أولا : دلالة القرآن
لقد دلنا القرآن الكريم على أنه يجب علينا اتباع آثار السلف , وفهمهم للنصوص في كثير من الآيات وسأذكر منها بضع آيات واضحات من ذلك :
1) قول الله تعالى { ومَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم }
(قلت) هل كان المؤمنون المقصود بهم في هذه الآية الكريمة إلا الصحابة والتابعون ؟ إذن من ترك آثارهم فقد يقع في الضلال .
2) قال تعالى: { فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم }[البقرة 137 ]
وهذا دليل صريح في أن الذي كان عليه الصحابة والتابعون هو الهدى والحق ، ومن اهتدى بآثارهم فإنه على هدى وعلى صراط مستقيم ولن يضل إذا صلحت نيته ، فهم المعنيون في الآية أولًا ، ثم من سار على دربهم واقتدى بهم من بعدهم ثانيًا.
3 ــ (قوله ﺗﻌﺎﻟﻰ { ﻭاﻟﺴﺎﺑﻘﻮﻥ اﻷﻭﻟﻮﻥ ﻣﻦ اﻟﻤﻬﺎﺟﺮﻳﻦ ﻭاﻷﻧﺼﺎﺭ ﻭاﻟﺬﻳﻦ اﺗﺒﻌﻮﻫﻢ ﺑﺈﺣﺴﺎﻥ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻢ ﻭﺭﺿﻮا ﻋﻨﻪ ﻭﺃﻋﺪ ﻟﻬﻢ ﺟﻨﺎﺕ ﺗﺠﺮﻱ ﺗﺤﺘﻬﺎ اﻷﻧﻬﺎﺭ ﺧﺎﻟﺪﻳﻦ ﻓﻴﻬﺎ ﺃﺑﺪا ﺫﻟﻚ اﻟﻔﻮﺯ اﻟﻌﻈﻴﻢ } [ اﻟﺘﻮﺑﺔ 100 ]
فاﻵﻳﺔ اﻗﺘﻀﺖ اﻟﺜﻨﺎء ﻋﻠﻰ ﻣﻦ ﻳﺘﺒﻊ ﻛﻞ ﻭاﺣﺪ ﻣﻨﻬﻢ ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻗﻮﻟﻪ ( ﻭاﻟﺴﺎﺑﻘﻮﻥ اﻷﻭﻟﻮﻥ ﻣﻦ اﻟﻤﻬﺎﺟﺮﻳﻦ ﻭاﻷﻧﺼﺎﺭ ﻭاﻟﺬﻳﻦ اﺗﺒﻌﻮﻫﻢ ( ﻳﻘﺘﻀﻲ ﺣﺼﻮﻝ اﻟﺮﺿﻮاﻥ ﻟﻜﻞ ﻭاﺣﺪ ﻣﻦ اﻟﺴﺎﺑﻘﻴﻦ ﻭاﻟﺬﻳﻦ اﺗﺒﻌﻮﻫﻢ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ ) ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻢ ﻭﺭﺿﻮا ﻋﻨﻪ ﻭﺃﻋﺪ ﻟﻬﻢ ﺟﻨﺎﺕ ﺗﺠﺮﻱ( ﻭﻛﺬﻟﻚ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ {اﺗﺒﻌﻮﻫﻢ} ﻷﻧﻪ ﺣﻜﻢ ﻋﻠﻖ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ اﻵﻳﺔ ﻓﻘﺪ ﺗﻨﺎﻭﻟﻬﻢ ﻣﺠﺘﻤﻌﻴﻦ ﻭﻣﻨﻔﺮﺩﻳﻦ
4) ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ : {ﻭاﺗﺒﻊ ﺳﺒﻴﻞ ﻣﻦ ﺃﻧﺎﺏ ﺇﻟﻲ{ [ ﻟﻘﻤﺎﻥ: 15 ]
ﻭﻛﻞ ﻣﻦ اﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﻣﻨﻴﺐ ﺇﻟﻰ اﻟﻠﻪ ﻓﻴﺠﺐ اﺗﺒﺎﻉ ﺳﺒﻴﻠﻪ ، ﻭﺃﻗﻮاﻟﻪ ﻭاﻋﺘﻘﺎﺩاﺗﻪ ﻣﻦ ﺃﻛﺒﺮ ﺳﺒﻴﻠﻪ ، ﻭاﻟﺪﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻬﻢ ﻣﻨﻴﺒﻮﻥ ﺇﻟﻰ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺃﻥ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻗﺪ ﻫﺪاﻫﻢ ﻭﻗﺪ ﻗﺎﻝ( ﻭﻳﻬﺪﻱ ﺇﻟﻴﻪ ﻣﻦ ﻳﻨﻴﺐ )
5) قوﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ { ﻗﻞ اﻟﺤﻤﺪ ﻟﻠﻪ ﻭﺳﻼﻡ ﻋﻠﻰ ﻋﺒﺎﺩﻩ اﻟﺬﻳﻦ اﺻﻄﻔﻰ } [ اﻟﻨﻤﻞ: 59 ]
ﻗﺎﻝ اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﻓﻲ ﺭﻭاﻳﺔ ﺃﺑﻲ ﻣﺎﻟﻚ : ﻫﻢ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﻣﺤﻤﺪ - ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ . ﻭاﻟﺪﻟﻴﻞ ﻋﻠﻴﻪ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ { ﺛﻢ ﺃﻭﺭﺛﻨﺎ اﻟﻜﺘﺎﺏ اﻟﺬﻳﻦ اﺻﻄﻔﻴﻨﺎ ﻣﻦ ﻋﺒﺎﺩﻧﺎ{ .
6) وعَنْ مجاهد في قوله: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمر منكم} يقول: أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم أولوا العقل والفقه في دين الله. [ أخرجه ابن شيبة في المصنف ( 12580) وابن جرير في تفسيره (9874) وأبو نعيم في الحلية (3 / 293) وسنده صحيح ، وروى ابن بطة (57) مثله عن عكرمة ] .
7) وقال الله تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (64) أي كافي أصحابك أمر الدنيا والآخرة وناصرهم ، وهذا يدل على أن اتباعم يوجب النصرة والهداية من الله .
8) قال الله تعالى : {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [(108) سورة يوسف ] فإذا كان الصحابة يدعون على بصيرة من الله وعلم ، إذن يجب اتباعهم على في ذلك .
ثانيا دلالة السنة :
لقد جاءت الأحاديث متواترة على هذا المعنى ومن أشهرها :
1 ــ (عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم". قال عمران: فلا أدري أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قرنه مرتين أو ثلاثًا. [ والبخاري (6428) ومسلم (2535) ]
ﻓﺄﺧﺒﺮ اﻟﻨﺒﻲ - ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ - ﺃﻥ ﺧﻴﺮ اﻟﻘﺮﻭﻥ ﻗﺮﻧﻪ ﻣﻄﻠﻘﺎ ، ﻭﺫﻟﻚ ﻳﻘﺘﻀﻲ ﺗﻘﺪﻳﻤﻬﻢ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺑﺎﺏ ﻣﻦ ﺃﺑﻮاﺏ اﻟﺨﻴﺮ ، ﺇﻻ ﻟﻮ ﻛﺎﻧﻮا ﺧﻴﺮا ﻣﻦ ﺑﻌﺾ اﻟﻮﺟﻮﻩ ، ﻓﻼ ﻳﻜﻮﻧﻮﻥ ﺧﻴﺮ اﻟﻘﺮﻭﻥ ﻣﻄﻠﻘﺎ، ﻓﻠﻮ ﺟﺎﺯ ﺃﻥ ﻳﺨﻄﺊ اﻟﺮﺟﻞ ﻣﻨﻬﻢ ﻓﻲ ﺣﻜﻢ ﻭﺳﺎﺋﺮﻫﻢ ﻟﻢ ﻳﻔﺘﻮا ﺑﺎﻟﺼﻮاﺏ ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻇﻔﺮ ﺑﺎﻟﺼﻮاﺏ ﻣﻦ ﺑﻌﺪﻫﻢ ، ﻭﺃﺧﻄﺌﻮا ﻫﻢ ، ﻟﺰﻡ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺫﻟﻚ اﻟﻘﺮﻥ ﺧﻴﺮا ﻣﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ اﻟﻮﺟﻪ ، ﻷﻥ اﻟﻘﺮﻥ اﻟﻤﺸﺘﻤﻞ ﻋﻠﻰ اﻟﺼﻮاﺏ ﺧﻴﺮ ﻣﻦ اﻟﻘﺮﻥ اﻟﻤﺸﺘﻤﻞ ﻋﻠﻰ اﻟﺨﻄﺄ .
2 ـ (وما جاء في الحديث الصحيح : اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر [ أحمد في المسند (5/399( وفي فضائل الصحابة (479) والترمذي (3663) وابن سعد (2/334) والحميدي (449) وابن أبي شيبة (12/11) وابن ماجة (97) وغيرهم وهو صحيح ]
3 ــ ( ما روي بسند ضعيف وهو صحيح المعنى : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم . [ رواه الخلال في منتخب العلل (69) وابن عبد البر في الجامع (1760) وابن بطة في الكبرى (702) وابن حزم في الإحكام (6/ 82) وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 282 – 283) وله طرق كلها معلولة ذكرها في البدر المنير (9/584) وهو لا يصح بالمرة وقد ضعفه أحمد كما في المنتخب ]
قلت لكن ما يهمني هو تعليق الآجري في الشريعة (1166) على هذا الحديث : فَلَوْ فَعَلَ إِنْسَانٌ فِعْلًا كَانَ لَهُ فِيهِ قُدْوَةً بِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَانَ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ , وَمَنْ فَعَلَ فِعْلًا يُخَالِفُ فِيهِ الصَّحَابَةَ فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهُ , مَا أَسْوَأَ حَالَهُ ) اهـــ .
وما قال الأصبهاني في الحجة (97) معلقا عليه : أخذ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم السّنة عَنِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَأخذ الصَّحَابَة عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - وَأخذ التابعون عَنِ الصَّحَابَة الَّذين أَشَارَ إِليهم رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - بالاقتداء بهم ، ثُمَّ أَشَارَ الصَّحَابَة إِلَى التَّابِعين بعدهمْ .
4) وقوله صلى الله عليه وسلم ( إنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ ) [ حديث صحيح رواه أحمد (17144) أبو داود (4608) والترمذي (2676) وابن ماجة (42) وغيرهم ]
قال الجوزقاني في الأباطيل (1/437) معلقا : الَّذِينَ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِسُنَّتِهِمْ بَعْدَ سُنَّتِهِ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
5) أيضا في حديث الإفتراق عن الفرقة الناجية ( ما أنا عليه اليوم وأصحابي ) وتكفي هذه دلالة على وجوب اتباع الأثار لمن عقل .
6) وصح عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي ، يُشِيرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، وَاهْتَدَوْا بِهَدْي عَمَّارٍ وَتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ » [ الحديث صحيح : رواه الترمذي (3663) وابن حبان (6902) والحميدي (454) وأحمد (5 / 385 و 402) والحميدي في " مسنده " (1 / 214 /249) وابن سعد (2 / 334) وابن أبي عاصم في السنة (1048 و 1049) وأبو نعيم في الحلية (9 / 109) والخطيب (12 / 20) وغيرهم كثير ، وله طرق عند عدة من الصحابة ]
7) وعن أبي قتادة عند مسلم (681) ، وابن حبان (6901) ولفظه عنده : " إن يطع الناس أبا بكر وعمر فقد أرشدوا .
8) عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : جَلَسْتُ إِلَى شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ فَقَالَ: جَلَسَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَجْلِسَكَ هَذَا فَقَالَ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ ، وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ : قُلْتُ : مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ قَالَ: لِمَ ؟ قُلْتُ: " لَمْ يَفْعَلْهُ صَاحِبَاكَ " قَالَ: هُمَا الْمَرْءَانِ يُقْتَدَى بِهِمَا .[ البخاري (7275) ]
9) روى مسلم (38) أَن الْوَلِيد لما جُلد أَرْبَعِينَ قَالَ عَليّ أَمْسِكْ ، جَلَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ ، وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق