الأحد، 8 أكتوبر 2017

زجْرُ الدُعاة والكُتَّاب عن الحديث فيما شجر بين الأصحاب



بسم الله والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد :

كثير ممن يُسمّي نفسه داعيةً ، أو باحثا أو كاتبا ، يدعو إلى إيغار الصدور على الصحابة وهو لا يشعر ، بل بعضهم يتعمد ذلك لزيغ في قلبه ، وذلك بإلقاء محاضرات أو كتابة كتب وبحوث في قالب الدفاع عن الصحابة ، يسردون فيها أحداث ما جرى بين الصحابة في أمور دفنها السلف بالصمت والسكوت ، والتحذير والتغليظ والهجر ، ثم تجد أنهم يجلس إليهم عوام الناس يسمعون الشبهات ويقرؤون ما كتبوا ، والكثير منهم لا يعودون بجواب مقنع ، لضعف في عقول أكثرهم فترسخ الشبه في قلبوهم ، فتضع في أذهانهم صورة مشوهة عن بعض الصحابة ، تتطور مع الوقت ، وقد يؤول الأمر لبعضهم إلى التشيع ، والسبُّ الصريح للصحابة ، وهكذا فُتح البابُ للبدع والزندقة ، بحجة الدفاع عن الصحابة بطريقة سخيفة مقيتة . 

شبهة وتلفيق : 

لقد أمرنا بدفن هذا الموضوع ( روايةً وسماعًا وكتابةً ) لأنفسنا قبل غيرنا ، فلا يغتر طالب علم أو باحث أو كاتب فيقول : إنه مما ينبغي في طلب العلم والبحث قراءة كل شيء ومعرفة كل ما يتعلق السير والتاريخ خاصة ، والتعمق فيها ، فإذن يجب علي قراءة ما شجر بين الصحابة في صفين والجمل ، والكتابة فيها والرد على الشبهات وووو ؟؟؟

وللجواب على هذه الشبهة نقول : 

 جاء في السنة للخلال (722) قال : أَخْبَرَنِي عِصْمَةُ بْنُ عَاصِمٍ قَالَ : قَالَ حَنْبَلٌ : أَرَدْتُ أَنْ أَكْتُبَ كِتَابَ صِفِّينَ وَالْجَمَلَ ، عَنْ خَلَفِ بْنِ سَالِمٍ ، فَأَتَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، أُكَلِّمُهُ فِي ذَاكَ وَأَسْأَلُهُ ، فَقَالَ : وَمَا تَصْنَعُ بِذَاكَ وَلَيْسَ فِيهِ حَلالٌ وَلا حَرَامٌ ؟ وَقَدْ كَتَبْتُ مَعَ خَلَفٍ حَيْثُ كَتَبَهُ فَكَتَبْتُ الأَسَانِيدَ وَتَرَكْتُ الْكَلامَ ، وَكَتَبَهَا خَلَفٌ ، وَحَضَرْتُ عِنْدَ غُنْدَرٍ وَاجْتَمَعْنَا عِنْدَهُ فَكَتَبْتُ أَسَانِيدَ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَكَتَبَهَا خَلَفٌ عَلَى وَجْهِهَا قُلْتُ لَهُ : وَلِمَ كَتَبْتَ الأَسَانِيدَ وَتَرَكْتَ الْكَلامَ ؟ قَالَ : أَرَدْتُ أَنْ أَعْرِفَ مَا رَوَى شُعْبَةُ مِنْهَا ، قَالَ حَنْبَلٌ : فَأَتَيْتُ خَلَفًا فَكَتَبْتُهَا ، فَبَلَغَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ لأَبِي : خُذِ الْكِتَابَ فَاحْبِسْهُ عَنْهُ ، وَلا تَدَعْهُ يَنْظُرُ فِيهِ " . 

وقال ابن بطة ردا على هذه الوسوسة الشيطانية في كتاب الشرح والإبانة (294) : ولا ينظر في كتاب صفين والجمل ووقعة الدار ، وسائر المنازعات التي جرت بينهم ، ولا تكتبه لنفسك ولا لغيرك ، ولا تروه عن أحد ولا تقرأه على غيرك ، ولا تسمعه ممن يرويه ، فعلى ذلك اتفق سادات علماء هذه الأمة من النهي عما وصفناه ، منهم : حماد بن زيد ويونس بن عبيد وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وعبد الله بن إدريس ومالك بن أنس وابن أبي ذئب وابن المنكدر وابن المبارك وشعيب بن حرب وأبو إسحاق الفزاري ويوسف بن أسباط وأحمد بن حنبل وبشر بن الحارث وعبد الوهاب الوراق كل هؤلاء قد رأوا : النهي عنها والنظر فيها والاستماع إليها وحذروا من طلبها والاهتمام بجمعها ، وقد روي عنهم فيمن فعل ذلك أشياء كثيرة بألفاظ مختلفة متفقة المعاني على كراهية ذلك والإنكار على من رواها واستمع إليها ) اهــ

سياق ما روي عن السلف في هذا الباب :

وهذا إجماع من أهل السنة والجماعة ولا يفتح هذا الجرح إلا مبتدع في قلبه زيغ على الصحابة وغالبا ما يفتحه أحد إلا وتجده وقع في أحد الصحابة بسبٍّ أو بهمزٍ ، أو أوغر به قلوب العوام على الصحابة والعياذ بالله ، كما فعل الكثير من الدعاة وليسوا إلا دعاة شر وفتن ، ووقد قَرَّر السلف أنَّهُ « لا يَبْسُطُ لِسَانَهُ فِيْهِم إلاَّ مَنْ سَاءَتْ طَوِيَّتُهُ في النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وصَحَابَتِهِ ، والإسْلامِ ، والمُسْلِمِيْنَ » [ الإمَامَةُ لأبي نُعِيْمٍ الأصْبَهانِيِّ (376) ] وإليك ما قاله السلف في هذا الموضوع الخطير : 

عن مجاهد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لا تسبوا أصحاب محمد فإن الله أمر بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون [ روي بسند صحيح في فضائل الصحابة للإمام أحمد (1/ 69) (2/ 1152) والإبانة لابن بطة (294) أصول الاعتقاد (7/ 1324/2353) وفي الشريعة (3/ 540/2033) والحجة للأصبهاني (364) ] 

وسئل عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى - عن علي وعثمان والجمل وصفين وما كان بينهم ؟ فقال: تلك دماء كف الله يدي عنها، وأنا أكره أن أغمس لساني فيها ، مَثَلُ أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَثَلُ العُيُوْنِ ، ودَوَاءُ العُيُوْنِ تَرْكُ مَسِّهَا »    [ الطبقات الكبرى (5/394) الخلال في السنة (1/461- 462) جامع بيان العلم (2/934) مَنَاقِبُ الشَّافِعِيِّ للرَّازِيِّ ص (136) ]

وسئل الحسن البصري رحمه الله تعالى عن قتال الصحابة فيما بينهم فقال : قتال شهده أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وغِبنا ، وعلموا وجهلنا واجتمعوا فاتبعنا ، واختلفوا فوقفنا . [ الإصابة (1/329) الجامع لأحكام القرآن (16/ 322) ] 

روى الخلال في السنة (ص513) والآجري في الشريعة (1981) وابن عدي في الكامل (4/ 34) وابن عساكر في تاريخه (22/ 215) عن العوام بن حوشب قال : أدركت من أدركت من صدر هذه الأمة وهم يقولون : اذكروا محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تأتلف عليه القلوب ، ولا تذكروا الذي شجر بينهم فتحرشوا الناس عليهم .

وقَالَ الإمَامُ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ بَعْدَ أنْ قِيْلَ لَهُ : ما تَقُوْلُ فِيْمَا كَانَ بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعَاوِيَةَ ؟ قَالَ : « ما أقُولُ فِيْهِم إلاَّ الحُسْنَى »[ رواه الخلال في « السنة » (2/460) مَنَاقِبُ أحْمَدَ (ص 146).] 

وروى الخلال في السنة (765) قال بشر بن الحارث : خطأ أصحاب محمد موضوع عنهم . 

وفي طبقات الحنابلة (1/349) قال الحسن ابن ربعي : قال لي أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والصابر تحت المحنة : أجمع تسعون رجلًا من التابعين وأئمة المسلمين وأئمة السلف وفقهاء الأمصار على :.... والكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفضل الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والترحم على جميع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم – وعلى أولاده وأزواجه وأصهاره رضوان الله عليهم أجمعين ، فهذه السنة الزموها تسلموا ، أخذها هدى وتركها ضلالة .

روى الخطيب في تاريخه (6/44) وابن عساكر في تاريخه (59/141) وطبقات الحنابلة (1/251) عن أبي القاسم إسحاق بن إبراهيم بن آزر الفقيه حدثني أبي قال : حضرت أحمد بن حنبل وسأله رجل عما جرى بين علي ومعاوية فأعرض عنه ، فقيل له: يا أبا عبد الله هو رجل من بني هاشم فأقبل عليه ، فقال : أقرأ ? تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ?. 

وفي السنة للخلال بسند صحيح (512) قيل للإمام أحمد : « ما تقول فيمن زعم أنه مباح له أن يتكلم في مساوي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال أبو عبدالله : هذا كلام رديء يجانبون هؤلاء القوم ولا يجالسون ويبين أمرهم للناس ». 

وأخرج ابن عساكر في تاريخه (59/141) بالسند عن أبي القاسم ابن أخي أبي زرعة الرازي قال : جاء رجل إلى عمي فقال له : إني أبغض معاوية فقال له : لم ؟ قال : لأنه قاتل علياً بغير حق ، فقال له أبو زرعة : رب معاوية رب رحيم وخصم معاوية خصم كريم فما دخولك بينهما ؟ 

وقال الكرماني في السنة (75) : ومن السنة ذكر محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كلهم أجمعين ، والكف عن ذكر مساوئهم والخلاف الذي شجر بينهم ، فمن سبّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو أحداً منهم فهو مبتدع ، رافضي خبيث ، مجلف لا يقبل الله منه صرفاً ، ولا عدلاً ، بل حبهم سنة ، والدعاء لهم قربة ، والإقتداء بهم وسيلة ، والأخذ بآثارهم فضيلة ".

وفي مسائل حرب الكرماني (3/1197) : عن عبد الله بن سوار العنبري قال : السنة عندنا وما أدركنا عليه حمادًا ، وحمادًا ، والناس الذين يقتدى بهم تقديم أبي بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان والحب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعًا والكف عن ذكر مساوئهم ، وعظيم الرضا بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم . 

قال ابن بطة في الإبانة الصغرى (ص268) حاكيا الإجماع : ومن بعد ذلك نكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد شهدوا المشاهد معه وسبقوا الناس بالفضل، فقد غفر الله لهم وأمرك بالاستغفار لهم والتقرب إليه بمحبتهم، وفرض ذلك على لسان نبيه وهو يعلم ما سيكون منهم وأنهم سيقتتلون، وإنما فضلوا على سائر الخلق لأن الخطأ والعمد قد وضع عنهم، وكل ما شجر بينهم مغفور لهم . 

وقال البربهاري في شرح السنة يحكي الإجماع أيضا (111) : والكف عن حرب علي ومعاوية وعائشة وطلحة والزبير ، ومن كان معهم ، ولا تخاصم فيهم ، وكل أمرهم إلى الله تبارك وتعالى فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « إياكم وذكر أصحابي وأصهاري وأختاني » . 

وقال الصابوني في كتابه عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص294) حاكيا الإجماع : ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيباً لهم ونقصاً فيهم ويرون الترحم على جميعهم والموالاة لكافتهم . 

(قلت) ومن أراد المزيد في من حكى الإجماع من أهل السنة فليراجع : [ عقيدة الرازيين التي رواها عنهما اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (321) فقد نقلا الإجماع على ذلك ، ويراجع ما قاله الآجري في الشريعة (5/2485) وكيف أجاب عن شبهات المشاغبين في هذا الباب ، ونقل الإجماع الأصبهاني في الحجة (2/395) والقيرواني في عقيدته (23) ابن قدامة في لمعة الاعتقاد (150) وغيرهم كثير ]

الأحاديث الرديئة والتحذير من روايتها أو كتابتها :

من هذا الباب رواية الأحاديث التي تسمى (بالأحاديث الرديئة) وهي التي تحتوي سبا للصحابة أو لأحد من الصحابة أو أي همز فيهم ، فهذه شدد فيها أهل الحديث فلا تروى لا في مجلس ولا في كتاب ولا لو حتى مجرد رواية بدون تعليق وشرح ، لا تكبتها لك ولا لغيرك ، فلا ترو أصلا ، فالواجب كتمها ودفنها وفي هذا نهي كثير عن الأئمة : 

وقد بوب لها الخلال في السنة (ص501) [ التَّغْلِيظُ عَلَى مَنْ كَتَبَ الْأَحَادِيثَ الَّتِي فِيهَا طَعْنٌ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ]. 

ثم روى عن الْأَعْمَشَ يَقُولُ : وَذَكَرَ حَدِيثَهُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ فَقَالَ: « كُنْتُ أُحَدِّثُهُمْ بِأَحَادِيثَ يَقُولُهَا الرَّجُلُ لِأَخِيهِ فِي الْغَضَبِ، فَاتَّخَذُوهَا دِينًا !! ، لَا جَرَمَ ، لَا أَعُودُ لَهَا » 

وروى عن أبي الْحَارِثِ قَالَ : جَاءَنَا عَدَدٌ وَمَعَهُمْ ذَكَرُوا أَنَّهُمْ مِنَ الرَّقَّةِ، فَوَجَّهْنَا بِهَا إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِيمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي مَسَاوِئِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: « هَذَا كَلَامُ سُوءٍ رَدِيءٌ ، يُجَانَبُونَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ ، وَلَا يُجَالَسُونَ ، وَيُبَيَّنُ أَمْرُهُمْ لِلنَّاسِ » 

وعن أبي الْحَارِثِ قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قُلْتُ : هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي رُوِيَتْ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُرَى لِأَحَدٍ أَنْ يَكْتُبَهَا ؟ قَالَ : لَا أَرَى لِأَحَدٍ أَنْ يَكْتُبَ مِنْهَا شَيْئًا ، قُلْتُ : فَإِذَا رَأَيْنَا الرَّجُلَ يَطْلُبُهَا وَيَسْأَلُ عَنْهَا، فِيهَا ذِكْرُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَطْلُبُ هَذِهِ وَيَجْمَعُهَا ، فَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَبِيئَةُ سُوءٍ ".

وعن الْمَرُّوذِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : إِنَّ قَوْمًا يَكْتُبُونَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الرَّدِيئَةَ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ حَكَوْا عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتُ : أَنَا لَا أُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ حَدِيثٍ يَكْتُبُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ يَعْرِفُهَا ، فَغَضِبَ وَأَنْكَرَهُ إِنْكَارًا شَدِيدًا ، وَقَالَ : بَاطِلٌ مَعَاذَ اللَّهِ أَنَا لَا أُنْكِرُ هَذَا ، لَوْ كَانَ هَذَا فِي أَفْنَاءِ النَّاسِ لَأَنْكَرْتُهُ ، كَيْفَ فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: أَنَا لَمُ أَكْتُبْ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ " 

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَمَنْ عَرَفْتَهُ يَكْتُبُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الرَّدِيئَةَ وَيَجْمَعُهَا أَيُهْجَرُ ؟ قَالَ : « نَعَمْ ، يَسْتَأْهِلُ صَاحِبُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الرَّدِيئَةِ الرَّجْمَ » 

وعن بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَسَأَلَهُ عَنِ الرَّجُلِ يَرْوِي الْحَدِيثَ فِيهِ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ، يَقُولُ: أَرْوِيهِ كَمَا سَمِعْتُهُ؟ قَالَ: " مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَرْوِيَ الرَّجُلُ حَدِيثًا فِيهِ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ، قَالَ: وَإِنِّي لَأُضْرِبُ عَلَى غَيْرِ حَدِيثٍ مِمَّا فِيهِ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ " 

وعن الْعَبَّاسُ الدُّورِيُّ قَالَ : ثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَخُو أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ قَالَ: كُنْتُ رَفِيقَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ : فَجَعَلْنَا نَسْمَعُ، فَلَمَّا جَاءَتْ تِلْكَ الْأَحَادِيثُ الَّتِي فِيهَا بَعْضُ مَا فِيهَا قَامَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَاعْتَزَلَ نَاحِيَةً وَقَالَ: مَا أَصْنَعُ بِهَذِهِ !! فَلَمَّا انْقَطَعَتْ تِلْكَ الْأَحَادِيثُ فَجَاءَ فَجَعَلَ يَسْمَعُ .

وعن يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ : كَانُوا عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ : أَحْمَدُ وَخَلَفٌ وَرَجُلٌ آخَرُ ، فَلَمَّا مَرَّتْ أَحَادِيثُ الْمَثَالِبِ وَضَعَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ طَوِيلًا حَتَّى مَرَّ بَعْضُ الْأَحَادِيثِ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُمَا ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى مَضَتِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا أَوْ كَمَا قَالَ. 

وعن هَارُونَ بْنَ سُفْيَانَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: وَذَكَرَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «هَذِهِ أَحَادِيثُ الْمَوْتَى » 

وقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : لَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْتُبَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَا حَلَالٌ ، وَلَا حَرَامٌ ، وَلَا سُنَنٌ ، قُلْتُ : أَكْتُبُهَا ؟ قَالَ : لَا تَنْظُرْ فِيهَا وَأَيُّ شَيْءٍ فِي تِلْكَ مِنَ الْعِلْمِ ، عَلَيْكُمْ بِالسُّنَنِ وَالْفِقْهِ ، وَمَا يَنْفَعُكُمْ !! . 

قال الخلال : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبَنْدَنِجِيَّ قَالَ: جَمَعْنَا أَحَادِيثَ فِيمَا كَانَ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ : الْمَثَالِبُ ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : وَأَتَيْنَا بِهَا سُوَيْدَ بْنَ سَعِيدٍ قَالَ : فَأَبَى أَنْ يَقْرَأَهَا عَلَيْنَا ، فَقَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ لَا تُحَدِّثُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثَ ، قَالَ عَلِيٌّ : فَكَانَ إِذَا مَرَّ مِنْهَا بِشَيْءٍ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ . 

وعن مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَسُئِلَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ : كَانَ صَالِحَ الْحَدِيثِ فِيمَا حَدَّثَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قِيلَ : حَدِيثُ مِينَا ؟ قَالَ : مَنْ مِينَا ؟ مَا فَحَصْتُ حَدِيثَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي عَيْبِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُرَى مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ سَلِمَ عَلَى النَّاسِ إِلَّا بِتَرْكِهِ ، هَذِهِ الْأَحَادِيثَ تُورِثُ الْغِلَّ فِي الْقَلْبِ .

قال أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ : سَأَلْتُ سُفْيَانَ بْنَ وَكِيعٍ فَقُلْتُ : هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الرَّدِيئَةُ نَكْتُبُهَا ؟ فَقَالَ مَا طَلَبَهَا إِنْسَانٌ فَأَفْلَحَ ، قَالَ : وَسَأَلْتُ أَبَا هَمَّامٍ فَقَالَ : لَا تَكْتُبْهَا ، وَسَأَلْتُ مُجَاهِدَ بْنَ مُوسَى ؟ فَقَالَ لِأَيْشِ تَكْتُبُهَا ؟ قُلْتُ : نَعْرِفُهَا ، قَالَ : تَعْرِفُ الشَّرَّ !! ) اهــ  مختصرا من السنة للخلال .

[ ويراجع في هذا الموضوع كتاب الشَّرْحُ والإبانَةُ لابنِ بَطَّةَ (268 - 269) والسنة للالْكائِيِّ (7/ 1241 - 1270) ] 

وممن هجره السلف لهذا السبب نذكر من ذلك :

1) عبد الرحمن بن صالح الأزدي العتكي : 

كان يحدث بأحاديث فيها مثالب الصحابة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، فنهاه الإمام أحمد عن التحديث بها فلم ينتهي فهجره . قال الخلال : وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : جَاءَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ ، فَقُلْتُ لَهُ : تُحَدِّثُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ ؟ فَجَعَلَ يَقُولُ : قَدْ حَدَّثَ بِهَا فُلَانٌ ، وَحَدَّثَ بِهَا فُلَانٌ ، وَأَنَا أَرْفُقُ بِهِ ، وَهُوَ يَحْتَجُّ فَرَأَيْتُهُ بَعْدُ فَأَعْرَضْتُ عَنْهُ وَلَمْ أُكَلِّمْهُ ) اهـــ 

قال الخلال (ص512) : أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ إِلَى أَبِي مَعْمَرٍ ، فَذَكَرَ بَعْضَ الْأَحَادِيثِ الرَّدِيئَةِ ، فَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ: خُذُوا بِرِجْلِهِ وَجُرُّوهُ ، وَأَخْرِجُوهُ مِنَ الْمَسْجِدِ ، فَجُرَّ بِرِجْلَيْهِ ، وَأُخْرِجَ مِنَ الْمَسْجِدِ . 

2) خلف بن سالم المخرمي أبو محمد المهبلي : 

حدّث بأحاديث فيها مثالب الصحابة فهجره أحمد لذلك قال المروذي : نقموا عليه تتبعه هذه الأحاديث ــ أحاديث في مثالب الصحابة . [ تهذيب التهذيب (3/152) ] 

روى الخلال في السنة (ص 503) : وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَلَفٍ الْمُخَرِّمِيُّ ؟ فَقَالَ: خَرَجَ مَعِي إِلَى طَرَسُوسَ ، وَكُتُبِهِ عَلَى عُنُقَهُ ، خَرَجْنَا مُشَاةً فَمَا بَلَغْنَا رَحَبَةَ طَوْقٍ حَتَّى أَزْحَفَ بِي قَالَ : وَخَرَجْنَا فِي اللِّقَاطِ يَعْنِي بِطَرَسُوسَ ، وَمَا كُنْتُ أَعْرِفُهُ إِلَّا عَفِيفَ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَهَبْتُ إِلَى مَنْزِلِ عَمِّي بِالْمُخَرِّمِ، فَرَأَيْتُهُ فَأَعْرَضْتُ عَنْهُ ، ثُمَّ قَالَ : وَأَيْشِ أَنْكَرَ النَّاسُ عَلَى خَلَفٍ إِلَّا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الرَّدِيئَةَ ؟ لَقَدْ كَانَ عِنْدَ غُنْدَرٍ وَرَقَةٌ ، أَوْ قَالَ رُقْعَةً ، فَخَلَا بِهِ خَلَفٌ ، وَيَحْيَى فَسَمَعُوهَا ، فَبَلَغَ يَحْيَى الْقَطَّانَ فَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ شَدِيدٍ ) اهــــ 

3) عبيد الله بن موسى العبسي : 

روى الخلال (807) أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: ثَنَا مُهَنَّى قَالَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى الْعَبْسِيِّ؟ فَقَالَ: كُوفِيٌّ فَقُلْتُ: فَكَيْفَ هُوَ؟ قَالَ: كَمَا شَاءَ اللَّهُ قُلْتُ: كَيْفَ هُوَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ؟ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْهُ قُلْتُ: لِمَ ؟ قَالَ: يُحَدِّثُ بِأَحَادِيثَ فِيهَا تَنَقُصٌّ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) اهـــ . 

4) أبو عوانة وضاح بن عبد الله اليشكري

هو ممن شددوا عليه وأحرقوا كتبه لأجل ذلك وهجروه ، روى الخلال (819) أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : ثَنَا مُهَنَّى قَالَ : سَأَلْتُ أَحْمَدَ قُلْتُ : حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ قَالَ : قَالَ سَلَّامٌ: وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ خِدَاشٍ، قَالَ: جَاءَ سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ إِلَى أَبِي عَوَانَةَ ، فَقَالَ: هَاتِ هَذِهِ الْبِدَعَ الَّتِي قَدْ جِئْتَنَا بِهَا مِنَ الْكُوفَةِ ، قَالَ : فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ أَبُو عَوَانَةَ كُتَبَهُ ، فَأَلْقَاهَا فِي التَّنَّورِ ، فَسَأَلْتُ خَالِدًا مَا كَانَ فِيهَا ؟ قَالَ : حَدِيثُ الْأَعْمَشِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «اسْتَقِيمُوا لِقُرَيْشٍ» وَأَشْبَاهِهِ قُلْتُ لِخَالِدٍ : وَأَيْشِ ؟ قَالَ: حَدِيثُ عَلِيٍّ: «أَنَا قَسِيمُ النَّارِ» قُلْتُ لِخَالِدٍ : حَدَّثَكُمْ بِهِ أَبُو عَوَانَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ مِنَ الثِّقَاتِ مِنْ أَصْحَابِ أَيُّوبَ ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا ، حَدَّثَنَا عَنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ثُمَّ قَالَ أَبِي : كَانَ أَبُو عَوَانَةَ وَضَعَ كِتَابًا فِيهِ مَعَايِبُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ بَلَايَا ، فَجَاءَ إِلَيْهِ سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ فَقَالَ : يَا أَبَا عَوَانَةَ ، أَعْطِنِي ذَلِكَ الْكِتَابَ ، فَأَعْطَاهُ ، فَأَخَذَهُ سَلَّامٌ فَأَحْرَقَهُ . 

الـــخـــاتمــــة : 

وللأسف ـــــ ولا أسف على من ضل ـــــ بعد كل هذه النصوص والآثار والتغليظ والهجر ، تجد ممن يسمونهم (بالدعاة) يلقون محاضرات في ما شجر بين الصحابة بحجة الدفاع عنهم ، ويسردون القصص وكل ما وقع في تلك الفتن على العوام والناس ، فيضلون ويضلون ، ولو كانوا في زمن السلف لأوجعوهم ضربا وتنكيلا ، بل يستأهلون الرجم كما قال الإمام أحمد ولكن كما قيل : 
(خلا لك الجو فبيضي واصفري ..... ونقري ما شئت أن تنقري ) 
وإلى الله المشتكى من غربة الزمان ، وظهور البدع وقلة الأعوان والإخوان وإليه المصير .

...كتبه أبو عبيد مروان الجزائري يوم 19/01/1439 ...

ليست هناك تعليقات: