بسم الله الرحمن الرحيم ....
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لا عذر لأحد في ضلالة ركبها حسبها هدى ، ولا في هدى تركه حسبه ضلالة ، فقد بينت الأمور ، وثبتت الحجة ، وانقطع العذر .
هذا الأثر الذي قصم ظهور المرجئة وأعياهم ، وحاولوا الطعن فيه بكل ما يحمله الجهل من معنى فالسؤال : لماذا كل هذه المطاردة ؟ الجواب : لأنه نص في عدم عذر المشركين والمبتدعة بالجهل والتقليد والتأويل والإجتهاد وسأبين لهم في هذه الأوراق أن هذا الأثر صحيح بالسند والمعنى فأقول : ما عهدنا السلف من أهل الحديث المتقدمين يشددون مع أسانيد الآثار تشديد المرجئة في هذا الزمن الأخير !! مع أنهم يشددون بالهوى ويرتخون به ، وليس عندهم أي ضابط إلا ما أشربوا من هواهم !! ولقد روى هذا الأثر الجليل جمع من السلف ولم يستنكروا منه شيئا ، بل تلقوه بالقبول ، ورووه في كتب السنة والعقيدة بصيغة الجزم دون حرج ، ولو كان فيه شيئا منكرا لانتقدوه ، أو على الأقل لا يروونه في كتب الإعتقاد محتجين به ، ولكن هذا الأثر لا يروق للمرجئة ، فهو يخسف بدينهم ، ويضلل علمائهم ، فلابد من محاربته ، وإليك بيان تخريج هذا الأثر الكبير الذي فرق به الفاروق بين الحق والباطل :
تخريج الأثر وبيان طرقه :
أخرج الأثر ابن شبة في تاريخ المدينة (3/800) ابن بن بطة في الإبانة الكبرى (1/122) رقم (173) وأبو القاسم التيمي في كتاب الحجة في بيان المحجة (2/444) ونقله هنا البربهاري في شرح السنة (ص 67) والخطيب في الفقيه والمتفقه (1/383) من طريق الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ فذكره ) فهذا سند صحيح إلى الأوزاعي ولكن قالوا السند منقطع بين الأوزاعي وعمر بن الخطاب كما هو واضح !! فنجيب على هذا فنقول : قد وجدت عدة شواهد تشهد بصحة هذا الأثر بلا شك هي :
الأول : روى أبو نعيم في الحلية (5/346) قال : حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ جَبَلَةَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، ثنا أَبُو الْأَشْعَثِ أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ، ثنا سُلَيْمُ بْنُ نُفَيْعٍ الْقُرَشِيُّ، عَنْ خَلَفٍ أَبِي الْفَضْلِ الْقُرَشِيِّ، عَنْ كِتَابِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى النَّفَرِ الَّذِينَ كَتَبُوا إِلَيَّ بِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بِحَقٍّ فِي رَدِّ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، وَتَكْذِيبِهِمْ بِأَقْدَارِهِ النَّافِذَةِ فِي عِلْمِهِ السَّابِقِ الَّذِي لَا حَدَّ لَهُ إِلَّا إِلَيْهِ ، وَلَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْهُ مَخْرَجٌ ، وَطَعْنِهِمْ فِي دِينِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ الْقَائِمَةِ فِي أُمَّتِهِ ، أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّكُمْ كَتَبْتُمْ إِلَيَّ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتُرُونَ مِنْهُ قَبْلَ الْيَوْمِ فِي رَدِّ عِلْمِ اللهِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ إِلَى مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ كَانُوا يَقُولُونَ : الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ نَجَاةٌ ، وَسَيُقْبَضُ الْعِلْمُ قَبْضًا سَرِيعًا ، وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَعِظُ النَّاسَ : إِنَّهُ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ عِنْدَ اللهِ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ بِضَلَالَةٍ رَكِبَهَا حَسِبَهَا هُدًى، وَلَا فِي هُدًى تَرَكَهُ حَسِبَهُ ضَلَالَةً، قَدْ تَبَيَّنْتِ الْأُمُورُ، وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ، وَانْقَطَعَ الْعُذْرُ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَنْبَاءِ النُّبُوَّةِ وَمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ تَقَطَّعَتْ مِنْ يَدَيْهِ أَسْبَابُ الْهُدَى، وَلَمْ يَجِدْ لَهُ عِصْمَةً يَنْجُو بِهَا مِنَ الرَّدَى ... )
قال الأوزاعي في رواية ابن شبة (3/800) : ( كان عمر يقول ... ) فتنبه لهذا اللفظ ( كان ) فإنه يدل على تكراره في خطبه رضي الله عنه !!
(قلت) وهذا سند رجاله كله ثقات لولا أن سليم بن نفيع القرشي مجهول وكذاك شيخه خلف لكن ما يقويه أيضا أن كتاب عمر للقدرية مشهور عنه ، وقد ذكرها ذاك الدكتور محمود الطحان من المعاصرين ضمن الرسائل التي ورد بها الخطيب البغدادي مدينة دمشق حين خرج إليها في بحثه [ الحافظ الخطيب البغدادي وأثره في علوم الحديث" برقم (142) ]
ثم إن أكثر المسائل الموجودة في هذه الرسالة قد جاءت عن عمر بطرق مسندة صحيحة مما يعضدها ويقويها ويوثقها وإليك بعضها :
روى هذا السند ابن الجوزي في سيرة عمر بن عبد العزيز (ص88 ـــ 89) وقال : وهذه رسالة مروية عن عمر بن عبد العزيز في الأول ، وجدت أكثر كلماتها لم تضبطها النقلة على الصحة، فانتقيت منها كلمات صالحة ثم ساقها )
الثاني : وله شاهد عند محمد بن نصر المروزي في السنة (رقم 83) بسند صحيح عن الأوزاعي قال عمر بن عبد العزيز : لا عذر لأحد بعد السنة في ضلالة ركبها يحسب أنها هدى ) وهذا في تقوية للأثر الأول .
الثالث : روى سعيد بن منصور كما في الأحكام لابن حزم (6/215) وكنز العمال (44213) وجامع الحديث للسيوطي (31569) حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن الزهري حدثنا موسى بن عقبة قال : ( هذه خطبة عمر بن الخطاب يوم الجابية : أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه ، الذي بطاعته يكرم أولياؤه وبمعصيته يضل أعداؤه فليس لهالك هلك معذرة في فعل ضلالة حسبها هدى ولا في ترك حق حسبه ضلالة .. )
وقد نقلها ابن الجوزي في المنتظم (4/225) بسنده إلى سعيد بن منصور وقال قبل أن يسوق السند : وخطب عمر خطبة بليغة بالجابية ثم ساقه .
(قلت) فهذا سند صحيح إلى موسى بن عقبة رجاله ثقات وموسى بن عقبة من صغار التابعين ولم يسمع من عمر لكنه يحكي قصة عامة مشهودة ، ولهذا جزم في نسبتها لعمر وحكاها على سبيل الخبر الصحيح ، ولو تأملت وجدت أن عمر رضي الله عنه قاله يوم اجتماع كبير للصحابة دون إنكار منهم عليه فصار إجماعا منهم على عدم عذر المشرك والمبتدع بالجهل والتأويل خلاف ما تقول المرجئة والجهمية اليوم والأمس !! .
الرابع : روى أبو يوسف في الخراج (23) قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ الْكِلاعِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ فَحَمَدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي يَبْقَى وَيَهْلِكُ مَنْ سِوَاهُ ، الَّذِي بِطَاعَتِهِ يَنْتَفِعُ أَوْلِيَاؤُهُ ، وَبِمَعْصِيَتِهِ يُضَرُّ أَعْدَاؤُهُ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِهَالِكٍ هَلَكَ مَعْذِرَةٌ فِي تَعَمُّدِ ضَلالَةٍ حَسِبَهَا هُدًى، وَلا فِي تَرْكِ حَقٍّ حَسِبَهُ ضَلالَةً ، وَإِنَّ أَحَقَّ مَا تَعَهَّدَ الرَّاعِي مِنْ رَعِيَّتِهِ تَعَهُّدُهُمْ بِالَّذِي لِلَّهِ عَلَيْهِمْ ، فِي وَظَائِفِ دِينِهِمْ الَّذِي هَدَاهُمْ اللَّهُ لَهُ وَإِنَّمَا عَلَيْنَا أَنْ نَأْمُرَكُمْ بِمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ طَاعَتِهِ وَأَنْ نَنْهَاكُمْ عَمَّا نَهَاكُمُ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِهِ، وَأَنْ نُقِيمَ أَمْرَ اللَّهِ فِي قَرِيبِ النَّاسِ وَبَعِيدِهِمْ وَلا نُبَالِي عَلَى مَنْ كَانَ الْحَقُّ ) .
(قلت) وهذا شاهد آخر يدل على أن خطبة عمر لها أصل ثابت عند السلف قال ابن عساكر في تاريخه (5/300) : عطاء الكلاعي شهد خطبة عمر بالجابية ) .
الخامس : وذكر الهندي في كنز العمال (29349) عن الأحوص بن حكيم بن عمير العنسي قال : كتب عمر بن الخطاب إلى أمراء الأجناد : تفقهوا في الدين فإنه لا يعذر أحد باتباع باطل وهو يرى أنه حق ولا يترك حق وهو يرى أنه باطل ) ثم قال : آدم بن أبي اياس في العلم )
(قلت) وكتاب العلم لم يطبع بعد ولم يصل كاملا إلينا .
السادس : ذكر بن الجوزي في المناقب ويوسف بن عبد الهادي في كتابه محض الصواب في فضل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (2/681) : قال وعن عدي بن سهيل الأنصاري قال : قام عمر في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال : أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله ويفني ما سواه والذي بطاعته ينفع أولياؤه ، وبمعصيته يضر أعداءه فإنه ليس لهالك هلك عذر في بعض ضلالة حسبها هدى ولا ترك حق حسب ضلالة ، قد ثبتت الحجة وانقطع العذر )
(قلت) وهذا إسناد آخر لم يصل إلينا يشهد على أن قصة الأثر له أصل عريق في زمن السلف وعدي بن سهيل صحابي .
السابع : وقد ذكر الميداني في مجمع الأمثال في فصل من كلام الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه (2/451) : ليس لأحدٍ عذرٌ في تعمُّدِ ضلاَلة حَسِبَهَا هُدىً، ولاَ تركِ حق حَسِبه ضلاَلة ) لكنه لم يذكر السند إليه .
انتهى المقال بحمد لله يوم 27/12/1438 .
بقلم أبي عبيد الجزائري ....
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لا عذر لأحد في ضلالة ركبها حسبها هدى ، ولا في هدى تركه حسبه ضلالة ، فقد بينت الأمور ، وثبتت الحجة ، وانقطع العذر .
هذا الأثر الذي قصم ظهور المرجئة وأعياهم ، وحاولوا الطعن فيه بكل ما يحمله الجهل من معنى فالسؤال : لماذا كل هذه المطاردة ؟ الجواب : لأنه نص في عدم عذر المشركين والمبتدعة بالجهل والتقليد والتأويل والإجتهاد وسأبين لهم في هذه الأوراق أن هذا الأثر صحيح بالسند والمعنى فأقول : ما عهدنا السلف من أهل الحديث المتقدمين يشددون مع أسانيد الآثار تشديد المرجئة في هذا الزمن الأخير !! مع أنهم يشددون بالهوى ويرتخون به ، وليس عندهم أي ضابط إلا ما أشربوا من هواهم !! ولقد روى هذا الأثر الجليل جمع من السلف ولم يستنكروا منه شيئا ، بل تلقوه بالقبول ، ورووه في كتب السنة والعقيدة بصيغة الجزم دون حرج ، ولو كان فيه شيئا منكرا لانتقدوه ، أو على الأقل لا يروونه في كتب الإعتقاد محتجين به ، ولكن هذا الأثر لا يروق للمرجئة ، فهو يخسف بدينهم ، ويضلل علمائهم ، فلابد من محاربته ، وإليك بيان تخريج هذا الأثر الكبير الذي فرق به الفاروق بين الحق والباطل :
تخريج الأثر وبيان طرقه :
أخرج الأثر ابن شبة في تاريخ المدينة (3/800) ابن بن بطة في الإبانة الكبرى (1/122) رقم (173) وأبو القاسم التيمي في كتاب الحجة في بيان المحجة (2/444) ونقله هنا البربهاري في شرح السنة (ص 67) والخطيب في الفقيه والمتفقه (1/383) من طريق الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ فذكره ) فهذا سند صحيح إلى الأوزاعي ولكن قالوا السند منقطع بين الأوزاعي وعمر بن الخطاب كما هو واضح !! فنجيب على هذا فنقول : قد وجدت عدة شواهد تشهد بصحة هذا الأثر بلا شك هي :
الأول : روى أبو نعيم في الحلية (5/346) قال : حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ جَبَلَةَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، ثنا أَبُو الْأَشْعَثِ أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ، ثنا سُلَيْمُ بْنُ نُفَيْعٍ الْقُرَشِيُّ، عَنْ خَلَفٍ أَبِي الْفَضْلِ الْقُرَشِيِّ، عَنْ كِتَابِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى النَّفَرِ الَّذِينَ كَتَبُوا إِلَيَّ بِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بِحَقٍّ فِي رَدِّ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، وَتَكْذِيبِهِمْ بِأَقْدَارِهِ النَّافِذَةِ فِي عِلْمِهِ السَّابِقِ الَّذِي لَا حَدَّ لَهُ إِلَّا إِلَيْهِ ، وَلَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْهُ مَخْرَجٌ ، وَطَعْنِهِمْ فِي دِينِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ الْقَائِمَةِ فِي أُمَّتِهِ ، أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّكُمْ كَتَبْتُمْ إِلَيَّ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتُرُونَ مِنْهُ قَبْلَ الْيَوْمِ فِي رَدِّ عِلْمِ اللهِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ إِلَى مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ كَانُوا يَقُولُونَ : الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ نَجَاةٌ ، وَسَيُقْبَضُ الْعِلْمُ قَبْضًا سَرِيعًا ، وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَعِظُ النَّاسَ : إِنَّهُ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ عِنْدَ اللهِ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ بِضَلَالَةٍ رَكِبَهَا حَسِبَهَا هُدًى، وَلَا فِي هُدًى تَرَكَهُ حَسِبَهُ ضَلَالَةً، قَدْ تَبَيَّنْتِ الْأُمُورُ، وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ، وَانْقَطَعَ الْعُذْرُ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَنْبَاءِ النُّبُوَّةِ وَمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ تَقَطَّعَتْ مِنْ يَدَيْهِ أَسْبَابُ الْهُدَى، وَلَمْ يَجِدْ لَهُ عِصْمَةً يَنْجُو بِهَا مِنَ الرَّدَى ... )
قال الأوزاعي في رواية ابن شبة (3/800) : ( كان عمر يقول ... ) فتنبه لهذا اللفظ ( كان ) فإنه يدل على تكراره في خطبه رضي الله عنه !!
(قلت) وهذا سند رجاله كله ثقات لولا أن سليم بن نفيع القرشي مجهول وكذاك شيخه خلف لكن ما يقويه أيضا أن كتاب عمر للقدرية مشهور عنه ، وقد ذكرها ذاك الدكتور محمود الطحان من المعاصرين ضمن الرسائل التي ورد بها الخطيب البغدادي مدينة دمشق حين خرج إليها في بحثه [ الحافظ الخطيب البغدادي وأثره في علوم الحديث" برقم (142) ]
ثم إن أكثر المسائل الموجودة في هذه الرسالة قد جاءت عن عمر بطرق مسندة صحيحة مما يعضدها ويقويها ويوثقها وإليك بعضها :
روى هذا السند ابن الجوزي في سيرة عمر بن عبد العزيز (ص88 ـــ 89) وقال : وهذه رسالة مروية عن عمر بن عبد العزيز في الأول ، وجدت أكثر كلماتها لم تضبطها النقلة على الصحة، فانتقيت منها كلمات صالحة ثم ساقها )
الثاني : وله شاهد عند محمد بن نصر المروزي في السنة (رقم 83) بسند صحيح عن الأوزاعي قال عمر بن عبد العزيز : لا عذر لأحد بعد السنة في ضلالة ركبها يحسب أنها هدى ) وهذا في تقوية للأثر الأول .
الثالث : روى سعيد بن منصور كما في الأحكام لابن حزم (6/215) وكنز العمال (44213) وجامع الحديث للسيوطي (31569) حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن الزهري حدثنا موسى بن عقبة قال : ( هذه خطبة عمر بن الخطاب يوم الجابية : أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه ، الذي بطاعته يكرم أولياؤه وبمعصيته يضل أعداؤه فليس لهالك هلك معذرة في فعل ضلالة حسبها هدى ولا في ترك حق حسبه ضلالة .. )
وقد نقلها ابن الجوزي في المنتظم (4/225) بسنده إلى سعيد بن منصور وقال قبل أن يسوق السند : وخطب عمر خطبة بليغة بالجابية ثم ساقه .
(قلت) فهذا سند صحيح إلى موسى بن عقبة رجاله ثقات وموسى بن عقبة من صغار التابعين ولم يسمع من عمر لكنه يحكي قصة عامة مشهودة ، ولهذا جزم في نسبتها لعمر وحكاها على سبيل الخبر الصحيح ، ولو تأملت وجدت أن عمر رضي الله عنه قاله يوم اجتماع كبير للصحابة دون إنكار منهم عليه فصار إجماعا منهم على عدم عذر المشرك والمبتدع بالجهل والتأويل خلاف ما تقول المرجئة والجهمية اليوم والأمس !! .
الرابع : روى أبو يوسف في الخراج (23) قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِنَا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ الْكِلاعِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ فَحَمَدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي يَبْقَى وَيَهْلِكُ مَنْ سِوَاهُ ، الَّذِي بِطَاعَتِهِ يَنْتَفِعُ أَوْلِيَاؤُهُ ، وَبِمَعْصِيَتِهِ يُضَرُّ أَعْدَاؤُهُ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِهَالِكٍ هَلَكَ مَعْذِرَةٌ فِي تَعَمُّدِ ضَلالَةٍ حَسِبَهَا هُدًى، وَلا فِي تَرْكِ حَقٍّ حَسِبَهُ ضَلالَةً ، وَإِنَّ أَحَقَّ مَا تَعَهَّدَ الرَّاعِي مِنْ رَعِيَّتِهِ تَعَهُّدُهُمْ بِالَّذِي لِلَّهِ عَلَيْهِمْ ، فِي وَظَائِفِ دِينِهِمْ الَّذِي هَدَاهُمْ اللَّهُ لَهُ وَإِنَّمَا عَلَيْنَا أَنْ نَأْمُرَكُمْ بِمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ طَاعَتِهِ وَأَنْ نَنْهَاكُمْ عَمَّا نَهَاكُمُ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِهِ، وَأَنْ نُقِيمَ أَمْرَ اللَّهِ فِي قَرِيبِ النَّاسِ وَبَعِيدِهِمْ وَلا نُبَالِي عَلَى مَنْ كَانَ الْحَقُّ ) .
(قلت) وهذا شاهد آخر يدل على أن خطبة عمر لها أصل ثابت عند السلف قال ابن عساكر في تاريخه (5/300) : عطاء الكلاعي شهد خطبة عمر بالجابية ) .
الخامس : وذكر الهندي في كنز العمال (29349) عن الأحوص بن حكيم بن عمير العنسي قال : كتب عمر بن الخطاب إلى أمراء الأجناد : تفقهوا في الدين فإنه لا يعذر أحد باتباع باطل وهو يرى أنه حق ولا يترك حق وهو يرى أنه باطل ) ثم قال : آدم بن أبي اياس في العلم )
(قلت) وكتاب العلم لم يطبع بعد ولم يصل كاملا إلينا .
السادس : ذكر بن الجوزي في المناقب ويوسف بن عبد الهادي في كتابه محض الصواب في فضل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (2/681) : قال وعن عدي بن سهيل الأنصاري قال : قام عمر في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال : أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله ويفني ما سواه والذي بطاعته ينفع أولياؤه ، وبمعصيته يضر أعداءه فإنه ليس لهالك هلك عذر في بعض ضلالة حسبها هدى ولا ترك حق حسب ضلالة ، قد ثبتت الحجة وانقطع العذر )
(قلت) وهذا إسناد آخر لم يصل إلينا يشهد على أن قصة الأثر له أصل عريق في زمن السلف وعدي بن سهيل صحابي .
السابع : وقد ذكر الميداني في مجمع الأمثال في فصل من كلام الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه (2/451) : ليس لأحدٍ عذرٌ في تعمُّدِ ضلاَلة حَسِبَهَا هُدىً، ولاَ تركِ حق حَسِبه ضلاَلة ) لكنه لم يذكر السند إليه .
انتهى المقال بحمد لله يوم 27/12/1438 .
بقلم أبي عبيد الجزائري ....
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق