية عن سعيد بن أبي الحسن قال : كنت عند بن عباس فأتاه رجل فقال: إني رجل معيشتي من هذه التصاوير، فقال بن عباس: سمعت محمدا صلى الله عليه وسلم يقول: "من صور صورة، فإن الله يعذبه حتى ينفخ فيه الروح وليس نافخ فاصفر لونه فقال: إن كنت لا بد فعليك بالشجر وما ليس فيه روح.
وأخرج النسائي (8/216) وعبد الرزاق (19488) ومن طريقه ومن طريقه أحمد (2/308) والبيهقي (7/270) وغيرهم بسند صحيح عن أبى هريرة أن جبريل عليه السلام أتي النبي صلى الله عليه وسلم ، فسلم عليه وفي بيت نبي الله صلى الله عليه وسلم ستر مصور فيه تماثيل، فقال: نبي الله صلى الله عليه وسلم "ادخل، فقال: انا لا ندخل بيتا فيه تماثيل، فان كنت لا بد جاعلا في بيتك، فاقطع رؤوسها ، أو اقطعها وسائد ، واجعلها بسطا .
وأخرج أحمد 2/305و478، وأبو داود "4158" والترمذي 2806 والبيهقي 7/270
عن مجاهدا يقول : حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتاني جبريل، فقال: اني كنت اتيتك البارحة، فلم يمنعني ان ادخل البيت الذي كنت فيه الا انه كان في البيت تمثال رجل وكان في البيت ستر فيه تماثيل, وكان في البيت كلب فأمر براس التمثال ان يقطع وامر بالستر الذي فيه تمثال أن يقطع رأس التمثال , وجعل منه وسادتان وامر بالكلب فاخرج وكان الكلب جروا للحسن والحسين تحت نضد لهم قال ثم أتاني جبريل فما زال يوصينى بالجار حتى ظننت انه سيورثه".
وسيأتي نقل الآثار وكلام السلف في هذا الباب .
فصل فيما جاء أن الصورة هي الرأس :
روى أحمد وأبو داود والترمذي وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقال إني كنت أتيتك الليلة فلم يمنعني أن ادخل البيت الذي أنت فيه إلا أنه في البيت تمثال رجل وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل وكان في البيت كلب فأمر برأس التمثال الذي في باب البيت يقطع يصير كراس شجرة وأمر بالستر يقطع فيجعل وسادتين توطان وأمر بالكلب يخرج ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا الكلب جرو كان للحسن والحسين تحت نضد لهم"                                                 
وفي رواية النسائي: استاذن جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال ادخل فقال كيف ادخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير أما أن تقطع رؤوسها أو تجعل بساطا يوطأ فانا معشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه تصاوير".
روى ابن أبي شيبة (25299) والدارقطني في الأفراد (2489) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: «إِنَّمَا الصُّورَةُ الرَّأْسُ، فَإِذَا قُطِعَ فَلَا بَأْسَ»
وروى ابن أبي شيبة (4585) - حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عِيسَى بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ: سَأَلَ عُقْبَةُ الْحَسَنَ قَالَ: إِنَّ فِي مَسْجِدِنَا سَاحَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ قَالَ: «انْحَرُوهَا»
(قلت) انحروها أي معناه اقطعوا رؤوسها واتركوا باقي الجسد .
روى أبو داود في مسائله (1676) الطحاوي في مشكل الآثار (6947) والبيهقي في السنن الكبرى (14580) روى الإسماعيلي في معجمه (291) وأبو جعفر بن البختري في جزءه (481) وقد ذكره الديلمي (41574) من طرق عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ : الصُّورَةُ الرَّأْسُ فَإِذَا قُطِعَ الرَّأْسُ فَلَيْسَ بِصُورَةٍ "
روى الطيالسي في مسنده (2853) والبيهقي في السنن (14582) بسند صحيح من طريق ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ شُعْبَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ دَخَلَ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ يَعُودُهُ فَرَأَى عَلَيْهِ ثَوْبَ إِسْتَبْرَقٍ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبَّاسٍ مَا هَذَا الثَّوْبُ ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الْإِسْتَبْرَقُ قَالَ: إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ يَتَكَبَّرُ فِيهِ , قَالَ: مَا هَذِهِ التَّصَاوِيرُ فِي الْكَانُونِ ؟ فَقَالَ : لَا جَرَمَ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ أُحَرِّقُهَا بِالنَّارِ ؟ فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: انْزِعُوا هَذَا الثَّوْبَ عَنِّي وَاقْطَعُوا رُءُوسَ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ الَّتِي فِي الْكَانُونِ فَقَطَعَهَا .
في مسائل أبي داود (1676) قال : سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ: «الصُّورَةُ الرَّأْسُ»
وفي المغني لابن قدامة (7/282) : [فَصْلٌ قَطَعَ رَأْس الصُّورَة الَّتِي رَآهَا عِنْد صَاحِب الْوَلِيمَة] (5673) فَصْلٌ: فَإِنْ قَطَعَ رَأْسَ الصُّورَةِ، ذَهَبَتْ الْكَرَاهَةُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الصُّورَةُ الرَّأْسُ، فَإِذَا قُطِعَ الرَّأْسُ فَلِيس بِصُورَةٍ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: أَتَيْتُك الْبَارِحَةَ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُونَ دَخَلْت إلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْبَابِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ سِتْرٌ فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ كَلْبٌ، فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي عَلَى الْبَابِ فَيُقْطَعُ، فَيَصِيرُ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْتُقْطَعْ مِنْهُ وِسَادَتَانِ مَنْبُوذَتَانِ يُوطَآنِ، وَمُرْ بِالْكَلْبِ فَلْيُخْرَجْ. فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» وَإِنْ قَطَعَ مِنْهُ مَا لَا يُبْقِي الْحَيَوَانَ بَعْدَ ذَهَابِهِ، كَصَدْرِهِ أَوْ بَطْنِهِ، أَوْ جُعِلَ لَهُ رَأْسٌ مُنْفَصِلٌ عَنْ بَدَنِهِ، لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ النَّهْيِ، لِأَنَّ الصُّورَةَ لَا تَبْقَيْ بَعْدَ ذَهَابِهِ، فَهُوَ كَقَطْعِ الرَّأْسِ ، وَإِنْ كَانَ الذَّاهِبُ يُبْقِي الْحَيَوَانَ بَعْدَهُ، كَالْعَيْنِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ، فَهُوَ صُورَةٌ دَاخِلَةٌ تَحْتَ النَّهْيِ. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ التَّصْوِيرِ صُورَةُ بَدَنٍ بِلَا رَأْسٍ، أَوْ رَأْسٍ بِلَا بَدَنٍ، أَوْ جُعِلَ لَهُ رَأْسٌ وَسَائِرُ بَدَنِهِ صُورَةُ غَيْرِ حَيَوَانٍ، لَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِصُورَةِ حَيَوَانٍ.
وفي شرح العمدة لا بن تيمية (1/397)  نقل روايات جيدة عن الإمام أحمد منها : قيل لأحمد في الرجل يكتري البيت فيه تصاوير يحكه قال نعم قيل له وأن دخل حماما ورأى صورة حك الرأس قال نعم وقال إذا كان تمثالا منصوبا يقطع رأسه وسئل عن الوصي يشتري للصبية إذا طلبت منه لعبة فقال إذا كانت صورة لم يشترها فقيل له إذا كانت يدا ورجلا فقال يحك منه كل شيء له رأس فهو صورة قيل له فعائشة تقول كنت العب بالبنات قال نعم وقال أيضا لا بأس بلعب اللعب إذا لم يكن فيه صورة فإذا كان صورة فلا وقال أيضا الصورة الرأس.
قال : لم يكره أصحابنا تمثيل ما لا روح له كالارتج والنارتج والشجر ونحوها كما نص عليه أحمد فإنه لم يكره إلا الصورة لأن النهي إنما جاء فيها خاصة.
قال الشافعي في الأم : وَإِذَا دُعِيَ الرَّجُلُ إلَى الْوَلِيمَةِ وَفِيهَا الْمَعْصِيَةُ مِنْ الْمُسْكِرِ أَوْ الْخَمْرِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَاصِي الظَّاهِرَةِ نَهَاهُمْ فَإِنْ نَحَّوْا ذَلِكَ عَنْهُ وَإِلَّا لَمْ أُحِبَّ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فَإِنْ عَلِمَ قَبْلُ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَلَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يُجِيبَ وَلَا يَدْخُلَ مَعَ الْمَعْصِيَةِ وَإِنْ رَأَى صُوَرًا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُدْعَى فِيهِ ذَوَاتِ أَرْوَاحٍ لَمْ يَدْخُلْ الْمَنْزِلَ الَّذِي تِلْكَ الصُّوَرُ فِيهِ إنْ كَانَتْ تِلْكَ مَنْصُوبَةً لَا تُوطَأُ فَإِنْ كَانَتْ تُوطَأُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ صُوَرًا غَيْرَ ذَوَاتِ أَرْوَاحٍ مِثْلَ صُوَرِ الشَّجَرِ فَلَا بَأْسَ إنَّمَا الْمَنْهِيُّ عَنْهُ أَنْ يُصَوِّرَ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ الَّتِي هِيَ خَلْقُ اللَّهِ .
قال ابن قدامة في المغني (5678) فَصْلٌ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الرَّجُلُ يَكْتَرِي الْبَيْتَ فِيهِ تَصَاوِيرُ تَرَى أَنْ يَحُكَّهَا ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: دَخَلْت حَمَّامًا، فَرَأَيْت صُورَةً، أَتَرَى أَنْ أَحُكَّ الرَّأْسَ؟ قَالَ: نَعَمْ. إنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ اتِّخَاذَ الصُّورَةِ مُنْكَرٌ، فَجَازَ تَغْيِيرُهَا، كَآلَةِ اللَّهْوِ وَالصَّلِيبِ، وَالصَّنَمِ، وَيُتْلَفُ مِنْهَا مَا يُخْرِجُهَا عَنْ حَدِّ الصُّورَةِ، كَالرَّأْسِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكْفِي. قَالَ أَحْمَدُ: وَلَا بَأْسَ بِاللُّعَبِ مَا لَمْ تَكُنْ صُورَةً ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَلْعَبُ بِاللُّعَبِ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ ؟ فَقُلْت: هَذِهِ خَيْلُ سُلَيْمَانَ. فَجَعَلَ يَضْحَكُ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ.
قال ابن عبد البر في الإستذكار : وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مَا قُطِعَ رَأْسُهُ فَلَيْسَ بصورة وروي ذلك عن بن عَبَّاسٍ وَقَالَتْ بِهِ طَائِفَةٌ.

فصل : الإشكالات التي قد يعترض بها المخالف :


الإعتراض الأول :

قد يعترض من يحرم جميع أنواع الصور بلا مثنوية بما روى ابن أبي شيبة في المصنف (25293) حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُصَوَّرَ الشَّجَرُ الْمُثْمِرُ »
والجواب : أن يقال لهذه الرواية المشكلة عدة وقفات :
الأولى : تفرد بمجاهد بهذا القول مخالفا بها كل السلف وقد تعبت أن أجد من وافقه في هذا الكلام من السلف لم أجد شيئا .
قَالَ في الإستذكار : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَ صُوَرَ الشَّجَرِ إِلَّا مُجَاهِدًا .
وقال ذاك القاضي عياض : تفرد بهذا القول مجاهد .
ثانيا : إنما ذكر أنه كره ذلك ولم يحرمه ، كما ذهب إليه من احتج بهذا الأثر على تحريم كل أنواع الصور وأشكالها !!
الثالث : مجاهد خصص كراهته بالشجرة المثمرة فقط ولم يعمم ومن احتج بأثره عمم وقاس عليها كل شيء وهذا غلط !! .
رابعا : أن ابن أبي شيبة ذكره في سياق الآثار التي تتكلم عن الصور التي توطأ وتمتهن وتباح لأجل ذلك فحشره في وسطها ، كأنه يوجهه على غير ما يفهم من ظاهره ، ولم يبوب له في من كره الصور أو حرمها كعادته إلى وجد خلافا ، وابن أبي شيبة كما قال عنه أبو عبيد القاسم (أنه من أحسن الناس تصنيفا وتبويبا وترتيبا) فكأنه تعمد إهماله بحشره في غير موضعه .
خامسا : روى الأثر ليث بن أبي سليم وهو ضعيف الحفظ يمكن أنه خلط في ضبطه ولم يحفظ المتن جيدا .
سادسا : أنه مخالف لنص الحديث النبوي الذي نص على إباحة صورة الشجرة .
سابعا : مخالف لقول شيخه ابن عباس الذي أباح صور الشجر ونحوه .
الثامن : أن مجاهد هو أحد الرواة الذين روى عن أبي هريرة حديث تقطيع الرأس وجعله كالشجرة فكيف يخالف ما روى ؟؟ وهذه علة في المتن إضافة على العلة في سنده .
فعلى الأمر يبطل الإحتجاج بهذا الأثر من كل جهة ومن كل وجه .
الإعتراض الثاني :
وقد يعترض بما رواه البخاري (5953) عن أبى زرعة قال: دخلت انا وأبو هريرة دارا لسعيد أو لمروان، فرأى مصور يصور في الجدار، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله تبارك وتعالى: من أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا حبة، أو ليخلقوا ذرة .
الجواب : أن هذا الحديث واضح جدا أن مخرجه من جهة التعجيز فقط ، ليدل على أن المخلوق لا يقدر أن يخلق شيئا ولو كان ذرة أو بعوضة بل حتى شعرة كما في بعض الروايات قال أبو حاتم ابن حبان : قوله صلى الله عليه وسلم : فليخلقوا حبة أو ليخلقوا ذرة " من ألفاظ الأوامر التي مرادها التعجيز .
وأيضا فإنه لم يقل أحد من السلف بظاهره أن لا يجوز صورة الحبة والذرة ، ولا حتى مجاهد قال بهذا ، فدل على أن معناه ما شرحناه قطعا لا شك ، فهو مثل حديث ( َمَنْ تَحَلَّمَ كَاذِبًا عُذِّبَ وَكُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَيْسَ بِعَاقِدٍ ) أي للتعجيز ليؤكد أن عذابه واقع ولا مفر منه .

فصل : إباحة صور ذات الأرواح على الفرش والمتكآت :                                 
ويباح التصاوير في المفروشات التي توطأ أو يتكأ عليها ، ويستثنى من ذلك المنصوبة أي المعلقة ، فلا وعلى هذا جاءت النصوص وعليه عمل السلف ، فمن العجب أن حرمها أرباب من قال بتحريم الصور مطلقا غير مبالي بكلام السلف والأحاديث والآثار !!
روى البخاري ومسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: « سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي تَعْنِي الدَّاخِلَ يَسْتُرُ فِيهِ تَصَاوِيرَ فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَتَكَهُ، فَجَعَلْتُ مِنْهُ مَسْنَدَتَيْنِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئًا عَلَى إِحْدَاهُمَا »                                                     

وفي باقي الروايات أنه كان في الستر : صور خيل ورجال . 
وفي رواية عند البيهقي : قَالَتْ: فَقَطَعْنَا مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ ، فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيَّ .
وروى مسلم عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا سِتْرٌ فِيهِ صُوَرٌ قَالَتْ: فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبَ ثُمَّ جَاءَ فَهَتَكَهُ قَالَتْ: فَأَخَذْتُهُ فَجَعَلْتُهُ مِرْفَقَتَيْنِ قَالَتْ: فَكَانَ يَرْتَفِقُ بِهِمَا فِي الْبَيْتِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ يُقْطَعُ فَيَصِيرُ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ مَنْبُوذَتَيْنِ تُوطَآنِ وَمُرْ بِالْكَلْبِ فَلْيَخْرُجْ .
(قلت) وعلى هذا تواتر عمل السلف وإليك بعض ما ورد في الآثار  
روى ابن أبي شيبة (25286) حَدَّثَنَا حَفْصٌ عَنِ الْجَعْدِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي ابْنَةُ سَعْدٍ: «أَنَّ أَبَاهَا جَاءَ مِنْ فَارِسَ بِوَسَائِدَ فِيهَا تَمَاثِيلُ فَكُنَّا نَبْسُطُهَا»
روى أبو جعفر بن البختري كما في جزء مجموع مصنفاته (237) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى بِالتَّصَاوِيرِ بَأْسًا إِذَا كَانَتْ تُوطَأُ.
وروى ابن أبي شيبة في المصنف (25287) عَنْ لَيْثٍ قَالَ: رَأَيْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ حَمْرَاءَ فِيهَا تَمَاثِيلُ فَقُلْتُ لَهُ فَقَالَ: « إِنَّمَا يُكْرَهُ هَذَا لِمَنْ يَنْصِبُهُ، وَيَصْنَعُهُ »
وروى (25288) عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ : كَانَ يَتَّكِئُ عَلَى الْمَرَافِقِ فِيهَا التَّمَاثِيلُ: الطَّيْرُ وَالرِّجَالُ "
وروى ابن أبي شيبة (25289) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : نُبِّئْتُ عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَتَى عَلَيَّ صَاحِبٌ لِي , فَنَادَانِي فَأَشْرَفْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ : قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَعْزِمُ عَلَى مَنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ سِتْرٌ مَنْصُوبٌ فِيهِ تَصَاوِيرُ لَمَا وَضَعَهُ ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُحْسَبَ عَاصِيًا ، فَقُمْنَا إِلَى قِرَامٍ لَنَا فَوَضَعْتُهُ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : «كَانُوا لَا يَرَوْنَ مَا وُطِئَ وَبُسِطَ مِنَ التَّصَاوِيرِ مِثْلُ الَّذِي نُصِبَ»
روى ابن أبي شيبة (25207) عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : لَا بَأْسَ بِالتِّمْثَالِ فِي حِلْيَةِ السَّيْفِ، وَلَا بَأْسَ بِهَا فِي سَمَاءِ الْبَيْتِ، إِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْهَا مَا يُنْصَبُ نَصْبًا , يَعْنِي: الصُّورَةَ
وروى (25302) عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كَانُوا لَا يَرَوْنَ بِمَا وُطِئَ مِنَ التَّصَاوِيرِ بَأْسًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ »
روى بن أبي شيبة (4055) عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَنْ «رَأَى إِبْرَاهِيمَ وَالْحَسَنَ يُصَلِّيَانِ عَلَى بِسَاطٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ»
روى ابن أبي شيبة (25291) والبيهقي في السنن الكبرى (14581) عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : «كَانُوا يَكْرَهُونَ مَا نُصِبَ مِنَ التَّمَاثِيلِ نَصْبًا ، وَلَا يَرَوْنَ بَأْسًا بِمَا وَطِئَتِ الْأَقْدَامُ »                                                                                                               ثم روى بن أبي شيبة آثارا كثير بعد رقم (25295) عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ وسعيد بن جبير وابن سيرين وعطاء والزهري قَالَوا : «لَا بَأْسَ بِالصُّورَةِ إِذَا كَانَتْ تُوطَأُ»
وَفي مختصر اختلاف العلماء (4/379) وقَالَ الثَّوْريّ لَا بَأْس بالصور فِي الوسائد لِأَنَّهَا تُوطأ وتجلس عَلَيْهَا.
وروى البيهقي في معرفة السنن والآثار (14419) قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنْ رَأَى صُوَرًا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُدْعَى فِيهِ ذَوَاتُ أَرْوَاحٍ لَمْ يَدْخُلْ ، إِنْ كَانَتْ مَنْصُوبَةً لَا تُوطَأُ، فَإِنْ كَانَتْ تُوطَأُ أَوْ كَانَتْ صُوَرًا غَيْرَ ذَوَاتِ أَرْوَاحٍ مِثْلَ صُوَرِ الشَّجَرِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَهَا .
وَفي التمهيد (1/301) قَالَ ابْن الْقَاسِم كَانَ مَالك يكره التماثيل فِي الأسرة والقباب وَأما الْبسَاط والوسائد وَالثيَاب فَلَا بَأْس بِهِ لِأَنَّهُ يمتهن.
وفي مسائل الكوسج (9/9401) قلت: ما يكره من الصور ؟ قال: ما يوطأ أرجو أن لا يكون به بأساً ، قلت: ويصلى عليه إذا وطئ ؟ قال : ويصلى عليه قال إسحاق: كما قال.
قال ابن قدامة في المغني (5672) فَصْلٌ : فَإِنْ رَأَى نُقُوشًا، وَصُوَرَ شَجَرٍ، وَنَحْوَهَا، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، لِأَنَّ تِلْكَ نُقُوشٌ ، فَهِيَ كَالْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ صُوَرُ حَيَوَانٍ، فِي مَوْضِعٍ يُوطَأُ أَوْ يُتَّكَأُ عَلَيْهَا، كَاَلَّتِي فِي الْبُسُطِ، وَالْوَسَائِد، جَازَ أَيْضًا. وَإِنْ كَانَتْ عَلَى السُّتُورِ وَالْحِيطَانِ، وَمَا لَا يُوطَأُ، وَأَمْكَنَهُ حَطُّهَا، أَوْ قَطْعُ رُءُوسِهَا، فَعَلَ وَجَلَسَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ، انْصَرَفَ وَلَمْ يَجْلِسْ؛ وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا أَعْدَلُ الْمَذَاهِبِ. وَحَكَاهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَسَالِمٍ، وَعُرْوَةَ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، وَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

ذكر ابن تيمية في شرح العمدة (1/387) : قال في رواية الأثرم وسئل عن الستر عليه يكون صورة قال لا وما لم يكن له قال في رواية الأثرم وسئل عن الستر عليه يكون صورة قال لا وما لم يكن له . وقال أيضا إنما يكره منها ما علق وقال أيضا إنما يكره ما كان نصبا وإذا كنا تمثالا منصوبا يقطع رأسه.
وفيه أيضا نقل روايات كثيرة عن الإمام أحمد قال : ولا يجوز لبس ما فيه صور الحيوان من الدواب والطير وغير ذلك ولا يلبسه الرجل ولا المرأة ولا يعلق ستر فيه صورة وكذلك جميع أنواع اللباس إلا الافتراش فإنه يجوز افتراشها هذا قول أكثر أصحابنا وهو المشهور عن أحمد قال في رواية صالح الصورة لا ينبغي لبسها وقال في رواية الأثرم وسئل عن الستر عليه يكون صورة قال لا وما لم يكن له رأس فهو أهون وأن كان له رأس فلا وقال أيضا إنما يكره منها ما علق وقال في الرجل يصلي وفي كمه منديل حرير فيه صور اكرهه وقال التصاوير ما كره منها فلا بأس وسئل عن الرجل يصلي على مصلى عليه تماثيل فلم ير به باسا وقال أيضا إذا كانت توطأ فلا بأس بالجلوس عليها.
وعنه أن الصور التي على الثياب تكره ولا تحرم قال في رواية وقد سئل عن الوليمة يرى الجدران قد سترت أيخرج قال قد خرج أبو أيوب وعبد الله بن يزيد قيل وإذا رأى على الجدران صورا يخرج فقال نعم قيل له فإن كان في الستر فقال هذا أسهل من أن تكون على الجدران لا تضيق علينا وضحك ولكن إذا رأى هذا وبخهم ونهاهم فقد نص على التفريق بين الصور في الثياب فحرمها في الجدران وكرهها في الثوب.
فصل في الصورة تكون في اللباس :

روى البخاري (5958) ، ومسلم (2106) عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ يَعُودُهُ قَالَ : فَوَجَدَ عِنْدَهُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ. فَدَعَا أَبُو طَلْحَةَ إِنْسَاناً. فَنَزَعَ نَمَطاً مِنْ تَحْتِهِ ، فَقَالَ لَهُ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: لِمَ تَنْزِعُهُ ؟ قَالَ : لِأَنَّ فِيهِ تَصَاوِيرَ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيهَا مَا قَدْ عَلِمْتَ ، فَقَالَ سَهْلٌ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِلاَّ مَا كَانَ رَقْماً فِي ثَوْبٍ ؟ قَالَ : بَلَى وَلَكِنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِي 

(قلت) وقد اختلفوا في معنى قوله ( رقما في ثوب ) ما معناها : وقد فهم بعض أهل العلم أن الرقم هو هنا معناه صور ذات الأرواح لظاهر النص ولأنه استثناء من الصور ذوات الأرواح في النص وأن الرقم معناه صور مرقومة ، وقالوا : الفرق بين المرقوم في الثوب وغيره أن الصورة على غيره من الأجسام الصلبة تبقى ثابتة منتصبة على هيئة الصورة التي خلقها الله فتتحقق فيها مفسدة الصور بخلاف الصورة على الثوب فإنها تلتوي وتنطوي ويتغير وضعها بطي الثوب ونشره ولا تبقى على صورة الحيوان الذي خلقه الله وفيه ابتذال لنفس الصورة فأشبهت الصورة التي توطأ وتداس.
لكن هذا القول فيه نظر لعموم النهي الذي يشمله النصوص في ذلك ، والأقرب أن الرقم هو الوشي أو الكتابة أو من قبيل ما لا روح فيه ، كما قال ذاك البغوي في شرح السنة : قَوْلُهُ: «إِلا رَقَمًا فِي ثَوْبٍ» أَصْلُ الرَّقَمِ: الْكِتَابَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {كِتَابٌ مَرْقُومٌ} [المطففين: 9] وَالصُّورَةُ غَيْرُ الرَّقَمِ.

وقد يحمل الرقم في الحديث ـــ إن قلنا هي صور ذات أرواح ـــ أن ذلك فيما يمتهن ويوطأ فهم كانوا يتوسعون في لفظ (الثوب) ولا يخصونه بالملبوس و يدل عليه ما رواه الطيالسي في مسنده برقم (1526) عن عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي إِلَى ثَوْبٍ مَمْدُودٍ إِلَى سَهْوَةٍ لَنَا فِيهِ تَصَاوِيرُ فَقَالَ: «أَخِّرِي هَذَا عَنِّي» قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَعَلْنَاهُ وَسَائِدَ.
(قلت) فسمت الستر المدود في الأرض بالثوب .

فصل : في لعب الأطفال وما صفة ما يباح من الدمى :

روى أحمد في مسنده (25334) بسند صحيح عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِاللُّعَبِ، فَيَأْتِينِي صَوَاحِبِي، فَإِذَا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَرْنَ مِنْهُ، فَيَأْخُذُهُنَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَرُدُّهُنَّ إِلَيَّ "
وروى أبو داود بسند صحيح (4931) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : «كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ فَرُبَّمَا دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدِي الْجَوَارِي ، فَإِذَا دَخَلَ خَرَجْنَ، وَإِذَا خَرَجَ دَخَلْنَ »
وروى أبو داود (4932) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، أَوْ خَيْبَرَ وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ، فَهَبَّتْ رِيحٌ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ ؟ » قَالَتْ : بَنَاتِي ، وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ؟» قَالَتْ: فَرَسٌ، قَالَ: «وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ؟» قَالَتْ: جَنَاحَانِ، قَالَ: «فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ ؟ » قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ خَيْلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ ؟ قَالَتْ : فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ.
وروى النسائي (8899) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَرِّبُ إِلَيَّ صَوَاحِبِي يَلْعَبْنَ مَعِي بِاللَّعِبِ: الْبَنَاتُ الصِّغَارُ .
والروايات في هذا المعنى كثيرة في كتب الحديث بعدة طرق صحيحة ، لكنها تحتاج إلى توجيه فنقول :
معلوم أنه قد حرمت الصور والتماثيل من ذوات الروح فكيف أبيحت هنا ؟                  
وعندنا هنا أقوال :

الأول : أن هذا قبل التحريم قال ذاك البيهقي في السنن الكبرى : وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْيُ عَنِ التَّصَاوِيرِ وَالتَّمَاثِيلِ مِنْ أَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ عَنْهُ , فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْفُوظُ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ , عَنْ عَائِشَةَ قُدُومَهُ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ , وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الصُّوَرِ وَالتَّمَاثِيلِ , ثُمَّ كَانَ تَحْرِيمُهَا بَعْدَ ذَلِكَ .
الثاني : أنه رخصة للصبيان فقط ، وَعَلَى هَذَا حَمَلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فَقَالَ : " وَلَيْسَ وَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَنَا إِلَّا مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لَهْوٌ لِلصِّبْيَانِ , فَلَوْ كَانَ لِلْكِبَارِ لَكَانَ مَكْرُوهًا
الثالث : أنه إذا كان للدمية صورة أي (رأس) خاصة إذا كان لها وجها واضحا ، يمنع منه وهذا القول هو الأصح .                                                                            
ذكر المروذي عنه في كتاب الورع (466) قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ تَرَى لِلرَّجُلِ الْوَصِيِّ تَسْأَلُهُ الصَّبِيَّةُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا لُعْبَةً ، فَقَالَ إِنْ كَانَتْ صُورَةً فَلا وَذَكَرَ فِيهِ شَيْئًا ، قُلْتُ الصُّورَةُ أَلَيْسَ إِذا كَانَ لَهَا يدا أَوْ رِجْلٌ ؟ فَقَالَ عِكْرِمَةُ يَقُولُ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ رَأْسٌ فَهُوَ صُورَةٌ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فَقَدْ يُصَيِّرُونَ لَهَا صَدْرًا وَعَيْنًا وَأَنْفًا وَأَسْنَانًا ، قُلْتُ فَأَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ يَجْتَنِبَ شِرَاءَهَا ، قَالَ نَعَمْ قُلْتُ أَفَلَيْسَ عَائِشَةُ تَقُولُ كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ ؟ قَالَ نَعَمْ هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ يَرْفَعُهُ وَأَمَّا هِشَامٌ فَلا أُرَاهُ يَذْكُرُ فِيهِ كَلامًا فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَرِّحُهُنَّ إِلَيَّ ، قال : وَأَلْقَيْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَن أُسَامَة عَن عبد الرازق عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ أُهْدِيتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعِيَ لُعَبِي فَاسْتَغْرَبَهُ ، وَقَالَ هُوَ غَرِيبٌ مَا أَعْرِفُهُ ) اهـــ
قال ابن قدامة في المغني (5678) قَالَ أَحْمَدُ: وَلَا بَأْسَ بِاللُّعَبِ مَا لَمْ تَكُنْ صُورَةً ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَلْعَبُ بِاللُّعَبِ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ ؟ فَقُلْت: هَذِهِ خَيْلُ سُلَيْمَانَ. فَجَعَلَ يَضْحَكُ.»
وذكر البيهقي في سننه عن بعض الشافعية أنه إِنْ عُمِلَ مِنْ خَشَبٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ صُفْرٍ أَوْ نُحَاسٍ شَبَهَ آدَمَيٍّ تَامِّ الْأَطْرَافِ كَالْوَثَنِ وَجَبَ كَسْرُهُ , وَلَمْ يَجُزْ إِطْلَاقُ إِمْسَاكِهِ لَهُنَّ , فَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْوَاحِدَةُ مِنْهُنَّ تَأْخُذُ خِرْقَةً فَتَلُفُّهَا ثُمَّ تُشَكِّلُهَا بِشَكْلٍ مِنْ أَشْكَالِ الصَّبَايَا وَتُسَمِّيهَا بِنْتًا أَوْ أُمَّا وَتَلْعَبُ بِهَا فَلَا تُمْنَعُ مِنْهَا .
وجاء في النوادر والزيادات (6/186) قال أشهب عن مالك : سُئل عن التجارة في عظام على قدر التمر ، يجعل لها وجوه ، يتخذها الجواري بنات قال: لا خير في الصور وليس هذا من تجارة الناس.




هذا آخر ما جمعته في هذا البحث والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وأسأل الله      


عزو جل أن ينفع به ويجعله خالصا لوجهه الكريم ،                 

كتبه أبو عبيد الجزائري .

ليست هناك تعليقات: