الاثنين، 11 سبتمبر 2017

التسامح مع أسانيد التفسير

التسامح مع أسانيد التفسير :

من التنطع عند كثير من المعاصرين ، تشددهم مع أسانيد التفسير والتعامل معها ، كتعاملهم مع أحاديث الأحكام ، وهذا من جهلهم بمناهج أهل الحديث المتقدمين ، ولبيان غلط هذا نقول : 

ذكر الخطيب في الجامع (2/162) قال: أخبرنا أبو سعد الماليني قال: أخبرنا عبد الله بن عدي الحافظ، قال: سمعت محمد بن سعيد الحرّاني يقول : سمعت عبد الملك الميموني، يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ( ثلاثة كُتب ليس لها أصول : المغازي ، والملاحم، والتفسير ). 

(قلت) ليس لها أصول" أي إسناد قائم ، وإلا فهي لها أسانيد لكن الغالب عليها المراسيل والإنقطاع أو الضعف ، فهذا هو مقصود الإمام أحمد ، ومعنى هذا لا يلزم التشدد فيها بالنقد فطبيعة هذه الأسانيد في هذا الباب هكذا ، وعلى هذا مضى عمل السلف وستأتيك الأمثلة ، وقد كان أهل الحديث إذا انتقدوا شيئا من أسانيد التفسير كان توجههم إلى ثلاثة أشياء فقط هي :

1) الأحاديث المرفوعة في التفسير : لأنها أحاديث نبوية فلابد من التأكد منها وتطبيق شروط الحديث الصحيح في النقد ، ولهذا تجد أن من ألف في السنن والمسانيد والصحاح يذكرها في كتبه وينتقد ويعلل ويصحح ويضعف كالترمذي في كتاب التفسير من سننه مثلا .

 2) ما له حكم الرفع من آثار الصحابة : كأسباب النزول والناسخ والمنسوخ ، فهنا لابد من نقد السند والمتن لأنها في حكم الرفع فلابد من التثبت منها لأنها تبنى عليها أحكام ، ولهذا ألف السلف في أسباب النزول والناسخ والمنسوخ وصححوا وعللوا ونقدوا المتون بلا إشكال ، فراجع مثلا الناسخ والمنسوخ للأثرم تجد تعليلاته ولمسات أهل الحديث .

 3) مراسيل التابعين المرفوعة : مرسل التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر مرفوعا لكن ليس بمتصل السند ، والمتقدمون ليس عندهم قالب واحد للجميع ، بل كل مرسل وله حكمه الخاص به ، فبعضها قويةكمراسيل ابن المسيب فتقبل جملة ، وبعضها ضعيفة جدا كمرسل أبي العالية فترد جملة ، وبعضها محتملة يدرسون كل مرسل منها على حدة ، ولهذا تجد مثلا كتب المراسيل تنتقد وتعلل ، كالمراسيل لأبي داود ولابن أبي حاتم ، فأحيانا يقبلون المرسل ، وتارة يردونه ، ولهم في ذلك ضوابط وقواعد لا بالتشهي والرأي ، كما يفعل المتأخرون وأهل الرأي !! وأحيانا يكون المرسل أقوى حجة من المتصل الضعيف كما نبه الإمام أحمد والمتأخرون في غفلة عن كل هذا إلا من رحم ربك . 

 روى الخطيب في الجامع (1576) بسنده عن الْمَيْمُونِيُّ قَالَ : تَعَجَّبَ إِلَيَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ مِمَّنْ يَكْتُبُ الْإِسْنَادَ وَيَدَعُ الْمُنْقَطِعَ ثُمَّ قَالَ : وَرُبَّمَا كَانَ الْمُنْقَطِعُ أَقْوَى إِسْنَادًا وَأَكْبَرُ قُلْتُ : بَيِّنْهُ لِي كَيْفَ ؟ قَالَ : تَكْتُبُ الْإِسْنَادَ مُتَّصِلًا وَهُوَ ضَعِيفٌ وَيَكُونُ الْمُنْقَطِعُ أَقْوَى إِسْنَادًا مِنْهُ وَهُوَ يَرْفَعُهُ ثُمَّ يُسْنِدُهُ وَقَدْ كَتَبَهُ هُوَ عَلَى أَنَّهُ مُتَّصِلٌ وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يَكْتُبُ إِلَّا مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. مَعْنَاهُ لَوْ كَتَبَ الْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا عَرَفَ الْمُتَّصِلَ مِنَ الْمُنْقَطِعِ يَعْنِي ضَعْفَ ذَا وَقُوَّةً ذَا . 

 اليوم لما توسعوا في نقد أسانيد التفسير ، تجدهم مثلا ينتقدون كل ما اسمه وجادة أو صحيفة أو نسخة في التفسير بحكم أنها وجادة أو صحيفة سندها ضعيف !! كصحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس التي مدحها أحمد بكلمة شهيرة ما بعدها مدح ، وكتفسير مجاهد الذي تناقله السلف وتداولوه بحكم أنه وجادة !! ، مع أنهما لا تحتاج إلى إسناد بل الإسناد مجرد زينة عليها ، وكنسخة جويبر عن الضحاك بحكم أن جويبر ضعيف !! مع أن تفسير الضحاك مدون ومعروف بالصحة !! وقد قبله أحمد وغيره ، وإنما إذا روى عن الضحاك التفسير إنما ردوا أخباره المرفوعة ولهذا قال أحمد بن سيار المروزي : ( أن جويبر صاحب الضحاك له رواية ومعرفة بأيام الناس وحاله حسن في التفسير وهو لين في الرواية ) أي : حسن في التفسير الذي يرويه عن الضحاك ، لأنه يروي نسخة ما له فيها ناقة ولا جمل ، وضعيف في روايته للأحاديث المرفوعة . 
 ومثله أبو معشر نجيح السندي في روايته عن محمد بن كعب القرظي ، فأبو معشر ضعيف ومع ذلك يقول الإمام أحمد كما جاء في تهذيب الكمال : ( يكتب عن أبي معشر أحاديثه عن محمد القرظي في التفسير ) 

ومثله قول بن معين :( أكتبوا حديث محمد بن كعب في التفسير ، وأما نافع وغيرها فليس بشيء ) . 

 ومن ذلك ما قال الأثرم : قلت له : السُّدى عن ابن مالك عن ابن عباس ؟ فقال لي: نعم. قلت: أليس هو إسنادًا ؟ فقال: ليس به بأس [الجامع لعلوم أحمد (5/116) ] 
 قلت مع أن السدي ضعيف .

ومثله مقاتل بن سليمان : فهو كان ضعيف في الرواية ، بل ومتهم بالكذب أصلا ، ومع ذلك قال عنه الشافعي : ( الناس عيال على مقاتل في التفسير ) وأثنى عليه غير واحد في التفسير كالثوري وأحمد وغيرهم .

 ومثله تفسير الكلبي أثنى عليه البعض في التفسير وهو كذاب في غير ذلك ، والسبب ما قاله ذاك البيهقي : لأنه ينقل لغة واللغة معروفة مستفيضة يعني أنه ينسبها إلى جاهلي ، فهل يكون الجاهلي المشرك أفضل مسلم ؟ 

ومثله السدي الذي أثنى على تفسيره الكثير من السلف حتى إبراهيم النخعي أثنى على تفسيره مع أنه ضعيف في باب الرواية ، وفيه كلام كبير ومع ذلك تشدد المتأخرون في تفسيره لأنه متكلم فيه ولأن تفسيره نسخة !! 

 ولهذا وذاك يقول يحيى بن سعيد القطان : تساهلوا في أخذ التفسير عن قوم لا يوثِّقونهم في الحديث ثم ذكر ليثَ بن أبي سُلَيْم وجُوَيْبِرَ بن سعيدٍ والضَّحَّاك ، ومحمد بن السائب وقال : هؤلاء لا يُحْمَدُ أمرُهم ، ويكتب التفسيرُ عنهم " [ رواه الخطيب عنه في الجامع (1588) ]. 

 ولهذا قال الخطيب قبل أن يسوق كلام القطان : أَنَّ التَّفْسِيرَ يَتَضَمَّنُ أَحْكَامًا طَرِيقُهَا النَّقْلُ فَيَلْزَمُ كَتْبُهُ وَيَجِبُ حِفْظُهُ ، إِلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدِ احْتَجُّوا فِي التَّفْسِيرِ بِقَوْمٍ لَمْ يَحْتَجُّوا بِهِمْ فِي مُسْنَدِ الْأَحَادِيثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَحْكَامِ ، وَذَلِكَ لِسُوءِ حِفْظِهِمُ الْحَدِيثَ وَشُغُلِهِمْ بِالتَّفْسِيرِ فَهُمْ بِمَثَابَةِ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ حَيْثُ احْتُجَّ بِهِ فِي الْقِرَاءَاتِ دُونَ الْأَحَادِيثِ الْمُسْنَدَاتِ لِغَلَبَةِ عِلْمُ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ فَصَرَفَ عِنَايَتَهُ إِلَيْهِ ) اهـ 

(قلت) وصنيع الأئمة على هذا من ذلك أضرب لكم ثلاث أمثلة :

1ـــ ابن جرير الطبري : في كتابه تهذيب الآثار تجده عالما بالعلل ونقد المتون والأسانيد بشكل ملفت للنظر ، ولكنه في التفسير ، لا تجده ذلك المتشدد مع آثار الصحابة والتبعين ، تشدده في الأحاديث المرفوعة في تهذيب الآثار ، وكل هذا منهج مقصود لا عبث .

2 ــــ ابن أبي حاتم : إمام في العلل بلا منازع في زمنه ، ألف كتاب العلل العظيم القدر ، والجرح والتعديل فلم تقدر الأرض أن تلد مثله بعده ، ثم ألف التفسير فلم يُظهر شيئا من نقده للأسانيد فلا علل ولا جرح ، مع أنه يوجد في الكثير من أسانيد تفسيره علل !! وهذا منهج مقصود ...

انتهى المقال وهو مقتطع من كتابي ( الإحتجاج بالأثر بين المتقدمين والمتأخرين ) والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

ليست هناك تعليقات: