الأربعاء، 5 يوليو 2017

ضعف حديث ما خير للمرأة .


بسم الله الرحمن الرحيم .....

وهذا الحديث انتشر بين الفقهاء في معرض الإحتجاج على تغطية الوجه وفي مسألة الإختلاط ، لكنه لا يصح ، وفي الصحيح غنية عنه ما يدل على حرمة ذلك .

نص الحديث وطرقه :

رواه البزار (526) قال حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكُوفِيُّ، قَالَ: نا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: نا قَيْسٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِمْرَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ خَيْرٌ لِلْمَرْأَةِ؟ فَسَكَتُوا، فَلَمَّا رَجَعْتُ قُلْتُ لِفَاطِمَةَ: أَيُّ شَيْءٍ خَيْرٌ لِلنِّسَاءِ؟ قَالَتْ: أَلَّا يَرَاهُنَّ الرِّجَالُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنَّمَا فَاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي» رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا

قال البزار : وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُ لَهُ إِسْنَادًا عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَّا هَذَا الْإِسْنَادَ . (قلت) سنده منكر وفيه علل عدة .

وأخرجه أبو نعيم في الحلية (2 / 40 - 41) من طريق يعقوب ابن إبراهيم بن عباد بن العوام: ثنا عمرو بن عون: أنا هُشيم: ثنا يونس عن الحسن عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما خير للنساء؟ ". فلم ندر ما نقول، فسار علي إلى فاطمة، فأخبرها بذلك، فقالت: فهلا قلت له: خير لهن أنْ لا يريْن. . .إلخ ؟! فقال له : من علّمك هذ ا؟ قال : فاطمة قال : إنها بَضْعَةٌ منِّي ".

قلت سنده ضعيف وفيه من لا يعرف !!

ثم رواه أبو نعيم عقبه وفي (ص 175) من طريق أبي حصين محمد بن الحسن الوادعي قال: ثنا يحيى الحماني قال: ثنا قيس - يعني: ابن الربيع – عن عبد الله بن عمران عن علي بن زيد عن سعيد بن المسبب عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أنه قال لفاطمة - رضي الله تعالى عنها -: ما خير للنساء ؟ قالت: أن لا يَرَينَ الرجالَ ولا يرونهنَّ. . . فذكره للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال:" إنما فاطمة مني ". [أنظر كنز العمال 46012]

قلت: وهذا إسناد فيه علل :

الأولى : علي بن زيد - وهو ابن جدعان - ضعيف، تابعي مدني.
الثانية : عبد الله بن عمران فيه جهالة .
الثالثة : يحي الحماني متكلم فيه .

وله سند آخر جاء في الأفراد للدارقطني (35) حدثنا محمد بن منصور بن أبي الجهم الشيعي: حدثنا أبي منصور بن النضر بن إسماعيل قال: حدثنا أبوبلال: حدثنا قيس بن الربيع، عن عبدالله بن عمران المدائني، عن عمرو بن عبيد البصري، عن الحسن البصري قال: قال علي بن أبي طالب .. . قال دارقطني : هذا حديث غريب من حديث الحسن البصري عن علي عن فاطمة عليهما السلام، تفرد به أبوبلال الأشعري عن قيس بهذا الإسناد.

قال ذاك العراقي في تخريج الإحياء (1/485) رَوَاهُ الْبَزَّار والدَّارَقُطْنِيّ فِي الْأَفْرَاد من حَدِيث عَلّي بِسَنَد ضَعِيف.

قال ذاك الهيثمي في المجمع (4/255) رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَفِيهِ مَنْ لَمْ أَعْرِفْهُ، وَعَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ أَيْضًا.

بيان ضعف حديث بادروا بالموت ستا

بيان ضعف حديث بادروا بالموت ستا .


انتشر في مواقع التواصل حديث ضعيف جاء فيه ( بادروا بالموت ستا)  وسيأتي نصه ، وصاروا يصورونه في صورة ، ويكتبون عليها هذا الحديث ، وينشرونه في الواتس والفيس ومواقع التواصل ، وقد وصلني في الهاتف ، من عدة جهات !! فقلت لابد من التنبيه على ضعفه ، نصيحة للمسلمين عامة ، وللإخوان خاصة ، وقبل ذلك ذبا و حفاظا على سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن ينسب إليها ما ليس منها ، فأقول وبالله التوفيق :

نص الحديث :

أخرج أحمد (3 / 494) برقم (16040) وابن أبي شيبة في المصنف (37736) وأبو عبيد في فضائل القرآن (197) وابن أبي خيثمة في تاريخه (1553) والحارث ابن أبي أسامة في مسنده (613) وأبو غرزة الحافظ في مسند عابس (2 / 1) وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (217) والطبراني في المعجم الكبير (61) معلقا والدارقطني في المؤتلف والمختلف (3/1656) معلقا وابن أبي الدنيا في العقوبات (78/ 1) وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (4 / 1 / 80) معلقا والطحاوي في مشكل الآثار (1389) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (5550) والجوزقاني في الأباطيل (724) وابن عساكر في تاريخ دمشق (60/179) وابن عبد البر في التمهيد (18/147) كلهم من طريق شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ زَاذَانَ أَبِي عُمَرَ عَنْ عُلَيْمٍ قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا عَلَى سَطْحٍ مَعَنَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ يَزِيدُ : لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَبْسًا الْغِفَارِيَّ ، وَالنَّاسُ يَخْرُجُونَ فِي الطَّاعُونِ فَقَالَ عَبَسٌ: يَا طَاعُونُ خُذْنِي، ثَلَاثًا يَقُولُهَا، فَقَالَ لَهُ عُلَيْمٌ: لِمَ تَقُولُ هَذَا ؟ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ فَإِنَّهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ عَمَلِهِ وَلَا يُرَدُّ فَيُسْتَعْتَبَ ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : بَادِرُوا بِالْمَوْتِ سِتًّا : إِمْرَةَ السُّفَهَاءِ ، وَكَثْرَةَ الشُّرَطِ ، وَبَيْعَ الْحُكْمِ ، وَاسْتِخْفَافًا بِالدَّمِ، وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، وَنَشْوًا يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ يُقَدِّمُونَهُ يُغَنِّيهِمْ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْهُمْ فِقْهًا ".

وله طريق آخر عن أبي اليقظان : 

ورواه البزار (1610) وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (4 / 1 / 80) معلقا وأبو عبيد في الفضائل (ص253) والداني في السنن الواردة في الفتن (324) من طريق عَنْ لَيْثٍ عَنْ أَبِي الْيَقْظَانِ عَنْ زَاذَانَ عَنْ عُلَيْمٍ قَالَ : فذكره . قال أبو نعيم في معرفة الصحابة (5550) : رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ التَّيْمِيِّ وَزُهَيْرٌ وَفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ كُلُّهُمْ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ زَاذَانَ عَنْ عَابِسٍ مِنْ دُونِ عُلَيْمٍ . ورواه المستغفري من طريق آخر مبهم : كما في فضائل القرآن (39) أخبرنا أحمد بن يعقوب بن يوسف حَدَّثَنا الطرخاني حَدَّثَنا أحمد بن زهير حَدَّثَنا عبد الوهاب بن نجدة حَدَّثَنا عيسى بن يونس عن رجل عن زاذان قال : (قلت) الرجل المبهم هو أكيد أبو اليقظان فإنه قد تفرد به وحده عن زاذان .

دراسة الإسانيد :

الإسناد الأول : ضعيف جدا فيه علل ثلاث :                    الأولى : في سنده شريك وقد تكلم بعض أهل الحديث فيه .        
الثانية : وهي الآفة الكبرى في هذا الإسناد هو عثمان بن عمير اجتمع فيه الشر كله من ضعف واختلاط وتدليس وتشيع ، وقد أجمعوا على ضعفه جدا ، كابن معين وأحمد وأبو زرعة والدارقطني وغيرهم ، وتركه بعض أهل الحديث. جاء في العلل لعبد الله (86) سَمِعت أبي يَقُول كَانَ بن مهْدي ترك حَدِيث أبي الْيَقظَان عُثْمَان بن عُمَيْر . قال عنه ابن حبان : اختلط حتى كان لايدري مايقول ، لا يجوز الاحتجاج به ". [ انظر: تهذيب التهذيب (7/ 145- 146) وميزان الاعتدال (3/ 50- 51) ]
الثالثة : تفرد عثمان بن عمير بهذا الحديث وهي تدل على أنه غير محفوظ شاذ منكر .
ولهذا قال الدارقطني في الأفراد ( 4185) حَدِيث : كُنَّا مَعَ عبس الْغِفَارِيّ فَوق .. الحَدِيث وَفِيه : سَمِعت النَّبِي يَقُول : " لَا يتَمَنَّى أحدكُم الْمَوْت ... " الحَدِيث ، بِطُولِهِ تفرد بِهِ أَبُو الْيَقظَان عُثْمَان بن عُمَيْر عَن زَاذَان أبي عمر عَن عليم الْكِنْدِيّ عَنهُ ، وَرَوَاهُ مُوسَى الْجُهَنِيّ عَن زَاذَان عَن عبس ، وَلم يذكر فِيهِ عليما فِيهِ .

الإسناد الثاني : وهو الذي رواه ليث عن أبي القظان ضعيف جدا أيضا فليث وهو ضعيف وأبو اليقظان أضعف منه كما سبق فلم يغني ليث بمتابعته شيئا ، بل ما زاده إلا ضعفا .

ذكر من ضعفه وبيّن علله :

من المتقدمين الجزوزقاني قال في الأباطيل (2/379) بعد ذكره للحديث : هَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ ، قَالَ الْعَبَّاسُ الدُّورِيُّ : عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ: أَبُو الْيَقْظَانِ عُثْمَانُ بْنُ عُمَيْرٍ كُوفِيٌّ لَيْسَ حَدِيثُهُ بِشَيْءٍ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَيْرٍ أَبِي الْيَقْظَانِ ؟ قَالَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ ، مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، كَانَ شُعْبَةُ لَا يَرْضَاهُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ حَضَرَهُ فَرَوَى عَنْ شَيْخٍ، فَقَالَ لَهُ شُعْبَةُ : كَمْ سِنُّكَ ؟ قَالَ : كَذَا، قَالَ: فَإِذَا قَدَّمْتَ الشَّيْخَ وَهُوَ ابْنُ سَنَتَيْنِ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شَرِيكٍ جَمَاعَةٌ، وَقَالُوا فِيهِ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي الْيَقْظَانِ، عَنْ زَادَانَ أَبِي عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَابِسٍ الْغِفَارِيِّ عَلَى سَطْحٍ لَهُ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ ، وَعَابِسٌ الْغِفَارِيُّ هَذَا لَهُ صُحْبَةٌ ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا : عَبْسٌ الْغِفَارِيُّ ) اهـــ

(قلت) ثم ذكر علة في المتن أيضا فقال :

فِي خِلَافِ ذَلِكَ : وذكر حديث عَائِشَةَ قَالَتْ : سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِرَاءَةَ أَبِي مُوسَى فَقَالَ : « لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِنْ مَزَامِيرِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ » .

وقال ذاك ابن الجوزي في العلل المتناهية (1482) : وقد رواه عن شريك جماعة فلم يذكروا عليمًا وهذا حديث لا يصح نفرد به أَبُو اليقظان واسمه عُثْمَان بْن عمير الكوفي وهو المتهم به وقد كان قوم يدلسونه فكان الثوري يقول أَبُو اليقظان فحسب وكان الْأَعْمَش يقول: عُثْمَان بْن قَيْس وكان ليث بن أبي سليم يقول عُثْمَان بْن أَبِي حميد وكان إِبْرَاهِيم بْن عُثْمَان يقول عُثْمَان بْن عمير الكوفي وكان بعضهم يقول عُثْمَان بْن قَيْس الأعمى قال أَحْمَد بْن حنبل هُوَ منكر الحديث وقال يَحْيَى لَيْسَ حَدِيثُهُ بِشَيْءٍ وَقَالَ أَبُو أَحْمَد بْن عدي كان رديء المذهب عاليًا فِي التشيع يؤمن بالرجعة وقال ابن حبان: "اختلط حَتَّى لا يدري ما يقول لا يَجُوزُ الاحْتِجَاجُ به .

وقال ذاك الهيثمى في مجمع الزوائد (4/199) (5/245): رواه أحمد والبزار والطبرانى فى الأوسط، إلا أنه قال: «يقدمون الرجل ليس بأفقههم ولا بأعلمهم ولا بأفضلهم يغنيهم غناء» قال: فى إسناد أحمد عثمان بن عمير البجلى وهو ضعيف.
وقال أيضا : رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالْكَبِيرِ بِنَحْوِهِ ...
وَفِي إِسْنَادِ أَحْمَدَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَيْرٍ الْبَجَلِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَأَحَدُ إِسْنَادَيِ الْكَبِيرِ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ .

(قلت) لا يوجد أي إسناد صحيح لهذا الحديث كيف وقد تفرد به أبو اليقظان .
إنما جاء من بعض الطرق أخرى عند الحاكم والمروزي وهي :
روى الحاكم (5871) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْمِهْرَجَانِيُّ ، ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ، ثَنَا جَمِيلُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ، ثَنَا أَبُو الْمُعَلَّى عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ: يَا طَاعُونُ خُذْنِي إِلَيْكَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: لِمَ تَقُولُ هَذَا؟ وَقَدْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ» ؟ قَالَ: قَدْ سَمِعْتُ مَا سَمِعْتُمْ، وَلَكِنِّي أُبَادِرُ سِتًّا: بَيْعَ الْحَكَمِ، وَكَثْرَةَ الشَّرْطِ، وَإِمَارَةَ الصِّبْيَانِ، وَسَفْكَ الدِّمَاءِ، وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، وَنَشْوًا يَكُونُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ .

(قلت) سنده جد ضعيف ، رجاله ثقات غير أبي المعلى هو يحي بن ميمون العطار قال ابن حبان في المجروحين (1211) : مُنكر الحَدِيث جدا يروي عَن الثِّقَات مَا لَيْسَ من أَحَادِيثهم كَانَ عَمْرو بن عَليّ الفلاس يَقُول هُوَ كَذَّاب ) اهــ 

وقد علق عليه الدارقطني كالمقر ، فلم ينتقده إلا في سنة الوفاة ، فالظاهر أن هذا الحديث لم يروه الحسن أصلا إنما ألصقه به أبو المعلى وهي عادته كما ذكر بن حبان ، والدليل أن أهل العلل قالوا أن هذا الحديث تفرد به أبو اليقظان لم يروه غيره كما قال الدارقطني وغيره .

وله طريق آخر منكر جدا :

رواه المروزي في قيام الليل كما في المختصر (ص237) قال حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى , ثنا أَبُو صَالِحٍ , حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ , عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الدِّمَشْقِيِّ , عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ , عَنْ عَبْسٍ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ تَمَنَّى الْمَوْتَ فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَخِيهِ : لِمَ تَتَمَنَّى الْمَوْتَ ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الْعَمَلَ وَلَا يَرُدُّ الرَّجُلَ فَيَسْتَعْتِبُ» , قَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُدْرِكَنِيَ سِتٌّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُهُنَّ؛ الْجَوْرُ فِي الْحُكْمِ , وَالتَّهَاوُنُ بِالدِّمَاءِ , وَإِمَارَةُ السُّفَهَاءِ , وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ , وَكَثْرَةُ الشُّرَطِ , وَالرَّجُلُ يَتَّخِذُ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ يُغَنِّي الْقَوْمُ , وَالْقَوْمُ يُقَدِّمُونَ الرَّجُلَ لَيْسَ بِخَيْرِهِمْ وَلَا بِأَفْقَهِهِمْ فَيُغَنِّيهِمْ بِالْقُرْآنِ.

(قلت) هذا أيضا سند منكر مسلسل بالضعفاء فيحي بن أيوب ضعيف ضعفه أحمد وغيره ، وعبيد الله بن زحر ضعيف قال عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: قُلْتُ لِيَحْيَى: فَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ كَيْفَ حَدِيثُهُ ؟ فَقَالَ: كُلُّ حَدِيثِهِ عِنْدِي ضَعِيفٌ ) وعلي بن زيد أظنه هنا هو بن جدعان الضعيف المشهور ، فكأن العبيد بن زحر لبس في اسمه فنسبه لدمشق حتى لا يعرف وهو بصري .


ملء العيبة ببيان فضائل مصنف ابن أبي شيبة

ملء العيبة ببيان فضائل مصنف ابن أبي شيية


بسم الله الرحمن الرحيم

وهآ بين يديك سفر عظيم ، فضله على أهل الأثر عميم ، كتاب لا يمل منه الجليس ، ويستفز برونقه إبليس ، إن فتحته فأنت بين الصحابة موجود ، وفي عزلة عن الجهالة كالمفقود ، حلاه مُسنِدُه بالآثار ، وجنبه رأي المفسدين وأهل الحيل الفجار فهو قرة عين أهل الحديث والأثر وشوكة في حلوق أهل الرأي والنظر ، وهذه تحفة سنية ، وسيرة مرضية ، لخصت فيها فضائل هذا الكتاب الأثري الجميل ، وبينت قدر مؤلفه الحافظ الجليل ، فاملأ بهذه الأرواق اليسيرة عيبتك أيها الفتى وارضى بالقليل .

اسم المؤلف :

عبد اللَّه بْن مُحَمَّد بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْن عُثْمَان ، أَبُو بكر العبسي المعروف بابن أَبِي شيبة
مولده ووفته : ولد سنة تسع وخمسين ومائة. أما الوفاة: 231 - 240 هـ

مشايخه :

سمع شريك بن عبد اللَّه وهو من أقدم مشايخه ، وأبا الأحوص سلام بن سليم ، وسفيان بن عيينة وعمرو بن عبيد ، وهشيمًا ، وعبد اللَّه بن المبارك ، وحفص بن غياث، وعباد بن العوام ، وعبد اللَّه بن إدريس وأبا أسامة ، وعبد اللَّه بن نُمير ، وأبا خالد الأحمر، وحسين بن علي الجعفي ومُحَمَّد بن بشر العبدي ، وعبد الرحمن المحاربي ومُحَمَّد بن فضيل ، ووكيعًا ، وأبا نعيم ، ويَحْيَى بن سعيد القطان ، وعبد الرحمن بْن مهدي.

ممن روى عنه وتتلمذ عليه :

وَرَوَى عَنْهُ من القدماء محمد بْن سَعْد فِي الطبّقات ، وعَنْهُ أَحْمَد بْن حنبل، وابنه عَبْد اللَّه بْن أَحْمَدَ، وعباس بْن مُحَمَّد الدوري، ويعقوب بن شيبة، ومُحَمَّد بن عبيد الله بن المنادي ، ومُحَمَّد بْنُ إِبْرَاهِيمَ المربع ، وإِبْرَاهِيم الحربي ، ومُحَمَّد بن إسحاق الصاغاني والحسن ابن علي المعمري ، ومُحَمَّد بن عبدوس بن كامل ، وموسى بن إسحاق الْأَنْصَارِيّ ومُحَمَّد بْن مُحَمَّد الباغندي ، وأبو القاسم البغوي، وغيرهم.

عقيدته :

ابن أبي شيبة من أئمة السلف على معتقد أهل السنة والجماعة وقد عده اللالكائي في كتابه أصول الإعتقاد من الأئمة الذين علة منهج السلف وكتابه الإيمان يدب على إمامته في السنة .

ثناء السلف على علم وحفظ أبي بكر بن أبي شيبة :

في سؤالات السلمي للدارقطني (426) والخطيب في تاريخه (10/69) عن قال : وعن عبدَاللهِ بنَ الحكمِ القَطَوانيَّ يقولُ: سمعتُ أبا عُبيدٍ القاسمَ بنَ سلاَّمٍ يقولُ: انتهى علمُ الناسِ إلى أربعةٍ: أحمدُ بنُ حنبلٍ ويحيى بنُ معينٍ ، وأَبو بكرِ بنُ أبي شيبةَ ، وعليُّ بنُ المدينيِّ .

فأما أحمدُ بنُ حنبلٍ فكان أفقهَهم، وأما يحيى فكان أجمعَهم له، وأما أبو بكرِ بنُ أبي شيبةَ فكان أحفظَهم له، وأما عليٌّ فكان أعرفَهم به.

قال ابن حبان في الثقات (13859) : وَكَانَ متقنا حَافِظًا دينا مِمَّن كتب وَجمع وصنف وذاكر وَكَانَ أحفظ أهل زمانة بالمقاطيع .(قلت) أي الآثار الموقوفة ، لأن الأثر يسمى بالمقطوع .

وقال ابن عدي في كتاب من روى عنهم البخاري في الصحيح (147) ومن طريقه الخطيب في تاريخه (10/69): سَمِعت عَبْدَانِ يَقُول كَانَ أَبُو بكر بن أبي شيبَة وَأَخُوهُ عُثْمَان ومشكدانه عبد الله بن عمر بن أبان وَعبد الله بن براد الْأَشْعَرِيّ يَقْعُدُونَ عِنْد أسطوانة من أساطين جَامع الْكُوفَة وَكلهمْ كَانُوا سكُوتًا إِلَّا أَبَا بكر بن أبي شيبَة فَإِنَّهُ كَانَ يهدر .

قَالَ ابن عدي : والأسطوانة هي التي يجلس إليها ابن سعيد . قَالَ لي ابن سعيد : هي أسطوانة ابن مسعود، وجلس إليها بعده علقمة وبعده إِبْرَاهِيم، وبعده منصور، وبعده الثوري، وبعده وكيع، وبعده أبو بكر بن أبي شيبة ، وبعده مطين، وبعده ابن سعيد.

قال سَمِعت ابْن عَرَفَة يَقُول سَمِعت ابْن خرَاش يَقُول سَمِعت أَبَا زرْعَة الرَّازِيّ يَقُول مَا رَأَيْت أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبَة فَقلت لَهُ يَا أَبَا زرْعَة فأصحابنا البغداديون فَقَالَ دع أَصْحَابك أَصْحَابك أَصْحَاب مخاريق مَا رَأَيْت أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبَة .

عن إبراهيم بن محمد بن عرفة قال : سنة أربع وثلاثين ومائتين فيها أشخص المتوكل الفقهاء والمحدثين فكان فيهم مصعب الزبيري ، وإسحاق بن أبي إسرائيل وإِبْرَاهِيم بن عبد اللَّه الهروي، وعبد اللَّه وعثمان ابنا مُحَمَّد بن أبي شيبة الكوفيان، وهما من بني عبس- وكانا من حفاظ الناس- فقسمت بينهم الجوائز وأجريت عليهم الأرزاق، وأمرهم المتوكل أن يجلسوا للناس وأن يحدثوا بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية وأن يحدثوا بالأحاديث في الرؤية، فجلس عثمان بن مُحَمَّد بن أَبِي شيبة في مدينة أبي جعفر المنصور، ووضع له منبر واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفًا من الناس. فأَخْبَرَنِي حامد بن العباس أنه كتب عن عثمان بن أَبِي شيبة. وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في مسجد الرصافة، وكان أشد تقدمًا من أخيه عثمان، واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفًا، ومات في هذه السنة أبو بكر ابن أبي شيبة.

عن محمّد بن إبراهيم المربع الْحَافِظُ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فَانْقَلَبَتْ بِهِ بَغْدَادُ، وَنُصِبَ لَهُ الْمِنْبَرُ فِي مَسْجِدِ الرَّصَافَةِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ. فَقَالَ مِنْ حِفْظِهِ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، ثُمّ قَالَ: هِيَ بَغْدَادُ، وَأَخَافُ أَنْ تَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ، يَا أَبَا شَيْبَةَ هَاتِ الْكِتَابَ.

وعن عُثْمَان بن سعيد الدارمي قَالَ : سمعت يَحْيَى الحماني يَقُول : أولاد ابن أبي شيبة من أهل العلم ، كانوا يزاحموننا عند كل محدث. عن عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن حنبل قَالَ: حَدَّثَنِي أبو زيد الغلفي قَالَ: قلت لأَحْمَد بن حميد: من أحفظ أهل الكوفة ؟ قَالَ: أبو بكر بن أَبِي شيبة، فذكرت ذلك لأبي بكر فَقَالَ: ما ظننته يقر لي ، قلت: أَحْمَد بن حميد يعرف بدار أم سلمة، وكان من شيوخ الكوفيين ومتقنيهم وحفاظهم.

عن صالح بْن مُحَمَّد يَقُول: أعلم من أدركت بالحديث وعلله علي بن المديني وأعلمهم بتصحيف المشايخ يَحْيَى بن معين، وأحفظهم عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة. عن أَحْمَد بن زهير قَالَ:

- وذكر يَحْيَى بن معين يومًا الكوفة- فَقَالَ: ليس بِها أحد خراب. قيل له فعمن نكتب بها ؟ قَالَ: عن ابن أبي شيبة قيل له : أي بني أبي شيبة ؟ قَالَ: أبو بكر وعثمان قيل له فقاسم ؟ قَالَ : اكتب عنهما. عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْعَلاءِ الْجُرْجَانِيُّ يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ- وَسَأَلْتُهُ عَنْ سَمَاعِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ شَرِيكٍ- فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ عِنْدَنَا صَدُوقٌ، وَلَوِ ادَّعَى السَّمَاعَ مِنْ أَجَلِّ مِنْ شَرِيكٍ لَكَانَ مُصَدَّقًا فِيهِ، وَمَا يَحْمِلُهُ أَنْ يَقُولَ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي بِخَطِّهِ؟! وَحَدَّثْتُ عَنْ رَوْحٍ بِحَدِيثِ الدَّجَّالِ. وَكُنَّا نَظُنَّ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هِشَامٍ الرِّفَاعِيِّ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لا يَذْكُرُ أَبَا هِشَامٍ.

وقال أبو مسلم صالح بن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وهو ابن أَبِي شيبة- كوفي ثقة وكان حافظًا للحديث. [ راجع تاريخ بغداد (10/66) والسير(11/123) والبداية والنهاية (5/238)]

روى الرامهرمزي في كتاب المحدث الفاصل (377) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ التُّسْتَرِيُّ، ثَنَا أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ، يَقُولُ: «مَنْ لَمْ يَكْتُبْ عِشْرِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ إِمْلَاءً لَمْ يَعُدْ صَاحِبَ حَدِيثٍ»

وفي شرح العلل لابن رجب (1/481) : وقال إبراهيم الحربي: انتهى علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رواه أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الشام ، إلى أربعة : إلى أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبي خيثمة، وأبي بكر بن أبي شيبة ، وكان أحمد أفقه القوم.

وقال الأصبهاني في كتاب سير السلف الصالحين (1/1137) ذِكْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَبْسِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، كَانَ حَافِظًا مُتَّقِيًا دَيِّنًا. وفي تهذيب الكمال (16/40) وَقَال عَمْرو بْن عَلِيّ: ما رأيت أحفظ من ابْن أَبي شَيْبَة، قدم علينا مع علي ابن المديني، فسرد للشيباني أربع مئة حديث حفظا، وقام. روى الخطيب في الجامع (1035) بسنده عن مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ مُرَتَّعٌ الْحَافِظُ قَالَ: " قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فَانْقَلَبَتْ بِهِ بَغْدَادُ وَنُصِبَ لَهُ الْمِنْبَرُ فِي مَسْجِدِ الرَّصَافَةِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ فَقَالَ مِنْ حِفْظِهِ نَا شَرِيكٌ ثُمَّ قَالَ: «هِيَ بَغْدَادُ وَأَخَافُ أَنْ تَزَلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا يَا أَبَا شَيْبَةَ هَاتِ الْكِتَابُ» وَقَال عَبْد الرَّحْمَنِ بْن أَبي حاتم : قيل لابي زرعة بلغنا عنك أنك قلت لم أر أحدًا أحفظ من ابن أَبي شَيْبَة ؟ فقال: نعم ، في الحفظ ولكن في الحديث - كأنه لم يحمده، فقال روى مرة حديث حذيفة في "الازار"فقال: حَدَّثَنَا أبو الأحوص ، عَن أبي إسحاق ، عَن أبي معلى عن حذيفة قلت له إنما هو أبو إسحاق عن مسلم بن نذير عن حذيفة، وذاك الذي ذكرت عَن أبي إسحاق عَن أبي المعلى عن حذيفة قال : كنت ذرب اللسان. فبقي فقلت للوراق : أحضروا المسند ، فأتوا بمسند حذيفة فأصابه كما قلت. ( تقدمة الجرح والتعديل: 1 / 337 - 338)

وَقَال ذاك الذهبي في الميزان (الترجمة 4549) : أبو بكر ممن قفز القنطرة ، وإليه المنتهى في الثقة . وفي تذكرة الحفاظ قال (2/16) : أبو بكر بن أبي شيبة الحافظ عديم النظير الثبت النحرير عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي مولاهم الكوفي صاحب المسند والمصنف وغير ذلك .

الثناء العاطر على كتابه المصنف واعتناءهم به :

قَالَ أبو عبيد القاسم بْن سلام : ربانيو الحديث أربعة : فأعلمهم بالحلال والحرام أَحْمَد بن حنبل، وأحسنهم سياقة وأداء له علي بن المديني ، وأحسنهم وضعًا لكتاب ابن أبي شيبة ، وأعلمهم بصحيح الحديث وسقيمه يَحْيَى بْن معين. (قلت) وكفى بشهادة أبي عبيد فخرا لهذا المصنف الكبير .

قال الرامهرمزي في المحدث الفاصل : الْمُصَنِّفُونَ مِنْ رُوَاةِ الْفِقْهِ فِي الْأَمْصَارِ : أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ وَبَوَّبَ فِيمَا أَعْلَمُ الرَّبِيعُ بْنُ صَبِيحٍ بِالْبَصْرَةِ ، ثُمَّ سَعِيدُ بْنُ عَرُوبَةَ بِهَا ، وَخَالِدُ بْنُ جَمِيلٍ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْعَبْدُ ، وَمَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ بِالْيَمَنِ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ بِمَكَّةَ ، ثُمَّ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ بِالْكُوفَةِ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِالْبَصْرَةِ ، وَصَنَّفَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِمَكَّةَ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ بِالشَّامِ ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بِالرِّيِّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ بِمَرْوَ وَخُرَاسَانِ ، وَهُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ بِوَاسِطٍ وَصَنَّفَ فِي هَذَا الْعَصْرِ بِالْكُوفَةِ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، وَابْنُ فُضَيْلٍ ، وَوَكِيعٌ ، ثُمَّ صَنَّفَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِالْيَمَنِ ، وَأَبُو قُرَّةَ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ، وَتَفَرَّدَ بِالْكُوفَةِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِتَكْثِيرِ الْأَبْوَابِ وَجَوْدَةِ التَّرْتِيبِ، وَحُسْنِ التَّأْلِيفِ. وَسَمِعْتُ مَنْ يَذْكُرُ أَنَّ الْمُصَنِّفِينَ ثَلَاثَةٌ ، فَذَكَرَ أَبَا عُبَيْدِ الْقَاسِمَ بْنَ سَلَّامٍ ، وَابْنَ أَبِي شَيْبَةَ ، وَذَكَرَ عَمْرَو بْنَ بَحْرٍ فِي مَعْنَاهُ ) اهـــ .

ومما يدل على أن السلف أعتنوا بمصنف ابن أبي شيبة :
ما ذكره المزي في تهذيب الكمال (1/479) كما في ترجمة أبي بكر الأثرم قال رجاء بن مرجي : أريد رجلا يكتب لي من كتاب الصلاة ما ليس في كتب ابن أبي شيبة فقيل له : ليس لك إلا أبو بكر الأثرم .

(قلت) وهذا أيضا يدل على استيعاب كتاب المصنف لأغلب الآثار عن السلف .

وقال ذاك ابن الحزم الجهمي وهو يذكر أولى الكتب في الآثار التي ينبغي الإعتناء بها هي قال : ثم بعد ذلك الكُتُب الّتي فيها كلامه عليه السّلام، وكلام غيره، مثل " مُصّنَّف عبد الرزّاق " و"مصنف ابن أبي شيبة "، و" مصنف بقيّ بن مَخْلد "، وكتاب محمد بن نصر المَرْوَزيّ، وكتابيّ ابن المُنْذِر الأكبر والَأصغر. ثمّ " مصنف حمّاد بن سلمة "، و" مصنّف سعيد بن منصور "، و" مصنّف وكيع "، و" مصنّف الفِريابي "، و" موطأ مالك "، و" موطأ ابن أبي ذئب "، و" موطأ ابن وهْب ، ومسائل أَحْمَد بن حنبل ، وفقه أبي عُبَيْد، وفقه أبي ثور. [ تاريخ الإسلام (10/74) ]

وقال ابن الكتبي : وهو ينكلم عن ابن سيد الناس : وكان عنده كتب كبار ، وأمهات جيدة منها مصنف ابن أبي شيبة ومسنده .
وجاء في طبقات الشافعية قال ذاك : ولما رأيت فص كتب ابقفال عن أقاويل السلف في هذه المسألة فكشفت أوعب الكتب لأقاويل هو مصنف ابن أبي شيبة .

وقال ذاك ابن كثير : صاحب المصنف الذي لم يصنف أحد مثله قط لا قبله ولا بعده .

محنة كتاب المصنف لابن أبي شيبة :

كعادة الأثر يبتلى بأهل الرأي يحاربونه ويتضجرون منه ، فإنه قد تعرض هذا الكتاب للطعونات والنبز والغمز ورميه بالشذوذ والغرائب منذ عهد قديم في زمن بقي بن مخلد وهو أول من نشر الصنف للناس وأحيى به الآثار ، وكان العدو الأول لهذا الكتاب العظيم هم أهل الرأي والمتعصبة للمذهبية أصحاب المسائل ، وهكذا هم أهل الرأي مع الآثار ولن يتغيروا تزعجهم الآثار جدا ويتأففون منها لأنها تنقض مسائلهم وأفهامهم الخاصة وتأصيلاتهم المخالف للسلف فغير مستغرب أن يكون لهذا الكتاب محن مع أهل الرأي من زمان.

ولما كان بقي بن مخلد الإمام الكبير حافظ الأندلس ومحدثها من تلاميذ أبي بكر بن أبي شيبة وسمع من المصنف كله ورعا دبه للأندلس ونشره وأحيى الآثار بها ، فعاده أهل الرأي والمسائل والمتعصبين لمذهب مالك وإليك القصة :

جاء في السير (13/287) : وَقَالَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ حَيُّوْنَ، عَنْ بَقِيِّ بنِ مَخْلَدٍ، قَالَ: لَمَّا رَجَعْتُ مِنَ العِرَاقِ، أَجْلَسَنِي يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ إِلَى جَنْبِهِ، وَسَمِعَ مِنِّي سَبْعَةَ أَحَادِيْثَ.

وَقَالَ أَبُو الوَلِيْدِ بنِ الفَرَضِيِّ فِي تَارِيْخِهِ (1/108) : مَلأَ بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ الأَنْدَلُسَ حَدِيْثاً، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ الأَنْدَلُسِيُّوْنَ: أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ ، وَمُحَمَّدُ بنُ الحَارِثِ، وَأَبُو زَيْدٍ، مَا أَدْخَلَهُ مِنْ كُتُبِ الاختِلاَفِ، وَغَرَائِبِ الحَدِيْثِ، فَأَغْرُوا بِهِ السُّلْطَانَ وَأَخَافُوهُ بِهِ، ثُمَّ إِنَّ اللهَ أَظْهَرَهُ عَلَيْهِم، وَعَصَمَهُ مِنْهُم، فَنَشَر حَدِيْثَهُ وَقَرَأَ لِلنَّاسِ رِوَايَتَهُ ، فمن يومئذ انتشر الحديث بالاندلس ".

قال : ثُمَّ تَلاَهُ ابْنُ وَضَّاحٍ، فَصَارَتِ الأَنْدَلُسُ دَارَ حَدِيْثٍ وَإِسْنَادٍ
قال : وإنما كان الغالب عليها قبل ذلك حفظ رأي مالك وأصحابه ".

قال ذاك الذهبي معلقا : وَمِمَّا انْفَرَدَ بِهِ، وَلَمْ يُدْخِلْهُ سِوَاهُ (مُصَنَّفُ) أَبِي بَكْرٍ بنِ أَبِي شَيْبَةَ بِتَمَامِهِ..وَكَانَ وَرِعاً فَاضِلاً زَاهِداً قَدْ ظَهَرَتْ لَهُ إِجَابَاتُ الدَّعْوَةِ فِي غَيْرِ مَا شَيء. (قلت) وقد انتشر مصنف ابن ابي شيبة في الأندلس بقوة بعد بقي بن مخلد فممن حدث به ذاك الباجي الاندلسي وسمعه من ابن عبد البر كما ذكر ذاك الذهبي في تاريخ الاسلام .

قَالَ ابن عساكر الأشعري في تاريخ دمشق (10/56) : وَكَانَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأُموِيُّ صَاحِبُ الأَنْدَلُس مُحِبّاً للعُلُوْمِ عَارِفاً، فَلَمَّا دَخَلَ بَقِيٌّ الأَنْدَلُسَ (بِمُصَنَّفِ) أَبِي بَكْرٍ بنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَقُرِئ عَلَيْهِ، أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الرَّأْي مَا فِيْهِ مِنَ الخِلاَفِ، وَاسْتَبْشَعُوهُ وَنَشَّطُوا العَامَّةَ عَلَيْهِ، وَمَنَعُوهُ مِنْ قِرَاءَتِهِ، فَاسْتَحْضَرَهُ صَاحِبُ الأَنْدَلُسِ مُحَمَّدٌ وَإِيَّاهُم ، وَتَصَفَّحَ الكِتَابَ كُلَّهُ جُزْءاً جُزْءاً، حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِ، ثُمَّ قَالَ لخَازِنِ الكُتُبِ: هَذَا كِتَابٌ لاَ تَسْتغْنِي خِزَانَتُنَا عَنْهُ، فَانْظُرْ فِي نَسْخِهِ لَنَا ، ثُمَّ قَالَ لَبَقِيٍّ: انشُرْ عِلْمَكَ وَاروِ مَا عِنْدَكَ. وَنَهَاهُم أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ.

عَنْ أَبِي الفَتْحِ نَصْرِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ المَلِكِ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبِي.... فَذَكَرَهَا، وَفِيْهَا: ثُمَّ قَالُوا: قَدْ أَطلَقَكَ اللهُ، فَلاَ يُمْكِنُنَا أَن نُقَيِّدَكَ فَزَوَّدُونِي، وَبَعَثَوا بِي.
قَالَ: وَكَانَ بَقِيٌّ أَوَّلَ مَنْ كَثَّرَ الحَدِيْثَ بِالأَنْدَلُسِ وَنَشَرَهُ، وَهَاجَمَ بِهِ شُيُوْخَ الأَنْدَلُسِ، فَثَارُوا عَلَيْهِ، لأَنَّهُم كَانَ عِلْمُهُم بِالمَسَائِلِ وَمَذْهَبِ مَالِكٍ، وَكَانَ بَقِيٌّ يُفْتِي بِالأَثَرِ، فَشَذَّ عَنْهُم شُذُوذاً عَظِيْماً، فَعَقَدُوا عَلَيْهِ الشَّهَادَات، وَبَدَّعُوهُ، وَنَسَبُوا إِلَيْهِ الزَّنْدَقَة، وَأَشيَاء نَزَّهَهُ اللهُ مِنْهَا.
وَكَانَ بَقِيٌّ يَقُوْلُ: لَقَدْ غَرَسْتُ لَهُم بِالأَنْدَلُسِ غَرْساً لاَ يُقْلَعُ إِلاَّ بِخُرُوْجِ الدَّجَّالِ.

(قلت) من المتعصبة المتحاملين عليه وعلى نشره المصنف لابن أبي شيبة رجل متعصب اسمه أَصْبَغُ بنُ خَلِيْلٍ أَبُو القَاسِمِ الأَنْدَلُسِيُّ المَالِكِيُّ

قال ذاك الذهبي في السير (13/202) : وَكَانَ لاَ يَدْرِي الأَثَرَ، وَقَدِ اتُّهِمَ فِي النَّقْلِ، وَوَضَعَ فِي عَدَمِ رَفْعِ اليَدَيْنِ - فِيْمَا قِيْلَ - وَقَالَ قَاسِمُ بنُ أَصْبَغَ: هُوَ مَنَعَنِي السَّمَاعَ مِنْ بَقِيٍّ .
وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ : أُحِبُّ أَنْ يَكُوْنَ فِي تَابُوتِي خِنْزِيرٌ ، وَلاَ يَكُونُ فِيْهِ مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ . ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِ قَاسِمٌ.

(قلت) وقد استغل هذا الكلام الخبيث ذاك الكوثري الجهمي الزنديق فوقع عليه كالذباب يقع على الجيفة ، واحتج به في الطعن في مصنف ابن أبي شيبة بسب أن ابن أبي شيبة بوب بابا كبيرا في الرد على أبي حنيفة وفضحه جدا . وقد تولى الرد عليه ذاك المعلمي في التنكيل (1/418 ــ 419) : أقول :( مصنف ابن أبي شيبة ) مشتمل مع أحاديث صحاح على ضعاف وعلى أقوال مختلفة محكية عن بعض الصحابة وبعض التابعين وبعض من بعدهم والظن بأصبغ أنه لم يقصد ذم الأحاديث كيف وكان هو يروي (الموطأ) وغيره ؟ وبعد ، فماذا على المالكية من أصبغ هذا وقد كذبه أجلتهم كالقاسم بن أصبغ وابن الفرضي وعياض ، ودوران الفتوى عليه إنما هو نتيجة أن العامة كانوا حريصين على الجمود على أقوال ابن القاسم صاحب مالك، والدولة موافقة لهم على ذلك، وكان هو عارفا بها جامداً عليها. وفي المالكية من حفاظ الحديث والمتبعين له إذا خالفه المنقول في مذهبهم عدد غير قليل، لعلهم يفضلون بذلك على بعض أصحاب المذاهب الأخرى!

ومن تأمل حال كثير من علماء المذاهب رأى أن كثيراً منهم قد تكون حالهم عند التحقيق شراً من حال أصبغ وذلك أنهم يظهرون التدين بقبول الحديث وتعظيم (الصحيحين) ويزيد بعضهم حتى من أهل عصرنا هذا فيقول: إن الحديث إذا كان في (الصحيحين) أو أحدهما فهو مقطوع بصحته، فإذا جاءوا إلى حديث مخالف لمذهبهم حرفوه أقبح تحريف، فالرد الصريح أخف ضرراً على المسلمين وأهو ن مؤنة على أهل «العلم والدين من إثارة الشبه والتطويل والتهويل الذي يغتر به كثير من الناس ويضطر العالم» إلى صرف وقته في كشف ذلك. والله المستعان) اهـ

منهجه في كتابه المصنف :

بعد سنوات من الإشتغال بهذا الكتاب العظيم والذي كل يوم ازداد حبا له ورجوعا إليه تلخص لدي عدة نقاط :
ـــ موضوع كتابه الفقه والأحكام وأحيانا يورد أبوابا لها علاقة بالعقيدة والسنة والهدي والتفسير والرقائق والفضائل والردود ، كتبويبه للرد على أبي حنيفة .
ــ أسانيد جيدة جدا في الغالب وكأنه ينتقيها ولا يختار إلا صحيح أو ما يقاربه .
وكان لا يدخل في كتابه من عرف بالنكارة في الحديث وهذا يزيد كتابه المصنف قيمة وقدرا

ففي سؤالات البرذعي (2/427) : قال ابن أبي شيبة : "إذا رأيتني قد كتبت ، عن الرجل ، ولا أحدث عنه فلا تسأل عنه ، وكان كتب عن الحكم ولم يحدث عنه ، ثم قال: حدث عن عاصم ، عن زرّ ، عن عبد الله فجعل يعدد تلك المناكير إذا رأيت معاوية ، وغيره فأراد رجل أن يكتب حديثا مما ذكر، فقال له الحكم، عن السدي ، عمن قال: لايكتب عني ، عن الحكم بن ظهير شيئا".

وفي الجرح والتعديل (1/ 119) قال علي بن الحسين بن الجنيد : رأيت ابن أبي شيبة لا يرضى الحكم بن ظهير ولم يدخله في تصنيفه" [ وانظر : تهذيب التهذيب ج2/428] .

(قلت) فهاتين القصتين تبين لك مدى حرص ابن أبي شيبة على تصفية مصنفه من الشواذ والغرائب ، وأنه اهتم بالعلل ولم يرو كل شيء كما يتهمه البعض !!

ـــ يورد كل ما ورد في الباب من آثار للصحابة والتابعين ويحلي ذلك ببعض الأحاديث المرفوعة حتى يؤصل للباب ، وأحيانا تجده يرجح بين أحد الأقوال وهو قليل .

ـــ راوي المصنف هو بقي بن مخلد الأندلسي كما سبق فعامة النسخ الموجودة والتي طبع عليها الكتاب هي من روايته ، ما عدا كتاب الأوائل فهو من رواية بن عبدوس السراج .

ـــ إذا كان هناك خلافا بين السلف في مسألة ما فإنه يبوب لكل قول باب .
ـــ تبويباته كأنه شرح للمسألة وتصوير لما سينقله من آثار .
ـــ من خلال تبويباته يمكنك معرفة توجيه الآثار ومساقها ومعانيها ، ويظهر الغموض منها فهو حسن الترتيب والتبويب جدا كما قال أبو عبيد القاسم بالضبط ، وأنا شخصيا أفضله على مصنف عبد الرزاق لهذه الأسباب الكثيرة ، بل هو يوجه الآثار الموجودة عند عبد الرزاق والتي لا يفهم سبب إيرادها ومعانيها لأجل اختصار متونها أو نحو ذلك ، فإنك إذا رجعت لابن أبي شيبة في مصنفه ستعرف توجيه تلك الآثار عند عبد الرزاق .
ـــ أكثر فيه من شرح الألفاظ وهذا يعين الطالب على تفهم الآثار التي فيه .
ـــ عنايته بالمتابعات والشواهد والتنبيه على الفروق بين المتون
ـــ أسانيد أغلبها رباعية أو خماسية أي عالية الإسناد بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه أيضا الثلاثيات ، وبأقل بدرجة ودرجتين بينه وبين الصحابة ، وبأقل مثله في التابعين .
ـــ بلغت نصوص الآثار في مصنف ابن أبي شيبة (38940) نصا مسندا بحسب طبعة الرشد 1425 هــ
المرفوع منها (7915) حديثا
ـــ والموقوف أي من أثار الصحابة (11050) أثرا
ـــ والمقطوع أي من أقوال التابعين ومن بعدهم (17259) أثرا .
ــ لقد كانت زوائد كتابه المسند على الكتب الستة فقد بغلت (572) حديثا ، فأتوقع أن زوائد كتابه المصنف أكثر بكثير لأنه حجم المصنف أكبر من حجم المسند له بأضعاف .
ـــ عدد الكتب التي في المصنف (39) كتابا وقد بدأ هذه الكتب بكتاب " الطهارة " وختمها ب " كتاب الجمل وصفين والخوارج " وعدد أبوابه (5494) بابا .


وكتبه أبو عبيد الجزائري
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

السبت، 1 يوليو 2017

التنبيه على إباحة صور الموطوء وما لا روح فيه

التنبيه على إباحة تصوير ما لا روح فيه



بسم الله الرحمن الرحيم .

هذا مقال جمعت فيه ما أبيح من الصور ، وما لا يباح منها ، وفيه وسطية بين من ميع التصوير وأباح كل شيء ووقع في الحرام المجمع عليه ، وبين من شدد فحرم كل شيء من الصور دون أن يستثني شيئا من المباح !! وهذا أيضا هو من الخطورة بمكان إذا حرم المباح الذي أحله الشرع ، وليس هذا القول بأقل خطرا من القول الأول ، وكلاهما وقعا في شيء السمه ( تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحله الله ) وليس هذا المقال رد على أصحاب القول الأول المائع المستهتر بأحكام الله تعالى المتعرض لغضبه ، فإنه قد كفانا غير واحد في الرد عليهم ، وإنما هذا البحث هو موجه لأصحاب القول الثاني خاصة ، وهو قول بعض المعاصرين ، وقولهم لم يقل به أحد من السلف بذاك الإطلاق كما سأبين ذلك ، فإن هذه المسألة أقصى أمرها أن تكون من باب الورع في فضول المباحات لا كراهة ولا تحريما ، وليس القصد جعل هذا النوع من الصور من قبيل الحرفة والإشتغال به لا ، فإن التوسع في المباحات بهذا الشكل هو باب للمكروهات ثم المحرمات ، وليس القصد أيضا التكلم عن المباح إذا اعتراه ما يجعله مكروها أو محرما ، وإنما القصد بيان المسألة من حيث الأصل فقط وكما سأبين في هذا البحث الأشياء التي استثناها الشرع من تحريم الصور وأبين التفاصيل التي ذكرها السلف ، وسأعتمد فقط على الأحاديث والآثار ، وأقوال السلف من القرون الأولى والأئمة المتبعين من أهل الحديث وأدع ما خلط فيه المتأخرون وما أغرق فيه المعاصرون فمن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، وهم لا يعنوننا في أمر ديننا إلا من رحم الله وقليل ما هم والله المستعان .

فصل : اختصاص التحريم بتصوير ذوات الأرواح
وقد حرم أصحاب هذا القول حتى صور التي ليست من ذوات الروح ولم يفرقوا بينها وبين غيرها من الصور ، وهذا مخالف للإجماع المتقدم في زمن الصحابة .
وإباحة صور ذوات الأرواح تدل عليه عدة ألفاظ وردت في الأحاديث منها :
لفظ ( أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ) أي اجعلوا فيها روح وهذا خاص بذات الروح من الإنسان والحيوان ومثل هذا لفظ ( يكلف بأن ينفخ فيها الروح ) ولفظ (يُصَوِّرُونَ مَا لَا يَخْلُقُونَ)
ومن هذا كله أخذ ابن عباس وغيره من السلف تخصيص تحريم الصور بذوات الأرواح . عن ابن عباس رضي اللهُ عنهما ، قال : سمعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ (( كُلُّ مُصَوِّرٍ في النَّارِ يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ فَيُعَذِّبُهُ في جَهَنَّمَ )) قال ابن عباس فإنْ كُنْتَ لاَ بُدَّ فَاعِلاً ، فَاصْنعِ الشَّجَرَ وَمَا لاَ رُوحَ فِيهِ. متفق عليه.
وفي رواية عن بن عباس قال : جاءه رجل فقال: اني عملت هذه التصاوير قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله يعذب المصورين لما صوروا" قال: فذهب الرجل وزعم أن له عيالا قال بن عباس: لا تصور شيئا فيه روح.
وفي رواية عن سعيد بن أبي الحسن قال : كنت عند بن عباس فأتاه رجل فقال: إني رجل معيشتي من هذه التصاوير، فقال بن عباس: سمعت محمدا صلى الله عليه وسلم يقول: "من صور صورة، فإن الله يعذبه حتى ينفخ فيه الروح وليس نافخ فاصفر لونه فقال: إن كنت لا بد فعليك بالشجر وما ليس فيه روح.
وأخرج النسائي (8/216) وعبد الرزاق (19488) ومن طريقه ومن طريقه أحمد (2/308) والبيهقي (7/270) وغيرهم بسند صحيح عن أبى هريرة أن جبريل عليه السلام أتي النبي صلى الله عليه وسلم ، فسلم عليه وفي بيت نبي الله صلى الله عليه وسلم ستر مصور فيه تماثيل، فقال: نبي الله صلى الله عليه وسلم "ادخل، فقال: انا لا ندخل بيتا فيه تماثيل، فان كنت لا بد جاعلا في بيتك، فاقطع رؤوسها ، أو اقطعها وسائد ، واجعلها بسطا .
وأخرج أحمد 2/305و478، وأبو داود "4158" والترمذي 2806 والبيهقي 7/270
عن مجاهدا يقول : حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتاني جبريل، فقال: اني كنت اتيتك البارحة، فلم يمنعني ان ادخل البيت الذي كنت فيه الا انه كان في البيت تمثال رجل وكان في البيت ستر فيه تماثيل, وكان في البيت كلب فأمر براس التمثال ان يقطع وامر بالستر الذي فيه تمثال أن يقطع رأس التمثال , وجعل منه وسادتان وامر بالكلب فاخرج وكان الكلب جروا للحسن والحسين تحت نضد لهم قال ثم أتاني جبريل فما زال يوصينى بالجار حتى ظننت انه سيورثه".
وسيأتي نقل الآثار وكلام السلف في هذا الباب .
فصل فيما جاء أن الصورة هي الرأس :
روى أحمد وأبو داود والترمذي وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقال إني كنت أتيتك الليلة فلم يمنعني أن ادخل البيت الذي أنت فيه إلا أنه في البيت تمثال رجل وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل وكان في البيت كلب فأمر برأس التمثال الذي في باب البيت يقطع يصير كراس شجرة وأمر بالستر يقطع فيجعل وسادتين توطان وأمر بالكلب يخرج ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا الكلب جرو كان للحسن والحسين تحت نضد لهم"                                                 
وفي رواية النسائي: استاذن جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال ادخل فقال كيف ادخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير أما أن تقطع رؤوسها أو تجعل بساطا يوطأ فانا معشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه تصاوير".
روى ابن أبي شيبة (25299) والدارقطني في الأفراد (2489) حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: «إِنَّمَا الصُّورَةُ الرَّأْسُ، فَإِذَا قُطِعَ فَلَا بَأْسَ»
وروى ابن أبي شيبة (4585) - حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عِيسَى بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ: سَأَلَ عُقْبَةُ الْحَسَنَ قَالَ: إِنَّ فِي مَسْجِدِنَا سَاحَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ قَالَ: «انْحَرُوهَا»
(قلت) انحروها أي معناه اقطعوا رؤوسها واتركوا باقي الجسد .
روى أبو داود في مسائله (1676) الطحاوي في مشكل الآثار (6947) والبيهقي في السنن الكبرى (14580) روى الإسماعيلي في معجمه (291) وأبو جعفر بن البختري في جزءه (481) وقد ذكره الديلمي (41574) من طرق عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ : الصُّورَةُ الرَّأْسُ فَإِذَا قُطِعَ الرَّأْسُ فَلَيْسَ بِصُورَةٍ "
روى الطيالسي في مسنده (2853) والبيهقي في السنن (14582) بسند صحيح من طريق ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ شُعْبَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ دَخَلَ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ يَعُودُهُ فَرَأَى عَلَيْهِ ثَوْبَ إِسْتَبْرَقٍ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبَّاسٍ مَا هَذَا الثَّوْبُ ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الْإِسْتَبْرَقُ قَالَ: إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ يَتَكَبَّرُ فِيهِ , قَالَ: مَا هَذِهِ التَّصَاوِيرُ فِي الْكَانُونِ ؟ فَقَالَ : لَا جَرَمَ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ أُحَرِّقُهَا بِالنَّارِ ؟ فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: انْزِعُوا هَذَا الثَّوْبَ عَنِّي وَاقْطَعُوا رُءُوسَ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ الَّتِي فِي الْكَانُونِ فَقَطَعَهَا .
في مسائل أبي داود (1676) قال : سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ: «الصُّورَةُ الرَّأْسُ»
وفي المغني لابن قدامة (7/282) : [فَصْلٌ قَطَعَ رَأْس الصُّورَة الَّتِي رَآهَا عِنْد صَاحِب الْوَلِيمَة] (5673) فَصْلٌ: فَإِنْ قَطَعَ رَأْسَ الصُّورَةِ، ذَهَبَتْ الْكَرَاهَةُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الصُّورَةُ الرَّأْسُ، فَإِذَا قُطِعَ الرَّأْسُ فَلِيس بِصُورَةٍ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: أَتَيْتُك الْبَارِحَةَ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُونَ دَخَلْت إلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْبَابِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ سِتْرٌ فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ كَلْبٌ، فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي عَلَى الْبَابِ فَيُقْطَعُ، فَيَصِيرُ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْتُقْطَعْ مِنْهُ وِسَادَتَانِ مَنْبُوذَتَانِ يُوطَآنِ، وَمُرْ بِالْكَلْبِ فَلْيُخْرَجْ. فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» وَإِنْ قَطَعَ مِنْهُ مَا لَا يُبْقِي الْحَيَوَانَ بَعْدَ ذَهَابِهِ، كَصَدْرِهِ أَوْ بَطْنِهِ، أَوْ جُعِلَ لَهُ رَأْسٌ مُنْفَصِلٌ عَنْ بَدَنِهِ، لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ النَّهْيِ، لِأَنَّ الصُّورَةَ لَا تَبْقَيْ بَعْدَ ذَهَابِهِ، فَهُوَ كَقَطْعِ الرَّأْسِ ، وَإِنْ كَانَ الذَّاهِبُ يُبْقِي الْحَيَوَانَ بَعْدَهُ، كَالْعَيْنِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ، فَهُوَ صُورَةٌ دَاخِلَةٌ تَحْتَ النَّهْيِ. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ التَّصْوِيرِ صُورَةُ بَدَنٍ بِلَا رَأْسٍ، أَوْ رَأْسٍ بِلَا بَدَنٍ، أَوْ جُعِلَ لَهُ رَأْسٌ وَسَائِرُ بَدَنِهِ صُورَةُ غَيْرِ حَيَوَانٍ، لَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِصُورَةِ حَيَوَانٍ.
وفي شرح العمدة لا بن تيمية (1/397)  نقل روايات جيدة عن الإمام أحمد منها : قيل لأحمد في الرجل يكتري البيت فيه تصاوير يحكه قال نعم قيل له وأن دخل حماما ورأى صورة حك الرأس قال نعم وقال إذا كان تمثالا منصوبا يقطع رأسه وسئل عن الوصي يشتري للصبية إذا طلبت منه لعبة فقال إذا كانت صورة لم يشترها فقيل له إذا كانت يدا ورجلا فقال يحك منه كل شيء له رأس فهو صورة قيل له فعائشة تقول كنت العب بالبنات قال نعم وقال أيضا لا بأس بلعب اللعب إذا لم يكن فيه صورة فإذا كان صورة فلا وقال أيضا الصورة الرأس.
قال : لم يكره أصحابنا تمثيل ما لا روح له كالارتج والنارتج والشجر ونحوها كما نص عليه أحمد فإنه لم يكره إلا الصورة لأن النهي إنما جاء فيها خاصة.
قال الشافعي في الأم : وَإِذَا دُعِيَ الرَّجُلُ إلَى الْوَلِيمَةِ وَفِيهَا الْمَعْصِيَةُ مِنْ الْمُسْكِرِ أَوْ الْخَمْرِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَاصِي الظَّاهِرَةِ نَهَاهُمْ فَإِنْ نَحَّوْا ذَلِكَ عَنْهُ وَإِلَّا لَمْ أُحِبَّ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فَإِنْ عَلِمَ قَبْلُ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَلَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يُجِيبَ وَلَا يَدْخُلَ مَعَ الْمَعْصِيَةِ وَإِنْ رَأَى صُوَرًا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُدْعَى فِيهِ ذَوَاتِ أَرْوَاحٍ لَمْ يَدْخُلْ الْمَنْزِلَ الَّذِي تِلْكَ الصُّوَرُ فِيهِ إنْ كَانَتْ تِلْكَ مَنْصُوبَةً لَا تُوطَأُ فَإِنْ كَانَتْ تُوطَأُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ صُوَرًا غَيْرَ ذَوَاتِ أَرْوَاحٍ مِثْلَ صُوَرِ الشَّجَرِ فَلَا بَأْسَ إنَّمَا الْمَنْهِيُّ عَنْهُ أَنْ يُصَوِّرَ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ الَّتِي هِيَ خَلْقُ اللَّهِ .
قال ابن قدامة في المغني (5678) فَصْلٌ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الرَّجُلُ يَكْتَرِي الْبَيْتَ فِيهِ تَصَاوِيرُ تَرَى أَنْ يَحُكَّهَا ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: دَخَلْت حَمَّامًا، فَرَأَيْت صُورَةً، أَتَرَى أَنْ أَحُكَّ الرَّأْسَ؟ قَالَ: نَعَمْ. إنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ اتِّخَاذَ الصُّورَةِ مُنْكَرٌ، فَجَازَ تَغْيِيرُهَا، كَآلَةِ اللَّهْوِ وَالصَّلِيبِ، وَالصَّنَمِ، وَيُتْلَفُ مِنْهَا مَا يُخْرِجُهَا عَنْ حَدِّ الصُّورَةِ، كَالرَّأْسِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكْفِي. قَالَ أَحْمَدُ: وَلَا بَأْسَ بِاللُّعَبِ مَا لَمْ تَكُنْ صُورَةً ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَلْعَبُ بِاللُّعَبِ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ ؟ فَقُلْت: هَذِهِ خَيْلُ سُلَيْمَانَ. فَجَعَلَ يَضْحَكُ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ.
قال ابن عبد البر في الإستذكار : وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مَا قُطِعَ رَأْسُهُ فَلَيْسَ بصورة وروي ذلك عن بن عَبَّاسٍ وَقَالَتْ بِهِ طَائِفَةٌ.

فصل : الإشكالات التي قد يعترض بها المخالف :


الإعتراض الأول :

قد يعترض من يحرم جميع أنواع الصور بلا مثنوية بما روى ابن أبي شيبة في المصنف (25293) حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُصَوَّرَ الشَّجَرُ الْمُثْمِرُ »
والجواب : أن يقال لهذه الرواية المشكلة عدة وقفات :
الأولى : تفرد بمجاهد بهذا القول مخالفا بها كل السلف وقد تعبت أن أجد من وافقه في هذا الكلام من السلف لم أجد شيئا .
قَالَ في الإستذكار : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَ صُوَرَ الشَّجَرِ إِلَّا مُجَاهِدًا .
وقال ذاك القاضي عياض : تفرد بهذا القول مجاهد .
ثانيا : إنما ذكر أنه كره ذلك ولم يحرمه ، كما ذهب إليه من احتج بهذا الأثر على تحريم كل أنواع الصور وأشكالها !!
الثالث : مجاهد خصص كراهته بالشجرة المثمرة فقط ولم يعمم ومن احتج بأثره عمم وقاس عليها كل شيء وهذا غلط !! .
رابعا : أن ابن أبي شيبة ذكره في سياق الآثار التي تتكلم عن الصور التي توطأ وتمتهن وتباح لأجل ذلك فحشره في وسطها ، كأنه يوجهه على غير ما يفهم من ظاهره ، ولم يبوب له في من كره الصور أو حرمها كعادته إلى وجد خلافا ، وابن أبي شيبة كما قال عنه أبو عبيد القاسم (أنه من أحسن الناس تصنيفا وتبويبا وترتيبا) فكأنه تعمد إهماله بحشره في غير موضعه .
خامسا : روى الأثر ليث بن أبي سليم وهو ضعيف الحفظ يمكن أنه خلط في ضبطه ولم يحفظ المتن جيدا .
سادسا : أنه مخالف لنص الحديث النبوي الذي نص على إباحة صورة الشجرة .
سابعا : مخالف لقول شيخه ابن عباس الذي أباح صور الشجر ونحوه .
الثامن : أن مجاهد هو أحد الرواة الذين روى عن أبي هريرة حديث تقطيع الرأس وجعله كالشجرة فكيف يخالف ما روى ؟؟ وهذه علة في المتن إضافة على العلة في سنده .
فعلى الأمر يبطل الإحتجاج بهذا الأثر من كل جهة ومن كل وجه .
الإعتراض الثاني :
وقد يعترض بما رواه البخاري (5953) عن أبى زرعة قال: دخلت انا وأبو هريرة دارا لسعيد أو لمروان، فرأى مصور يصور في الجدار، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله تبارك وتعالى: من أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا حبة، أو ليخلقوا ذرة .
الجواب : أن هذا الحديث واضح جدا أن مخرجه من جهة التعجيز فقط ، ليدل على أن المخلوق لا يقدر أن يخلق شيئا ولو كان ذرة أو بعوضة بل حتى شعرة كما في بعض الروايات قال أبو حاتم ابن حبان : قوله صلى الله عليه وسلم : فليخلقوا حبة أو ليخلقوا ذرة " من ألفاظ الأوامر التي مرادها التعجيز .
وأيضا فإنه لم يقل أحد من السلف بظاهره أن لا يجوز صورة الحبة والذرة ، ولا حتى مجاهد قال بهذا ، فدل على أن معناه ما شرحناه قطعا لا شك ، فهو مثل حديث ( َمَنْ تَحَلَّمَ كَاذِبًا عُذِّبَ وَكُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَيْسَ بِعَاقِدٍ ) أي للتعجيز ليؤكد أن عذابه واقع ولا مفر منه .

فصل : إباحة صور ذات الأرواح على الفرش والمتكآت :                                 
ويباح التصاوير في المفروشات التي توطأ أو يتكأ عليها ، ويستثنى من ذلك المنصوبة أي المعلقة ، فلا وعلى هذا جاءت النصوص وعليه عمل السلف ، فمن العجب أن حرمها أرباب من قال بتحريم الصور مطلقا غير مبالي بكلام السلف والأحاديث والآثار !!
روى البخاري ومسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: « سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي تَعْنِي الدَّاخِلَ يَسْتُرُ فِيهِ تَصَاوِيرَ فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَتَكَهُ، فَجَعَلْتُ مِنْهُ مَسْنَدَتَيْنِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئًا عَلَى إِحْدَاهُمَا »                                                     

وفي باقي الروايات أنه كان في الستر : صور خيل ورجال . 
وفي رواية عند البيهقي : قَالَتْ: فَقَطَعْنَا مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ ، فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيَّ .
وروى مسلم عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا سِتْرٌ فِيهِ صُوَرٌ قَالَتْ: فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبَ ثُمَّ جَاءَ فَهَتَكَهُ قَالَتْ: فَأَخَذْتُهُ فَجَعَلْتُهُ مِرْفَقَتَيْنِ قَالَتْ: فَكَانَ يَرْتَفِقُ بِهِمَا فِي الْبَيْتِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ يُقْطَعُ فَيَصِيرُ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ مَنْبُوذَتَيْنِ تُوطَآنِ وَمُرْ بِالْكَلْبِ فَلْيَخْرُجْ .
(قلت) وعلى هذا تواتر عمل السلف وإليك بعض ما ورد في الآثار  
روى ابن أبي شيبة (25286) حَدَّثَنَا حَفْصٌ عَنِ الْجَعْدِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي ابْنَةُ سَعْدٍ: «أَنَّ أَبَاهَا جَاءَ مِنْ فَارِسَ بِوَسَائِدَ فِيهَا تَمَاثِيلُ فَكُنَّا نَبْسُطُهَا»
روى أبو جعفر بن البختري كما في جزء مجموع مصنفاته (237) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى بِالتَّصَاوِيرِ بَأْسًا إِذَا كَانَتْ تُوطَأُ.
وروى ابن أبي شيبة في المصنف (25287) عَنْ لَيْثٍ قَالَ: رَأَيْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ حَمْرَاءَ فِيهَا تَمَاثِيلُ فَقُلْتُ لَهُ فَقَالَ: « إِنَّمَا يُكْرَهُ هَذَا لِمَنْ يَنْصِبُهُ، وَيَصْنَعُهُ »
وروى (25288) عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ : كَانَ يَتَّكِئُ عَلَى الْمَرَافِقِ فِيهَا التَّمَاثِيلُ: الطَّيْرُ وَالرِّجَالُ "
وروى ابن أبي شيبة (25289) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : نُبِّئْتُ عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَتَى عَلَيَّ صَاحِبٌ لِي , فَنَادَانِي فَأَشْرَفْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ : قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَعْزِمُ عَلَى مَنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ سِتْرٌ مَنْصُوبٌ فِيهِ تَصَاوِيرُ لَمَا وَضَعَهُ ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُحْسَبَ عَاصِيًا ، فَقُمْنَا إِلَى قِرَامٍ لَنَا فَوَضَعْتُهُ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : «كَانُوا لَا يَرَوْنَ مَا وُطِئَ وَبُسِطَ مِنَ التَّصَاوِيرِ مِثْلُ الَّذِي نُصِبَ»
روى ابن أبي شيبة (25207) عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : لَا بَأْسَ بِالتِّمْثَالِ فِي حِلْيَةِ السَّيْفِ، وَلَا بَأْسَ بِهَا فِي سَمَاءِ الْبَيْتِ، إِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْهَا مَا يُنْصَبُ نَصْبًا , يَعْنِي: الصُّورَةَ
وروى (25302) عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كَانُوا لَا يَرَوْنَ بِمَا وُطِئَ مِنَ التَّصَاوِيرِ بَأْسًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ »
روى بن أبي شيبة (4055) عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَنْ «رَأَى إِبْرَاهِيمَ وَالْحَسَنَ يُصَلِّيَانِ عَلَى بِسَاطٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ»
روى ابن أبي شيبة (25291) والبيهقي في السنن الكبرى (14581) عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : «كَانُوا يَكْرَهُونَ مَا نُصِبَ مِنَ التَّمَاثِيلِ نَصْبًا ، وَلَا يَرَوْنَ بَأْسًا بِمَا وَطِئَتِ الْأَقْدَامُ »                                                                                                               ثم روى بن أبي شيبة آثارا كثير بعد رقم (25295) عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ وسعيد بن جبير وابن سيرين وعطاء والزهري قَالَوا : «لَا بَأْسَ بِالصُّورَةِ إِذَا كَانَتْ تُوطَأُ»
وَفي مختصر اختلاف العلماء (4/379) وقَالَ الثَّوْريّ لَا بَأْس بالصور فِي الوسائد لِأَنَّهَا تُوطأ وتجلس عَلَيْهَا.
وروى البيهقي في معرفة السنن والآثار (14419) قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنْ رَأَى صُوَرًا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُدْعَى فِيهِ ذَوَاتُ أَرْوَاحٍ لَمْ يَدْخُلْ ، إِنْ كَانَتْ مَنْصُوبَةً لَا تُوطَأُ، فَإِنْ كَانَتْ تُوطَأُ أَوْ كَانَتْ صُوَرًا غَيْرَ ذَوَاتِ أَرْوَاحٍ مِثْلَ صُوَرِ الشَّجَرِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَهَا .
وَفي التمهيد (1/301) قَالَ ابْن الْقَاسِم كَانَ مَالك يكره التماثيل فِي الأسرة والقباب وَأما الْبسَاط والوسائد وَالثيَاب فَلَا بَأْس بِهِ لِأَنَّهُ يمتهن.
وفي مسائل الكوسج (9/9401) قلت: ما يكره من الصور ؟ قال: ما يوطأ أرجو أن لا يكون به بأساً ، قلت: ويصلى عليه إذا وطئ ؟ قال : ويصلى عليه قال إسحاق: كما قال.
قال ابن قدامة في المغني (5672) فَصْلٌ : فَإِنْ رَأَى نُقُوشًا، وَصُوَرَ شَجَرٍ، وَنَحْوَهَا، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، لِأَنَّ تِلْكَ نُقُوشٌ ، فَهِيَ كَالْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ صُوَرُ حَيَوَانٍ، فِي مَوْضِعٍ يُوطَأُ أَوْ يُتَّكَأُ عَلَيْهَا، كَاَلَّتِي فِي الْبُسُطِ، وَالْوَسَائِد، جَازَ أَيْضًا. وَإِنْ كَانَتْ عَلَى السُّتُورِ وَالْحِيطَانِ، وَمَا لَا يُوطَأُ، وَأَمْكَنَهُ حَطُّهَا، أَوْ قَطْعُ رُءُوسِهَا، فَعَلَ وَجَلَسَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ، انْصَرَفَ وَلَمْ يَجْلِسْ؛ وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا أَعْدَلُ الْمَذَاهِبِ. وَحَكَاهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَسَالِمٍ، وَعُرْوَةَ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، وَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

ذكر ابن تيمية في شرح العمدة (1/387) : قال في رواية الأثرم وسئل عن الستر عليه يكون صورة قال لا وما لم يكن له قال في رواية الأثرم وسئل عن الستر عليه يكون صورة قال لا وما لم يكن له . وقال أيضا إنما يكره منها ما علق وقال أيضا إنما يكره ما كان نصبا وإذا كنا تمثالا منصوبا يقطع رأسه.
وفيه أيضا نقل روايات كثيرة عن الإمام أحمد قال : ولا يجوز لبس ما فيه صور الحيوان من الدواب والطير وغير ذلك ولا يلبسه الرجل ولا المرأة ولا يعلق ستر فيه صورة وكذلك جميع أنواع اللباس إلا الافتراش فإنه يجوز افتراشها هذا قول أكثر أصحابنا وهو المشهور عن أحمد قال في رواية صالح الصورة لا ينبغي لبسها وقال في رواية الأثرم وسئل عن الستر عليه يكون صورة قال لا وما لم يكن له رأس فهو أهون وأن كان له رأس فلا وقال أيضا إنما يكره منها ما علق وقال في الرجل يصلي وفي كمه منديل حرير فيه صور اكرهه وقال التصاوير ما كره منها فلا بأس وسئل عن الرجل يصلي على مصلى عليه تماثيل فلم ير به باسا وقال أيضا إذا كانت توطأ فلا بأس بالجلوس عليها.
وعنه أن الصور التي على الثياب تكره ولا تحرم قال في رواية وقد سئل عن الوليمة يرى الجدران قد سترت أيخرج قال قد خرج أبو أيوب وعبد الله بن يزيد قيل وإذا رأى على الجدران صورا يخرج فقال نعم قيل له فإن كان في الستر فقال هذا أسهل من أن تكون على الجدران لا تضيق علينا وضحك ولكن إذا رأى هذا وبخهم ونهاهم فقد نص على التفريق بين الصور في الثياب فحرمها في الجدران وكرهها في الثوب.
فصل في الصورة تكون في اللباس :

روى البخاري (5958) ، ومسلم (2106) عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ يَعُودُهُ قَالَ : فَوَجَدَ عِنْدَهُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ. فَدَعَا أَبُو طَلْحَةَ إِنْسَاناً. فَنَزَعَ نَمَطاً مِنْ تَحْتِهِ ، فَقَالَ لَهُ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: لِمَ تَنْزِعُهُ ؟ قَالَ : لِأَنَّ فِيهِ تَصَاوِيرَ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيهَا مَا قَدْ عَلِمْتَ ، فَقَالَ سَهْلٌ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِلاَّ مَا كَانَ رَقْماً فِي ثَوْبٍ ؟ قَالَ : بَلَى وَلَكِنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِي 

(قلت) وقد اختلفوا في معنى قوله ( رقما في ثوب ) ما معناها : وقد فهم بعض أهل العلم أن الرقم هو هنا معناه صور ذات الأرواح لظاهر النص ولأنه استثناء من الصور ذوات الأرواح في النص وأن الرقم معناه صور مرقومة ، وقالوا : الفرق بين المرقوم في الثوب وغيره أن الصورة على غيره من الأجسام الصلبة تبقى ثابتة منتصبة على هيئة الصورة التي خلقها الله فتتحقق فيها مفسدة الصور بخلاف الصورة على الثوب فإنها تلتوي وتنطوي ويتغير وضعها بطي الثوب ونشره ولا تبقى على صورة الحيوان الذي خلقه الله وفيه ابتذال لنفس الصورة فأشبهت الصورة التي توطأ وتداس.
لكن هذا القول فيه نظر لعموم النهي الذي يشمله النصوص في ذلك ، والأقرب أن الرقم هو الوشي أو الكتابة أو من قبيل ما لا روح فيه ، كما قال ذاك البغوي في شرح السنة : قَوْلُهُ: «إِلا رَقَمًا فِي ثَوْبٍ» أَصْلُ الرَّقَمِ: الْكِتَابَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {كِتَابٌ مَرْقُومٌ} [المطففين: 9] وَالصُّورَةُ غَيْرُ الرَّقَمِ.

وقد يحمل الرقم في الحديث ـــ إن قلنا هي صور ذات أرواح ـــ أن ذلك فيما يمتهن ويوطأ فهم كانوا يتوسعون في لفظ (الثوب) ولا يخصونه بالملبوس و يدل عليه ما رواه الطيالسي في مسنده برقم (1526) عن عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي إِلَى ثَوْبٍ مَمْدُودٍ إِلَى سَهْوَةٍ لَنَا فِيهِ تَصَاوِيرُ فَقَالَ: «أَخِّرِي هَذَا عَنِّي» قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَعَلْنَاهُ وَسَائِدَ.
(قلت) فسمت الستر المدود في الأرض بالثوب .

فصل : في لعب الأطفال وما صفة ما يباح من الدمى :

روى أحمد في مسنده (25334) بسند صحيح عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِاللُّعَبِ، فَيَأْتِينِي صَوَاحِبِي، فَإِذَا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَرْنَ مِنْهُ، فَيَأْخُذُهُنَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَرُدُّهُنَّ إِلَيَّ "
وروى أبو داود بسند صحيح (4931) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : «كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ فَرُبَّمَا دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدِي الْجَوَارِي ، فَإِذَا دَخَلَ خَرَجْنَ، وَإِذَا خَرَجَ دَخَلْنَ »
وروى أبو داود (4932) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، أَوْ خَيْبَرَ وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ، فَهَبَّتْ رِيحٌ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ ؟ » قَالَتْ : بَنَاتِي ، وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ؟» قَالَتْ: فَرَسٌ، قَالَ: «وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ؟» قَالَتْ: جَنَاحَانِ، قَالَ: «فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ ؟ » قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ خَيْلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ ؟ قَالَتْ : فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ.
وروى النسائي (8899) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَرِّبُ إِلَيَّ صَوَاحِبِي يَلْعَبْنَ مَعِي بِاللَّعِبِ: الْبَنَاتُ الصِّغَارُ .
والروايات في هذا المعنى كثيرة في كتب الحديث بعدة طرق صحيحة ، لكنها تحتاج إلى توجيه فنقول :
معلوم أنه قد حرمت الصور والتماثيل من ذوات الروح فكيف أبيحت هنا ؟                  
وعندنا هنا أقوال :

الأول : أن هذا قبل التحريم قال ذاك البيهقي في السنن الكبرى : وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْيُ عَنِ التَّصَاوِيرِ وَالتَّمَاثِيلِ مِنْ أَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ عَنْهُ , فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْفُوظُ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ , عَنْ عَائِشَةَ قُدُومَهُ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ , وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الصُّوَرِ وَالتَّمَاثِيلِ , ثُمَّ كَانَ تَحْرِيمُهَا بَعْدَ ذَلِكَ .
الثاني : أنه رخصة للصبيان فقط ، وَعَلَى هَذَا حَمَلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فَقَالَ : " وَلَيْسَ وَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَنَا إِلَّا مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لَهْوٌ لِلصِّبْيَانِ , فَلَوْ كَانَ لِلْكِبَارِ لَكَانَ مَكْرُوهًا
الثالث : أنه إذا كان للدمية صورة أي (رأس) خاصة إذا كان لها وجها واضحا ، يمنع منه وهذا القول هو الأصح .                                                                            
ذكر المروذي عنه في كتاب الورع (466) قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ تَرَى لِلرَّجُلِ الْوَصِيِّ تَسْأَلُهُ الصَّبِيَّةُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا لُعْبَةً ، فَقَالَ إِنْ كَانَتْ صُورَةً فَلا وَذَكَرَ فِيهِ شَيْئًا ، قُلْتُ الصُّورَةُ أَلَيْسَ إِذا كَانَ لَهَا يدا أَوْ رِجْلٌ ؟ فَقَالَ عِكْرِمَةُ يَقُولُ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ رَأْسٌ فَهُوَ صُورَةٌ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فَقَدْ يُصَيِّرُونَ لَهَا صَدْرًا وَعَيْنًا وَأَنْفًا وَأَسْنَانًا ، قُلْتُ فَأَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ يَجْتَنِبَ شِرَاءَهَا ، قَالَ نَعَمْ قُلْتُ أَفَلَيْسَ عَائِشَةُ تَقُولُ كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ ؟ قَالَ نَعَمْ هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ يَرْفَعُهُ وَأَمَّا هِشَامٌ فَلا أُرَاهُ يَذْكُرُ فِيهِ كَلامًا فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَرِّحُهُنَّ إِلَيَّ ، قال : وَأَلْقَيْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَن أُسَامَة عَن عبد الرازق عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ أُهْدِيتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعِيَ لُعَبِي فَاسْتَغْرَبَهُ ، وَقَالَ هُوَ غَرِيبٌ مَا أَعْرِفُهُ ) اهـــ
قال ابن قدامة في المغني (5678) قَالَ أَحْمَدُ: وَلَا بَأْسَ بِاللُّعَبِ مَا لَمْ تَكُنْ صُورَةً ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَلْعَبُ بِاللُّعَبِ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ ؟ فَقُلْت: هَذِهِ خَيْلُ سُلَيْمَانَ. فَجَعَلَ يَضْحَكُ.»
وذكر البيهقي في سننه عن بعض الشافعية أنه إِنْ عُمِلَ مِنْ خَشَبٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ صُفْرٍ أَوْ نُحَاسٍ شَبَهَ آدَمَيٍّ تَامِّ الْأَطْرَافِ كَالْوَثَنِ وَجَبَ كَسْرُهُ , وَلَمْ يَجُزْ إِطْلَاقُ إِمْسَاكِهِ لَهُنَّ , فَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْوَاحِدَةُ مِنْهُنَّ تَأْخُذُ خِرْقَةً فَتَلُفُّهَا ثُمَّ تُشَكِّلُهَا بِشَكْلٍ مِنْ أَشْكَالِ الصَّبَايَا وَتُسَمِّيهَا بِنْتًا أَوْ أُمَّا وَتَلْعَبُ بِهَا فَلَا تُمْنَعُ مِنْهَا .
وجاء في النوادر والزيادات (6/186) قال أشهب عن مالك : سُئل عن التجارة في عظام على قدر التمر ، يجعل لها وجوه ، يتخذها الجواري بنات قال: لا خير في الصور وليس هذا من تجارة الناس.




هذا آخر ما جمعته في هذا البحث والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وأسأل الله      


عزو جل أن ينفع به ويجعله خالصا لوجهه الكريم ،                 

كتبه أبو عبيد الجزائري .