وصف السلف من الصحابة والتابعين الآثار بأوصاف عديدة تدل بمجموعها وبأفرادها ، على وجوب التدين بها واتباعها والإحتجاج بها والحذر من تركها ، فمن أوصاف الآثار أنها هي : ( الأمر الأول ، والأمر العتيق ، والسنة ، والدين ، والوصية ، والأسوة الحسنة ، والسعة ، وهي السلامة ، والحجة ، وهي الإتباع ) وفي كل وصف فصل سنذكره :
فصل الآثار هي الأمر الأول :
كثير ما نجد السلف يقولون عليكم بالأمر الأول ، فالمقصود هي الآثار ، وإلا فكيف تعرف الأمر الأول من الزمن المبدل الذي بعدهم ، إلا بالأثر .
ﻗﺎﻝ ابن مسعود ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ : ﺃﻧﺎ ﻟﻐﻴﺮ اﻟﺪﺟﺎﻝ ﺃﺧﻮﻑ ﻋﻠﻴﻜﻢ ﻣﻦ اﻟﺪﺟﺎﻝ ﺃﻣﻮﺭ ﺗﻜﻮﻥ ﻣﻦ ﻛﺒﺮاﺋﻜﻢ ﻓﺄﻳﻤﺎ ﻣﺮﻳﺔ ﺃﻭ ﺭﺟﻴﻞ ﺃﺩﺭﻙ ﺫﻟﻚ اﻟﺰﻣﺎﻥ ﻓﺎﻟﺴﻤﺖ اﻷﻭﻝ ﻓﺄﻧﺎ اﻟﻴﻮﻡ ﻋﻠﻰ اﻟﺴﻨﺔ ) [ أخرجه وكيع في الزهد (315) وعنه أحمد في الزهد (ص202) والدارمي برقم (205) وابن وضاح في البدع والنهي عنها برقم (14) وأبو خيثمة في كتاب العلم برقم (54) ]
وقال أيضاً : « إنكم أصبحتم على الفطرة ، وإنكم ستحدثون ، ويحدث لكم ، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول ». [ الدارمي (169) ، السنَّة للمروزي (80)]
وفي لفظ قال : يا أيها الناس إنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثا فعليكم بالأمر الأول [ ذم الكلام (ص.136) والإبانة (1/ 2/329/ 180) والدارمي (1/ 61) والفقيه والمتفقه (1/ 457) وانظر طبقات الحنابلة (1/ 69) والباعث (ص.67) ]
وعن حذيفة رضي الله عنه قال : ( كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تعبدوها فإن الأول لم يدع للآخر مقالا فاتقوا الله يا معشر القراء وخذوا طريق من كان قبلكم . [ سنده صحيح أخرجه ابن المبارك في الزهد (47) وبنحوه ابن أبي شيبة في المصنف (16651 و18985)، والبخاري (7282) نحوه مختصراً ، وابن وضاح في البدع والنهي عنها (10 و11 و12 و15 و16) وعبد الله في السنة (106) وغيرهم كثير ]
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النخعي : "مَا الْأَمْرُ إِلَّا الْأَمْرُ الْأَوَّلُ ، لَوْ بَلَغَنَا أَنَّهُمْ لم يغسلوا إِلَّا الظفر مَا جَاوَزْنَاهُ كَفَى إِزْرًا عَلَى قَوْمٍ أَنْ تَتَخَالَفَ أَعْمَالُهُمْ" [ أخرجه الدَّارمِيّ فِي سنَنه (224، 63/1) وفي النقض على المريسي (2/667) وأَبُو نعيم فِي الْحِلْية 227/4) ]
وروى عبد الرزاق (11/ 367) قال أبو العالية : ( عليكم بالأمر الأول الذي كانوا عليه قبل أن يفترقوا ) .
وروى ابن بطة في الإبانة الكبرى (252) عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : « إِنَّمَا أَقْتَفِي الْأَثَرَ فَمَا وَجَدْتُ قَدْ سَبَقَنِي بِهِ » - يَعْنِي الصَّدْرَ الْأَوَّلَ - حَدَّثْتُكُمْ بِهِ .
قال النصر أبادي : أصل هذا المذهب : ملازمة الكتاب والسنة , وترك الأهواء والبدع والإقتداء بالسلف وترك ما أحدث الآخرون والإقامة على ماسلكه الأولون . [ المدارج (3/149) ]
قَالَ أَبُو معشر سَأَلت إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن هَذِه الْأَهْوَاء فَقَالَ مَا جعل الله فِي شَيْء مِنْهَا مِثْقَال ذرة من خير مَا هِيَ إِلَّا نَزعَة من الشَّيْطَان عَلَيْك بِالْأَمر الأول . [ الباعث ص17]
وقد وضع الإمام مالك رحمه الله قاعدة عظيمة تلخص جميع ما ذكرناه من أقوال الأئمة بقوله رحمه الله ( لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها ، فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا ) [ أسنده ابن عبد البر في "التمهيد" (23/ 10) والقاضي في الشفاء ج2 ص 88 ]
فصل : الآثار هي الأمر القديم :
حث السلف على اتباع الأمر القديم ووصفوه بالصدق والنجاة والهدى ، و هناك ليس طريق لمعرفته سوى الأثار ، ومن له طريق آخر فليخبرنا به !!.
وعن أبي قلابة أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: « وإياكم والتبدع ، والتنطع، والتعمق ، وعليكم بالعتيق ». [روى الدارمي (144) البدع والنهي عنها لابن وضاح (163) السنَّة لمحمد بن نصر المروزي (80) وغيرهم من طرق صحيحة ]
روى الدارمي في سننه (62) بسند فيه ضعف عن مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَامَ بِالشَّامِ فَقَالَ: « أَيُّهَا النَّاسُ , عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ , أَلَا وَإِنَّ رَفْعَهُ ذَهَابُ أَهْلِيهِ , وَإِيَّاكُمْ وَالْبِدَعَ , وَالتَّبَدُّعَ , وَالتَّنَطُّعَ , وَعَلَيْكُمْ بِأَمْرِكُمُ الْعَتِيقِ »
وعن مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ أَبِي عَلِيٍّ الْجَوْزِجَانِيِّ سَأَلَهُ: كَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى اللَّهِ ؟ قَالَ: أَصَحُ الطُّرُقِ وَأَعْمَرُهَا وَأَبْعَدُهَا مِنَ الشُّبَهِ اتِّبَاعُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَوْلا وَفِعْلا، وَعَزْمًا وَعَقْدًا وَنِيَّةً، لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور: 54] ، فَسَأَلَهُ: كَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ ؟ قَالَ: مُجَانَبَةُ الْبِدَعِ، وَاتِّبَاعُ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الصَّدْرُ الأَوَّلُ مِنْ عُلَمَاءِ الإِسْلامِ وَأَهْلِهِ، وَالتَّبَاعُدُ عَنِ مَجَالِسِ الْكَلامِ وَأَهْلِهِ، وَلُزُومُ طَرِيقَةِ الاقْتِدَاءِ وَالاتِّبَاعِ ، بِذَلِكَ أُمِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِقَوْلِهِ: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النحل: 123]
وروى الهروي في ذم الكلام (475) عن الْحَسَنُ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو يَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مُؤْمِنِينَ حَقًّا واجْعَلْ دِينَنَا الْإِسْلَامَ الْقَدِيمَ .
وعن مالك : وسئل عن القراءة بالمسجد ؟ فقال : لم يكن الأمر القديم وإنما هو شيء أحدث ، ولم يأت آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها ، والقرآن حسن [ ذكره في كتاب الإعتصام (1/ 508) ورواه الطرطوشي في الحوادث والبدع (ص.95) ] .
(قلت) يريد قراءة على وجه مخصوص بعد صلاة الصبح .
ولخص أبو المظفر السمعاني بلكمة جميلة في هذا الباب فقال : إذا أردتم الصدق ففي الكتب القديمة ، وإن أردتم الصادقين ففي البيوت القديمة ، عليكم بالقديم عليكم بالقديم . [معجم السفر١٢٣٣]
فصل : الآثار هي وصية السلف وأهل الحديث :
أوصانا السلف بالأثر فنحن نأخذ بوصيتهم ، ومن ترك الأثر فقد حان الوصية .
فعن عثمان بن حاضر قال : قلت لابن عباس أوصني فقال : عليك بالإستقامة واتباع الأثر . [ أنظر سنن الدارمي (141) والإبانة الكبرى لابن بطة (200) وذم الكلام (156) ]
وعَنْ عَطَاءٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : « إِنْ سَمِعْتُمْ مِنَّا شَيْئًا فَتَذَاكَرُوهُ بَيْنَكُمْ » [الأصبهاني في الحجة (17) ]
(قلت) فأوصاه بمذاكرة آثار الصحابة فيما بينهم .
وقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَأَسِّيًا فَلْيَتَأَسَّ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا وَأَقْوَمَهَا هَدْيًا وَأَحْسَنَهَا حَالًا، قَوْمًا اخْتَارَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ واتَّبِعُوهُمْ فِي آثَارِهِمْ ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ » [وروى الأصبهاني في الحجة (498) وابن عبد البر في الجامع (1810) ]
قال أبو العالية : تعلموا الإسلام ، فإذا تعلمتوه فلا ترغبوا عنه وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام ، ولا تحرفوا الإسلام يمينا ولا شمالا ، وعليكم بسنة نبيكم والذي كان عليه أصحابه وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء فرددها مرارا ) فحدثت الحسن فقال : صدق ونصح قال : فحدثت حفصة بنت سيرين فقالت : يا باهلي ، أنت حدثت محمدا بهذا ؟ قلت: لا قالت : فحدثه إذا . [مصنف عبد الرزاق (20758) واللالكائي في السنة (17) والإبانة لابن بطه (142) والهروي في ذم الكلام (790) وغيرهم ]
وعن الحسن البصري - رحمه الله تعالى- قال : « لو أَن رجُلا أَدركَ السلفَ الأَولَ ثم بُعثَ اليومَ ما عَرَفَ من الإِسلام شيئا » قال: ووضع يده على خدِّه ثم قال: « إِلا هذه الصلاة » ثم قال: « أَما والله ما ذلكَ لمن عاشَ في هذه النكراء ولم يدرك هذا السلف الصالحَ ، فرأى مبتدعا يدعو إِلى بدعته ، ورأى صاحبَ دنيا يدعو إِلى دنياه ، فعصمهُ الله من ذلكَ ، وجعلَ قلبهُ يحنّ إِلى ذلك السَّلف الصالح يَسْأَلُ عن سبيلهم ، ويقتص آثارهُم ، ويَتّبعُ سبيلهُم ، ليعوض أَجرا عَظيما فكذلك فكونوا إِن شاء الله ». [ البدع والنهي عنها لابن وضاح (176) ]
روى المروزي في السنة (106) قال ابن عون « ثلاث أرضاها لنفسي ولإخواني أن ينظر هذا الرجل المسلم القرآن فيتعمله ويقرأه ويتدبره وينظر فيه والثانية أن ينظر ذاك الأثر والسنة فيسأل عنه ويتبعه جهده ، والثالثة أن يدع هؤلاء الناس إلا من خير .
وقول الْأَوْزَاعِيَّ : « عَلَيْكَ بِآثَارِ مَنْ سَلَفَ وَإِنْ رَفَضَكَ النَّاسُ وَإِيَّاكَ وَآثَارَ الرِّجَالِ وَإِنْ زَخْرَفُوا لَكَ الْقَوْلَ »
روى اللالكائي في السنة (48) عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ , قَالَ: " كَانَ يُقَالُ: " خَمْسٌ كَانَ عَلَيْهَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعُونَ بِإِحْسَانٍ : لُزُومُ الْجَمَاعَةِ , وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ , وَعِمَارَةُ الْمَسَاجِدِ , وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ , وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ "
روى اللالكائي في السنة (37) عن أَبي بَكْرِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَ : كَتَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ فِي وَصِيَّتِهِ الَّتِي أَوْصَى بِهَا أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ : انْظُرُوا مَا كَانَ عَلَيْهِ أَيُّوبُ وَيُونُسُ وَابْنُ عَوْن وَاسْأَلُوا عَنْ هَدْيِ ابْنِ عَوْنٍ , فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ مَنْ يُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ .
قال ملطي في كتاب التنبيه (ص142) : ﻭﺃﻣﺎ ﻗﻮﻟﻪ ﻓﺈﻥ اﻷﺣﻤﻖ ﻣﻦ اﻏﺘﺮ ﺑﺄﺳﻼﻓﻪ ﻭﺳﻜﻦ ﺇﻟﻰ ﻣﻘﺎﻟﺔ ﺃﺷﻴﺎﺧﻪ ﺁﻧﺴﺎ ﺑﺘﻘﻠﻴﺪﻫﻢ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺑﺤﺚ ﻋﻦ ﻣﻘﺎﻟﺘﻬﻢ ﻓﻬﺬا ﻛﻼﻡ ﻣﺴﻤﻮﻡ ﺭﺩﻱء ﻳﺸﻴﺮ ﺑﻪ ﺇﻟﻰ ﺫﻡ اﺗﺒﺎﻉ ﻃﺮﻳﻘﺔ اﻟﺴﻠﻒ اﻟﺼﺎﻟﺢ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻢ ﻭﻳﻌﻴﺐ ﻣﺎ ﻣﺪﺣﻪ ﺃﺋﻤﺘﻨﺎ ﺭﺣﻤﺔ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻭﻣﺎ ﺃﻭﺻﻮﻧﺎ ﺑﻪ ﻣﻦ ﻟﺰﻭﻡ ﻃﺮﻳﻘﻬﻢ ﻭاﻻﻫﺘﺪاء ﺑﻬﺪﻳﻬﻢ .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق