السبت، 30 سبتمبر 2017

نفخ الرماد عن وصية علي لكميل بن زياد وكشف ما في أسانيدها من الروافض وأهل الكذب والفساد


بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه وسلم أما بعد :

فقد انتشرت قصة وصية علي رضي الله عنه لكميل بن زياد في كتب المتأخرين ، بأسانيد نازلة جدا وقد أولعوا بمتنها البراق ، وبألفاظها الحسنة ، وبتقسيماتها العجيبة ، واعتنى بها من يتكلم في الزهد والرقائق من المتأخرين ، ولكن بمعزل عن النظر في الإسناد ، نعم صحيح أنه ليس فيها شرك أو بدعة منكرة ، لكن أنْ تُنسبُ هذه الوصية لعلي ويُقَال )قال علي وقال) : فلا ، إلا بسند صحيح ، كيف وإنَّ من رواها وتفرد بها هم الشيعة الروافض الكذابين والضعفاء المجاهيل !! وأصل هذه القصة كوفية ، فأغلب رواتها كوفيين روافض ، والكوفة موئل التشيع والكذب ، وقد اعتنى بها المتأخرون الذي تغافلوا عن السند ، وتناسوا أو تغافلوا عن تحذير السلف وأهل الحديث من أخبار الشيعة والروافض وأحاديث العراق ، وعن علي رضي الله عنه خاصة ، فقد أكثروا الكذب في الدين عامة وعن علي رضي الله عنه خاصة ، وإليك بعض ما قال السلف عن مرويات الشيعة :
فعن مالك حين سئل عن الشيعة فقال : لا تروي عنهم فإنهم يكذبون 
وقال أيضا : نزلوا أحاديث أهل العراق ( أي الشيعة منهم ) منزلة أهل الكتاب لا تصدقوهم ولا تكذبوهم .
وقال الشافعي : لم أر أحدا أشهد بالزور من الرافضة .
وقال ابن مهدي : نكتب عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية إلا الرافضة فإنهم يكذبون .
وقال شريك : احمل العلم عن كل من لقيت إلا الرافضة فإنهم يضعون الحديث ويتحذونه دينا.
هذا كذبهم في الدين عامة ، أما عن كذبهم عن علي خاصة :
فقد قال الشعبي عنهم : والله لو طلبت منهم أن يملؤوا هذا البيت ذهبا على أن أكذب على علي أعطوني ، والله ما أكذب عليه أبدا . وقال سفيان الثوري : منعتنا الشيعة أن نذكر فضائل علي .          (قلت) أي من كثرة الكذب عليه.
وقال الشعبي أيضا وقد ذكر الرافضة : لقد بغضوا إلينا حديث علي بن أبي طالب . وقد اعترف ابن أبي حديد في كتابه نهج البلاغة وهو شيعي جلد أن الشيعة وضعت وتكذب على علي ، من أجل عداوة خصومهم .
وقصتنا هذه تفرد بها الروافض والكذابين ، والضعفة منهم وإليك البيان :

نص الوصية :

عَنْ كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ : أَخَذَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِي فَأَخْرَجَنِي إِلَى نَاحِيَةِ الْجَبَّانِ ، فَلَمَّا أَصْحَرْنَا جَلَسَ ثُمَّ تَنَفَّسَ ثُمَّ قَالَ : يَا كُمَيْلُ بْنَ زِيَادٍ الْقُلُوبُ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا ، وَاحْفَظْ مَا أَقُولُ لَكَ : النَّاسُ ثَلَاثَةٌ : فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ ،لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ , الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ , وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ , الْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الْعَمَلِ , وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ , الْعِلْمُ حَاكِمٌ , وَالْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ , وَصَنِيعَةُ الْمَالِ تَزُولُ بِزَوَالِهِ , مَحَبَّةُ الْعَالِمِ دِينٌ يُدَانُ بِهَا , تُكْسِبُهُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ , وَجَمِيلَ الْأُحْدُوثَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ , مَاتَ خُزَّانُ الْأَمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ , الْعُلَمَاءُ بَاقُونَ , مَا بَقِيَ الدَّهْرُ , أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ , وَأَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ , هَا إِنَّ هَا هُنَا - وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ - عِلْمًا , لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً , بَلَى أَصَبْتُهُ لَقِنًا , غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ , يَسْتَعْمِلُ آلَةَ الدِّينِ لِلدُّنْيَا , يَسْتَظْهِرُ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ , وَيُحْجِجْهُ عَلَى كِتَابِهِ , أَوْ مُنْقَادًا لِأَهْلِ الْحَقِّ , لَا بَصِيرَةَ لَهُ فِي إِحْيَائِهِ , يَقْتَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ , بِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ , لَا ذَا , وَلَا ذَاكَ , أَوْ مَنْهُومًا بِاللَّذَّةِ سَلِسُ الْقِيَادِ لِلشَّهَوَاتِ , أَوْ فَمُغْرًى بِجَمْعِ الْأَمْوَالِ , وَالِادِّخَارِ , لَيْسَا مِنْ دُعَاةِ الدِّينِ , أَقْرَبُ شَبَهِهِمَا بِهِمَا الْأَنْعَامُ السَّائِمَةُ , كَذَلِكَ يَمُوتُ الْعِلْمُ بِمَوْتِ حَامِلِيهِ اللَّهُمَّ بَلَى , لَنْ تَخْلُوَ الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ , لِكَيْ لَا تَبْطُلَ حُجَجُ اللَّهِ وَبَيِّنَاتُهُ , أُولَئِكَ الْأَقَلُّونَ عَدَدًا الْأَعْظَمُونَ عِنْدَ اللَّهِ قَدْرًا , بِهِمْ يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْ حُجَجِهِ , حَتَّى يُؤَدُّوهَا إِلَى نُظَرَائِهِمْ , وَيَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ , هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْأَمْرِ , فَاسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَ مِنْهُ الْمُتْرَفُونَ , وَأَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ , وَصَاحَبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانَ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحْمَلِ الْأَعْلَى , هَاهَا شَوْقًا إِلَى رُؤْيَتِهِمْ , وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكَ , إِذَا شِئْتَ فَقُمْ "

تخريج وبيان مصادر هذا الأثر :

رواها أبو نعيم في الحلية (1/79) أخرجه أبو بكر الأبهري في فوائده (ص32-34/رقم16) وابن الشجري في ترتيب الأمالي (332) وابن عبد البر في جامع بيان العلم (1878) والخطيب في الفقيه والمتفقه (1/182-183) في تاريخ بغداد (6/379) وابن عساكر في تاريخ دمشق (3353) وأبو طاهر السلفي في منتخبه من الطيوريات (535) والرافعي في أخبار قزوين (3/208) والهندي في كنز العمال (29391) والنهرواني في الجليس الصالح (3/331) وذكرها صاحب شرح نهج البلاغة (4/311) وفي العقد الفريد لابن عبد ربه (2/212) وبسنده المزي في تهذيب الكمال (24/220-222) وبسنده الذهبي في تذكرة الحفاظ (1/11) وذكرها الكثير محتجين بها وشارحين وراضين كابن الجوزي في صفة الصفوة (1/123) وابن تيمية في الفتاوى (9/310) وابن القيم في مفتاح دار السعادة (1/123) وإعلام الموقعين (2/195) وابن كثير في تاريخه (9/57) وابن أبي العز في الاتباع (ص85- 86) والسيوطي في الجامع (32135) والشاطبي في الاعتصام (2/875- 876) والماوردي في أدب الدنيا والدين (ص 59) وشرحه ابن القيم وأطال فيه .

كلام المتأخرين فيها :

قال ابن عبد البر : وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ يُسْتَغْنَى عَنِ الْإِسْنَادِ لِشُهْرَتِهِ عِنْدَهُمْ .                                              واحتج ابن القيم بكلامه في مفتاح دار السعادة وإعلام الموقعين على صحة القصة !! 

وقال الخطيب : هذا الحديث من أحسن الأحاديث معنى ، وأشرفها لفظاً وتقسيم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الناس في أوله تقسيم في غاية الصحة ، ونهاية السداد ، لأن الإنسان لا يخلو من أحد الأقسام الثلاثة التي ذكرها مع كمال العقل ، وإزاحة العلل ، إما أن يكون عالماً أو متعلِّماً ، أو مُغفَّلاً للعلم وطلبه ، ليس بعالم ، ولا طالب له ". 

وقال ابن كثير في البداية والنهاية (9/47) : وَلَهُ الْأَثَرُ الْمَشْهُورُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي أَوَّلُهُ « الْقُلُوبُ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا » وَهُوَ طَوِيلٌ قَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ (!!) وَفِيهِ مَوَاعِظُ وَكَلَامٌ حسن رضى الله عن قائله . 

وشرحها ذاك سليم بن عبد الهلالي في كتابه ( الإسعاد بذكر فوائد وصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لكميل بن زياد ) !!

دراسة رواة الوصية ورجالها :

ولهذه الوصية إسنادان :

الأول : رواه إسماعيل بن موسى الفَزَاريّ ابن بنتِ السُّدِّيّ ، حدثنا عاصم بن حُميد عن عاصم بن حُميد الحنَّاط عن ثابت بن أبي صَفِيَّة أبي حمزة الثُّمَاليّ عن عبد الرحمن ابن جُندُب عن كُمَيل بن زياد النَّخَعيّ ....

1ـــ كميل بن زياد : رافضي مختلف فيه ، وهو وإن وثقه ابن معين وابن سعد والعجلي فقد ذكروا أنه رافضي يغلو في علي ففي تهذيب الكمال للمزي (24/219) قَال مُحَمَّد بْن عَبد اللَّهِ بْن عمار: كميل بْن زِيَاد رافضي ، وهُوَ ثقة من أصحاب عَلِيٍّ .
وَقَال فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: كميل بْن زِيَاد من رؤساء الشيعة، وكان بلاء من البلاء. قال ابن حبان في المجروحين (891) كانَ كميل من المفرطين فِي عَليّ مِمَّن يروي عَنهُ المعضلات وَفِيه المعجزات مُنكر الحَدِيث جدا تتقى رِوَايَته وَلَا يحْتَج بِهِ ) اهــــ وذكره ابن الجوزي في الضعفاء (2804) والذهبي في المغني في الضعفاء (5109) محتجين بتجريح ابن حبان .(قلت) ولهذا السبب تجده مشهور في كتب الشيعة ، يحبونه ويتولونه ويكثرون عنه .

2 ـــ عبد الرحمن بن جندب : ذكره البخاري وسكت عنه ، وذكره ابن حبان في "الثقات" كعادته في ذكر المجاهيل ، وقال ذاك الذهبي : مجهول. [ أنظر : التاريخ الكبير (5/268) والثقات (7/69) واللسان (3/408) ]

3 ـــ ثابت بن أبي صَفِيَّة أبي حمزة الثُّمَاليّ : رافضي يؤمن بالرجعة ، وقد ضعفه ابن معين وأحمد ، والنسائي جدًّا ، وقال أبو حاتم ، وأبو زرعة : لين وزاد أبو حاتم : "يكتب حديثه ولا يحتج به " وقال الجوزجاني : واهي الحديث ، وتركه حفص بن غياث ، وقال الدارقطني : متروك، وقال ابن عدي: وضعفه بيّن على رواياته ، وهو إلى الضعف أقرب" وقال يزيد بن هارون : سمعته يؤمن بالرجعة !! وَقَال ابن حبان : كثير الوهم في الاخبار حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد مع غلو في تشيعه". [ انظر : الطبقات لابن سعد (6/364) والعلل لأحمد (3/96) أحوال الرجال (ص70) والضعفاء والمتروكين للنسائي (ص27) والضعفاء للعقيلي (1/172) والمجروحين (1/206) والكامل لابن عدي (2/93) وسؤالات البرقاني (ص19) وتهذيب الكمال (4/385) والكاشف (1/282) والتهذيب (2/7) والتقريب (132/ت818) ] .

4 ـــ عاصم بن حُميد الحنَّاط : شيعي كوفي ، وثقه أبو زرعة ، وقال أبو حاتم : شيخ ، وقال أبو نعيم : ما كان بالكوفة ممن يتشيع أوثق من من عاصم بن حميد الحناط .[ الجرح والتعديل (6/342) ، وتاريخ أسماء الثقات لابن شاهين (ص149) ، وتهذيب الكمال (13/482) ، والتهذيب (5/37) والتقريب (285/ت3057) ] .

5 ـــ إسماعيل بن موسى الفَزَاريّ ابن بنتِ السُّدِّيّ : أبو محمد أو أبو إسحاق الكوفي الرافضي قال ابن عدي : سمعت عبدان الأهوازي يقول: سَمعتُ أبا بكر بن أبي شيبة ، أو هناد بن السري أنكر علينا ذهابنا إلى إسماعيل هذا، وقال : أيش علمتم عند ذاك الفاسق الذي يشتم السلف؟! [ أنظر التاريخ الكبير (1/373) والجرح والتعديل (2/196) والكامل لابن عدي (1/325) والثقات لابن حبان (8/104) والضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (1/122) وتهذيب الكمال (3/211) والكاشف (1/250) والتهذيب (1/292) والتقريب (110/ت492) ]

الإسناد الثاني : 

 وله إسناد آخر تالف لا يفرح به مسلسل بالكذابين : رواه الخطيب في تاريخه (6/376) وابن عساكر (50/251) بسند فيه : إسحاق بن محمد بن أحمد- أبو يعقوب النّخعيّ (كافر رافضي خبيث) وهشام بن محمد بن السائب أبو منذر الكلبي (كذاب) عن أبي مخنف لوط بن يحيى (رافضي كذاب) عن فضيل بن خديج (مجهول روى عَنهُ رجل مَتْرُوك) عن كميل بن زياد النخعي (رافضي) .. وذكره .

الحكم العام على الأثر :

أنه شديد الضعف جدا مسلسل بالروافض والضعفاء ، وأخشى أن يكون موضوعا ، ركبه أحد الشيعة الذين هم في السند كالثمالي والفزاري فكلاهما رافضي ، أو يكون من كلام كميل رفعه الضعفاء ، أو أخترعه كميل نفسه كما ذكر بن حبان ، فقد أشار إلى هذا الأثر في كلامه في قوله ( يروي عن علي المعضلات والمناكير ) فإذا علمنا أنه قليل الحديث كما قال ابن سعد ، وعلمنا أن مروياته عن علي جد قليلة لا تتجاوز الخمس ، فهذا يدلك أن هذا الأثر عناه ابن حبان بالأولوية ، وقد أشار ابن عدي أيضا بوجه خفي حين قال عن أبي حمزة الثمالي أحد رواة هذا الوصية : (ولأبي حمزة هَذَا أحاديث وضعفه بيِّنٌ عَلَى رواياته) وقد أعترف ذاك الذهبي في تذكرته بأن في إسناده لين ، ولكنه قصر في العبارة بل هو منكر وباطل يكاد يكون موضوع.

ومن الأدلة على نكارة هذه القصة : أنه تفرد بتخريجها فقد أصحاب الأجزاء الحديثية من المتأخرين بسند نازل جدا ، ولم يروها أحد ممن أعتنى بالسنن والمسانيد والصحاح حتى الذين اعتنوا بالتواريخ القديمة والتراجم لم يذكروها ، مع حسن ألفاظها وعجائب ما فيها من التركيبات اللغوية والمعاني ، فهذا يدلك على أن القصة معلومة البطلان عندهم ، ولهذا لم يولوها أي اهتمام ولا حتى أشاروا إليها !!

ومن الأدلة على بطلانه : أن مداره على الشيعة والروافض فقط ، وهذه علة كافية في نكارته وبطلانه .


شبهات وجوابها :

شبهة 1 : قد يقال : كيف قيل في هذا الأثر : إن شهرته تغني عن إسناده كما قال ابن عبد البر وأقره ابن القيم وغيره ؟                الجواب : إنها مجرد دعوى عريضة خالية عن التحقيق ، وبلا دليل ، وليس للإسناد أي شهرة عند السلف إنما اشتهر عند الخلف فقط ، إنما استهوتهم ألفاظه فوضعوا له هيبة لكي لا يقترب من إسناده أحد فيفسد عليهم متعة اللفظ والشرح .

شبهة 2 : فإن قيل : إن ألفاظه حسنة وفيها معاني راقية ، وتقسيمات جميلة ، وقد اعتنى بشرحه كثير من أهل العلم المتأخرين كابن القيم ، فكيف لا يكون علي رضي الله عنه قاله وهو بهذا الحسن ؟؟
الجواب : فنقول كما قال شعبة : من حسنه فررنا ، ثم إنك لو قرأت كتاب نهج البلاغة لابن أبي حديد الذي هو عمدة الروافض قديما وحديثا لرأيت العجب من أمثال هذه الكلمات المنسوبة لعلي رضي الله عنه ، فلا تعجب من ذلك ، فالشيعة أوتوا لغة وجدلا ، خاصة المتقدمون منهم ، ويعرفون طريقة كلام علي وكيف يركبون عبارات قريبة من آثاره بحيث تشتبه على من ليس له خبرة بكلام علي رضي الله عنه ، وبالله التوفيق .



تم المقال بحمد لله 

الجمعة، 29 سبتمبر 2017

كشف الخفاء عما ورد من آثار في تحريم متعة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم .

فهذا تجميع لما ورد من الأدلة من الأحاديث والآثار ، مع ذكر درجاتها من الصحة والجودة وفيها غنية عن الضعيف والمنكر كما قال ابن المبارك رحمه الله ، وهي تكفي لمن اشتبه عليه حكم حرمة المتعة واستشكلت عليه بعض المرويات ، أو شك في مذهب الصحابة والسلف ، فاللهم رب يسر وأعن

تعريف متعة النساء :

ومتعة النساء هي أن يتزوج المرأة على أجل معلوم يطلقها بعده ، فإن صرح بالأجل فهذه متعة صريحة وهي محرمة كما سيأتي من ذكر النصوص ، وإن أضمر النية في نفسه فهي أيضا متعة محرمة في حقه ، وليس على الزوجة وأهلها شيء إلا إذا عرفوا نيته بالقرائن فعندها يشاركونه في الإثم .                                  كما في مسائل عبد الله (1278) قال : ( سَأَلت أبي عَن الرجل يتَزَوَّج الْمَرْأَة وَفِي نَفسه ان يطلقهَا ؟ قَالَ أكرهه هَذِه مُتْعَة ) اهــــ  

وذكرها الكرماني في مسائله (75) وزاد : حدثنا محمود قال ثنا عمر قال : سألت الأوزاعي عن رجلٍ تَزَوَّجَ امرأة ، ومن نيته أن يطلقها ، وليس ثمة شرط ؟ قال: لا خير في هذا ، هذه متعة ) .  

(قلت) لقد استقر قول السلف على تحريم متعة النكاح ولم يعد يعاند في تحريمها إلا الروافض والمتصوفة الزنادقة ، ولهذا انتشر عندهم الزنا والفواحش وأبناء الزنا واللقطاء وكل خبيث ، والأدلة على تحريم المتعة من الأحاديث والآثار كثيرة جدا أذكر منها الصحيح وما يقاربه وأعرض عن ذكر الضعيف فأقول :

أصل تحريم المتعة في القرآن في آيتين : 

 الأولى : في قوله تعالى {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: 6]                        ـــ روى الحارث بن أسامة في مسنده (479) والحاكم (3193) وصححه والبيهقي في السنن الكبرى (14174) بسند صحيح عن نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: سُئِلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَقَالَتْ : بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ كِتَابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَقَرَأَتْ هَذِهِ الْآيَةَ {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ مَا زَوَّجَهُ اللهُ أَوْ مَلَّكَهُ فَقَدْ عَدَا ". 

 ــــ وروى عبْدُ الرَّزَّاقِ (14036) بسند صحيح عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: إِنِّي لَأَرَى تَحْرِيمَهَا فِي الْقُرْآنِ قَالَ : فَقُلْتُ : أَيْنَ ؟ قَالَ : فَقَرَأَ عَلَيَّ هَذِهِ الْآيَةَ: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون : 6] 

 الثانية : قوله تعالى ( مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ) [النساء: 25] وقد وصف ابن عمر كما سيأتي المتعة بعدما نسخت ونهي عنها بالسفاح ، فدخل في هذه الآية حكمها. وروى أبو الفتح المقدسي في كتاب تحريم نكاح المتعة (58) عَنْ قَتَادَةَ {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} قَالَ : الْمُسَافِحَاتُ : هِيَ الْبَغِيُّ الَّتِي تُؤَاجِرُ نَفْسَهَا مَنْ عَرَضَ لَهَا وَأَمَّا الْمُتَّخِذَاتُ الْأَخْدَانَ فَذَاتُ الْخِدْنِ الْوَاحِدِ ، نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ نِكَاحِهَا جَمِيعًا ." 

 أما ما ثبت من الأحاديث والآثار

 لقد ثبت حكم النسخ قطعا ـــ في كثير من الأخبار ، وسنكتفي بذكر الصحيح وما يقاربه ، منها : 

 ـــ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَعَنْ أَكْلِ لحوم الحمر الإنسية . [ رواه البخاري (4216) ومسلم (1407) ] وقد علق البخاري في صحيحه على بعض الأحاديث بقوله : وَقد بَينه عَليّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه مَنْسُوخ . 

 ــــ وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم رَخَّصَ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ ، فَأَتَيْتُهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ ، فَإِذَا هُوَ يُحَرِّمُهَا أَشَدَّ التَّحْرِيمِ ، وَيَقُولُ فِيهَا أشد القول . [ أخرجه بسند صحيح : أحمد (3/405) وابن حبان (4144) الطحاوي في شرح معاني الآثار (3/26) ] 

 ــ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: أَذِنَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُتْعَةِ عَامَ الْفَتْحِ ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ آخَرُ إِلَى امْرَأَةٍ شابة كأنها بكرة عيطاء لنستمتع إليها ، فَجَلَسْنَا بَيْنَ يَدَيْهَا ، وَعَلَيْهِ بُرْدٌ ، وَعَلَيَّ بُرْدٌ فَكَلَّمْنَاهَا وَمَهَرْنَاهَا بُرْدَيْنَا ، وَكُنْتُ أَشَبَّ مِنْهُ ، وَكَانَ بُرْدُهُ أَجْوَدَ مِنْ بُرْدِي ، فَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيَّ مَرَّةً ، وَإِلَى بُرْدِهِ مَرَّةً ، ثُمَّ اخْتَارَتْنِي ، فَنَكَحْتُهَا ، فَأَقَمْتُ مَعَهَا ثَلَاثًا ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا ففارقتها . [ مسلم (1406) ] 

ــ وفي رواية قال : أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ فِي هَذِهِ النِّسَاءِ ، أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْئًا فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ ، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا " . 

 ـــ روى البخاري (5115) أَنَّ عَلِيًّا قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ؟ وفي لفظ : « إنك امرؤ تائه إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرم المتعة وحرم الحُمُر الأهلية عام خيبر »

ـــ روى ابن ماجه (1963) والبزار في المسند (1/246) (286،287) والبيهقي في السنن الكبرى (7/26) وتمام في فوائده (8) والضياء في المختارة (1/331) وأبو الفتح المقدسي في تحريم نكاح المتعة (ص74) وابن عساكر في تاريخه (41/229) بسند لا بأس به عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : لَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: « إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَذِنَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ حَرَّمَهَا، وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا يَتَمَتَّعُ وَهُوَ مُحْصَنٌ إِلَّا رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَنِي بِأَرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَحَلَّهَا بَعْدَ إِذْ حَرَّمَهَا » 

 (قلت) وذلك أنّ ابن عباس لم يسمع بالنسخ أولا لأنه كان صغيرا حين الغزوة التي أبيحت فيها المتعة كما قال ابن عمر ، فكان يفتي كما رواه عنه سعيد بن جبير أنه تجوز للضرورة القصوى كالمضطر للدم وللحم الخنزير لا مطلقا كما فهم عنه من روى عنه خلاف ذلك ، وقد رد عليه جمع من السلف وشددوا عليه في الرد جدا : منهم علي وابن عمر وغيرهم من الصحابة حتى رجع عن فتواه . 

 ــــ روى ابن أبي شيبة (17072) والبيهقي في سننه الكبرى (14173) وسنده صحيح عَنِ ابْنِ عُمَرَ سُئِلَ عَنْ الْمُتْعَةِ ؟ فَقَالَ: «حَرَامٌ» فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يُفْتِي بِهَا ، فَقَالَ : « فَهَلَّا تَزَمْزَمَ بِهَا فِي زَمَانِ عُمَرَ » 

 ــــ وفي رواية ابن وهب في جامعه (245) والبخاري في تاريخه الكبير (3266) والطبراني في الكبير (13145) والأوسط (9295) والبيهقي في السنن (7/202) ومستخرج أبي عوانة (3/29) والطحاوي في شرح معاني الآثار (4311) بسند صحيح قال بن عمر : ( أَمَا وَاللهِ لَقَدْ عَلِمَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ حُنَيْنٍ وَمَا كُنَّا مُسَافِحِينَ . 

 ــــ وفي لفظ قال : فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: سُبْحَانَ اللَّهِ ، مَا أَظُنُّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَفْعَلُ هَذَا ، قَالُوا : بَلَى ، إِنَّهُ يَأْمُرُ بِهِ ، فَقَالَ : وَهَلْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَّا غُلَامًا صَغِيرًا إِذْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : « نَهَانَا عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا كُنَّا مُسَافِحِينَ » 

ــــ روى ابن أبي شيبة في المصنف (17077) عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : « لَوْ أُتِيتُ بِرَجُلٍ تَمَتَّعَ بِامْرَأَةٍ ، لَرَجَمْتُهُ إِنْ كَانَ أَحْصَنَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحْصَنَ ضَرَبْتُهُ » 

 (قلت) ثم إن ابن عباس لما أعلمه علي بالنسخ والحرمة رجع عنها 

 ـــ ففيما أخرجه الترمذى (209) والبيهقى (7/205 ـ 206) من طريق موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب بسند فيه ضعف عن ابن عباس قال : إنما كانت المتعة فى أول الإسلام , كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة , بقدر ما يرى أنه يقيم  فتحفظ له متاعه وتصلح له شيئه حتى نزلت الآية ( إلا على
 أزوجهم أو ما ملكت إيمانهم ) 

 (قلت) ولأجل هذا قال ذاك البيهقي في السنن الصغير (3/57) : وقد روينا عن ابن عباس رجوعه. وقد كثر التشديد والردود على ابن عباس من جميع الصحابة حتى التابعين فكان ممن رد عليه وخطئه علي وابن عمر وجابر وأبو سعيد الخدري وابن صفوان وابن أبي عمارة الأنصاري وسعيد بن المسيب وغيرهم وحتى صار الشعراء يكتبون فيها ويعرضون به ، فلما علم ابن عباس أنه أخطأ نهى عنها . 

 ـــ روى الدولابي في الكنى (1426) والطبراني في الكبير (10601) والبيهقي في الكبرى (14166) من طريق عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : مَا تَقُولُ فِي مُتْعُةِ النِّسَاءِ ؟ فَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِيهَا حَتَّى قَالَ فِيهَا الشَّاعِرُ قَالَ : وَمَا قَالَ فِيهَا الشَّاعِرُ ؟ قُلْتُ : قَالَ الشَّاعِرُ : قَدْ قُلْتُ لِلشَّيْخِ لَمَّا طَالَ مَحْسَبُهُ ... يَا صَاحِ هَلْ لَكَ فِي فُتْيَا ابْنِ عَبَّاسِ؟ هَلْ لَكَ فِي رَخْصَةِ الْأَطْرَافِ آنِسَةٍ ... تَكُونُ مَثْوَاكَ حِينَ يَصُدُّ النَّاسُ قَالَ: وَقَدْ قِيلَ الشِّعْرُ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ فَكَرِهَهَا وَنَهَى عَنْهَا . 

 ـــ وفي لفظ قال : مَا هَذَا أَرَدْتُ , وَمَا بِهَذَا أَفْتَيْتُ فِي الْمُتْعَةِ , إِنَّ الْمُتْعَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِمُضْطَرٍّ أَلَا إِنَّمَا هِيَ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ" . 

 ـــ وروى البيهقي في الكبرى (14165) وأبو عوانة في مستخرجه (4057) من طريق ابْنُ شِهَابٍ قال : وَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُفْتِي بِالْمُتْعَةِ , وَيَغْمِصُ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ , فَأَبَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ يَنْتَكِلَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى طَفِقَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ يَقُولُ : يَا صَاحِ هَلْ لَكَ فِي فُتْيَا ابْنِ عَبَّاسِ .... هَلْ لَكَ فِي نَاعِمٍ خُودٍ مُبْتَلَّةٍ ... تَكُونُ مَثْوَاكَ حَتَّى مَصْدَرِ النَّاسِ ؟ قَالَ : فَازْدَادَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِهَا قَذَرًا وَلَهَا بُغْضًا حِينَ قِيلَ فِيهَا الْأَشْعَارُ . 

 ــــ روى عَبْدُ الرَّزَّاقِ (14039) عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: ازْدَادَتِ الْعُلَمَاءُ لَهَا مِفْتَاحًا حِينَ قَالَ الشَّاعِرُ: يَا صَاحِ هَلْ لَكَ فِي فُتْيَا ابْنِ عَبَّاسٍ " ومما ثبت من الأحاديث والآثار أيضا : 

 ـــ وروى مسلم (1405) وابن أبي شيبة (17068) عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : « رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ أَوْطَاسٍ فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا » 

 ــــ وروى سعيد بن منصور (853) بسند صحيح عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَا أَنْهَى عَنْهُمَا وَأُعَاقِبُ عَلَيْهِمَا : مُتْعَةُ النِّسَاءِ ، وَمُتْعَةُ الْحَجِّ " 

 ـــ روى ابن أبي شيبة (17075) عن ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قال : سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ ، يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ : إِنَّ الذِّئْبَ يُكَنَّى أَبَا جَعْدَةَ ، أَلَا وَإِنَّ الْمُتْعَةَ هِيَ الزِّنَا » 

 ـــ ورواه البيهقي لافي السنن الكبرى (14164) لفظ آخر : بسنده عن ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ قَالَ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ , أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا" قَامَ بِمَكَّةَ فَقَالَ: إِنَّ نَاسًا أَعْمَى اللهُ قُلُوبَهُمْ كَمَا أَعْمَى أَبْصَارَهُمْ يُفْتُونَ بِالْمُتْعَةِ" وَيُعَرِّضُ بِالرَّجُلِ فَنَادَاهُ , فَقَالَ: " إنك جِلْفٌ جَافٍ , فَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَتِ الْمُتْعَةُ تُفْعَلُ فِي عَهْدِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ، يُرِيدُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَجَرِّبْ بِنَفْسِكَ، فَوَاللهِ لَئِنْ فَعَلْتَهَا لَأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارِكَ"

ـــ روى عَبْدُ الرَّزَّاقِ (14048) بسند جيد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَطُولُ غُرْبَتُنَا فَقُلْنَا : أَلَا نَخْتَصِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ : « فَنَهَانَا ، ثُمَّ رَخَّصَ أَنْ نَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ إِلَى أَجَلٍ بِالشَّيْءِ ، ثُمَّ نَهَانَا عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ » 

 ـــ وروى عَبْدُ الرَّزَّاقِ (14044) بسند فيه ضعف يسير عن ابْنُ مَسْعُودٍ قال : « نَسَخَهَا الطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ وَالْمِيرَاثُ » 

 ــ وروى ابن شبة في تاريخ المدينة (2/716) بسند لابأس به عَنِ الْأَجْلَحِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الزُّبَيْرِ يَقُولُ: تَمَتَّعَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ مِنَ امْرَأَةٍ بِالْمَدِينَةِ فَحَمَلَتْ، فَأَتَى بِهَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَرَادَ أَنْ يَضْرِبَهَا فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، تَمَتَّعَ مِنِّي عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ فَقَالَ: مَنْ شَهِدَ نِكَاحَكِ؟ فَقَالَتْ: أُمِّي وَأُخْتِي فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ فَأَرْسَلَ إِلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ : صَدَقَتْ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلنَّاسِ: هَذَا نِكَاحٌ فَاسِدٌ ، وَقَدْ دَخَلَ فِيهِ مَا تَرَوْنَ ، فَرَأَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يُحَرِّمَهُ " فَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ : فَقُلْتُ لِجَابِرٍ: هَلْ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ ؟ قَالَ: لَا. 

 ـــ روى عبد الرزاق في المصنف (14046) عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ أِنَّهُ قَالَ : « نَسَخَ رَمَضَانُ كُلَّ صَوْمٍ ، وَنَسَخَتِ الزَّكَاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ ، وَنَسَخَ الْمُتْعَةَ الطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ وَالْمِيرَاثُ » 

 ــ روى أحمد في مسنده (369) ومسلم (1217) عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قُلْتُ إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ , وَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بِهَا قَالَ : عَلَى يَدِيَّ جَرَى الْحَدِيثُ , تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، فَلَمَّا وُلِّيَ عُمَرُ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ : " إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الرَّسُولُ , وَإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هَذَا الْقُرْآنُ , وَإِنَّهُمَا كَانَتَا مُتْعَتَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَا أَنْهَى عَنْهُمَا وَأُعَاقِبُ عَلَيْهِمَا , إِحْدَاهُمَا مُتْعَةُ النِّسَاءِ وَلَا أَقْدِرُ عَلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً إِلَى أَجَلٍ إِلَّا غَيَّبْتُهُ بِالْحِجَارَةِ , وَالْأُخْرَى مُتْعَةُ الْحَجِّ افْصِلُوا حَجَّكُمْ مِنْ عُمْرَتِكُمْ فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّكُمْ وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِكُمْ . 

 ـــ قال ابن شهاب : فأخبرنى خالد بن المهاجر بن سيف الله أنه بينا هو جالس عند رجل جاءه رجل , فاستفتاه فى المتعة , فأمره بها , فقال له ابن أبى عمرة الأنصارى : مهلا , ماهى , والله لقد فعلت فى عهد إمام المتقين , قال ابن أبى عمرة : إنها كانت رخصة فى أول الإسلام لمن اضطر إليها كالميتة والدم ولحم الخنزير , ثم أحكم الله الدين ونهى عنها " [ أخرجه مسلم (4/133) والبيهقى (7/205) وفى رواية له : يعرض بابن عباس ] 

 ــ وروى مالك في الموطأ (1994) عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ ، دَخَلَتْ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقَالَتْ : إِنَّ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ اسْتَمْتَعَ بِامْرَأَةٍ مُوَلَّدَةٍ ، فَحَمَلَتْ مِنْهُ ، فَخَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، فَزِعاً ، يَجُرُّ رِدَاءَهُ ، فَقَالَ : هذِهِ الْمُتْعَةُ ، وَلَوْ كُنْتُ تَقَدَّمْتُ فِيهَا لَرَجَمْتُ. 

 ــ وروى عبد الرزاق (14038) ابن أبي شيبة (17069) عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : « لَوْ تَقَدَّمْتُ فِيهَا لَرَجَمْتُ » يَعْنِي الْمُتْعَةَ . ورواية عبد الرزاق أتم وهي من طريق عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، أَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ تَزَوَّجَ مُوَلَّدَةً مِنْ مُوَلَّدَاتِ الْمَدِينَةِ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ، وَكَانَتِ امْرَأَةً صَالِحَةً، فَلَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلَّا الْوَلِيدَةُ قَدْ حَمَلَتْ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ خَوْلَةُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَامَ يَجُرُّ صَنِفَةَ رِدَائِهِ مِنَ الْغَضَبِ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: «إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ تَزَوَّجَ مُولَّدَةً مِنْ مُولَّدَاتِ الْمَدِينَةِ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ، وَإِنِّي لَوْ كُنْتُ تَقَدَّمْتُ فِي هَذَا لَرَجَمْتُ » 

ـــ وروى عبد الرزاق (14042) وابن أبي شيبة في المصنف (17071) وأبو عوانة في مستخرجه (4085) بسند صحيح عَنْ ابن عمر سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ ؟ فَقَالَ : لَا نَعْلَمُهَا إِلَّا السِّفَاحَ .

ــ وروى أبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني (503) عَنْ رَبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ : سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ ؟ فَقَالَ : لَا نَعْلَمُهَا إِلَّا السِّفَاحَ . 

ــ روى ابن أبي شيبة (17073) وابن شبة في تاريخ المدينة (2/720) بسند صحيح عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ : رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ « لَوْلَا أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ ، صَارَ الزِّنَا جِهَارًا » ". 

ـــ وروى ابن شبة في تاريخ المدينة (2/720) في لفظ قال : رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، لَوْلَا أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ لَفَشَا الزِّنَى . 

 ـــ ورورى عَبْدُ الرَّزَّاقِ (14045) عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ دَاوُدَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «نَسَخَهَا الْمِيرَاثُ» 

ـــ روى عبد الرزاق (14040) وابن أبي شيبة (17074) وأبو إسحاق المدني في جزء علي بن حجر (117) عَنِ الْحَسَنِ قَالَ :   « وَاللَّهِ مَا كَانَتْ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَذِنَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا ، مَا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا بَعْدُ »                                   وفي لفظ : أَنَّهُ حَلَفَ بِاللَّهِ مَا أُحِلَّتْ مُتْعَةُ النِّسَاءِ لَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ إِلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ . ـــ روى ابن أبي شيبة في المصنف (17078) بسند جيد عن مَكْحُول قال فِي الرَّجُلِ تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ إِلَى أَجَلٍ قَالَ : « ذَلِكَ الزِّنَا » 

ـــ وروى البيهقي في السنن الكبرى (14182) عَنْ بَسَّامٍ الصَّيْرَفِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمُتْعَةِ فَوَصَفْتُهَا فَقَالَ لِي : ذَلِكَ الزِّنَا ". 

 ــ وروى الفاكهي في أخبار مكة (1718) عن عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ هِشَامٍ ، سَأَلَ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ ، فَحَدَّثَهُ فِيهَا ، وَلَمْ يَرَ بِهَا بَأْسًا قَالَ : فَقَدِمَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ فَسَأَلَهُ فَقَالَ : لَا يَنْبَغِي، هِيَ حَرَامٌ " قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : عَطَاءٌ : حَدَّثَنِي فِيهَا ، وَزَعَمَ أَنْ لَا بَأْسَ بِهَا فَقَالَ الْقَاسِمُ : سُبْحَانَ اللهِ !! مَا أَرَى عَطَاءً يَقُولُ هَذَا قَالَ : فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنُ هِشَامٍ فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ حَدِّثِ الْقَاسِمَ الَّذِي حَدَّثْتَنِي فِي الْمُتْعَةِ فَقَالَ : مَا حَدَّثْتُكَ فِيهَا شَيْئًا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : بَلَى قَدْ حَدَّثْتَنِي فَقَالَ: مَا فَعَلْتُ فَلَمَّا خَرَجَ الْقَاسِمُ قَالَ لَهُ عَطَاءٌ : صَدَقْتَ أَخْبَرْتُكَ ، وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ أَقُولَهَا بَيْنَ يَدَيِ الْقَاسِمِ فَيَلْعَنَنِي وَيَلْعَنَنِي أَهْلُ الْمَدِينَةِ ." 

ــ ومن المناظرات الكبيرة في هذا الباب : 

 قصة مناظرة يحي بن الأكثم مع ذاك المأمون (المأفون) الجهمي والتي قد رواها ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (1/ 413) قال أبو العيناء : حدثنا أحمد بن أبي دؤاد قال : كنا مع المأمون في طريق الشام ، فأمر فنودي بتحليل المتعة. فقال يحيى بن أكثم لي ولمحمد بن منصور : بكرا غدا إليه ، فإن رأيتما للقول وجها فقولا ، وإلا فاسكتا إلى أن أدخل قال : فدخلنا إليه وهو يستاك ، ويقول ، وهو مغتاظ : متعتان كانتا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى عهد أبي بكر ، وأنا أنهى عنهما ؟ ومن أنت يا أحول حتى تنهى عما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر ؟ فأومأمت إلى محمد بن منصور : رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول ، نكلمه نحن ؟ فأمسكنا ، وجاء يحيى فجلس وجلسنا فقال المأمون ليحيى : مالي أراك متغيرا ؟ فقال : هو غم يا أمير المؤمنين ، لما حدث في الإسلام قال : وما حدث فيه ؟ قال : النداء بتحليل الزنا ، قال : الزنا ؟ قال : نعم ، المتعة زنى ، قال : ومن أين قلت هذا ؟ قال : من كتاب الله ، وحديث رسوله - صلى الله عليه وسلم - قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} إلى قوله {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} يا أمير المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين ؟ قال : لا قال : فهي الزوجة التي عنى الله عز وجل ترث وتورث ، ويلحق بها الولد ، ولها شرائطها ؟ قال : لا قال : فقد صار متجاوز هذين من العادين ، وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما محمد عن علي بن أبي طالب قال: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها ، بعد أن كان أمر بها ، فالتفت إلينا المأمون فقال: أمحفوظ هذا من حديث الزهري ؟ فقلنا : نعم ، يا أمير المؤمنين ، رواه جماعة منهم مالك ، فقال : أستغفر الله ، نادوا بتحريم المتعة ، فنادوا بها ) اهــــ . 

(قت) ولمن أراد التوسع أكثر في أخبار تحريم متعة النساء فعليه بكتاب (تحريم نكاح المتعة ) لأبي الفتح المقدسي (ت 490) وهو جزء حديثي خاص بجمع ما ورد في الباب وابتدأ كتابه في المقدمة بقوله : بَابُ بَيَانِ النَّصِّ الْوَارِدِ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَبُطْلَانِهِ ، وَفَسَادِهِ ، وَخَطَإِ فَاعِلِهِ ، وَإِثْمِهِ ، لِمُخَالَفَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى: بِاتِّبَاعِهِ ، وَاتِّبَاعِ أَوَامِرِهِ ، وَقَبُولِ نَوَاهِيهِ وَزَوَاجِرِهِ . 

 شبهة وجوابها :

وقد وردت نصوص عامة فيها أن الصحابة استمتعوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتج بها من أجاز المتعة فالجواب عنها كالتالي : قال ابو الفتح المقدسي في كتاب تحريم نكاح المتعة ( ص100 ــــ 103) : 

وَالْجَوَابُ : 

أَنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ ، لَيْسَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا قَدْ أُبِيحَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ ثَبَتَ فِيمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ أَنَّ الْإِبَاحَةَ كَانَتْ مُدَّةً مَخْصُوصَةً ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لِقَوْمٍ مَخْصُوصِينَ وَهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ النَّاسِ ، لُعُذْرٍ مَخْصُوصٍ ، وَهُوَ الْحَاجَةُ ، وَالضَّرُورَةُ إِلَى النِّسَاءِ فِي الْمَغَازِي ، وَمَا كَانَ مُبَاحًا عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ لَا تَجُوزُ اسْتِدَامَتُهُ لِكُلِّ حَالٍ ، وَالْمُخَالِفُ يُبِيحُ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ دَلِيلٌ. 

 وَجَوَابٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّهُ ثَبَتَ مَا يُبْطِلُ اسْتِدْلَالَهُ مِنَ النَّسْخِ الصَّرِيحِ ، وَتَأْكِيدِهِ بِالتَّحْرِيمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ . وَجَوَابٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ مَا رَوَيْنَاهُ مِنَ التَّحْرِيمِ وَالتَّأْكِيدِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، مُتَأَخِّرٌ لِأَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ الْفَتْحِ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَهُمَا مِنَ الْغَزَوَاتِ مَا كَانُوا يَحْتَاجُونَ فِيهِ ، وَيَضْطَرُّونَ إِلَى ذَلِكَ ، وَأَخْبَارُهُمْ مُتَقَدِمَةٌ ، لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي حَالَةِ ضَرُورَةٍ فِي الْغَزَوَاتِ ، وَهِيَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَحِجَّةِ الْوَدَاعِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْتَاجُوا بَعْدَهُمَا إِلَى مَا كَانُوا فِيهِ قَبْلَهُمَا مِنَ الْغَزْوِ وَالْجِهَادِ ، بَلِ انْقَادَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ طَوْعًا وَكَرْهًا ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالْآخَرُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَضَى بِهِ عَلَى الْمُتَقَدِّمِ مِنْهُ ، وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ : كُنَّا نَأْخُذُ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أُكِدَّ التَّحْرِيمُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . 
 وَجَوَابٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ أَخْبَارَنَا زَائِدَةٌ ، لِأَنَّ فِيهَا ذِكْرَ التَّحْرِيمِ ، وَتَأْكِيدَهُ ، وَتَأْبِيدَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَخْبَارُهُمْ نَاقِصَةٌ ، وَالْأَخْذُ بِالزَائِدِ أَوَّلَى . 
 وَجَوَابٌ آخَرُ: هُوَ أَنَّ أَخْبَارَنَا مُقَيَّدَةٌ بِزَمَانٍ وَأَخْبَارَهُمْ مُطْلَقَةٌ ، فَكَانَ الْأَخْذُ بِالْمُقَيَّدِ الَّذِي يُفِيدُ النَّسْخَ أَوْلَى. وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ أَخْبَارَنَا نَاقِلَةٌ عَنِ الْأَصْلِ الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَبَعْضِ الْإِسْلَامِ ، وَأَخْبَارَهُمْ مُتَبَقِّيَةٌ عَلَى الْأَصْلِ ، فَكَانَ النَّاقِلُ أَوْلَى كَمَا قُلْنَا فِي نَظَائِرَ ذَلِكَ . 
 وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ أَخْبَارِنَا عَمَلُ الصَّحَابَةِ وَالْأَئِمَّةِ الرَّاشِدِينَ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَخْبَارُهُمْ ، وَمَا وَافَقَهُ عَمَلُ الصَّحَابَةِ كَانَ أَوْلَى ، لِأَنَّهُمْ أَعْرَفُ بِالتَّأْوِيلِ وَالْأَحْكَامِ ، فَكَانَتْ أَخْبَارُنَا أَوْلَى . وَجَوَابٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ لِأَخْبَارِنَا التَّرْجِيحُ ،كَمَا ذَكَرْنَا لَكَانَ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا وَالْأَخْذُ بِهَا أَوْلَى لِأَنَّهَا حَاظِرَةٌ وَأَخْبَارُهُمْ مُبِيحَةٌ ، وَإِذَا اجْتَمَعَ الْحَظَرُ وَالْإِبَاحَةُ قُدِّمَ الْحَظَرُ عَلَى الْإِبَاحَةِ ، كَمَا لَوِ اخْتَلَطَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ ، أَوْ شَاةٌ مُذَكَّاةٌ بِمَيْتَةٍ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ .
وَجَوَابٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ الْأَخْذَ بِأَخْبَارِنَا أَقْرَبُ إِلَى السَّلَامَةِ ، وَأَبْعَدُ مِنَ الْخَطَرِ وَارْتِكَابِ الْفَاحِشَةِ، وَمَا سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةُ زِنًا وَبَغْيًا وَسِفَاحًا ، وَالْوَرَعُ ، وَالْعَقْلُ ، وَالدِّينُ تَشْهَدُ لَهُ لِمُخَالَفَتِهِ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ لِسَائِرِ الْأُصُولِ الَّتِي بَيَّنَّاهَا ، فَكَانَ الْأَخْذُ بِأَخْبَارِنَا لِجَمِيعِ الْوُجُوهِ أَوْلَى . 
 وَجَوَابٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ أَخْبَارَنَا نُقِلَ فِيهَا لَفْظُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمُبَاشَرَةُ التَّحْرِيمِ بِنَفْسِهِ، وَإِفَاضَةُ ذَلِكَ إِفَاضَةً شَائِعَةً عَامَّةً عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، وَمَجْمَعِ الْمَوْسِمِ، نَاصِبًا نَفْسَهُ لِإِعْلَامِ النَّاسِ أُمُورَ دِينِهِمْ مُوَدِعًا لَهُمْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَخْبَارُهُمْ، فَكَانَتْ أَخْبَارُنَا أَوْلَى بِالْأَخْذِ، وَبِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا مِنْهَا . 
 وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ أَخْبَارَنَا بِلَفْظِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَخْبَارَهُمْ عَنْ مُنَاوَلَةٍ ، وَلَفْظٌ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ أَوْلَى ـ



انتهى هذا المقال يوم 9/1/1439 يوم الجمعة ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
كتبه أبو عبيد الجزائري عفا الله عنه


الجمعة، 15 سبتمبر 2017

قصص من هجره السلف بزلة واحدة


بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين أما بعد :

كان السلف وأهل الحديث قديما يشتدون مع من وقع في زلة واحدة في قضايا العقيدة والسنة ، ويشتدون عليه وبالهجر أو التبديع والتحذير ، وإن كانت زلة واحدة ، واستمر هذا النهج عندهم قرونا حتى جاء القرن الرابع بعد طبقة أحمد ونحوه ، فارتخت القبضة قليلا ، فقد كان قبلهم التجهم كفرا ، ثم ارتخى الحكم حتى صار بدعة ، ثم زلة ، ثم اجتهاد وأجر ، ثم صار يومنا هو الحق !! وأسسوا لهذا المنهج المائع قواعد وضلالات للإعتذار للأئمة الضلال والبدع والزلات الخبيثة ، وكان لأئمة الحديث في زمن أحمد وما قبله ، اليد الطولى في الحفاظ على منهج السلف في معاملة أصحاب الزلات في المعتقد والسنة حتى تضجر منهم أهل البدع والزندقة ورموهم بالتنطع والشدة ، كما يقول ذاك الذهبي : وَقَد كَان طائفَة مِن المُحدثِيْن يَتنطَّعون فِي مَن لَه هَفوة صَغِيرَة تخَالِف السُّنة ) وقد اعترف مستغربا ذاك الغزالي الزنديق من شدة أحمد فقال في كتابه الإحياء (أي الإماتة ) : كان أحمد يهجر الأكابر في أدنى كلمة !! (قلت) نعم وحق له ذلك بل تلك منقبة لأحمد رحمه الله ، ولقد فقدنا كتابا عظيما في هذا الباب أملاه الخلال باسم(قصص من هجره أحمد) وقد اختصره أبو علي الخرقي والد أبي القاسم الخرقي قال عنه بن تيمية في درء التعارض (7/148) : ولأبي عبد الله الحسين والد أبي القاسم الخرقي صاحب المختصر المشهور كتاب في قصص من هجره أحمد ، سأل فيه لأبي بكر المروذي عن ذلك فأجابه عن قصصهم واحداً واحداً ) اهـــ
وسأحاول في هذا البحث استرجاع الكثير من تلك القصص التي فقدت مع ذاك الكتاب ، فقد وقفت على أكثرها إن لم أبالغ فجمعتها ، وأضفت لها أمثلة أخرى من قصص السلف وأهل الحديث لتتم الفائدة ، في معرفة تعامل السلف مع أصحاب الزلات في المعتقد والسنة ، وسترون أننا مجرد ضعفاء في ديننا وعجزة والله يغفر لنا ، وأن من يحاول التبرير لينفي عجزه ، فإنما ذلك ضرب من الفجور كما قال حذيفة رضي الله عنه فيما روى ابن أبي شيبة عن حذيفة قال : كيف أنتم إذا انفرجتم عن دينكم كما تنفرج المرأة عن قبلها لا تمنع من يأتيها قالوا: لا ندري، قال: لكني والله أدري، أنتم يومئذ بين عاجز وفاجر فقال رجل من القوم: قبح العاجز عن ذاك قال: يضرب ظهره حذيفة مرارًاثم قال: قبحت أنت قبحت أنت"    [ رواه ابن أبي شيبة (15/18و119) والحاكم (4/459) والداني (3/550) ونعيم (1/43و45) ]                                      وإننا والله كما قال حذيفة أيضا فيما رواه ابن أبي شيبة في المصنف (37136) عَنْ خَرَشة بْن الْحُرِّ قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ: «كَيْف أَنْتم إِذَا بَرَكت تَجُرّ خطامَها فَأَتَتْكُمْ مِنْ هَاهُنَا وَمِنْ هاهنَا » قَالوا: لَا نَدْرِي وَاللَّهِ , قَالَ « لَكِنِي وَاللَّه أَدرِي , أَنْتم يَوْمئذ كَالْعَبد وَسَيّده، إِنْ سَبَه السيد لَمْ يَسْتَطع الْعبدأَن يَسُبَه , وَإِنْ ضربه لَمْ يَسْتَطِع الْعبْد أَن يَضرِبَهُ » 
وإنما قال حذيفة رضي الله عنه للرجل ما قال ، لأن العجز هو المطلوب في ذلك الزمان لأنه أقل الأضرار وأهون من الفجور ، لما يروى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يأتي على الناس زمان، يخير فيه الرجل بين العجز والفجور، فمن أدرك ذلك الزمان فليختر العجز على الفجور» [ رواه أحمد وغيره وفيه إسناده ضعف ]

وما أحسن ما ابتدأ به الجوزجاني في كتابه أحوال الرجال في مقدمته حيث قال : ( وقد علمت أنه قد ينقم على كتابي هذا فرق من الناس ففرقة تاقت أنفسها إلى مراتب لم يسعوا في توطيدها عند أخذهم من الحديث ما يسع جيب قميصه فإذا ألقيت عليه بعض ذلك بقي متحيرا يستنكف عن التعليم بعد أن سود في نفسه وذو بدعة أيقن أني أكشف عن كلوم أشياعه فأبديها يعج عجيج الناب لثقل ما حمل عليه لا يأوي للإسلام وما حل بساحته من أسلافه .
وجاهل لا يحسن ما يأتي ويذر ولا يفصل من هذا ونحوه في المثل بين التمرة والجمرة حاطب ليل يحوي نحوه ما استقبله ويوكي في وعائه ما استدف له وقد استمهد الطأة وركن إلى راحة الدعة وقد رضي بالميسور لقرب همته ثم قصدني على كساد بضاعته لبوار سلعته فإذا فوتح من هذا بشيء قال ما لفلان أليس قد روى عنه فلان وفلان وقد ناله المثل السوء الذي ضرب الله تعالى في كتابه حيث يقول (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) وكنت لا أبالي إذ عزم الله لي على ذلك بعد ما استخرته من رضي ذلك وسخط إذ كنت عن دينه أناضل وعن سنة نبيه أحاول وعنها أهل الزيغ أذب وعن الكذابين على رسول الله صلى الله عليه وسلم الملحدين في دين الله اكشف وفريضة الأمر في هذا والنهي أؤدي ليتعلم الجاهل أو يرعوي مستثبت ثقة بالله وركونا إلى ما أدى عن رسوله ، حدثنا عثمان بن عمر حدثنا شعبة عن واقد عن ابن أبي مليكة عن القاسم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله الناس ومن أسخط الله برضى الناس وكلهالله إلى الناس )حدثني عبد السلام بن يحمد ونعيم بن حماد قالا حدثنا بقية حدثني بجير بن سعد عن خالد بن معدان قال :من اجترأ على الملاوم في موافقة الحق رد الله تلك الملاوم له حمدا ومن التمس المحامد في مخالفة الحق رد الله تلك المحامد عليه ذما ) وفي الأصل أن طلب محامد الناس والسعي في مرضاتهم غاية لا تدرك ) اهـــــ .

وقد زعم المتأخرون أنه لا يبدع الرجل بزلة في المعتقد والسنة حتى تكون البدع غالبة عليه ، بينما كان السلف يشترطون في كون الرجل على السنة أن لا يخالف أي شيء من معتقد أهل السنة والأثر ، وألا يخالفهم في أي شيء مما ذكروه في عقائهم المكتوبة وإلا فهو مبتدع زائغ ولا كرامة .

روى الهروي في ذم الكلام (476) عن مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ حَرْبٍ يَقُولُ : مَنْ زَالَ عَنِ السُّنَّةِ بِشَعْرَةٍ فَلَا تَعْتَدَّنَّ بِهِ .

وقال الكرماني في السنة (ص33) : هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة ، المعروفين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها فمن خالف شيئا من هذه المذاهب ، أو طعن فيها ، أو عاب قائلها ، فهو مخالف ، مبتدع ، خارج من الجماعة ، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق ) اهـــــ

وقال أيضا (111) : فمن قال بشيء من هذه الأقاويل ، أو رآها أو هويها ، أو رضيها ، أو أحبها : فقد خالف السنة وخرج من الجماعة ، وترك الأثر وقال بالخلاف ودخل في البدعة ، وزال عن الطريق ) اهــــ

وفي طبقات الحنابلة أيضا (1/31) في ذكر عقيدة الإمام أحمد برواية الإصطخري قال أحمد فيها :هذا مذهبُ أهلِ العلمِ والأثرِ، فمَنْ خالَفَ شَيئاً مِنْ ذلكَ أوْ عَابَ أهَلَها، فهو مبتدعٌخارجمن الجماعة زائل عَنْ منهج السنة وسبيل الحق.... ثم قال فيها : والدين إنما هو كتاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وآثار وسنن وروايات صحاح عَنِ الثقات بالأخبار الصحيحة القوية المعروفة يصدق بعضها بعضًا حتى ينتهي ذلك إلى رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه رضوان اللَّه عليهم والتابعين وتابعي التابعين ومن بعدهم من الأئمة المعروفين المقتدي بهم والمتمسكين بالسنة والمتعلقين بالآثار لا يعرفون بدعة ولا يطعن فيهم بكذب ولا يرمون بخلاف وليسوا بأصحاب قياس ولا رأيلأن القياس فِي الدين باطل والرأي كذلك وأبطل منه وأصحاب الرأي والقياس فِي الدين مبتدعة ضلال إلا أن يكون فِي ذلك أثر عمن سلف من الأئمة الثقات.
ومن زعم أنه لا يرى التقليد ولا يقلد دينه أحدًا فهو قول فاسق عند اللَّه ورسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما يريد بذلك إبطال الأثر وتعطيل العلم والسنة والتفرد بالرأي والكلام والبدعة والخلاف وهذه المذاهب والأقاويل التي وصفت مذاهب أهل السنة والجماعة والآثار وأصحاب الروايات وحملة العلم الذين أدركناهم وأخذنا عنهم الحديث وتعلمنا منهم السنن وكانوا أئمة معروفين ثقات أصحاب صدق يقتدى بهم ويؤخذ عنهم ولم يكونوا أصحاب بدعة ولا خلاف ولا تخليط وهو قول أئمتهم وعلمائهم الذين كانوا قبلهم ، فتمسكوا بذلك رحمكم اللَّه وتعلموه وعلموه وبالله التوفيق ) اهــــ .

وقال البربهاري في شرح السنة (ص128) : ولا يحل لرجل أن يقول: فلان صاحب سنة حتى يعلم منه أنه قد اجتمعت فيه خصال السنة، لا يقال له: صاحب سنة حتى تجتمع فيه السنة كلها ) اهـــ.(قلت) هذا هو الذي عليه أهل الحديث والأثر ، في أن الزلة الواحدة في المعتقد تخرج صاحبها من أن يكون سنيا وتدخله في البدعة والعياذ بالله ، ولهذا يجب البراءة من كل من خالف السنة مهما عظم اسمه ، لأن التوحيد والسنة لا يحتملان الغلط والزلة المؤثرة .

وقالا ابن بطة في الإبانة الصغرى (543) : ومن السنة وتمام الإيمان كماله البراءة من كل اسم خالف السنة ، وخرج عن إجماع الأمة ، ومباينة أهله ، ومجانبة من اعتقده والتقرب إلى الله عزوجل بمخالفته ) اهــ

فصل : القول بالوقف في القرآن :

هجر أهل الحديث وشددوا على أناس كبار كانوا أئمة في زمانهم بسب قضايا التخليط في كلام الله والقرآن ولم يتوقفوا لأجل هيبتهم وعلومهم ، فالأمر دين ، من ذلك من توقف في القرآن ، جعلوها من التجهم وسموا من توقف جهميا بل جعلوه شرا من الجهمي ، لأن باطن هذا القول هو القول بخلق القرآن أو الشك فيه ، وكلاهما كفر والعياذ بالله ، ومذهبهم هذا تشكيك الناس في القرآن وإيقاعهم في الشك والكفر ، واليوم التميع ضرب بفسطاطه على كثير ممن يدعي العلم في هذه المسألة ، فعذروا وتساهلوا ، بل بعضهم قال بالتوقف !! قال الإمام أحمد عن الواقفة : هم شر من الجهمية استتروا بالوقف ،            
وقال أيضا : الجهمية على ثلاث ضروب : فرقة قالوا : القرآن مخلوق، وفرقة قالوا : كلام الله وتقف،وفرقة قالوا : ألفاظنابالقرآن مخلوقة ،فهم عندي في المقالة واحد"

وفي طبقات الحنابلة (1/341 ـــ 342) : في ذكر عقيدة مسدد بن مسرهد عن الإمام أحمد رحمه الله قال : ( .. واحذروا رأي جهم فإنه صاحب رأي وكلام وخصومات فقد أجمع من أدركنا من أهل العلم أن الجهمية افترقت ثلاث فرق فقالت طائفة منهم القرآن كلام اللَّه مخلوق وقالت طائفة القرآن كلام اللَّه وسكتت وهي الواقفة الملعونة وقال بعضهم ألفاظنا بالقرآن مخلوقة فكل هؤلاء جهمية كفار يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا وأجمع من أدركنا من أهل العلم أن من هذه مقالته إن لم يتب لم يناكح ولا يجوز قضاؤه ولا تؤكل ذبيحته ) اهـ

 1) يعقوب بن شيبة :

يعقوب بن شيبة محدث كبير ، ومن يقرأ ترجمته يتعجب من علمه وزهده ، لكن طار كل ذلك مع زلة واحدة فقط ، وهجره الإمام أحمد وحذر منه .
في تاريخ الإسلام (5/1024) قال المَرُّوذيّ: ولمّا أظهر يعقوب بن شيبة الوقف حذَّر أبو عبد الله عنه وأمَرَ بهجرانه وهجران من كلّمه.
وفي السير (10/125) : قَالَ أَبُو بَكْرٍ المَرُّوْذِيُّ: أَظهرَ يَعْقُوْبُ بنُ شَيْبَةَ الوَقْفَ فِي ذَلِكَ الجَانبِ مِنْ بَغْدَادَ، فحذَّرَ أَبُو عَبْدِ اللهِ مِنْهُ وَقَدْ كَانَ المُتَوَكِّلُ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ يَحْيَى بنِ خَاقَانَ أَنْ يَسْأَلَ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ عَمَّنْ يُقَلِّدُ القَضَاءَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَسَأَلْتُهُ عَنْ يَعْقُوْبَ بنِ شَيْبَةَ فَقَالَ: مُتَبَدِّعٌ صَاحِبُ هوَى.قَالَ أَحْمَدُ بنُ كَامِلٍ القَاضِي: كَانَ يَعْقُوْبُ بنُ شَيْبَةَ من كبار أصحاب أحمد بن المعذل، وَالحَارِثِ بنِ مِسْكِيْنَ، فَقِيْهاً سَرِيّاً، وَكَانَ يَقِفُ فِي القُرْآنِ.
وقال عبد الرحمن بن خاقان : "سألت أبا عبد الله عن يعقوب بن شيبة فقال : مبتدع صاح بهوى".

2) مصعب الزبيري :

وهذا المؤرخ الإخباري المشهور ذو الصيت الواسع والعلم الغزيز ، زال بزلة ملكه بتوقفه في القرآن عندها لكن روي عنه كأنه تراجع عن ذلك بعدها والله أعلم . قَالَ أَبُو بَكْرٍ المَرْوَزِيُّ: كَانَ مِنَ الوَاقِفَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ كَانَ وَكِيْعٌ وَأَبُو بَكْرٍ بنُ عَيَّاشٍ يَقُوْلاَنِ: القُرْآنُ غَيْرُ مخلوق، قال: أخطأ وكيع وأبو بكر!! قُلْتُ: فَعِنْدَنَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوْقٍ. قَالَ: أَنَا لَمْ أَسْمَعهُ، قُلْتُ: يَحْكِيهِ إِسْمَاعِيْلُ بنُ أَبِي أُوَيْسٍ.قَالَ الحُسَيْنُ بنُ قهم : كَانَ مُصْعَبٌ إِذَا سُئِلَ عَنِ القُرْآنِ، يَقِفُ وَيَعِيْبُ مَنْ لاَ يَقِفُ. (قلت) ولعله قد رجع عن ذلك فقد وجدت ما يخالف قوله الأول فيما رواه اللالكائي في أصول الاعتقاد (2/ 358/525) : عن مصعب الزبيري أنه سئل عن القرآن وعن من لا يقول غير مخلوق؟ فقال: هؤلاء جهال وخطأهم وإني لأتهمهم أن يكونوا زنادقة.وأيضا ما رواه في أصول الاعتقاد (2/ 358/523) عن أبي حاتم الرازي أنه قال: قال مصعب: هؤلاء الذين يقولون في القرآن: لا ندري -مخلوق أم غير مخلوق- هم عندنا شر ممن يقول مخلوق، يستتابون فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم.

إسحاق بن أبي إسرائيل :

وقع في فتنة الوقف فهجر وبدع وجهموه وكان محدثا كبيرا ثقة قبل ذلك . جاء في ترجمته في تاريخ بغداد (7/376)وتهذيب الكمال (2/403) وتاريخ الإسلام (5/1084)وسير الأعلام (11/477) وتذكرة الحفاظ (2/54) ما يلي عنه : قال أحمد بن حنبل: تجهم ابن أبي إسرائيل بعد تسعين سنة. قال محمد بن يحيى الكحال: ذكرت لأبي عبدالله إسحاق بن أبي إسرائيل فقال ذاك أحمق" وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ : سمعت أباعبد الله أحمد بن حنبل ذكر ابن أبي إسرائيل فقال: بعد طلبه للحديث وكثرة سماعه شك فصار ضالا شكاكاً ". وعن عبد المؤمن بن خلف النسفي قال: سألت أبا علي صالح بن محمد، عن إسحاق بن أبي إسرائيل فقال: صدوق في الحديث، إلا أنه كان يقول: القرآن كلام الله ويقف.وعن أبي علي الحسين بن إسماعيل الفارسي قال: سألت عبدوس بن عبد الله بن محمد بن مالك بن هانئ النيسابوري، عن إسحاق بن أبي إسرائيل فقال: كان حافظا جدا، ولم يكن مثله في الحفظ والورع، وكان لقي المشايخ، فقلت: كان يتهم بالوقف ؟ قال: نعم اتهم، ولم يكن بمتهم.وقال أبوسلمة العبدي : سمعت أباعبد الله يقول : إسحاق بن إسرائيل واقفي مشئوم".وقال أبو حاتم الرازي: "كتبت عنه فوقف في القرآن ، فوقفنا عن حديثه ،وقد تركها لنا سحت ىكن تأمر بمسجده ،وهو وحيد لايقربه أحد ، بعد أن كان الناس إليه عنقاً واحداً ". وقال زكريا الساجي : صدوق تركوه للوقف .
وفي أسئلة السلمي للدارقطني (42) وسُئل عن إسحاقَ بنِ إبراهيمَ بنِ كامْجَر المَرْوَزيِّ ؟فقال: نُقِم عليه في القولِ في القرآنِ ، وذلك أنه تَوقَّف أولاً، ثم أجابهم إلى ذلك تَخَوُّفًا.
وفي تاريخ بن معين رواية الدارمي (293)قال : وَإِسْحَاق بن أبي إِسْرَائِيل ثِقَة قَالَ أَبُو سعيد لم يكن إِسْحَاق بن أبي إِسْرَائِيل أظهر الْوَقْف حِين سَأَلت يحيى عَنهُ وَهَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي ظَهرت عَلَيْهِ بعد وَيَوْم كتبنَا عَنهُ كَانَ مَسْتُورا ) [ انظر الخبر : في تاريخ بغداد (7/376)وتهذيب الكمال 2/402] .وفي جامع بيان العلم وفضله: حدثني أحمد بن زهير قال مصعب بن عبد الله: ناظرني إسحاق بن أبي إسرائيل فقال: لا أقول كذا ولا أقول غيره -يعني في القرآن- فناظرته فقاللم أقف على الشك ولكني أقول كما قال: أسكت كما سكت القوم ) اهـــ
وروى الخطيب في تاريخه (7/376) : قال أبو العباس السراج: سمعت إسحاق بن أبي إسرائيل، يقول: هؤلاء الصبيان يقولون: كلام الله غير مخلوق، ألا قالوا: كلام الله وسكتوا، ويشير إلى دار أحمد بن حنبل ) .(قلت) مع أنه روي عنه أنه قال القرآن غير مخلوق كما في السنة لعبد الله (ص163) حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعْتُ يَحْيَىَ بْنَ مَعِينٍ، سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ أَبِي إِسْرَائِيلَ وَنَحْنُ فِي مَسْجِدٍ فِي الزُّبَيْدِيَّةِ يَقُولُ: «الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ » فلا أدري هل رجع عن الوقف بهذا أم لا !!

فصل في من تكلم وكتب في المقامات والخطرات والوساوس :

هذا النوع من العلوم على خلاف ما يظن أكثر الناس ، يدخل تحت علم الكلام الذي حكم السلف ببدعته وهجر صاحبه .
وَقَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: مَن أحبّ الكلام لم يفلح، لا يؤول أمرُهم إلى خير.
وسمعته يقول: عليكم بالسنة والحديث وإيّاكم والخوض والجدال والمِراء، فإنّه لا يُفْلح من أحبّ الكلاموقال لي: لا تجالِسْهم، ولا تكلّم أحدًا منهم.
ثم قال: أدركنا الناس وما يعرفون هذا، ويجانبون أهلَ الكلام.ويقول ابن رجب في كتابه جامع العلوم والحكم (ص.223): (وإنما ذمّ أحمد وغيره المتكلمين -ومنهم الحارث المحاسبي- على الوساوس والخطرات من الصوفية حيث كلامهم في ذلك لا يستند إلى دليل شرعي، بل إلى مجرد رأي وذوق، كما كان ينكر الكلام في مسائل الحلال والحرام بمجرد الرأي من غير دليل شرعي) اهــ

1) ذا النون المصري : 

 في تاريخ الإسلام (5/1136) : وفي كتاب المِحَن للسُّلَميّ: أن ذا النُّون أول من تكلَّم ببلدته فِي ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية ، أنكر عليه عبد الله بْن عَبْد الحَكَم، وكان رئيسَ مصر، وكان يذهب مذهب مالك، ولذلك هجره علماء مصر، حتى شاع خبره أنه أحْدَث عِلْمًا لم يتكلَّم فِيهِ السَّلَف وهجروه حَتَّى رَمَوْه بالزَّنْدَقة قال : فدخل عليه أخوه فقال : إن أهل مصر يقولون إنك زِنْديق. 
 (قلت) قارن هذا الفعل من السلف وبين موقف الخلف مما يكتبه الصوفية في المقامات والأحوال فتجدهم يشرحون كتبهم وينشرونها ويثنون على مؤلفيها كما يفعل ابن تيمية لما شرح رسالة القشيري في المقامات وكما فعل ابن القيم في شرحه لمنازل السائرين للهروي ، بل لم يكتفوا بشرح كتبهم فقط بل شاركوهم في الكلام في هذا العلم المبتدع الذي أنكره السلف ، فكم ترى من الفرق !!

 2) الحارث المحاسبي : 

 وهذا الرجل هو أحد أكبر مؤسسي هذا العلم الجاهلي المبتدع وأحد رؤوسهم في ذلك .جاء في السير (3/277) وتهذيب الكمال (3/288) : وقال النصر آبادي: بلغني أن المحاسبي تكلم في شيء من الكلام، فهجره أحمد فاختفى في داره ببغداد، ولم يصل عليه إلا أربعة نفر.قال سَعِيد بْن عمرو البَرْدعيّ: شهدتُ أَبَا زُرْعة وَسُئِلَ عن الحارث المُحَاسبيّ وكُتُبه فقالَّ: إيّاك وهذه الكُتُب ، هذه كُتُب بِدَعٍ وضَلالات ، عليك بالأثر، فإنّك تجد فِيهِ ما يُغْنيك عن هذه الكُتُب ، قيل له: هذه الكُتْب عِبْرة ، قال: مَن لم يكن له فِي كتاب اللَّه عِبْرة، فليس له فِي هذه الكُتُب عِبْرة ،بَلَغَكم أنّ مالكًا، والثَّوريّ، والأوزاعيّ ، صنَّفوا هذه الكُتُب فِي الخطرات والوساوس؟ ما أسرع النّاس للبِدَع !! ) [ تاريخ بغداد (8/ 215) ] 
 قال الخطيب: كان أبو عبد الله أحمد يكره للحارث نظره في الكلام وتصانيفه في الكتب، ويصد الناس عنهوفي «تاريخ» أبي يعقوب القراب: هجره أحمد ورويم والجنيد لما تكلم في شيء من الكلام . (قلت) قلت لاحظ أن الجنيد من تنتسب له الصوفية زورا هجر رأسهم وبدعه ، وللحارث المحاسبي كتب كثيرة في المقامات والأحوال والخطرات والوساوس انتشرت اليوم بقوة وقد أدخل فيها تجهمه بطرق خفية ، فضل وأضل فما أبعده وأبعد من يقرأ كتبه وينشرها .

فصل في من لم يقل بنقصان الإيمان :

وهذه أحد فرق المرجئة في زمن السلف ، وقد رموهم بالإرجاء وبدعوا من نفى النقصان ولم يعتذروا لهم بأنها زلة صغيرة ، قال أبو حاتم وأبو زرعة في عقيدتهما (43) وعلامة المرجئة تسميتهم أهل السنة (مخالفة) و(نقصانية) .
وقال ابن عيينة : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فقال له أخوه إبراهيم : يا أبا محمد لا تقل ينقص !
فغضب وقال له : اسكت يا صبي بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء . [ الإيمان للعدني 28]
وقال الكرماني في السنة (8) : وإن قال : أن الإيمان يزيد ولا ينقص ، فقد قال بقول المرجئة .
(قلت) ولهذا هجر السلف وأهل الحديث من قال بهذا القول ، من ذلك :

1) الحسن بن عيسى أبو علي النيسابوري :

قال أبو عبد الله الحاكم في تاريخ نيسابور: كان من أئمة المسلمين في الرواية بالانتماء إلى عبد الله، سمع سعير بن الخمس بلا شك، وروى عنه ثلاث طبقات من مشايخنا النيسابوريين .قال الحاكم: أظن قول إسحاق فيما يمسك الحسن عن نقصان الإيمان على مذهب ابن المبارك. وقالت صفية بنت الحسن بن عيسى: كتب إلينا أبي الحسن من العراق: أنتم لم ترضوا مني بالزيادة حتى أقررت بالنقصان. تعني في الإيمان.
وقال محمد بن الحسن : لما قدم الحسن بغداد امتحن في الإيمان وهجره بعض أصحاب الحديث، ثم اجتمعوا إليه وقالوا: بين لنا مذهبك في الإيمان، فقال: هو قول وعمل، يزيد وينقص ، قال: لي أستاذان: ابن المبارك وابن حنبل فكان عبد الله يقول: يزيد وتوقف في النقصان، فإن قال أحمد ينقص قلت بقوله، فذهبوا إلى أحمد فأخذوا خطه يزيد وينقص، فقال الحسن: هو قولي حتى رضوا بذلك عنه.
وفي تهذيب التهذيب (2/ 315): وقال السراج: لما قدم بغداد هجره بعض أصحابه، والسراج هو محمد بن إسحاق ) اهـــ

فصل في من تعرض بكلامه في الأنبياء بما لا يليق :

 لما يتعلق الأمر بالأنبياء يستعد السلف أن يصلبوا إمام الدنيا لأجهلم ، فضلا عن تبديعهم وهجرهم ولا يقولون لعله لا يقصد ، ولا يعتذرون ، وإليك ما حدث لوكيع بن الجراح الذي هو إمام في زمنه . 

 وكيع بن الجراح : 

 روى ابن عدي في الكامل (654) والسير (9/160): قَالَ عَلِيُّ بنُ خَشْرَمٍ: حَدَّثَنَا وَكِيْعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيْلَ بنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ البَهِيِّ:أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيْقَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، فَقَبَّلَهُ وَقَالَ: بِأَبِي وَأُمِّي، مَا أَطْيَبَ حَيَاتَكَ وَمِيْتَتَكَ ، ثُمَّ قَالَ البَهِيُّ: وَكَانَ تُرِكَ يَوْماً وَلَيْلَةً، حَتَّى رَبَا بَطْنُهُ، وَانْثَنَتْ خِنْصِرَاهُ ) . 
 قَالَ ابْنُ خَشْرَمٍ: فَلَمَّا حَدَّثَ وَكِيْعٌ بِهَذَا بِمَكَّةَ ، اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ ، وَأَرَادُوا صَلْبَ وَكِيْعٍ، وَنَصَبُوا خَشَبَةً لِصَلْبِهِ، فَجَاءَ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، فَقَالَ لَهُم: اللهَ اللهَ، هَذَا فَقِيْهُ أَهْلِ العِرَاقِ، وَابْنُ فَقِيْهِهِ وَهَذَا حَدِيْثٌ مَعْرُوْفٌ ، قَالَ سُفْيَانُ: وَلَمْ أَكنْ سَمِعْتُهُ ، إِلاَّ أَنِّي أَرَدْتُ تَخلِيصَ وَكِيْعٍ. قَالَ عَلِيُّ بنُ خَشْرَمٍ : سَمِعْتُ الحَدِيْثَ مِنْ وَكِيْعٍ بَعْدَ مَا أَرَادُوا صَلبَهُ، فَتَعَجَّبْتُ مِنْ جَسَارَتِهِ. وَأُخْبِرْتُ أَنَّ وَكِيْعاً احْتجَّ فَقَالَ: إِنَّ عِدَّةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْهُمُ عُمَرُ قَالُوا : لمْ يَمُتْ رَسُوْلُ اللهِ، فَأَرَادَ اللهُ أَنْ يُرِيَهِم آيَةَ المَوْتِ ، رَوَاهَا: أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ رَزِيْنٍ البَاشَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ خَشْرَمٍ ، وَرَوَى الحَدِيْثَ عَنْ وَكِيْعٍ: قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيْدٍ . 

(قلت) وله زلة أخرى شنيعة ، بسببها قيل في ترجمته أنه فيه تشيع ،فقد ثبت عنه أنه قال : حَسَنُ بنُ صَالِحٍ عِنْدِي إِمَامٌ ، فَقِيْلَ لَهُ: إِنَّهُ لاَ يَتَرحَّمُ عَلَى عُثْمَانَ ، فقال: أفتترحم أنت على الحجاج ؟ [ السير (7/57) ] روى العقيلي في الضعفاء (/229) قال أبو صالح الفراء: حكيت ليوسف بن أسباط عن وكيع شيئا من أمر الفتن، فقال: ذاك يشبه أستاذه -يعني الحسن بن حي- فقلت ليوسف: أما تخاف أن تكون هذه غيبة؟ فقال: لم يا أحمق؟ أنا خير لهؤلاء من آبائهم وأمهاتهم، أنا أنهى الناس أن يعملوا بما أحدثوا فتتبعهم أوزارهم، ومن أطراهم، كان أضر عليهم. [ وأنظر السير (7/ 364) ]

فصل : في من وقع في الصحابي : 

 كان عند السلف أي همز وتعرض لصحابي يتعبر تشيعا أو رفض يستحق التضليل والهجر ، بل ويرمونه بالزندقة ،قال عبد الله بن أَحْمَدَ في السنة : قُلْتُ لِأَبِي: مَنْ الرافضيّ؟ قال: الّذي يشتم رَجُلا مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أو يتعرَّض لهم ما أراه على الإسلام )
وذكر المزي في تهذيب الكمال (19/96) وقَال أَبُو جَعْفَر التستري أَيْضًا: سمعت أبا زرعة يَقُول: إِذَا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فاعلم أَنَّهُ زنديق، وذَلِكَ أَن الرَّسُول عندنا حق والْقُرْآن حق، وإنما أدى إلينا هَذَا الْقُرْآن والسنن أَصْحَاب رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدُونَ أَن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح أولى بِهِمْ، وهم زنادقة. (قلت) ثم وقع التساهل اليوم في من تعرض للصحابي ، خاصة إذا وافقهم في أصولهم الباطلة ـ فتجد مثلا الخارجي لما وافقهم قط في الفساد والخروج وتكفير المجتمعات ، غضوا عنه الطرف في تعرضه لبعض الصحابة !! ، وهكذا تفعل كل طائفة مع من يوافقها في أهواءها ، فالله المستعان .

1) عبد الرزاق الصنعاني : 

 قَالَ العُقَيْلِيُّ في كتاب الضعفاء (265 و266) : سَمِعْتُ عَلِيَّ بنَ عَبْدِ اللهِ بنِ المُبَارَكِ الصَّنْعَانِيَّ يَقُوْلُ :كَانَ زَيْدُ بنُ المُبَارَكِ قَدْ لَزِمَ عَبْدَ الرَّزَّاقِ، فَأَكْثَرَ عَنْهُ، ثُمَّ خَرَقَ كُتُبَهُ، وَلَزِمَ مُحَمَّدَ بنَ ثَوْرٍ، فَقِيْلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ:كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، فَحَدَّثَنَا بِحَدِيْثِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بنِ أَوْسِ بنِ الحَدَثَانِ ... ، الحَدِيْثَ الطَّوِيْلَ ، فَلَمَّا قَرَأَ قَوْلَ عُمَرَ لِعَلِيٍّ وَالعَبَّاسِ: فَجِئْتَ أَنْتَ تَطْلُبَ مِيْرَاثَكَ مِنِ ابْنِ أَخِيْكَ، وَجَاءَ هَذَا يَطلُبُ مِيْرَاثَ امْرَأَتِهِ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاق:انْظُرُوا إِلَى الأَنْوَكِ يَقُوْلُ: تَطلُبُ أَنْتَ مِيْرَاثَكَ مِنِ ابْنِ أَخِيْكَ، وَيَطلُبُ هَذَا مِيْرَاثَ زَوْجَتِهِ مِنْ أَبِيْهَا، لاَ يَقُوْلُ: رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-قَالَ زَيْدُ بنُ المُبَارَكِ: فَلَمْ أَعُدْ إِلَيْهِ، وَلاَ أَرْوِي عَنْهُ ) اهـــ .
(قلت) ومن صور الهمز والتعرض الخفي هو رد آثار الصحابة والسخرية منها ، بحجة أنها خالفت العقل والظاهر ونحو ذلك من الشبه الواهية ، وأين من يتفطن لهذا الهمز اليوم !! .

2) علي بن الجعد :

كان محدثا مكثرا ، روى عنه الأئمة وصحبوه ، ثم بدأت تظهر منه بعض الفلتات الشنيعة يتعرض فيها لبعض الصحابة ، فهجروه وبدعوه ، ولم يلتفتوا لعلمه وكثرة حديثه ، ثم تجهم ثم رجع عن التجهمكما روى الخطيب في تاريخه (8/350) عن عَبْد الرَّحْمَنِ بن يَحْيَى بن خاقان سأل أَحْمَد بن حنبل عَنِ ابن عَلِيّ بن الجعد فَقَالَ: كَانَ معروفا عند الناس بأنه جهمي، مشهورا بذلك، ثم بلغني عنه الآن أَنَّهُ قد رجع عَنْ ذلك.
(قلت) لكن بقيت تعرضاته لبعض الصحابة لم يرجع عنها فبقوا على تضليله وهجره .
جاء في السير (8/485) : قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ العُقَيْلِيُّ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بنِ أَحْمَدَ: لِمَ لَمْ تَكْتُبْ عَنْ عَلِيِّ بنِ الجَعْدِ؟ قَالَ: نَهَانِي أَبِي أَنْ أَذهَبَ إِلَيْهِ وَكَانَ يَبلُغُه عَنْهُ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الصَّحَابَةَ.
ومن ذلك كلامه في معاوية رضي الله عنه : قَالَ أَبُو دَاوُدَ: عَمْرُو بنُ مَرْزُوْقٍ أَعْلَى عِنْدِي مِنْ عَلِيِّ بنِ الجَعْدِ عَلِيٌّ وُسِمَ بِمَيسَمِ سُوءٍ قَالَ: مَا يَسُوؤُنِي أَنْ يُعَذَّبَ مُعَاوِيَةُ.
وَفي السير (8/486) قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: كَانَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ لاَ يَرَى الكِتَابَةَ عَنْ عَلِيِّ بنِ الجَعْدِ وَلاَ سَعِيْدِ بنِ سُلَيْمَانَ، وَرَأَيْتُهُ فِي كِتَابِهِ مضروبًا عليهما.
وما أكثر من يتعرض للصحابة الدعاة ومن يسمى بالعلماء اليوم في شروحهم للسير ودخولهم في قضايا الشجارات وغيرها ، فيكثر لمزهم لمعاوية خال المؤمنين رضي الله عنه فقاتلهم الله .

3) عبيد الله بن موسى العبسي :

روى الخلال في السنة (808) سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُنَادِيَ يَقُولُ:كُنَّا بِمَكَّةَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَكَانَ مَعَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، فَحَدَّثَ فِي الطَّرِيقِ فَمَرَّ حَدِيثٌ لِمُعَاوِيَةَ، فَلَعَنَ مُعَاوِيَةَ وَلَعَنَ مَنْ لَا يَلْعَنُهُ، قَالَ ابْنُ الْمُنَادِي: فَأَخْبَرْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فَقَالَ: مُتَعَدِّي يَا أَبَا جَعْفَرٍ، فَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي هَارُونَ أَنَّ حُبَيْشَ بْنَ سِنْدِيٍّ، حَدَّثَهُمْ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ذَكَرَ لَهُ حَدِيثَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى فَقَالَ: مَا أَحْسَبُ هُوَ بِأَهْلٍ أَنْ يُحَدَّثَ عَنْهُ، وَضَعَ الطَّعْنَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَقَدْ حَدَّثَنِي مُنْذُ أَيَّامٍ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ صَدُوقًا، أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَحَدَّثَ بِحَدِيثٍ لَعَنَ فِيهِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: نَعَمْ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَلَعَنَ مَنْ لَا يَلْعَنُهُ، فَهَذَا أَهْلُ يُحَدَّثُ عَنْهُ؟ عَلَى الْإِنْكَارِ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَيْ إِنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ يُحَدِّثُ عَنْهُ .

فصل : من تساهل في التعامل مع أهل البدع

اشتد أهل الحديث في هذا الباب جدا فكانوا يهجرون حتى جالس مبتدعا أو كلمه أو دخل عليهم وغير ذلك وإن شئت أن ترى مثلا صغيرا فاقرأ هذا :
جاء في السير عند ترجمة ابن منده : عَنْ يَحْيَى بنِ مَنْدَة قَالَ: سَمِعْتُ عمِّي عبد الرحمن، سمعت محمد بن عبيد اللهِ الطَّبَرَانِيّ يَقُوْلُ: قُمْتُ يَوْماً فِي مَجْلِس وَالدِك -رَحِمَهُ اللهُ فَقُلْتُ: أَيُّهَا الشَّيْخُ فِيْنَا جماعة ممن يدخل على هذا المشئوم -أَعنِي: أَبَا نُعَيْمٍ الأَشْعَرِيَّ- فَقَالَ: أَخرجُوْهُم ، فَأَخْرَجْنَا مِنَ المَجْلِسِ فُلاَناً وَفلاَناً، ثُمَّ قَالَ: عَلَى الدَّاخلِ عَلَيْهِم حَرَجٌ أَنْ يَدخُلَ مَجلِسَنَا، أَوْ يَسمعَ منَّا، أَوْ يَرْوِي عنَّا، فَإِنْ فعلَ فلَيْسَ هُوَ منَّا فِي حِلّ.
وجاء في طبقات الحنابلة (2/56) : ترجمة عمر بن محمد بن رجاء أبو حفص العكبري:
قال ابن أبي يعلى عنه : حدث عن عبد اللَّه بْن إمامنا أَحْمَد وقيس بْن إبراهيم الطوابيقي وموسى بْن حمدون العكبري وعصمة بْن أَبِي عصمة وغيرهم وَكَانَ عابدا صالحا.
روى عَنْهُ جماعة مِنْهُمْ أَبُو عبد اللَّه بْن بطة وَقَالَ: إِذَا رأيت العكبري يحب أبا حفص بْن رجاء فاعلم أنه صاحب سنة.
وَقَالَ مُحَمَّد بْن عبد اللَّه الخياط: كَانَ أَبُو حفص بْن رجاء لا يكلم من يكلم رافضيا إلى عشرة . وَقَالَ أَبُو علي بْن شهاب: كَانَ لأبي حفص بْن رجاء صديق صيرفي فبلغه أنه قد اتخذ دفترا للحساب فهجره لأن الصرف المباح يدا بيد ولما اتخذ دارا فإنما يعطى نسيئة.وقرأت فِي بعض كتب أصحابْنا أن ابْن رجاء كَانَ إِذَا مات بعكبري رجل من الرافضة فبلغه أن بزازا باع لَهُ كفنا أو غاسلا غسله أو حاملا حمله هجره عَلَى ذَلِكَ ) اهــــ .
(قلت) وهجر الإمام أحمد أئمة كبارا أجابوا في المحنة بلا عذر يقبل ، كابن المديني وابن معين وابن أبي خيثمة ، وأبي نصر التمار وأبو معمر وأبو كريب وغيرهم ، بينما كان يدافع عن الفضل بن دكين وعفان إذا تكلم الناس فيهم لأجل أخذهم الأجرة على التحديث ، فكان أحمد يدافع عنهم ويقول لم يجيبوا في المحنة ووقفوا موقفا عظيما ، فإن كانت الموازانات حق فهنا وإلا فلا . قال صالح بن أحمد في كتاب سيرة أحمد بن حنبل : وَضرب أبي على حَدِيث كل من أجَاب وقال أبو زرعة : كان أحمد لا يرى الكتابة عن أبي نصر التمار ولا عن أبي معمر ( إسماعيل بن إبراهيم أبو معمر الهذلي القطيعي الهروي نزيل بغداد ، روى عنه البخاري ومسلم ،وكان من شدة إدلاله بالسنة يقول : " لو نطقت بغلتي لقالت : أنا سنية "، وأخذ في المحنة فأجاب ، وقال : (كفرنا وخرجنا)". ولا عن يحيى معين ، ولا عن أحد ممن امتحن فأجاب".
قال أبو بكر المروذي : "دخلنا العسكر إلى أن خرجنا ، ما ذاق أبو عبد الله طبيخاً ، ولادسماً ، وقال : كمتمتع أولئك !! يعني ابن أبي خيثمة ، وابن المديني ، وعبد الأعلى ؟ إني لأعجب من حرصهم على الدنيا ، فكيف يطوفون على أبوابهم" . (قلت) أجابوا في المحنة وهجرهم أحمد أئمة كثر نذكر بعضهم للتمثيل : 

 1) يحي بن معين :

جاء في سير الأعلام (11/87) : قَالَ سَعِيْدُ بنُ عَمْرٍو البَرْذَعِيُّ: سَمِعْتُ الحَافِظَ أَبَا زرْعَة الرَّازِي يَقولكَانَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ لاَ يَرَى الكِتَابَةَ عَنْ أَبِي نَصْرٍ التَّمار، وَلاَ عَنْ يَحْيَى بنِ معِين، وَلاَ عَنْ أَحَد مِمَّن امْتُحِن فَأَجَابَ. وفي طبقات الحنابلة (1/404) ومناقب أحمد لابن الجوزي (474) قال : أَنْبَأَنَا الْوَالِدُ السَّعِيدُ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيم وجدت بخط أبي أَخْبَرَنَا عبد العزيز الحربي قال: سمعت أبا الفرج الهندباني سمعت أبا بكر المروذي يقول جاء يَحْيَى بْن معين فدخل عَلَى أَحْمَد بن حنبل وهو مريض فسلم فلم يرد عليه السلام وكان أَحْمَد قد حلف بالعهد أن لا يكلم أحد ممن أجاب حتى يلقى اللَّه فما زال يعتذر ويقول حديث عمار وقَالَ اللَّهُ تعالى " إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ " فقلب أَحْمَد وجهه إلى الجانب الآخر فقال: يَحْيَى لا تقبل عذرًا فخرجت بعده وهو جالس عَلَى الباب فقال: إيش قَالَ: أَحْمَد بعدي قلتقَالَ يحتج بحديث عمار وحديث عمار مررت بهم وهم يسبونك فنهيتهم فضربوني وأنتم قيل لكم نريد أن نضربكم فسمعت يَحْيَى بْن معين يقول مر يا أَحْمَد غفر الله لك فما رأيت والله تحت أديم سماء أفقه فِي دين اللَّه منك.

 2) علي بن المديني :

هجره أحمد وأبو زرعة بعد وقوعه في الفتنة وتملقه للجهمية خوفا على نفسه ، مع أنه تاب وندم فلم يشفع له عند أحمد وأبي زرعة ذلك ، حتى مات ذكره وفقدت كتبه بسبب محنته . قال ابن رجب في شرح علل الترمذي : تقرب إلى ابن أبي دؤاد،حيث استماله بدنياه ، وصحبه وعظمه ، فوقع بسبب ذلك في أمور صعبة ،حتى أنه كان يتكلم في طائفة من أعيان أهل الحديث ، ليرضي بذلك ابن أبي دؤاد ،فهجره الإمام أحمد لذلك".
قال أبو بكر الخلال: أما علي بن المديني : فأفسد نفسه ، وخرج عن الحد ، وتابع ابن أبي دؤاد على أشياء لا يسمح بذكرها عنه وإعادتها فما تأمره .
قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَبِي حَاتِمٍ: كَانَ أَبُو زُرْعَةَ تَرَكَ الرِّوَايَةَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ أَجْلِ مَا بَدَا مِنْهُ فِي المِحْنَةِ وَكَانَ وَالِدِي يَرْوِي عَنْهُ لِنُزُوْعِهِ عَمَّا كَانَ مِنْهُ قَالَ أَبِي: كَانَ عَلِيٌّ عَلَماً فِي النَّاسِ فِي مَعْرِفَةِ الحَدِيْثِ وَالعِلَلِويُروى عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أَحْمَدَ أَنَّ أَبَاهُ أَمسَكَ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ المَدِيْنِيِّ.
قَالَ سُلَيْمَانُ بنُ إِسْحَاقَ الجَلاَّبُوَآخَرُ: قِيْلَ لإِبْرَاهِيْمَ الحَرْبِيِّ: أَكَانَ ابْنُ المَدِيْنِيِّ يُتَّهَمُ ؟ قَالَلاَ إِنَّمَا كَانَ إِذَا حَدَّثَ بِحَدِيْثٍ فَزَادَ فِي خَبَرِهِ كَلِمَةً لِيُرضِيَ بِهَا ابْنَ أَبِي دُوَادَ. فَقِيْلَ لَهُ: أَكَانَ يَتَكَلَّمُ فِي أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ? قَالَ: لاَ, إِنَّمَا كَانَ إِذَا رَأَى فِي كِتَابٍ حَدِيْثاً عَنْ أَحْمَدَ قَالَ: اضْرِبْ عَلَى ذَا؛ لِيُرضِيَ بِهِ ابْنَ أَبِي دُوَادَ. وَكَانَ قَدْ سَمِعَ مِنْ أَحْمَدَ وَكَانَ فِي كِتَابِهِ سَمِعْتُ أَحْمَدَ وَقَالَ أَحْمَدُ وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ. وَكَانَ ابْنُ أَبِي دُوَادَ إِذَا رَأَى في كتابه حَدِيْثاً عَنِ الأَصْمَعِيِّ قَالَ: اضْرِبْ عَلَى ذَا؛ لِيُرْضِيَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ .
قَالَ زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ: قَدِمَ ابْنُ المَدِيْنِيِّ البَصْرَةَ فَصَارَ إِلَيْهِ بُنْدَارُ فَجَعَلَ عَلِيُّ يَقُوْلُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ, قَالَ أبو عبد الله ، فقال بندار على رءوس المَلأِ : مَنْ أَبُو عَبْدِ اللهِ , أَأَحْمَدُ بنُ حنبل? قال : لا ، أحمد بن أبي داود فَقَالَ بُنْدَارُ : عِنْدَ اللهِ أَحْتَسِبُ خُطَايَ , شُبِّه عَلَيَّ هَذَا . وَغَضِبَ وَقَامَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ: كَانَ عِنْدَ إِبْرَاهِيْمَ الحَرْبِيِّ قِمَطْرٌ مِنْ حَدِيْثِ ابْنِ المَدِيْنِيِّ وَمَا كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ. فَقِيْلَ لَهُ: لِمَ لاَ تُحَدِّثُ عَنْهُ ? قَالَ: لَقِيْتُهُ يَوْماً وَبِيَدِهِ نَعْلُهُ، وثِيَابُهُ فِي فَمِهِ فَقُلْتُ: إِلَى أَيْنَ? فَقَالَ: أَلْحَقُ الصَّلاَةَ خَلْفَ أَبِي عَبْدِ اللهِ ، فَظَنَنتُ أَنَّهُ يَعْنِي أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ فَقُلْتُ: مَنْ أَبُو عَبْدِ اللهِ ؟ قَالَ: ابْنُ أَبِي دُوَادَ فَقلتُ: وَاللهِ لاَ حدثت عنك بحرف.
قَالَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ الجُنَيْدِ: سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ مَعِيْنٍ، وَذُكِرَ عِنْدَهُ عَلِيُّ بنُ المَدِيْنِيِّ فَحَمَلُوا عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ: مَا هُوَ عِنْدَ النَّاسِ إِلاَّ مُرتَدٌّ فَقَالَ: مَا هُوَ بِمُرْتَدٍّ، هُوَ علَى إِسْلاَمهِ رَجُلٌ خَافَ فَقَالَ.
قَالَ ابْنُ عَمَّارٍ المَوْصِلِيُّ فِي "تَارِيْخِهِ" قَالَ لِي عَلِيُّ بنُ المَدِيْنِيِّ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُكَفِّرَ الجَهْمِيَّةَ، وَكُنْتُ أَنَا أَوَّلاً لاَ أُكَفِّرُهُمْ ? فَلَمَّا أَجَابَ عَلِيٌّ إِلَى المِحْنَةِ، كَتَبْتُ إِلَيْهِ أُذَكِّرُهُ مَا قَالَ لِي وَأُذَكِّرُهُ اللهَ. فَأَخْبَرَنِي رَجُلٌ عَنْهُ: أَنَّه بَكَى حِيْنَ قَرَأَ كِتَابِي. ثُمَّ رَأَيْتُهُ بَعْدُ فَقَالَ لِي: مَا فِي قَلْبِيَ مِمَّا قُلْتُ وَأَجَبتُ إِلَى شَيْءٍ وَلَكِنِّي خِفتُ أَنْ أُقْتَلَ, وَتَعْلَمُ ضَعْفِيَ أَنِّي لَوْ ضُرِبتُ سَوْطاً وَاحِداً لَمِتُّ أَوْ نَحْوَ هَذَا.
قَالَ ابْنُ عَمَّارٍ: وَدَفَعَ عَنِّي عَلِيٌّ امْتِحَانَ ابْنِ أَبِي دُوَادَ إِيَّايَ شَفَعَ فِيَّ وَدَفَعَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ المَوْصِلِ مِنْ أَجْلِي فَمَا أَجَابَ دِيَانَةً إِلاَّ خَوْفاً.
وَعَنْ عَلِيِّ بنِ سَلَمَةَ النَّيْسَابُوْرِيِّ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بنَ الحُسَيْنِ بنِ الوَلِيْدِ يَقُوْلُ: وَدَّعتُ عَلِيَّ بنَ عَبْدِ اللهِ فَقَالَ: بَلِّغْ أصحابنا عني أن القوم كفار ضلال وَلَمْ أَجِدْ بُدّاً مِنْ مُتَابَعَتِهِمْ لأَنِّي جَلَسْتُ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَفِي رِجْلِيَ قَيدٌ ثَمَانِيَةُ أُمَنَاءٍ ، حَتَّى خِفْتُ عَلَى بَصَرِي. فَإِنْ قَالُوا: يَأْخُذُ مِنْهُمْ, فَقَدْ سُبِقْتُ إِلَى ذَلِكَ قَدْ أَخَذَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي.
قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: سَمِعْتُ مُسَدَّدَ بنَ أَبِي يُوْسُفَ القُلُوْسِيَّ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُوْلُ: قُلْتُ لاِبْنِ المَدِيْنِيِّ: مِثْلُكَ يُجِيْبُ إِلَى مَا أَجَبْتَ إِلَيْهِ?! فَقَالَ: يَا أَبَا يوسف، ما أهون عليك السيف.
قال عبد بن أحمد : لم يحدث عنه أبي بعد المحنة بشيء . [ منقول من ترجمته في السير للذهبي ]

3) أبو نصر التمار :

قال عنه بن أبي حاتم : ( كان ثقة وكان يعَدُّ من الأبدال ) . 
 (قلت) لكن لما وقع في المحنة هجره أحمد ولم يبالي أهو من الأبدال أم لا .
قال أبو يوسف حكيم التمار ، وكان صديقاً لأبي نصر التمار: "لما أدخل أبونصر التمار دار إسحاق بن إبراهيم للمحنة ، قعدنا على الباب ننظر ما يكون من أمره ، فخرج ، فقلت : ماصنع يا أبانصر ؟ فقال : يا أبا يوسف دخلنا كفرنا وخرجنا ".
في السير (8/549) : قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ: كَانَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ لاَ يَرَى الكِتَابَةَ عن أبي نصر التمار، وَلاَ ابْنِ مَعِيْنٍ وَلاَ مِمَّنِ امتُحِنَ فَأَجَابَ.
وَقَالَ أَبُو الحَسَنِ المَيْمُوْنِيُّ: صَحَّ عِنْدِي أَنَّهُ يَعْنِي: أَحْمَدَ لَمْ يَحْضُرْ أَبَا نَصْرٍ التمَّارَ حِيْنَ مَاتَ فَحَسِبْتُ أَنَّ ذَلِكَ لِمَا كَانَ أَجَابَ فِي المِحْنَةِ .

4) أبو كريب محمد بن العلاء الهمذاني :

وثقوه وأثنوا على حفظه ، وقدموه على مشايخ بلده ، لكن بعدما وقع في المحنة هجره المشايخ رغم توبته ، وحسن رجوعه .
في تهذيب الكمال (26/246) : قال حجاج بن الشاعر: سمعت أَحْمَد بن حنبل يقول: لو حدثت عن أحد ممن أجاب يعني في المحنة لحدثت عن اثنين أَبُو معمر، وأَبُو كريب، أما أَبُو معمر فلم يزل بعد ما أجاب يذم نفسه على إجابته وامتحانه ويحسن أمر الذي لم يحب ويغبطهم، وأما أَبُو كريب فأجرى عليه ديناران، وهو محتاج فتركها لما علم أنه أجرى عليه كذلك.
وفي تهذيب الكمال (25/176) قال أبوداود رحمه الله : "كان محمد بن داود بن صبيح يتفقد الرجال ،ولم يكتب عن أبي كريب لحال المحنة ، ولم يحدث عن سعدويه ولاعن أبي نصر التمار ، ومارأيت رجلاً قط ،أعقل من محمد بن داود ) اهـــ

فصل : في من دخل في مسألة خـلق الإيمان :

هجر السلف في هذه القضية الكبار من المحدثين ولم يبالوا بهم ، فالدين أحق بالتعظيم ، وهذه من المسائل التي أحدثتها الجهمية ، أرادوا بها التلبيس والتحايل ، فإن الإيمان يشتمل على قراءة القرآن والتوحيد وذكر الله ، ويشتمل أيضا ما كان من طريق الأفعال والطاعات ، نتج عن ذلك لبس واشتباه ولهذا نهى السلف عن ذلك بشدة وجهم وبدع فيها وهجر .
جاء في السنة للخلال (1701) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى الْبَزَّازُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَدِمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ صُورٍ مُعَرَّفٌ بِالصُّورِيِّ مُتَكَلِّمٌ، حَسَنُ
الْهَيْئَةِ كَأَنَّهُ رَاهِبٌ فَأَعْجَبَنَا أَمْرُهُ، ثُمَّ إِنَّمَا لُقِيَ سَائِلًا فَجَعَلَ يَقُولُ لَنَا: الْإِيمَانُ مَخْلُوقٌ، وَالزَّكَاةُ مَخْلُوقَةٌ، وَالْحَجُّ مَخْلُوقٌ، وَالْجِهَادُ مَخْلُوقٌ، فَجَعَلْنَا لَا نَدْرِي مَا نَرُدُّ عَلَيْهِ، فَأَتَيْنَا عَبْدَ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقَ، فَقَصَصْنَا عَلَيْهِ أَمْرَهُ فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا هَذَا؟ ائْتُوا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ، فَإِنَّهُ جَهْبَذُ هَذَا الْأَمْرِ، قَالَ أَبِي: فَأَتَيْنَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَأَخْبَرْنَاهُ بِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي أَلْقَاهَا عَلَيْنَا، فَقَالَ لَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: «هَذِهِ مَسَائِلُ الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ، وَهِيَ سَبْعُونَ مَسْأَلَةً، اذْهَبُوا فَاطْرُدُوا هَذَا مِنْ عِنْدِكُمْ»
وروى ابن بطة في الإبانة الكبرى (469) وَحَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ حَمْزَةُ بْنُ الْقَاسِمِ الْهَاشِمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْبَلٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَسُئِلَ عَنْ مَنْ قَالَ: الْإِيمَانُ مَخْلُوقٌ فَقَالَ: هَذَا كَلَامُ سُوءٍ رَدِيءٌ وَأَيُّ شَيْءٍ بَقِيَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الْإِيمَانُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " مَخْلُوقٌ؟ مَنْ قَالَ هَذَا، فَهُوَ قَوْلُ سُوءٍ، يُدْعَوْ إِلَى كَلَامِ جَهْمٍ، يُحَذَّرُ عَنْ صَاحِبِ هَذَا الْكَلَامِ، وَلَا يُجَالَسُ، وَلَا يُكَلَّمُ حَتَّى يَرْجِعَ وَيَتُوبَ، وَهَذَا عِنْدِي يَدْعُو إِلَى كَلَامِ جَهْمٍ، الْإِيمَانُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَخْلُوقٌ هُوَ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255] {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} [الحشر: 23] فَهَذِهِ صِفَاتُهُ وَأَسْمَاؤُهُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَصَفَ اللَّهُ بِهَا نَفْسَهُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْإِيمَانُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَخْلُوقٌ، فَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ، يُحَذَّرُ عَنْ صَاحِبِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَصِفَاتُ اللَّهِ وَأَسْمَاؤُهُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، وَهَذِهِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَالِمًا، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَخْلُوقٌ فَقَدْ قَالَ مَقَالَةَ الْجَهْمِيَّةِ )اهـــ
وفي طبقات الحنابلة (3/319) : قال أبو طالب عن أبي عبد الله ــ أي أحمد ـــ في الإيمان أن من قال مخلوق فهو جهمي ، ومن قال إنه غير مخلوق فقد ابتدع ، وأنه يجهز حتى يرجع ) اهـــ
بل والله قال ابن بطة رحمه الله في الإبانة (2/346) : من قال : الإيمان مخلوق فهو كافر بالله العظيم قال : ... ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع ) اهـــ
(قلت) فهل لاحظت أن لفظة الجهمي عندهم تعني الكافر مباشرة ، وفرقوا بينه وبين المبتدع ، وهذا حكم من قال الإيمان مخلوق وقد طبق على اثنين من كبار حفاظ الحديث دون مبالاة وإليك أسماءهم

1) فضلك الصائغ : 

 كان من المحدثين الحفاظ لكن هجروه بسبب قوله الإيمان مخلوق .
قَالَ المَرُّوْذِيُّ : وَرد عَليَّ كِتَابٌ مِنْ نَاحِيَة شيرَازَ أَنَّ فضلكَ قَالَ بنَاحِيَتهِم : إِنَّ الإِيْمَان مَخْلُوْق فَبلغنِي أَنَّهُم أَخرجُوهُ مِنَ البلدِ بِأَعوَان [ تاريخ بغداد (12/367) والسير (12/630) ]
وفي تاريخ الإسلام (6/385) : قَالَ لي أَحْمَد بْن أصرم المُزَنيّ : كنتُ بشيراز وقد أظهر فَضْلَك أنّ الْإِيمَان مخلوق وأفسد قومًا من المشيخة فحذَّرت عنه، وأخبرتهم أنّ أَحْمَد بْن حنبل جهَّم من قال بالعراق: الإيمان مخلوق ،وبيَّنا أمره حَتَّى أخرج ، ودخلت إصبهان فإذا قد جاء إليهم، وأظهر عندهم أنّ الْإِيمَان مخلوق فأُخْرج منها ، وقَالَ المرُّوذيّ: ما زلنا نهجر فضلك حَتَّى مات ولم يُظهر توبةً ولا رجوعًا ) اهـــ.

2) محمد بن نصر المروزي : 

 قَالَ الحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ مَنْدَةَ فِي مَسْأَلَةِ الإِيْمَان: صَرَّحَ مُحَمَّدُ بنُ نَصْرٍ فِي كِتَاب (الإِيْمَان) بِأَنَّ الإِيْمَانَ مَخْلُوْقٌ، وَأَنَّ الإِقْرَارَ، وَالشَّهَادَةَ، وَقرَاءةَ القُرْآنِ بِلَفْظِهِ مَخْلُوْقٌ ، ثُمَّ قَالَ: وَهَجَرَهُ عَلَى ذَلِكَ عُلَمَاءُ وَقتِهِ، وَخَالفَهُ أَئِمَّةُ خُرَاسَانَ وَالعِرَاقِ ) اهـــ . [ السير (14/39) ]
(قلت) والحافظ ابن منده هو القائل :( رَأْسُ الْإِيمَانِ التَّوْحِيدُ وَهُوَ قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِيمَانَ مَخْلُوقٌ، فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ مُوَحَّدًا حَتَّى خَلَقَ التَّوْحِيدَ، فَوُحِّدَ بِهِ، وَهَذَا مِنْ أَقَاوِيلِ الزَّنَادِقَةِ، خَذَلَهُمُ اللَّهُ ) [ الأباطيل للجوزقاني ص51) ]

فصل : في من دخل في قضية اللفظ :

وقعت فتنة اللفظ أول ما وقعت بخراسان ، فوقع فيها جهابة من المحدثين الكبار ، فجهرهم أهل الحديث ولم ينظروا في علومهم ، ومكانتهم وهيبتهم ، منهم .
روى عبد الله في السنة (178) قال : سَأَلْتُ أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ قُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَالَ: التِّلَاوَةُ مَخْلُوقَةٌ وَأَلْفَاظُنَا بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقَةٌ وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ ؟ وَمَا تَرَى فِي مُجَانَبَتِهِ ؟ وَهَلْ يُسَمَّى مُبْتَدِعًا؟ فَقَالَ: " هَذَا يُجَانَبُ وَهُوَ قَوْلُ الْمُبْتَدِعِ، وَهَذَا كَلَامُ الْجَهْمِيَّةِ لَيْسَ الْقُرْآنُ بِمَخْلُوقٍ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {هُو الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} [آل عمران: 7] فَالْقُرْآنُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ " [ راجع مسائل أبي داود (1712) والإبانة الكبرى (2255)
(قلت) فتأمل أن الإمام جعل من مجرد من قال بأن اللفظ مخلوق مبتدع ولو صرح بعد ذلك بأن القرآن ليس بمخلوق ، فمجرد أول كلامه يعتبر نوع من التجهم ، وهذا الذي وقع فيه الكثير من المحدثين ، حيث ظنوا أنهم إذا قالوا بأن القرآن كلام ليس مخلوق فعادي بع د ذلك يقول باللفظ لأنه في نفسه نفى عنه تهمة القول بخلق القرآن !! وهذا غلط فاحش أدى بهم إلى البدعة ، ولهذا كره السلف أحمد وغيره أن يتكلموا في اللفظ أصلا لا مخلوق ولا غير مخلوق قال عبد الله بن أحمد في السنة (170) : وكان أبي يكره أن يتكلم في اللفظ بشيء ، أو يقال : مخلوق أو غير مخلوق .

1) أبو عبد الله البخاري :

أبى البخاري إلا أن يتقحَّم في هذه الأغلوطة الخطيرة ، مع أنه كان يصرح أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق ويكفر من قال مخلوق ، لكن قال بما يشبه اللفظ كما سيأتي ، فهجره أهل الحديث لأجل هذه القضية ، ولم يشفع ذلك فيه عند أهل الحديث في زمانه ، لأنه لبس على العامة في قضية اللفظ وأوهمهم أنه يقول لفظي بالقرآن مخلوق وهو كلام الجهمية ، لكنه لم يقله بصريح العبارة وكان ينكر أنه قال ويكذب من زعم ذلك ، وصدق فلم يقله لكن الخطأ الذي ارتكبه البخاري رحمه الله أنه كان إذا سئل عن اللفظ يجيب ويقول : أفعالنا مخلوقة !! فالذي يسمعه يفهم مباشرة أنه يقول لفظي بالقرآن مخلوق ، فتتن الناس بقوله ، وهجره أهل الحديث بنيسبور على رأسهم الحافظ الكبير الذهلي الذي كان يقول أن البخاري قال لفظي بالقرآن مخلوق بصريح العبارة ورماه بالتجهم ، فتبعه أهل الحديث في هجره بخراسان منهم أبو زرعة ومحمد بن سيار وغيرهم فرحمك الله يا أبا عبد الله فلو سَكَتَّ عن اللفظ ولم تجب بشيء لكان أورع وأتقى وأبعد عن الفتن .
جاء في ترجمته من السير لذاك الذهبي : قَالَ أَبُو حَامِدٍ بنُ الشَّرْقِيِّ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ يحيى الذهلي يقول: القرآن كلام الله غير مَخْلُوْقٍ مِنْ جَمِيْعِ جهَاتِهِ، وَحَيْثُ تُصُرِّفَ فَمَنْ لزمَ هَذَا اسْتغنَى عَنِ اللَّفْظِ، وَعمَّا سِوَاهُ مِنَ الكَلاَمِ فِي القُرْآنِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ القُرْآنَ مَخْلُوْقٌ فَقَدْ كَفَرَ، وَخَرَجَ عَنِ الإِيْمَانِ وَبَانتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ، وَإِلاَّ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ وَجُعِلَ مَالُهُ فَيْئاً بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ، وَلَمْ يُدْفَنْ فِي مَقَابِرِهِم، وَمَنْ وَقَفَ فَقَالَ: لاَ أَقُوْلُ مَخْلُوْق، وَلاَ غَيْر مَخْلُوْق فَقَدْ ضَاهَى الكُفْرَ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ لَفْظِي بِالقُرْآنِ مَخْلُوْقٌ فَهَذَا مُبْتَدِعٌ لاَ يُجَالَسْ، وَلاَ يُكَلَّمْ وَمِنْ ذهبَ بَعْدَ هَذَا إِلَى مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيْلَ البُخَارِيِّ فَاتَّهِمُوهُ فَإِنَّهُ لاَ يَحْضُرُ مَجْلِسَهُ إلَّا مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مذهَبِهِ.
أَنْبَأَنَا المُسَلَّمُ بنُ مُحَمَّدٍ القَيْسِيُّ وَغَيْرُهُ قَالُوا: أَخْبَرَنَا زَيْدُ بنُ الحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ عَلِيٍّ الخَطِيْبُ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ غَالِبٍ أَبُو بَكْرٍ البَرْقَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الإِسْمَاعِيْلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ سيَّارٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ مُسْلِمٍ خشنَام قَالَ: سُئِلَ مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ بِنَيْسَابُوْرَ عَنِ اللَّفْظِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بنُ سَعِيْدٍ يَعْنِي أَبَا قُدَامَةَ عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيْدٍ هُوَ القَطَّانُ قَالَ: أَعْمَالُ العبَادِ كُلُّهَا مَخْلُوْقَةٌ فمَرَقُوا عَلَيْهِ، وَقَالُوا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ترجِعُ عَنْ هَذَا القَوْلِ حَتَّى نعُودَ إِلَيْكَ? قَالَ: لاَ أَفعلْ إلَّا أَنْ تَجِيئُوا بحجَّةٍ فِيْمَا تقولُونَ أَقْوَى مِنْ حُجَّتِي، وَأَعجبَنِي مِنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيْلَ ثَبَاتُهُ.وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ الأَعمَشِيُّ: رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بنَ إِسْمَاعِيْلَ فِي جنَازَةِ أَبِي عُثْمَانَ سَعِيْدِ بنِ مَرْوَانَ، وَمُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى يَسْأَلُهُ عَنِ الأَسَامِي وَالكُنَى وَعِلَلِ الحَدِيْثِ، وَيمرُّ فِيْهِ مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ مِثْلَ السَّهْمِ فَمَا أَتَى عَلَى هَذَا شَهْرٌ حَتَّى قَالَ مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى: إلَّا مَنْ يَخْتلِفُ إِلَى مَجْلِسِهِ فَلاَ يَخْتَلِفْ إِلَيْنَا فَإِنَّهُم كَتَبُوا إِلَيْنَا مِنْ بَغْدَادَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي اللَّفْظِ وَنهينَاهُ فَلَمْ يَنْتَهِ فَلاَ تقربوهُ، وَمَنْ يقربْهُ فَلاَ يقربْنَا فَأَقَامَ مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ هَا هُنَا مُدَّةً ثُمَّ خَرَجَ إِلَى بُخَارَى.وَقَالَ الحَاكِمُ: حَدَّثَنَا طَاهِرُ بنُ مُحَمَّدٍ الوَرَّاقُ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ شَاذِلٍ يَقُوْلُ: لَمَّا وَقَعَ بَيْنَ مُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى، وَالبُخَارِيِّ دَخَلْتُ عَلَى البُخَارِيِّ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ أَيْشٍ الحِيلَةُ لنا فيما بينك، وبين محمد بن يَحْيَى كُلُّ مَنْ يَخْتلِفُ إِلَيْكَ يُطْرَدُ? فَقَالَ: كم يَعْتَرِي مُحَمَّدَ بنَ يَحْيَى الحسدُ فِي العِلْمِ، وَالعِلْمُ رِزْقُ اللهِ يُعْطِيهِ مَنْ يَشَاءُ فَقُلْتُ: هَذِهِ المَسْأَلَةُ الَّتِي تُحْكَى عَنْكَ? قَالَ: يَا بنِي هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مَشْؤُوْمَةٌ رَأَيْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ، وَمَا نَالَهُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ وَجَعَلْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لاَ أَتَكَلَّمَ فِيْهَا.
قَالَ أَبُو أَحْمَدَ بنُ عَدِيٍّ ذَكَرَ لِي جَمَاعَةٌ مِنَ المَشَايِخِ أَنَّ مُحَمَّدَ بنَ إِسْمَاعِيْلَ لَمَّا وَردَ نَيْسَابُوْرَ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ حَسَدَهُ بَعْضُ مَنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ مِنْ مَشَايِخِ نَيْسَابُوْرَ لَمَّا رَأَوا إِقبالَ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَاجْتِمَاعَهُم عَلَيْهِ فَقَالَ لأَصْحَابِ الحَدِيْثِ: إِنَّ مُحَمَّدَ بنَ إِسْمَاعِيْلَ يَقُوْلُ: اللَّفْظُ بِالقُرْآنِ مَخْلُوْقٌ فَامتحنُوهُ فِي المَجْلِسِ فَلَمَّا حضَرَ النَّاسُ مَجْلِسَ البُخَارِيِّ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ مَا تَقُوْلُ فِي اللَّفْظِ بِالقُرْآنِ مَخْلُوْقٌ هُوَ أَمْ غَيْرُ مَخْلُوْقٍ? فَأَعرَضَ عَنْهُ البُخَارِيُّ، وَلَمْ يُجِبْهُ فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ فَأَعَادَ عَلَيْهِ القَوْلَ فَأَعرضَ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ في الثالثة فالتفت إليه البخاري، وقال: القُرْآنُ كَلاَمُ اللهِ غَيْرُ مَخْلُوْقٍ، وَأَفْعَالُ العبَادِ مَخْلُوْقَةٌ وَالامْتِحَانُ بِدْعَةٌ فشَغَبَ الرَّجُلُ وَشَغَبَ النَّاسُ وَتَفَرَّقُوا عَنْهُ وَقَعَدَ البُخَارِيُّ فِي مَنْزِلِهِ.وَقَالَ أَبُو سَعِيْدٍ حَاتِمُ بنُ أَحْمَدَ الكِنْدِيُّ: سَمِعْتُ مُسْلِمَ بنَ الحَجَّاجِ يَقُوْلُ: لَمَّا قَدِمَ مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ نَيْسَابُوْرَ مَا رَأَيْتُ، وَالِياً وَلاَ عَالِماً فَعَلَ بِهِ أَهْلُ نَيْسَابُوْرَ مَا فعلُوا بِهِ اسْتَقبلُوهُ مرحلَتَيْنِ، وَثَلاَثَة فَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى فِي مَجْلِسِهِ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَقبلَ مُحَمَّدَ بنَ إِسْمَاعِيْلَ غَداً فليستقبِلْهُ فَاسْتقبلَهُ مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى، وَعَامَّةُ العُلَمَاءِ فَنَزَلَ دَارَ البُخَاريّينَ فَقَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بن يحيى: لا تسألوه عن شي مِنَ الكَلاَمِ فَإِنَّهُ إِنْ أَجَابَ بِخِلاَفِ مَا نَحْنُ فِيْهِ، وَقَعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ ثُمَّ شَمِتَ بِنَا كُلُّ حَرُورِيٍّ وَكُلُّ رَافضيٍّ، وَكُلُّ جَهْمِيٍّ وَكُلُّ مُرْجِئٍ بِخُرَاسَانَ قَالَ: فَازدحمَ النَّاسُ عَلَى مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيْلَ حَتَّى امتلأَ السّطحُ وَالدَّارُ فَلَمَّا كَانَ اليَوْمُ الثَّانِي، أَوِ الثَّالِثِ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنِ اللَّفْظِ بِالقُرْآنِ فَقَالَ: أَفْعَالُنَا مَخْلُوْقَةٌ، وَأَلفَاظُنَا مِنْ أَفْعَالِنَا فَوَقَعَ بَيْنَهُمُ اخْتِلاَفٌ فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: قَالَ: لَفْظِي بِالقُرْآنِ مَخْلُوْقٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَقُلْ حَتَّى توَاثَبُوا فاجتمع أهل الدار وأخرجوهم.
وَقَالَ الحَاكِمُ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ يَعْقُوْبَ بنِ الأَخْرَمِ، سَمِعْتُ ابْنَ عَلِيٍّ المَخْلَديَّ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ يَحْيَى يَقُوْلُ: قَدْ أَظهرَ هَذَا البُخَارِيُّ قَوْلَ اللفظيَّةِ وَاللفظيَّةُ عِنْدِي شرُّ مِنَ الجَهْمِيَّةِ.وَقَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ صَالِحِ بنِ هَانِئ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ سَلَمَةَ يَقُوْلُ: دَخَلْتُ عَلَى البُخَارِيِّ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ هَذَا رَجُلٌ مَقْبُوْلٌ بِخُرَاسَانَ خصوصاً فِي هَذِهِ المَدِيْنَةِ وَقَدْ لَجَّ فِي هَذَا الحَدِيْثِ حَتَّى لاَ يَقْدِرَ أَحَدٌ منَّا أَنْ يُكَلِّمَهُ فِيْهِ فَمَا تَرَى? فَقبضَ عَلَى لِحْيَتِهِ ثُمَّ قَالَ: {وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد} [غَافر: 44] اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أُرِدِ المقَامَ بِنَيْسَابُوْرَ أَشَراً وَلاَ بَطراً، وَلاَ طَلباً للرِّئاسَةِ، وَإِنَّمَا أَبَتْ عليَّ نَفْسِي فِي الرُّجُوعِ إِلَى وَطَنِي لِغَلَبَةِ المُخَالِفينَ، وَقَدْ قَصَدَنِي هَذَا الرَّجُلُ حَسَداً لَمَّا آتَانِي اللهُ لاَ غَيْر ثُمَّ قَالَ لِي: يَا أَحْمَدُ إِنِّي خَارجٌ غَداً لتتخلَّصُوا مِنْ حَدِيْثِهِ لأَجلِي.قَالَ: فَأَخبرْتُ جَمَاعَةَ أَصْحَابِنَا فَوَاللهِ مَا شَيَّعَهُ غَيْرِي كُنْتُ مَعَهُ حِيْنَ خَرَجَ مِنَ البلدِ، وَأَقَامَ عَلَى بَابِ البلدِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لإِصْلاَحِ أَمرِهِ.وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ مَنْصُوْرٍ الشِّيْرَازِيُّ: سَمِعْتُ القَاسِمَ بنَ القَاسِمِ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيْمَ وَرَّاقَ أحمد بن سيار يقول لنا قَدِمَ البُخَارِيُّ مَرْوَ اسْتَقبلَهُ، أَحْمَدُ بنُ سَيَّارٍ فِيْمَنْ اسْتَقبَلَهُ فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ نَحْنُ لاَ نُخَالِفُكَ فِيْمَا تَقُوْلُ، وَلَكِنَّ العَامَّةَ لاَ تحملُ ذَا مِنْكَ فَقَالَ البُخَارِيُّ: إِنِّي أَخشَى النَّارَ أُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ أَعْلَمُهُ حقاً أَنْ أَقُوْلَ غَيْرَهُ فَانْصَرَفَ عَنْهُ أَحْمَدُ بنُ سَيَّارٍ.وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي "الجرحِ وَالتعديلِ": قَدِمَ مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ الرَّيَّ سَنَةَ خَمْسِيْنَ وَمائَتَيْنِ، وَسَمِعَ مِنْهُ أَبِي وَأَبُو زُرْعَةَ، وَتركَا حَدِيْثَهُ عِنْدَمَا كَتَبَ إِليهِمَا مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى أَنَّهُ أَظهرَ عندهم بنيسابور أن لفظه بالقرآن مخلوق.رَوَى أَحْمَدُ بنُ مَنْصُوْرٍ الشِّيرَازيُّ قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَقُوْلُ: لَمَّا قَدِمَ أَبُو عَبْدِ اللهِ بُخَارَى نُصِبَ لَهُ القبَابُ عَلَى فرسخٍ مِنَ البلدِ، وَاسْتقبلَهُ عَامَّةُ أَهْلِ البلدِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَذْكُوْرٌ إلَّا اسْتَقبَلَهُ، وَنُثِرَ عَلَيْهِ الدَّنَانِيْرُ وَالِدَرَاهِمُ وَالسُّكَّرُ الكَثِيْرُ فَبقيَ أَيَّاماً قَالَ: فَكَتَبَ بَعْدَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ إِلَى خَالِدِ بنِ أَحْمَدَ أَمِيْرِ بُخَارَى: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَظهرَ خِلاَفَ السُّنَّةِ فَقَرَأَ كِتَابَهُ عَلَى أَهْلِ بُخَارَى فَقَالُوا: لاَ نُفَارِقُهُ فَأَمرَهُ الأَمِيْرُ بِالخُرُوجِ مِنَ البلدِ فَخَرَجَ. 

2) مسلم بن الحجاج :

شارك مسلم شيخه البخاري في قضية اللفظ ، عصبية لمذهب شيخه !! ، فإنه الوحيد الذي كان يوافق البخاري وينتصر لقوله ويغضب لأجله ، بل هجر الذهلي لهجره للبخاري !!
جاء في السير في نفس ترجمة البخاري : قال مُحَمَّدَ بنَ يَعْقُوْبَ الحافظ : لما استوطن البُخَارِيُّ نَيْسَابُوْرَ أَكْثَرَ مُسْلِمُ بنُ الحَجَّاجِ الاخْتِلاَفَ إِلَيْهِ ، فَلَمَّا وَقَعَ بَيْنَ الذُّهْلِيِّ وَبَيْنَ البُخَارِيِّ مَا وَقَعَ فِي مَسْأَلَةِ اللَّفْظِ، وَنَادَى عَلَيْهِ وَمنعَ النَّاسَ عَنْهُ انْقَطَعَ عَنْهُ أَكْثَرُ النَّاسِ غَيْرَ مُسْلِمٍ فَقَالَ الذُّهْلِيُّ يَوْماً: إلَّا مَنْ قَالَ بِاللَّفْظِ فَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَحْضُرَ مَجْلِسَنَا ، فَأَخَذَ مُسْلِمٌ رِدَاءً فَوْقَ عِمَامَتِهِ، وَقَامَ على رءوس النَّاسِ، وَبَعَثَ إِلَى الذُّهْلِيِّ مَا كتبَ عَنْهُ عَلَى ظَهرِ جَمَّالٍ. وَكَانَ مُسْلِمٌ يُظْهِرُ القَوْلَ بِاللَّفْظِ وَلاَ يَكْتُمُهُ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ يُوْسُفَ المُؤَذِّنَ، سَمِعْتُ أَبَا حَامِدٍ بنَ الشَّرْقِيِّ يَقُوْلُ: حضَرْتُ مَجْلِسَ مُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ فَقَالَ: أَلاَ مَنْ قَالَ: لَفْظِي بِالقُرْآنِ مَخْلُوْقٌ فَلاَ يَحْضُرْ مَجْلِسَنَا فَقَامَ مُسْلِمُ بنُ الحَجَّاجِ مِنَ المَجْلِسِ.

3) أحمد بن سلمة :

في نفس الترجمة من السير : قال : رَوَاهَا أَحْمَدُ بنُ مَنْصُوْرٍ الشِّيْرَازِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ يَعْقُوْبَ، فَزَادَ: وَتَبِعَهُ أَحْمَدُ بنُ سَلَمَةَ.
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مَنْصُوْرٍ الشِّيرَازيُّ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ يَعْقُوْبَ الأَخْرَمَ، سَمِعْتُ أَصْحَابَنَا يَقُوْلُوْنَ: لَمَّا قَامَ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ بنُ سَلَمَةَ مِنْ مَجْلِسِ الذُّهْلِيِّ، قَالَ الذُّهْلِيُّ: لاَ يُسَاكِننِي هَذَا الرَّجُلُ فِي البلدِ فَخَشِيَ البُخَارِيُّ وَسَافَرَ.

4) أحمد بن حرب الطائي أبو علي الموصلي :

كان من كبار المحدثين في زمانه ومع ذلك لما دخل في فتنة اللفظية هجره بعض أهل الحديث جاء في تهذيب التهذيب (1/23) قال تاريخ الموصل هجره أخوه علي لمسألة اللفظ . 5) محمد بن داود بن صبيح :
قال أبو بكر الخلال : كان من خواص أحمد ورؤسائهم وكان يكرمه ويحدثه بأشياء لا يحدث بها غيره . (قلت) ومع ذلك هجره بعد ذلك بعض أهل الحديث في دخوله في قضايا اللفظ الذي حذر منها السلف ، جاء في تهذيب التهذيب (9/154) : قال الجعابي في تاريخ الموصل كان فاضلا ورعا تكلم في مسألة اللفظ التي وقعت إلى أهل الثغور ، قال يقول محمد بن داود هجره علي بن حرب لذلك وترك مكاتبته ) اهــ

6) هشام بن عمار : 

 هشام بن عمار محدث حافظ ثقة ، حدث عنه الأئمة ، لكن لما تكلم باللفظ هجروه وبدعوه بل وأعادوا الصلاة خلفه ، رغم أنه برأ نفسه وقال أن القرآن كلام الله غير مخلوق وكفر من قال مخلوقا لكن لم ينفعه ذلك ، بعد التهمة .
قال أبو بكر المروذي رحمه الله في كتاب القصص المفقود : ورد علينا كتاب من دمشق: سل لنا أبا عبد الله ، فإن هشام بن عمار قال : لفظ جبريل ومحمد عليهما السلام بالقرآن مخلوق ، فسألت أباعبد الله فقال: أعرفه طياشاً قاتله الله ، لم يجترأ الكرابيسي أن يذكر جبريل ولا محمداً صلى الله عليه وسلم ، هذا قد تجهم ، وفي الكتاب ، أنه قال في خطبته: الحمد لله الذي تجلى لخلقه بخلقه ، فسألت أبا عبد الله فقال : هذا جهمي الله تجلى للجبال ! يقول : هو تجلى لخلقه بخلقه إن صلوا خلفه ، فليعيدوا الصلاة ) [ نقله في السير (11/432) ]. قال أبو منصور الهروي البزار : سمعت هشام بن عمار: وبلغه أن ناساً ينسبونه إلى اللفظية فغضب وخطب خطبة أثنى فيها على الله تعالى ، ووصفه بالآيات الست من أول الحديد تلاها علينا ، وذكر من عظمة الله ما عجب منه السامعون من حسنه ، ثم ذكر القرآن فقال : القرآن كلام الله ، وليس بمخلوقٍ ، ومن قال : القرآن – أوقدرة الله أو عزة الله – مخلوق ، فهو من الكافرين ، فقيل له : ماتقول في من قال : لفظي بالقرآن مخلوق ؟ فقال : (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ) هذا الذي قرأت كلام الله ،فقيل له : تحدث الناس ببغداد أنك كتبت إلى الكرابيسي ! فقال : ومن الكرابيسي ؟ مارأيته قط ، ولا أدري من هو ، والله ما كتبت إليه )

 7) داود الأصبهاني : 

 قال عبد الرحمن : قال أبو علي القوهستاني : سمعت إسحاق بن راهويه أن لفلان -يعني داود الأصبهاني- في القرآن قولا ثالثا، قول سوء فلم يزل يسأل إسحاق ما هو؟ قال أظهر اللفظ -يعني قال: لفظي بالقرآن مخلوق- [أنظر : أصول الاعتقاد (2/ 393/605و606) وفي الإبانة (1/ 12/332/ 135)]

فصل في من اكتفى بتبديع من كفره السلف :

كان السلف يشددون على من لا يكفر الكافر ويقول هو مبتدع فقط !! كما جاء في تاريخ الإسلام (18/57) قال المروذي : قلت: إنّي سألت أبا ثَوْر عمن قال: لفْظي بالقرآن مخلوق، فقال: مبتدع !! ، فغضبَ أبو عبد الله وقال : أيْش مبتدِع ؟! هذا كلام جَهْمٍ بعينه ، ليس يُفْلح أصحاب الكلام.
وجاء في السير لذاك الذهبي (8/485) : قَالَ زِيَادُ بنُ أَيُّوْبَ: سَأَلَ رَجُلٌ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ الجَعْدِ فَقَالَ الهَيْثَمُ: وَمِثْلُهُ يُسْأَلُ عَنْهُ!؟ فَقَالَ أَحْمَدُ: أَمسِكْ أَبَا عَبْدِ اللهِ. فَذَكَرَهُ رَجُلٌ بِشَرٍّ فَقَالَ أَحْمَدُ: وَيَقَعُ فِي أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ؟ فَقَالَ زِيَادُ بنُ أَيُّوْبَ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيِّ بنِ الجَعْدِ فَسَأَلُوْهُ عَنِ القُرْآنِ فَقَالَ: القُرْآنُ كَلاَمُ اللهِ، وَمَنْ قَالَ: مَخْلُوْقٌ لَمْ أُعَنِّفْه !! فَقَالَ أَحْمَدُ: بَلَغَنِي عَنْهُ أَشَدُّ مِنْ هذا.
(قلت) ومن خبث ذاك الذهبي الذي طعن في السلف كلهم بسبب أنهم يشتدون مع أهل الضلال فقال مدافعا عن علي بن الجعد الجهمي : وَقَدْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنَ المُحَدِّثِيْنَ يَتَنَطَّعُوْنَ فِي مَنْ لَهُ هَفْوَةٌ صَغِيْرَةٌ تُخَالِفُ السُّنَّةَ ، وَإِلاَّ فَعَلِيٌّ إِمَامٌ كَبِيْرٌ حُجَّةٌ يُقَالُ: مَكَثَ سِتِّيْنَ سَنَةً يَصُوْمُ يَوْماًوَيُفْطِرُ يَوْماً ) (قلت) وماذا سينفعه صيامه وهو جهمي !!

1) أبو نعيم الفضل بن دكين :

قال أبو العرب في كتاب المحن (ص458) : قَالَ أَبُو الْعَرَبِ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُعَتِّبٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ الْكُوفِيِّ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ يَعْنِي الْفَضْلَ بْنَ دُكَيْنٍ تَصَلَّبَ فِي الْمِحْنَةِ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ وَكَانَ ابْنُ يُونُسَ لَا يُكَلِّمُ أَبَا نُعَيْمٍ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَن يُقَال مَنْ قَالَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ وَلا يُقَالُ مُبْتَدَعٌ .. ) اهـ

2) الحسن بن علي الحلواني :

محدث ثقة هجروه ورموه بالعظائم لتوقفه في تكفير الواقفة ، مع أنه كان يصرح بأن القرآن كلام الله غير مخلوق .
عن أحمد بن أبي عوف قال: سألت الحسن بن علي الحلواني، فقلت له: إن الناس قد اختلفوا عندنا في القرآن، فما تقول رحمك الله؟ قال: القرآن كلام الله، غير مخلوق، ما نعرف غير هذا [ أنظر الشريعة (1/ 219/174) وأصول الاعتقاد (2/ 359 - / 531) ] (قلت) لكن لما سأل عن حكم الواقفة توقف في تكفيرهم .
جاء في تاريخ بغداد (8/351) قال الخطيب : إِنَّهُ يذكر أَنَّهُ كَانَ ملازما ليزيد بن هَارُون، فَقَالَ: ما أعرفه إلا أَنَّهُ جاءني إِلَى هنا يسلم عَلِيّ، ولم يحمده أَبِي، ثم قَالَ: يبلغني عنه أشياء أكرهه، ولم أره يستخفه، وَقَالَ أَبِي مرة أخرى، وذكره: أهل الثغر عنه غير راضين، أو كلاما هذا معناه.
قال داود بن الحسين البيهقي : بلغني أن الحسن بن علي الحلواني قال : إني لا أكفر من وقف في القرآن فتركوا علمه". [ وانظر في: تهذيب الكمال 6/263 وسير الأعلام 11 / 399]
وقد علق على هذا النص محقق تهذيب الكمال ذاك الجهمي بشار عواد فقال : وهو المصيب وهم المخطئون إن شاء الله تعالى، فأيش هذا الكلام ؟! ) اهـــ (قلت) ما زدت على أن فضحت تجهمك يا هذا !! ومن جهله أنه علق مضيفا أن هذا مذهب البخاري فكيف يطعن فيه ؟ وهل سلم البخاري من القدح يا جاهل حتى تحتج به !! وقال أبو سليمان : ( سألت أباسلمة بن شبيب عن عِلْم الحلواني فقال : يُرمى في الحش من لم يشهد بكفر الكافر فهو كافر ) [ وذكره أيضا بن عساكر في تاريخ دمشق (13/330) ]
ومع هذا فقدذكره ابن حجر في هدي الساري في [من ضُعف بأمر مردود] فقال : تكلم فيه أحمد بسبب الكلام ) (قلت) أنت وإياه سواء إذن يا عسقلاني !!

فصل في من قال بخلق القرآن حتى وإن رجع واعتذر :

هجر السلف الكثير ممن وقع في بدع أو اتهم بشيء ، وإن جاء بعد ذلك واعتذر وتاب ، فلم يقبلوا منهم وتركوهم ، ووقع هذا مع الكبار أمثال ابن المديني وهشام بن عمار وغيرهم وكان الإمام أحمد رحمه الله يقول : (لو حدثت عن أحد بحديث من أجاب في المحنة ، لحدثت عن اثنين : أبومعمر ، وأبو كريب ، أما أبو معمر : فلم يزل بعدما أجاب يذم نفسه على إجابته ويحسن أمر من لم يجب ويغبطهم ، و أما أبو كريب : فأجري عليه دينارين ، وهو محتاج فتركهما لما علم أنه أجري لذلك )
وسنذكر هنا بعض الأمثلة من ذلكم :

1) إسماعيل بن علية :

جاء في ترجمة بن علية في السير للذهبي : إِنَّ مَنْصُوْرَ بنَ سَلَمَةَ الخُزَاعِيَّ تَحَدَّثَ مَرَّةً، فَسَبَقَهُ لِسَانُهُ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ ابْنُ عُلَيَّةَ .. ثُمَّ قَالَ: لاَ، وَلاَ كَرَامَةَ، بَلْ أَرَدْتُ زُهَيْراً ، وَقَالَ: لَيْسَ مَنْ قارف الذنب كمن لم يفارقه، أنا -والله- استتبته.
قَالَ الفَضْلُ بنُ زِيَادٍ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ عَنْ وُهَيْبٍ وَابْنِ عُلَيَّةَ: أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ إِذَا اخْتَلَفَا? فَقَالَ: وُهَيْبٌ، وَمَا زَالَ إِسْمَاعِيْلُ وَضِيعاً مِنَ الكَلاَمِ الَّذِي تَكَلَّمَ فِيْهِ، إِلَى أَنْ مَاتَ. قُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ رَجَعَ وتاب على رءوس النَّاسِ? قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ مَا زَالَ لأَهْلِ الحَدِيْثِ -بَعْدَ كَلاَمِهِ ذَلِكَ- مُبْغِضاً، وَكَانَ لاَ يُنْصِفُ فِي الحَدِيْثِ، كَانَ يُحَدِّثُ بِالشَفَاعَاتِ، وَكَانَ مَعَنَا رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، يَخْتَلِفُ إِلَى الشُّيُوْخِ، فَأَدخَلَنِي عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآنِي، غَضِبَ، وَقَالَ: مَنْ أَدْخَلَ هَذَا عليَّ?
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: بَلَغَنِي أَنَّهُ أُدْخِلَ عَلَى الأَمِيْنِ، فَلَمَّا رَآهُ، زَحَفَ، وَجَعَلَ يَقُوْلُ: يَا ابْنَ الفَاعِلَةِ! تَتَكَلَّمُ فِي القُرْآنِ. وَجَعَلَ إِسْمَاعِيْل يَقُوْلُ: جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، زَلَّةٌ مِنْ عَالِمٍ. ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ: إِنْ يَغْفِرِ اللهُ لَهُ -يَعْنِي: الأَمِيْنَ- فَبِهَا ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ: وَإِسْمَاعِيْلُ ثَبْتٌ.
قَالَ الفَضْلُ بنُ زِيَادٍ: قُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ! إِنَّ عَبْدَ الوَهَّابِ قَالَ: لاَ يُحِبُّ قَلْبِي إِسْمَاعِيْلَ أَبَداً، لَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ وَجْهَهُ أَسْوَدُ فَقَالَ أَحْمَدُ: عَافَى اللهُ عَبْدَ الوَهَّابِ ثُمَّ قَالَ: لَزِمتُ إِسْمَاعِيْلَ عَشْرَ سِنِيْنَ إِلَى أَنْ أُعِيْبَ ثُمَّ جَعَلَ يُحَرِّكُ رَأْسَهُ كَأَنَّهُ يَتَلَهَّفُ ثُمَّ قَالَ وَكَانَ لاَ يُنْصِفُ فِي التَّحَدُّثِ
وَرَوَى الخَطِيْبُ : أَنَّ الحَدِيْثَ الَّذِي أُخِذَ عَلَى إِسْمَاعِيْلَ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِالكَلاَمِ في القرآن.
دَخَلَ عَلَى الأَمِيْنِ مُحَمَّدِ بنِ هَارُوْنَ، فَشَتَمَهُ مُحَمَّدٌ، فَقَالَ: أَخْطَأْتَ، وَكَانَ حَدَّثَ بِهَذَا الحَدِيْثِ: "تَجِيْءُ البَقرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا". فَقِيْلَ لابْنِ عُلَيَّةَ: أَلَهُمَا لِسَانٌ? قَالَ: نَعَمْ. فَقَالُوا: إِنَّهُ يَقُوْلُ: القُرْآنُ مَخْلُوْقٌ ، وإنما غلط

2) سعيد بن سليمان الضبي :

تركه وهجره الأئمة بعد قوله بخلق القرآن رغم أنه رجع عن ذلك وإن كان هو في نفسه ثقة محدث ، كما في الثقات للعجلي (547) سعيد بن سليمان ويعرف بسعدويه: واسطي ثقة ، قيل له بعد ما انصرف من المحنة: ما فعلتم ؟ قال: كفرنا ورجعنا!
في ضعفاء العقيلي عند ترجمته (582) قال : حَدَّثَنِي الْخَضِرُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، يَسْأَلُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ: تَرَى الْكِتَابَةَ عَنْهُ؟ فَقَالَ: أَعْفِنِي عَنِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ هَؤُلَاءِ، وَذَلِكَ فِي حَيَاةِ سَعِيدٍ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْمِحْنَةِ.
وفي التاريخ الأوسط للبخاري (2557) قَالَ سعيد بن سُلَيْمَان لما أدخلنا على إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بَدَأَ يعلى بن الْجَعْد فَقَالَ مَا تَقول فِي الْقُرْآن فَقَالَ الْقُرْآن كَلَام الله فَقَالَ إِسْحَاق يَا شيخ إننا كُنَّا نرَاك بِغَيْر هَذَا قَالَ عَليّ لَا وَالَّذِي لَا إِلَه غَيره مَا دنت الله بِغَيْر هَذَا فَقَالَ لتقولن أَو لنفعلن بك قَالَ فَقَالَ وَقُلْنَا قَالَ سعيد بن سُلَيْمَان لما خرج يَا غُلَام قرب الْحمار فَإنَّا وَالله قد كفرنا بعْدك .

فصل في من ترك الجمعة خلف أئمـة الجور :

الحسن بن صالح بن حي : ترك الصلاة خلف الأئمة ثم رأى السيف على أئمة الجور ومع أنه لم يخرج أبدا لكن هجره سفيان الثوري بسبب تركه صلاة الجمعة خلف الإمام ، وقد كان يعتبر قبل بدعته إماما من أئمة العلم والزهد عند الناس وكان الأئمة يثنون عليه بل ويشبهونه بسعيد بن جبير لكنه استحق الترك وبدع وهجر وهجروا من جالسه بعد ما وقع فيه ، ولم يبالوا بعلمه وزهده وهيبته وعبادته ، فو الله لو كان في زمننا اليوم لما تركوه يمشي على التراب لتميع الدين وخفته .
في ترجمته من السير جاء : عَنْ خَلاَّدِ بنِ يَزِيْدَ قَالَ: جَاءنِي سُفْيَانُ فَقَالَ: الحَسَنُ بنُ صَالِحٍ مَعَ مَا سَمِعَ مِنَ العِلْمِ وَفَقُهَ يَتْرُكُ الجُمُعَةَ، ثُمَّ قَامَ، فَذَهَبَ.
أَبُو سَعِيْدٍ الأَشَجُّ: سَمِعْتُ ابْنَ إِدْرِيْسَ: مَا أَنَا وَابْنُ حَيٍّ? لاَ يَرَى جُمُعَةً وَلاَ جِهَاداً.
في علل عبد الله (215) قَالَ أحمد : مَا يعجبنا مَذْهَب الْحسن بن صَالح قد كَانَ قعد عَن الْجُمُعَة !! ) اهـــ
وقال في السير أيضا : قَالَ يَحْيَى القَطَّانُ: كَانَ سُفْيَانُ الثوري سيئ الرأي في الحسن بن حَيٍّ ، وَقَالَ زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ البَغْدَادِيِّ، قَالَ المِزِّيُّ شَيْخُنَا -أَظُنُّه أَبَا بَكْرٍ الأَثْرَمَسَمِعْتُ أَبَا نُعَيْمٍ يَقُوْلُ: دَخَلَ الثَّوْرِيُّ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنَ البَابِ القِبْلِيِّ، فَإِذَا الحَسَنُ بنُ صَالِحٍ يُصَلِّي فَقَالَ: نَعُوْذُ بِاللهِ مِنْ خُشُوْعِ النِّفَاقِ وَأَخَذَ نَعْلَيْهِ فَتَحوَّلَ إِلَى سَارِيَةٍ أُخْرَى.
وَقَالَ العَلاَءُ بنُ عَمْرٍو الحَنَفِيُّ، عَنْ زَافِرِ بنِ سُلَيْمَانَ: أَرَدْتُ الحجَّ، فَقَالَ لِيَ الحَسَنُ بنُ صَالِحٍ: إِنْ لَقِيْتَ أَبَا عَبْدِ اللهِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ بِمَكَّةَ، فَأَقْرِهِ مِنِّي السَّلاَمَ وَقُلْ: أَنَا عَلَى الأَمْرِ الأَوَّلِ: فَلَقِيْتُ سُفْيَانَ فِي الطَّوَافِ، فَقُلْتُ: إِنَّ أَخَاكَ الحَسَنَ بنَ صَالِحٍ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ وَيَقُوْلُ: أَنَا عَلَى الأَمْرِ الأَوَّلِ. قَالَ: فَمَا بَالُ الجُمُعَةِ?
عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ: سَمِعْتُ أَبَا مَعْمَر يَقُوْلُ: كُنَّا عِنْدَ وَكِيْعٍ، فَكَانَ إِذَا حَدَّثَ عَنْ حَسَنِ بنِ صَالِحٍ، أَمْسَكْنَا أَيْدِيَنَا، فَلَمْ نَكْتُبْ فَقَالَ: مَا لَكُم لاَ تَكتُبُوْنَ حَدِيْثَ حَسَنٍ? فَقَالَ لَهُ أَخِي بِيَدِهِ هَكَذَا -يَعْنِي: أَنَّهُ كَانَ يَرَى السَّيْفَ- فَسَكَتَ وَكِيْعٌ.
وقال خلف بن تميم: كان زائد يَسْتَتِيْبُ مَنْ أَتَى حَسَنَ بنَ صَالِحٍ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ يُوْنُسَ اليَرْبُوْعِيُّ: لَوْ لَمْ يُولَدِ الحَسَنُ بنُ صَالِحٍ، كَانَ خَيْراً لَهُ: يَتْرُكُ الجُمُعَةَ، وَيَرَى السَّيْفَ، جَالَسْتُهُ عِشْرِيْنَ سَنَةً، مَا رَأَيتُهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَلاَ ذَكَرَ الدنيا.
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ دَاوُدَ الخُرَيبي: تَرَكَ الحَسَنُ بنُ صَالِحٍ الجُمُعَةَ، فَجَاءَ فُلاَنٌ، فَجَعَلَ يُنَاظِرُهُ لَيْلَةً إِلَى الصَّبَاحِ، فَذَهَبَ الحَسَنُ إِلَى تَرْكِ الجُمُعَةِ مَعَهُم وَإِلَى الخُرُوْجِ عَلَيْهِم وَهَذَا مَشْهُوْرٌ عَنِ الحَسَنِ بنِ صَالِحٍ، وَدَفَعَ اللهُ عَنْهُ أَنْ يُؤْخَذَ فَيُقْتَلَ بِدِيْنِهِ وَعِبَادتِهِ.

فصل في من ترك الإستثناء في الإيمان :

الإستثناء في الإيمان من عقائد أهل السنة والجماعة وتركه من أقوال المرجئة فإنهم كانوا يعيرون أهل السنة إذا استثنوا بالشكاك ، وإسماعيل بن عياش لم يكن ثبت عنه أنه كان يتمذهب بمذهب المرجئة لكن لما نقل لبعض أهل الحديث أنه ترك الإستثناء هجره وترك الرواية عنه مع أنه وصف في ترجمته بالإمامة والعلم !! فأين المميعون ؟ .
جاء في طبقات الحنابلة (2/69) : قال أَبُو عبد اللَّه بْن بطة: سئل أَبُو بكر بْن الأنباري عن الاستثناء فِي الإيمان؟ فَقَالَ: نحن نستثني فنقول نحن مؤمنون إن شاء اللَّه فراجعه السائل فِي ذَلِكَ وعلل عَلَيْهِ الجواب فأجابه أَبُو بكر وتراجعا فِي الكلام فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر بْن الأنباري: هَذَا مذهب إمامنا أَحْمَد بْن حنبل رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قَالَ ابْن بطة: فرأيت الخراساني انصرف وهو يقول: استعدى الشيخ.

1) إسماعيل بن عياش :

جاء في ترجمة إسماعيل بن عياش في السير : قَالَ أَبُو صَالِحٍ: ( كَانَ الفَزَارِيُّ قَدْ رَوَى عَنْ: إِسْمَاعِيْلَ ثُمَّ تَرَكَهُ، وَذَاكَ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى أَبِي إِسْحَاقَ فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ ذُكِرْتَ عِنْدَ إِسْمَاعِيْلَ بنِ عَيَّاش فَقَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ لَوْلاَ أَنَّهُ شَكِّيٌّ ) علق ذاك الذهبي فقال : (قُلْتُ): هَذَا يَدلُّ عَلَى أَنَّ إِسْمَاعِيْلَ كَانَ لاَ يَرَى الاسْتثنَاءَ فِي الإِيْمَانِ، فَلَعَلَّهُ مِنَ المُرْجِئَةِ.

2) مسعر بن كدام :

هجره الثوري ولم يحضر جنازته فقط لأنه لم يستثني في الإيمان [ أنظر تهذيب التهذيب (10/115) ]
وذكر الخلال في كتاب السنة (ص572) مذهبه في الإستثناء فقال : وَمِنْ قَوْلِ الْمُرْجِئَةِ: قَالَ مِسْعَرٌ: أَشُكُّ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي الْإِيمَانِ، وَهُوَ أَسْهَلُ قَوْلٍ لَهُمْ، وَقَدْ فَسَّرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ .
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي هَارُونَ، أَنَّ إِسْحَاقَ حَدَّثَهُمْ أَنَّ أَبَا عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: " أَمَّا مِسْعَرٌ فَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّهُ كَانَ مُرْجِئًا، وَلَكِنْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَثْنِي "
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ لِيَ الثَّوْرِيُّ: كَلِّمْ مِسْعَرًا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: " يُشَكُّ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي الْإِيمَانِ، قَالَ: لَا أَشُكُّ فِي إِيمَانِي، قَالَ: كَانَ سُفْيَانُ يُرِيدُ مِنْهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ "
فَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، وَأَخْبَرَنِي زَكَرِيَّا بْنُ الْفَرَجِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ، أَنَّهُمْ ذَكَرُوا لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَنْ كَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا قَوْلٌ، وَلَا يَسْتَثْنِي، فَذَكَرُوا مِسْعَرًا، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، كَانَ يَقُولُ بِالْإِرْجَاءِ؟ قَالَ: " إِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنَّهُ قَالَ: أَشُكُّ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي إِيمَانِي، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نُعَيْمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُهُ مِنْ مِسْعَرٍ، وَلَيْسَ يَرْوُونَ عَنْ مِسْعَرٍ غَيْرَ هَذَا "، قُلْتُ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: أَشُكُّ فِي كُلِّ شَيْءٍ؟ أَرَادَ تَقْوِيَةَ قَوْلِهِ فِي تَرْكِ الِاسْتِثْنَاءِ، أَيُّ مَعْنًى لِقَوْلِهِ: أَشُكُّ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لَا مَا يَشُكُّ نَحْنُ فِي الْمَوْتِ، وَلَا فِي الْجَنَّةِ، وَلَا فِي النَّارِ، وَلَا فِي الْبَعْثِ. فَقَالَ: " سُبْحَانَ اللَّهِ، لَمْ يُرِدْ هَذَا الطَّرِيقَ، إِنَّمَا أَرَادَ فِيمَا أَرَى، أَيْ شَكَّ فِي الْحَدِيثِ، وَفِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَغِيبُ عَنْهُ، وَسَمِعْتُهُ مِنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: قَالَ لِي سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: «أَلَا تُكَلِّمْ مِسْعَرًا فِي هَذَا الَّذِي يَقُولُهُ» : قَالَ : كَانَ مِسْعَرٌ عِنْدَهُ لَيْسَ كَغَيْرِهِ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا ") اهـ

فصل في من دافع عن أهل البدع والجدال عنهم :

وهذه صارت شيمة المتأخرين ، حتى هدموا الدين وشككوا الناس في عقيدتهم بسبب جدالهم عن أهل البدع والزندقة .
سالم بن أبي حفصة :
روى الجوزجاني في أحوال الرجال (ص64) عن ابن المديني قال سمعت جرير بن عبد الحميد يقول : تركت سالما [ أي بن أبي حفصة ] لأنه كان يخاصم عن الشيعة ، ثم قال بن المديني : من يتركه جرير أيّ شيء هو ؟ ) اهــــ (قلت) فبالله عليكم أين الذين لا يهجرون من يجادل ويخاصم عن الجهمية والأشعرية ليقرؤوا هذا !!
فصل في من سلم على المبتدع أو زراه أو صلى خلفه أو أثنى عليه أو روى عنه :
قال السلف أنه من تساهل مع المبتدع في إحدى هاته الأمور فقد أعان على هدم الإسلام

1) الله بن عمر القواريري :

من كبار المحدثين الحفاظ في زمن الإمام أحمد .
قال صالح بن الإمام أحمد في كتاب سيرة أحمد بن حنبل (ص74) : قدم بن رَبَاح يُرِيد الْبَصْرَة فَبَلغهُ أَن عبد الله القواريري شيعه أَو سلم عَلَيْهِ فَصَارَ القواريري إِلَى أبي فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ قَالَ ألم يكف مَا كَانَ مِنْك من الْإِجَابَة حَتَّى سلمت على ابْن رَبَاح ورد الْبَاب فِي وَجهه ) اهـ.

2) علي بن المديني :

قال ابراهيم الحربي : لقيت علي بن المديني يوماً ، وبيده نعله ، وثيابه في فمه فقلت له : إلى أين ؟ فقال : ألحق الصلاة خلف أبي عبدالله – وظننته يعني أحمد بن حنبل – فقلت : من أبو عبدالله ؟ قال : ابن أبي دؤاد فقلت : والله لا حدثت عنك بحرف واحد"
وهجره بندار الحافظ لما سمعه يروي عن ابن أبي دؤاد الجهمي .
وقال زكريابن يحيى الساجي: "قدم علي بن المديني البصرة ، فصار إليه بندار ، فجعل علي يقول : قال أبو عبد الله ، قال أبو عبد الله ، فقال له بندار على رؤوس الملأ : من أبو عبد الله أحمد بن حنبل ؟ قال : لا أحمد بن أبي دؤاد قال بندار: عند الله أحتسب خطاي ، شبه علي هذا وغضب وقام " . [ السير عند ترجمة ابن المديني ]

3) الحزامي إبراهيم بن المنذر :

كان من المحدثين المشهورين في زمن أحمد زار ابن أبي دواد الجهمي فهجره أحمد .
قال صالح بن أحمد في كتاب سيره أحمد (ص74) : وجاءه الْحزَامِي - وَقد ذهب إِلَى ابْن دؤاد - فدق الْبَاب فَلَمَّا خرج إِلَيْهِ وَرَآهُ اغلق الْبَاب وَدخل ) اهــــ
وقال أبو حاتم الرازي : "جاء إبراهيم بن المنذر الحزامي إلى أحمد بن حنبل فاستأذن عليه ، فلم يأذن له وجلس حتى خرج ، فسلم عليه ، فلم يرد عليه السلام ".

4) ابن البناء الحنبلي :

أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الله المعروف بابن البناء الحنبلي ، حذر منه آل منده وألصقوا به تهمة التمشعر فالتصقت به ، فاستحق الهجر من أهل الحديث في زمانه .
جاء في السير (18/382) قال : ولكن آل منده وغيرهم يقولون في الشيخ ــ ابن البناء ــ إلا أنه في تمشعر نعوذ بالله من الشر ) اهــ
(قلت) وذلك بسبب ثناءه على أبي يعلى وتأليفه كتابا كاملا في ترجمته باسم ( أخبار القاضي أبي يعلى ) وكان أبو يعلى أحد مشايخه وكان يقرض له الكتب التي يؤلفها ، ومن هذا أخذ آل منده من هذا الصنيع أن فيه تمشعر وهذا حق لا غبار عليه وزلة لا تطاق وله زلات غيرها يوافق فيها شيخه أبي يعلى تظهر تأثره بالأشعرية وصدق التهمة التي رمي بها .

4) علي بن الجعد :

هجر زائدة بن قدامة تحديثه بعد أن روى حديثا عن الحسن بن صالح المبتدع .
روى العقيلي في الضعفاء (1/229) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْجَعْدِ يَقُولُ: كُنْتُ مَعَ زَائِدَةَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَقَالَ لَنَا يَوْمًا: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِكُوزِ الْحَبِّ مَرَّتَيْنِ؟ قَالَ: فَلَوْ قُلْتُ حَدَّثَنَا شَرِيكٌ أَوْ سُفْيَانُ كُنْتُ قَدِ اسْتَرَحْتُ، وَلَكِنْ قُلْتَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ أَيْضًا، لَا حَدَّثْتُكَ بِحَدِيثٍ أَبَدًا.

فصل في من وقع في إمام من السلف مشهود له بالإمامة والسنة 

وقال عبد الوهاب الوراق : إذا تكلم الرجل في أصحاب أحمد ، فاتهمه بأن له خبيئة سوء ، ليس هو بصاحب سنة . [ مناقب الإمام أحمد (ص670) ]
روى الخطيب في تاريخه (6 / 325) . قال أَبُو بَكْر الأثرم : سمعت أبا عَبد الله، يعني أحمد بْن حنبل - سئل عَن إسحاق بْن إِسْمَاعِيل، الذي كان يحدث في مدينة أبي جعفر فَقَالَ : ما أعلم إِلاَّ خَيْرًا ، إلا أنه - ثم حمل عليه بكلمة ذكرها – وَقَال : بلغني أنه يذكر عَبْد الرحمن بْن مهدي وفلانا ، وما أعجب هذا ! ثم قال وهو مغتاظ : ما لك أنت ويلك ! ونحو هذا ، ولذكر الأئمة.
(قلت) من تكلم بجرح أو بطعن في إمام اتفق السلف على إمامته فحقه الهجر والتحذير كما كان يفعل الإمام أحمد من يفعل ذلك من أصحابه فضلا عن الأئمة قبله ، وكان أحمد قد غضب غضبا شديدا لما سمع أنهم بعضهم تكلم في يحي بن أكثم .
كما جاء في طبقات الحنابلة (1/412) قال عبد اللَّه بْن أَحْمَد بن حنبل ذكر يَحْيَى بْن أكثم عند أبي فقال: ما عرفت فيه بدعة فبلغت يَحْيَى فقال: صدق أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ما عرفني ببدعة قط ، قَالَ وذكر له ما يرميه الناس به فقال: سبحان اللَّه سبحان اللَّه !! ومن يقول هذا وأنكر ذلك أَحْمَد إنكارًا شديدًا ) اهـــ .

1) الطوسي :

صاحب حديث وزهد وعبادة لكن لما طعن في بشر الحافي هجره أحمد ولم يكلمه .
جاء في الآداب لابن مفلح (1/256) : وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ ذُكِرَ الطُّوسِيُّ، فَقَالَ: صَاحِبُ صَلَاةٍ وَخَيْرٍ، فَقِيلَ: لَهُ تُكَلِّمُهُ؟ فَنَفَضَ يَدَهُ، وَقَالَ: إنَّمَا أَنْكَرْت عَلَيْهِ كَلَامَهُ فِي ذَلِكَ الرَّجُلِ يَعْنِي بِشْرَ بْنَ الْحَارِثِ وَقَالَ: إنَّهُ قِيلَ: مِنْ أُمِّ جَعْفَرٍ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ لِحَقِّ آدَمِيٍّ ، لِأَنَّهُ هَجَرَ الطُّوسِيَّ مَعَ صَلَاحِهِ لِكَلَامِهِ فِي بِشْرٍ وَذَلِكَ لِحَقِّ آدَمِيٍّ ) اهـــ .

فصل في من حكى الخلاف بين السلف وأهل البدع ولبس :

كم يفعل هذه الفعلة المتأخرون وعلى رأسهم بن تيمية والذهبي ، فتجدهم ينقلون الخلاف بين الجهمية والسلف وبين المرجئة والسلف ، وبين الأشعرية والسلف ، وهكذا ثم يسكتون ، كأنه خلاف يسير !!
فتجد مثلا الذهبي يقول عن الإرجاء : ( أنه مذهب طائفة من السلف فكان ماذا ؟ ) وتجد بن تيمية يحكي خلافا بين السلف في تكفير الجهمية ، وفي فناء النار ، وفي تكفير المعين من المشركين , وهكذا قليلا قليلا ينسلخ الدين مع الخلافات ، وكان السلف من فعل هذا الفعل يهجر ويحذر ويرمى بما حكاه من خلاف .

1) يحي بن سلام المفسر :

يحي بن سلام مفسر وعالم إفريقية الكبير لازم كبار التابعين كسعيد بن جبير ونحوه ، وهو سني على عقيدة أهل الحديث ، لكنه حكى خلافا مشبوها في الإيمان ، أوقع شبهة لدى السامع فتركه بعض أهل الحديث حتى قام من برأه من الإرجاء .
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ في طبقات علماء إفريقية (1/38) : وَحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ يُوسُفَ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِوَهْبٍ نَسْمَعُ مِنْهُ حَتَّى مَرَّ فِي كُتُبِه حَدِيثٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَلامٍ فَقَالَ: اطْرَحُوهُ لأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ مُرْجِئٌ قَالَ عَوْنٌ: فَقُمْتُ أَنَا إِلَيْهِ وَمَعِي ثَلاثَةٌ مِنْ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَشَهِدْنَا عَنْهُ أَنَّهُ بَرِئٌ مِنَ الإِرْجَاءِ، قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: قَالَ لِي سُلَيْمَانُ بْنُ سَالِمٍ : وَإِنَّمَا نُسِبَتْ إِلَيْهِ الإِرْجَاءُ ، أَنَّ مُوسَى بْنَ مُعَاوِيَةَ الصُّمَادِحِيَّ أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّاءَ ، مَا أَدْرَكْتَ النَّاسَ يَقُولُونَ فِي الإِيمَانِ؟ فَقَالَ لَهُ: أَدْرَكْتُ مَالِكًا وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَقُولُونَ : «الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ » وَأَدْرَكْتُ مَالِكَ بْنَ مِغْوَلٍ ، وَقَطَرَ بْنَ خَلِيفَةَ ، وَعُمَرَ بْنَ ذَرٍّ ، يَقُولُونَ : «الإِيمَانُ قَوْلٌ») اهـــ
قال أبو العرب معلقا : قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَالِمٍ: فَأَخْبَرَ مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ، سُحْنَونَ بْنَ سَعِيدٍ بِمَا ذَكَرَ يَحْيَى بْنُ سَلامٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ، وَقُطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ، وَمَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مَا قَالَ عَنْ غَيْرِهِمْ، فَقَالَ سُحْنُونٌ: هَذَا مُرْجِئٌ.
(قلت) وهؤلاء من حكى خلافهم هم من المرجئة المشهورين في زمانهم ، فلما حكى خلافهم وسكت أوهم أنه خلاف صحيح والخطب فيه يسير فهجر ابن وهب ذكره وأمر بطرح حديثه.

فصل في من روى روايات فيها طعن في الصحابة .

هجر أهل الحديث الكبار لمجرد التحديث بالروايات التي فيها تنقص الصحابة ، وكانوا يسمونها بالأحاديث الرديئة ،ولا ينفع عذرا أن يقال إنما وصلتنا بالإسناد ، فنحن نحدث بها كما وصلت !! فقد اعتذر رجل عند الإمام أحمد بهذا العذر فلم يقبله وهجره كما سيأتي فالواجب دفنها وإماتتها بالكتم ، وإلا كان ذلك نشرا لسب الصحابة ، فيا كثرة من وقع في هذا من أصحاب التواريخ كالطبري الذي ملأ تاريخه بالروايات التي فيها طعون في الصحابة ، فلا أدري كيف وقع في زلة شنيعة كهاته ، وهو تلميذ تلاميذ الإمام أحمد الذي هجر وشدد في هذه المسألة !!
بوب الخلال في السنة (ص501) : التَّغْلِيظُ عَلَى مَنْ كَتَبَ الْأَحَادِيثَ الَّتِي فِيهَا طَعْنٌ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ممن زل في ذلك الأعمش ثم رجع وتاب من التحديث بها ، قال الخلال : أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ نُمَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ يَقُولُ: وَذَكَرَ حَدِيثَهُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ فَقَالَ: «كُنْتُ أُحَدِّثُهُمْ بِأَحَادِيثَ يَقُولُهَا الرَّجُلُ لِأَخِيهِ فِي الْغَضَبِ، فَاتَّخَذُوهَا دِينًا !! ، لَا جَرَمَ، لَا أَعُودُ لَهَا»
وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي هَارُونَ، أنَّ أَبَا الْحَارِثِ قَالَ: جَاءَنَا عَدَدٌ وَمَعَهُمْ ذَكَرُوا أَنَّهُمْ مِنَ الرَّقَّةِ، فَوَجَّهْنَا بِهَا إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِيمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي مَسَاوِئِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: «هَذَا كَلَامُ سُوءٍ رَدِيءٌ، يُجَانَبُونَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ، وَلَا يُجَالَسُونَ، وَيُبَيَّنُ أَمْرُهُمْ لِلنَّاسِ»
قال أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَّ أَبَا الْحَارِثِ حَدَّثَهُمْ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قُلْتُ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي رُوِيَتْ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُرَى لِأَحَدٍ أَنْ يَكْتُبَهَا؟ قَالَ: لَا أَرَى لِأَحَدٍ أَنْ يَكْتُبَ مِنْهَا شَيْئًا، قُلْتُ: فَإِذَا رَأَيْنَا الرَّجُلَ يَطْلُبُهَا وَيَسْأَلُ عَنْهَا، فِيهَا ذِكْرُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَطْلُبُ هَذِهِ وَيَجْمَعُهَا، فَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَبِيئَةُ سُوءٍ ".
قال أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: إِنَّ قَوْمًا يَكْتُبُونَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الرَّدِيئَةَ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ حَكَوْا عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتُ: أَنَا لَا أُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ حَدِيثٍ يَكْتُبُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ يَعْرِفُهَا، فَغَضِبَ وَأَنْكَرَهُ إِنْكَارًا شَدِيدًا، وَقَالَ: " بَاطِلٌ، مَعَاذَ اللَّهِ، أَنَا لَا أُنْكِرُ هَذَا، لَوْ كَانَ هَذَا فِي أَفْنَاءِ النَّاسِ لَأَنْكَرْتُهُ، كَيْفَ فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: أَنَا لَمُ أَكْتُبْ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ " قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَمَنْ عَرَفْتَهُ يَكْتُبُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الرَّدِيئَةَ وَيَجْمَعُهَا أَيُهْجَرُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَسْتَأْهِلُ صَاحِبُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الرَّدِيئَةِ الرَّجْمَ» .
قال الخلال : وَكَتَبَ إِلَيَّ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: ثَنَا بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَسَأَلَهُ عَنِ الرَّجُلِ يَرْوِي الْحَدِيثَ فِيهِ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ، يَقُولُ: أَرْوِيهِ كَمَا سَمِعْتُهُ؟ قَالَ: " مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَرْوِيَ الرَّجُلُ حَدِيثًا فِيهِ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ، قَالَ: وَإِنِّي لَأُضْرِبُ عَلَى غَيْرِ حَدِيثٍ مِمَّا فِيهِ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ "
قال أَخْبَرَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ قَالَ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَخُو أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ قَالَ: كُنْتُ رَفِيقَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ: فَجَعَلْنَا نَسْمَعُ، فَلَمَّا جَاءَتْ تِلْكَ الْأَحَادِيثُ الَّتِي فِيهَا بَعْضُ مَا فِيهَا قَامَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَاعْتَزَلَ نَاحِيَةً وَقَالَ: «مَا أَصْنَعُ بِهَذِهِ» فَلَمَّا انْقَطَعَتْ تِلْكَ الْأَحَادِيثُ فَجَاءَ فَجَعَلَ يَسْمَعُ .
وَأَخْبَرَنَا مُقَاتِلُ بْنُ صَالِحٍ الْأَنْمَاطِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبَّاسًا الدُّورِيَّ، يَقُولُ: كُنَّا إِذَا اجْتَمَعْنَا مَعَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ نَسْمَعُ الْحَدِيثَ فَجَاءَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي الْمَثَالِبِ، اعْتَزَلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَتَّى نَفْرُغَ، فَإِذَا فَرَغَ الْمُحَدِّثُ رَجَعَ فَسَمِعَ، قَالَ مُقَاتِلٌ: وَسَمِعْتُ غَيْرَ شَيْخٍ يَحْكِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ هَذَا .
وَأَخْبَرَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرًا الطَّيَالِسِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ، يَقُولُ: كَانُوا عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: أَحْمَدُ وَخَلَفٌ وَرَجُلٌ آخَرُ، فَلَمَّا مَرَّتْ أَحَادِيثُ الْمَثَالِبِ وَضَعَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ طَوِيلًا حَتَّى مَرَّ بَعْضُ الْأَحَادِيثِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُمَا، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى مَضَتِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا أَوْ كَمَا قَالَ.
وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ هَارُونَ بْنَ سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: وَذَكَرَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «هَذِهِ أَحَادِيثُ الْمَوْتَى»
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْتُبَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا حَلَالٌ، وَلَا حَرَامٌ، وَلَا سُنَنٌ، قُلْتُ: أَكْتُبُهَا؟ قَالَ: لَا تَنْظُرْ فِيهَا، وَأَيُّ شَيْءٍ فِي تِلْكَ مِنَ الْعِلْمِ، عَلَيْكُمْ بِالسُّنَنِ وَالْفِقْهِ، وَمَا يَنْفَعُكُمْ .
قال الخلال : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبَنْدَنِجِيَّ قَالَ: جَمَعْنَا أَحَادِيثَ فِيمَا كَانَ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ: الْمَثَالِبُ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: وَأَتَيْنَا بِهَا سُوَيْدَ بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: فَأَبَى أَنْ يَقْرَأَهَا عَلَيْنَا، فَقَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍيَا أَبَا مُحَمَّدٍلَا تُحَدِّثُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثَ، قَالَ عَلِيٌّ: فَكَانَ إِذَا مَرَّ مِنْهَا بِشَيْءٍ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ .
وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَسُئِلَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ: كَانَ صَالِحَ الْحَدِيثِفِيمَا حَدَّثَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قِيلَ: حَدِيثُ مِينَا؟ قَالَ: مَنْ مِينَا؟ مَا فَحَصْتُ حَدِيثَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي عَيْبِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُرَى مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ سَلِمَ عَلَى النَّاسِ إِلَّا بِتَرْكِهِ، هَذِهِ الْأَحَادِيثَ تُورِثُ الْغِلَّ فِي الْقَلْبِ.
قال أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ: سَأَلْتُ سُفْيَانَ بْنَ وَكِيعٍ فَقُلْتُ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الرَّدِيئَةُ نَكْتُبُهَا؟ فَقَالَمَا طَلَبَهَا إِنْسَانٌ فَأَفْلَحَ قَالَ: وَسَأَلْتُ أَبَا هَمَّامٍ ؟ فَقَالَ: لَا تَكْتُبْهَا، وَسَأَلْتُ مُجَاهِدَ بْنَ مُوسَى؟ فَقَالَلِأَيْشِ تَكْتُبُهَا؟ قُلْتُ: نَعْرِفُهَا، قَالَ: تَعْرِفُ الشَّرَّ !! ) اهــــ
وممن هجره السلف لهذا السبب نذكر من ذلك :

1) عبد الرحمن بن صالح الأزدي العتكي :

كان يحدث بأحاديث فيها مثالب الصحابة و أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، فنهاه الإمام أحمد عن التحديث بها فلم ينتهي فهجره .
قال الخلال : وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: جَاءَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ، فَقُلْتُ لَهُ: تُحَدِّثُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ؟ فَجَعَلَ يَقُولُ : قَدْ حَدَّثَ بِهَا فُلَانٌ، وَحَدَّثَ بِهَا فُلَانٌ ، وَأَنَا أَرْفُقُ بِهِ، وَهُوَ يَحْتَجُّ، فَرَأَيْتُهُ بَعْدُ فَأَعْرَضْتُ عَنْهُ وَلَمْ أُكَلِّمْهُ ) اهـــ
قال الخلال (ص512) : أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ إِلَى أَبِي مَعْمَرٍ، فَذَكَرَ بَعْضَ الْأَحَادِيثِ الرَّدِيئَةِ، فَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ: خُذُوا بِرِجْلِهِ وَجُرُّوهُ، وَأَخْرِجُوهُ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَجُرَّ بِرِجْلَيْهِ، وَأُخْرِجَ مِنَ الْمَسْجِدِ .

2) خلف بن سالم المخرمي أبو محمد المهبلي :

حديث بأحاديث فيها مثالب الصحابة فهجره أحمد لذلك قال المروذي : نقموا عليه تتبعه هذه الأحاديث ــ أحاديث في مثالب الصحابة . [ تهذيب التهذيب (3/152) ]
روى الخلال في السنة (ص 503) : وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَلَفٍ الْمُخَرِّمِيُّ؟ فَقَالَ: خَرَجَ مَعِي إِلَى طَرَسُوسَ، وَكُتُبِهِ عَلَى عُنُقَهُ، خَرَجْنَا مُشَاةً فَمَا بَلَغْنَا رَحَبَةَ طَوْقٍ حَتَّى أَزْحَفَ بِي قَالَ: وَخَرَجْنَا فِي اللِّقَاطِ يَعْنِي بِطَرَسُوسَ، وَمَا كُنْتُ أَعْرِفُهُ إِلَّا عَفِيفَ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَهَبْتُ إِلَى مَنْزِلِ عَمِّي بِالْمُخَرِّمِ، فَرَأَيْتُهُ فَأَعْرَضْتُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ: وَأَيْشِ أَنْكَرَ النَّاسُ عَلَى خَلَفٍ إِلَّا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الرَّدِيئَةَ؟ لَقَدْ كَانَ عِنْدَ غُنْدَرٍ وَرَقَةٌ، أَوْ قَالَ رُقْعَةً، فَخَلَا بِهِ خَلَفٌ، وَيَحْيَى فَسَمَعُوهَا، فَبَلَغَ يَحْيَى الْقَطَّانَ فَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ شَدِيدٍ )
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: ثَنَا مُهَنَّى قَالَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ خَلَفِ بْنِ سَالِمٍ، فَلَمْ يَحْمَدْ، وَلَمْ يَرَ أَنْ يَكْتُبَ عَنْهُ.

3) عبيد الله بن موسى العبسي :

روى الخلال (807) أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: ثَنَا مُهَنَّى قَالَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى الْعَبْسِيِّ؟ فَقَالَ: كُوفِيٌّ فَقُلْتُ: فَكَيْفَ هُوَ؟ قَالَ: كَمَا شَاءَ اللَّهُ قُلْتُ: كَيْفَ هُوَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ؟ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْهُ قُلْتُ: لِمَ ؟ قَالَ: يُحَدِّثُ بِأَحَادِيثَ فِيهَا تَنَقُصٌّ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) اهـــ .

4) أبو عوانة وضاح بن عبد الله اليشكري .

هو ممن شددوا عليه وأحرقوا كتبه لأجل ذلك .
روى الخلال (819) أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: ثَنَا مُهَنَّى قَالَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ قُلْتُ: حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ قَالَ: قَالَ سَلَّامٌ: وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثَنَا يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ خِدَاشٍ، قَالَ: جَاءَ سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ إِلَى أَبِي عَوَانَةَ، فَقَالَ: هَاتِ هَذِهِ الْبِدَعَ الَّتِي قَدْ جِئْتَنَا بِهَا مِنَ الْكُوفَةِ، قَالَ: فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ أَبُو عَوَانَةَ كُتَبَهُ، فَأَلْقَاهَا فِي التَّنَّورِ، فَسَأَلْتُ خَالِدًا مَا كَانَ فِيهَا؟ قَالَ: حَدِيثُ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «اسْتَقِيمُوا لِقُرَيْشٍ» وَأَشْبَاهِهِ قُلْتُ لِخَالِدٍ : وَأَيْشِ ؟ قَالَ: حَدِيثُ عَلِيٍّ: «أَنَا قَسِيمُ النَّارِ» قُلْتُ لِخَالِدٍ: حَدَّثَكُمْ بِهِ أَبُو عَوَانَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ مِنَ الثِّقَاتِ مِنْ أَصْحَابِ أَيُّوبَ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، حَدَّثَنَا عَنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ثُمَّ قَالَ أَبِي: كَانَ أَبُو عَوَانَةَ وَضَعَ كِتَابًا فِيهِ مَعَايِبُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ بَلَايَا، فَجَاءَ إِلَيْهِ سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ فَقَالَ: يَا أَبَا عَوَانَةَ، أَعْطِنِي ذَلِكَ الْكِتَابَ، فَأَعْطَاهُ، فَأَخَذَهُ سَلَّامٌ فَأَحْرَقَهُ.

فصل في من نسب إلى الأئمة روايات منكرة في العقائدة :

1) أبو الشيخ الأصبهاني :

وقال ذاك الذهبي في ميزان الإعتدال عند ترجمته (2287) : أتى بشئ منكر عن أحمد، عن أحمد بن حنبل في معنى قوله عليه السلام: ( إن الله خلق آدم على صورته ) زعم أنه قال صور الله صورة آدم قبل خلقه، ثم خلقه على تلك الصورة، فأما أن يكون خلق الله آدم على صورته فلا، فقد قال تعالى: (ليس كمثله شيء) ، قال يحيى بن مندة في مناقب أحمد: قال المظفر بن أحمد الخياط في كتاب السنة: وحمدان بن الهيثم يزعم أن أحمد قال: صور الله صورة آدم قبل خلقه، وأبو الشيخ فوثقه في كتاب الطبقات.
ويدل على بطلان روايته ما رواه حمدان بن علي الوراق الذي هو أشهر من حمدان بن الهيثم وأقدم ، أنه سمع أحمد بن حنبل، وسأله رجل عن حديث خلق آدم على صورته على صورة آدم، فقال أحمد: فأين الذي يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم على صورة الرحمن ، ثم قال أحمد: وأى صورة لآدم قبل أن يخلق ؟؟
قال الطبراني : سمعت عبد الله بن أحمد يقول: قال رجل لأبي: إن فلانا يقول في حديث رسول الله: إن الله خلق آدم على صورته ، فقال: على صورة الرجل ، فقال أبي: كذب، هذا قول الجهمية ، وأي فائدة في هذا !! ) وقيل: إن أبا عمر بن عبد الوهاب هجر أبا الشيخ لمكان حكاية حمدان، وقال: إن أردت أن أسلم عليك فأخرج من كتابك حكاية حمدان بن الهيثم) انتهـــى من الميزان

فصل : هجر المخلطين والمتـذبذبين :

وفي طبقات الحنابلة (2/169) قَالَ مُحَمَّد بْن إسحاق بْن مُحَمَّد أَبُو عبد اللَّه بْن منده الأصبهاني: طفت الشرق والغرب مرتين فلم أتقرب إلى كل مذبذب ولم أسمع من المبتدعين حديثا واحدا.

وفي طبقات الحنابلة أيضا (1/31) في ذكر عقيدة الإمام أحمد برواية الإصطخري قال أحمد فيها : والدين إنما هو كتاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وآثار وسنن وروايات صحاح عَنِ الثقات بالأخبار الصحيحة القوية المعروفة يصدق بعضها بعضًا حتى ينتهي ذلك إلى رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه رضوان اللَّه عليهم والتابعين وتابعي التابعين ومن بعدهم من الأئمة المعروفين المقتدي بهم والمتمسكين بالسنة والمتعلقين بالآثار لا يعرفون بدعة ولا يطعن فيهم بكذب ولا يرمون بخلاف وليسوا بأصحاب قياس ولا رأي لأن القياس فِي الدين باطل والرأي كذلك وأبطل منه وأصحاب الرأي والقياس فِي الدين مبتدعة ضلال إلا أن يكون فِي ذلك أثر عمن سلف من الأئمة الثقات.
ومن زعم أنه لا يرى التقليد ولا يقلد دينه أحدًا فهو قول فاسق عند اللَّه ورسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما يريد بذلك إبطال الأثر تطيل العلم والسنة والتفرد بالرأي والكلام والبدعة والخلاف وهذه المذاهب والأقاويل التي وصفت مذاهب أهل السنة والجماعة والآثار وأصحاب الروايات وحملة العلم الذين أدركناهم وأخذنا عنهم الحديث وتعلمنا منهم السنن وكانوا أئمة معروفين ثقات أصحاب صدق يقتدى بهم ويؤخذ عنهم ولم يكونوا أصحاب بدعة ولا خلاف ولا تخليط وهو قول أئمتهم وعلمائهم الذين كانوا قبلهم ، فتمسكوا بذلك رحمكم اللَّه وتعلموه وعلموه وبالله التوفيق ) اهــــ .

وقال حرب الكرماني في السنة (90) وهو يصف الأئمة المقتدى بهم : ( كانوا أئمة معروفين ثقاتا ، أهل صدق وأمانة ، يقتدى بهم ، ويؤخذ عنهم ،ولم يكونوا أصحاب بدع ، ولا خلاف ، ولا تخليط ) اهـــ

1) عبيد الله بن موسى العبسي :

في تهذيب التهذيب (7/50 ـــ 53) قال الميموني : ذكر عند أحمد عبيد الله بن موسى فرأيته كالمنكر له ، وقال : كان صاحب تخليط وحدث بأحاديث سوء . ) اهـــ [ وأنظر في تاريخ بغداد (14/307) ]
2) عبد الرحمن بن منده :

خلط في بعض المسائل الخطيرة فاستحق الهجر والتبديع ، كقضية خلو العرش .
في تاريخ الإسلام (31/332) قال السمعاني: سَأَلت أَبَا القاسم إِسْمَاعِيل بْن مُحَمَّد بْن الفضل الحافظ، عن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي عَبْد اللَّه، فسكت ساعة وتوقّف فراجعته فقال : سمع الكثير وخالف أَبَاهُ فِي مسائل، وأعَرض عَنْهُ مشايخ الوقت، وما تركني أَبِي أسمع منه ثُمَّ قال: كان أخوه خيرًا منه.[ أنظر : تذكرة الحفّاظ 3/ 1168، سير أعلام النبلاء 18/ 353، ذيل طبقات الحنابلة (1/ 2) ]قال ذاك الذهبي في السير (13/460) : أَطلق عبَارَاتٍ بَدَّعهُ بَعْضُهم بِهَا .
(قلت) منها من تورطه في قضية اللفظ هل هو مخلوق أو لا في خلافه مع أبي نعيم الأشعري فقال ابن منده ، اللفظ غير مخلوق ، وقد نهى عنها السلف بشدة وبدعوا فيها وهجروا .


فصل هجر وترك من أحيا الرخص الشنيعة وإن ثبتت عمن سلف .

أبو همام :

روى الخلال في السنة (812) قال أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: تَعْرِفُ أَبَا سَيَّارٍ سَمَّاهُ، بَلَغَنِي أَنَّهُ رَدَّ عَلَى أَبِي هَمَّامٍ حَدِيثًا حَدَّثَ بِهِ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَحَدَّثَ أَبُو هَمَّامٍ بِحَدِيثٍ فِيهِ شَيْءٌ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَظَنَّ أَبُو هَمَّامٍ أَنَّهُ فَضِيلَةٌ، فَلَمَّا كَانَ الْمَجْلِسُ الثَّانِي، وَنَحْنُ حُضُورٌ فَوَثَبَ جَمَاعَةٌ، وَقَالُوا: يَا أَبَا هَمَّامٍ حَدَّثْتَ بِحَدِيثٍ رَدِيءٍ؟ فَقَالَ: قَدْ أَخْطَأْتُ اضْرِبُوا عَلَيْهِ، وَلَا تَحْكُوهُ عَنِّي قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدِ انْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِ أَبِي هَمَّامٍ فَقَالَ: أَيْشِ حَدَّثَكُمُ الْيَوْمَ؟ فَأَخْرَجْتُ إِلَيْهِ الْكِتَابَ، فَنَظَرَ، فَإِذَا فِيهِ أَحَادِيثُ، رُخْصَةُ مَنْ كَانَ يَرْكَبُ الْأُرْجُوَانَ، فَغَضِبَ وَقَالَ: هَذَا زَمَانٌ يُحَدَّثُ بِمِثْلِ هَذِهِ الرُّخَصِ ) اهـــ

فصل :في من وقع في تأويل صفة واحدة لله تعالى :

من أول صفة واحدة جهمه السلف ولا كرامة ، كما فعلوا مع أبي ثور ، وغيره واليوم ، يعتبر المؤول لجميع الصفات ، ليس بجهمي ولا حتى مبتدع !!

1) أبو ثور :

أبو ثور كان من الأئمة الفقهاء الكبار من أصحاب الشافعي ، لكن تأول حديث الصورة فقال عنه الإمام أحمد جهمي وهجروه :
روى أبو طالب قال : قال لي أحمد بن حنبل: صح الأمر على أبي ثور ، من قال إن الله خلق اّدم على صورة اّدم فهو جهميوأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه ؟! وروى الخلال عن أبي طالب من وجهين قال : سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل يقول: من قال إن الله خلق اّدم على صورة اّدم فهو جهمي وأي صورة كانت لاّدم قبل أن يخلقه ؟! [ أنظر إبطال التأويلات (1/93) وميزان الإعتدال (1/603) ] وقال محمد بن جعفر سألت عبدالوهاب الوراق - من كبار أصحاب أحمد - عن أبي ثور فقال:أتدّين فيه بماحدثني أبو طالب عن أبي عبدالله أنه قال: يُجفى وُيجفى من أفتى برأيه. وقال عبدالوهاب غير مرة : أبو ثور جهمي ، وقال مرة: ما أدين فيه إلا بقول أحمد يُهجر أبو ثور ومن قال بقوله. وفي طبقات الحنابلة (1/236) : إِبْرَاهِيم بْن أبان الموصلي عنده عَنْ إمامنا مسائل: منها قَالَ: سمعت أبا عبد اللَّه وجاءه رجل فقال: إني سمعت أبا ثور يقول إن اللَّه خلق آدم عَلَى صورة نفسه فأطرق طويلا ثم ضرب بيده عَلَى وجهه ثم قَالَ: هذا كلام سوء هذا كلام جهم هذا جهمي لا تقربوه .
(قلت) وهنا سؤال : لو وقع الإمام أحمد على كلام ابن خزيمة وهو نفس كلام أبي ثور ، تُرى ماذا كان يقول عنه ؟

2) بشر بن السري :

وثقه الأئمة وأثنوا عليه بالحفظ والزهد ، لكن تكلم بكلام في صفة الرؤية يشتبه بكلام الجهمية فاتهم بالتجهم فاعتذر وأنكر فلم يقبلوا منه وهجروه .
قال أحمد بن حنبل: كان بشر بن السري رجلا من أهلالبصرة، ثم صار بمكة، سمع من سفيان نحو ألف ، وسمعنا منه ، ثم ذكر حديث {نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة }،فقال: ما أدري ما هذا ؟ أيش هذا ؟ فوثب به الحميدي ، وأهل مكة ، وأسمعوه كلام اً شديداً.
وقال عبد الله بن أحمد : سمعت أبي يقول : بشر بن السري تكلم بمكة بشيء ، فوثب عليه حمزة بن الحارث بن عمير ، والحميدي ، فلقد ذل بمكة حتى جاء فجلس إلينا مما أصابه من الذل ، قال عبد الله : يعني تكلم في القرآن.
قال الدارقطني : وجدوا عليه في أمر المذهب ، فحلف ، واعتذر إلى الحميدي في ذلك.
قال يحي بن معين : رأيته يستقبل البيت ، ويدعو على قوم يرمونه برأي جهم ، ويقول : معاذ الله أن أكون جهمياً . (قلت) ومع هذا فقد تجنبوه ، ولم يكتبوا عنه ، قال أحمد بن حنبل : اعتذر بعد ،فلم يقبل منه ، وزهد الناس فيه ، فكان يجيئ إلينا ، فلا نكتب عنه ، وجعل يتلطف ، فلا نكتب عنه حتى قال الحميدي : بشر بن السري جهمي لا يحل أن يكتب حديثه فهذا رجل من العباد حافظ متقن ، قال كلاماً زل فيه ، أو فهم منه خلاف ما أراده ، فهجره الأئمة وزهدوا فيه .

فصل : هجر من اشتغل بكتب أهل الرأي وروايات الكذابين والجهمية : 

 الإشتغال بكتب الرأي والبدع والقصص والأحاديث المنكرة والموضوعة، والقراءة منها زلة عظيمة تستحق الهجر والترك والتضليل عند السلف بخلاف التميع الحاصل اليوم ، وما أكثر كتب التي بنيت على التفريعات والقواعد والقياس والإجتهادات اليوم ، وكلها تعتبر كتب الرأي التي حذر منها السلف ، وكان أحمد مثلا يهجر من اشتغل بها أو قرأها حتى يدعها ، من أمثلة ذلك :

1) أبي سليمان الجوزجاني :

كان يشتغل بكتب أبي حنيفة وكتب الرأي فتركه أحمد .وروى الهروي في ذم الكلام (408) عن عَاصِمَ بْنَ عِصْمَةَ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ أَبِي سُلَيْمَانَ الْجَوْزَجَانِيِّ فَجَاءَهُ كِتَابُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ذُكِرَ فِيهِ لَوْ تَرَكْتَ رِوَايَةَ كُتُبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَتَيْنَاكَ فَسَمِعْنَا كُتُبَ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ 

 2) يحي الوضاحي :

وفي ذم الكلام (409) عن عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ لَمَّا قَدِمَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حِمْصَ وَجَّهَ إِلَى يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ الْوَحَّاظِيِّ إِنَّكَ إِنْ تَرَكْتَ الرَّأْيَ أَتَيْتُكَ وَكَتَبْتُ عَنْكَ وَذَلِكَ أَنَّ يَحْيَى كَانَ كَتَبَ كُتُبَ الرَّأْيِ فَكَانَ يَذْهَبُ مَذْهَبهم فَلذَلِك لَمْ يَأْتِهِ أَحْمَدُ .
وروى ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (1/402) : يَحْيَى بْن صَالِحٍ الوحاظي حدث عَنْ إمامنا أَحْمَد فقال: قدم علينا أحمد بن حنبل ههنا يعني حمص فكتب عَنِ الصبيان وترك المشايخ وذلك أنه لما قدم حمص وجه إلى يَحْيَى إن تركت الرأي أتيتك وذلك أن يَحْيَى كان يسمع كتب أهل الرأي وكان يذهب مذهبهم فلم يأته أَحْمَد وكنت عند يحيى يوماً فسمعته تكلم بشيء من الإرجاء فتركت الاختلاف إليه فلذلك لم أكتب عنه.
وهذا يَحْيَى هو أَبُو سليمان الجوزجاني الذي امتنع إمامنا من إتيانه.
وقال الوحاظي: كنت عند أبي سليمان فجاءه كتاب أَحْمَد بن حنبل يذكر فيه لو تركت رواية كتب أبي حنيفة أتيناك فسمعنا كتب عَبْد اللَّهِ بْن المبارك ) اهـــ .

3) إسماعيل بن أبي أويس :

ذكر ابن أبي يعلى في الطبقات أن بعض المفتين أفتى بتأديب من روى خبرا منكر ، وحكى أن بعض المحدثين جلد ألف جلدة بسبب تحديثه بخبر منكر ، ومن ذلك التشديد وهجر السلف لمن اشتغل بمرويات الكذابين والسماع منهم .
في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (1/21) : قال سمعت أبي يقول سمعت عبد العزيز الأويسي يقول : لما خرج إسماعيل بن أبي أويس إلى حسين بن عبد الله بن ضميره وبلغ مالكا هجره أربعين يوما.قال أبو محمد : هجره لأنه لم يرضاه . (قلت) لأن حسين بن ضميرة يكذب في الحديث كم في ترجمته ، فهذا هو سبب هجر مالك لإسماعيل بن أبي أويس وهو ابن أخته .

4) أبو ثور :

وقال محمد بن جعفر سألت عبدالوهاب الوراق - من كبار أصحاب أحمد - عن أبي ثور فقال : أتدّين فيه بما حدثني أبو طالب عن أبي عبدالله أنه قال: يُجفى وُيجفى من أفتى برأيه.


تم البحث والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ...