الجمعة، 6 أكتوبر 2017

انتبه : هواك يشارك في الفتن والدماء وأنت لا تشعر !!


بسم الله الرحمن الرحمن الرحيم والصلاة والسلام وعلى محمد وآله وصحبه ومن والاه أما بعد :

احذر هواك ، فقد يشارك في الفتن والقتل وأنت لا تشعر ، ولا تغر نفسك بقولك لها أنا لا أحمل سيفا ولا قمت في صف ، ولا رميت بسهم !! فليس ذلك شرطا أن تكون قد شركت في دماء لا تحل لك أو فتن وضلالات توردك المهالك ، في هذا الزمن الأخير .        فانظر لنفسك ، إذا وقعت الفتن واقتتل المسلمون ، فالزم بيتك وفر منها ، ولا تستخبر ولا تسأل عما يجري ، ولا عمن اقتتل فيها ، كما كان يفعل مطرف بن عبد الله الشخير التابعي الذي قيل عنه : (أعقل الناس عند الفتن ) فقد كان يعتزل ولا يكتفي باعتزاله حتى يزيد أنه لا يُخبر ولا يستخبر عن أي شيء مما يقع فيها ، والسبب أنه يريد أن يُجَّنِب هواه أن يميل لشيء ، فإنه حريٌّ بمن لا يعلم عمّا يجري في الفتن أن لا يشارك هواه فيها ، والله هو الهادي المنجي منها أولا وأخيرا .  

أصل هذا المعنى من كتاب الله :

الأصل في هذا الباب قوله تعالى عن اليهود الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم (سنكتبُ ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ) مع أن القتلة هم أسلافهم ، ليس هم !! فالسبب أنهم خوطبوا بهذا ، مأنهم شاركوا معهم بالهوى والرضى ، فأخذوا حكمهم وكتبها الله عليهم ، وقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره (4591) عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمُرَادِيِّ وَهُوَ النُّعْمَانُ بْنُ قَيْسٍ عَنِ الْعَلاءِ بْنِ بَدْرٍ قُلْتُ : أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ : ( وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ) وَهُمْ لَمْ يُدْرِكُوا ذَلِكَ ؟ قَالَ : بِمُوَالاتِهِمُ الَّذِي قَتَلَ أنبياء الله.

ما روي مرفوعا في هذا الباب :

كما أن المؤمن يجني الصالحات والحسنات بنيته المشاركة في الخير كما في حديث جَابِرٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بَعْدَ أَنْ رَجَعْنَا : إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا هَبَطْتُمْ وَادِيًا، إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ " أي : شاركوا بنيتهم في قتالهم المشركين وجهادهم وفي كل شيء منذ انطلاقهم إلى عودتهم . فكذلك ينعكس عليه في الشر ، فيشارك بنيته في قتال وفتن ويأثم مع من فتن فيها . 
 وقد روي في هذا المعنى : حديث عند أبو داود (4345) وابن أبي خيثمة في تاريخه (1506) والفسوي في مشيخته (171) ومعجم الصحابة لابن قانع (2/309) وتاريخ أصبهان لأبي نعيم (1/391) ومعجم الطبراني الكبير (17/139) والهروي في ذم الكلام (304) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ زِيَادٍ الْمُوصِلِيُّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، عَنِ الْعُرْسِ ابْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَرْضِ، كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا - وَقَالَ مَرَّةً: «أَنْكَرَهَا» - كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا، كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا ". 

[قلت] الراجح إرساله : سنده إلى عدي بن عدي مقبول لكن اختلف بعد ذلك بين الرواة فمنهم من أسقط العُرس ومنهم أثبته ، ومنهم من رواه عن العرس عن عدي ، فعدي وأخوه العرس لا شك في صحبتهما لكن عدي مختلف في صحبته ، والصحيح أنه لا صحبة له ، فمن أسقط العرس من السند رجح الإرسال ، ومن أثبته فهو متصل ، ولهذا قال ذاك الهيثمى: رواه الطبرانى وقال : زاد سفيان فى الإسناد العرس ، ورواه الليث بن سعد عن ابن أى حسين ، ولم يجاوز عدى بن عدى قل : ورجاله ثقات [ مجمع الزوائد 4/279 ]  
(قلت) السند مضطرب جدا ولعل الإضطراب من أبي بكر بن عياش فقد ساء حفظه لما كبر ، فلا يمكن القطع بشيء وهذا ما يدل عليه صنيع أبي داود حينما اكتفى بالرواية المرسلة ، خاصة وقد تفرد به أبو بكر بن عياش وهو قد لا يحتمل ذلك .

ما ورد من آثار في هذا الباب :

وري في هذا المعنى آثار صحيحة تغني عن هذا الحديث وما في معناه وهذه بعضها : 

ــ روى ابن أبي شيبة (37421) بسند جيد عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ : لَمَّا رَجَعْنَا مِنَ النَّهْرَوَانِ قَالَ عَلِيٌّ : « لَقَدْ شَهِدْنَا قَوْمًا بِالْيَمَنِ » قُلْنَا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , كَيْفَ ذَاكَ ؟ قَالَ : بِالْهَوَاءِ » 

ــ روى ابن أبي شيبة (37420) وابن عساكر في تاريخه (19/441) بسند جيد عَنْ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ قَالَ : قَالَ لِي سَلْمَانُ : « كَيْفَ أَنْتَ إِذَا اقْتَتَلَ الْقُرْآنُ وَالسُّلْطَانُ » قَالَ : إِذًا أَكُونُ مَعَ الْقُرْآنِ قَالَ : « نِعْمَ الزُّوَيْدُ أَنْتَ إِذًا » فَقَالَ أَبُو قُرَّةَ وَكَانَ يَبْغَضُ الْفِتَنَ : إِذًا أَجْلِسُ فِي بَيْتِي , فَقَالَ سَلْمَانُ : « لَوْ كُنْتَ فِي أَقْصَى تِسْعَةِ أَبْيَاتٍ كُنْتَ مَعَ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ » (قلت) أي : بالهوى أنت مع إحداهن لا محالة فاحذر .

ــ روى ابن أبي شيبة (37423) ونعيم في الفتن (506) بسند جيد عَنْ زَيْدٍ قَالَ : قَالَ حُذَيْفَةُ : « إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ مِنَ الْفِتْنَةِ وَمَا هُوَ مِنْهَا » قلت : أي بهواه ورضاه .

ــ روى أحمد في الزهد (1666) قال عبد الواحد بن زيد للحسن البصري : يا أبا سعيد أخبرني عن رجل لم يشهد فتنة ابن المهلب بن أبي صفرة إلا أنه عاون بلسانه ورضي بقلبه ؟ فقال الحسن : يا ابن أخي ، كم يد عقرت الناقة ؟ قلت : يد واحدة ، قال : أليس القوم قد هلكوا جميعًا برضاهم وتماليهم ؟

ــ وروى الدارمي في سننه (318) بسند ضعيف عَنْ حَبَّةَ بْنِ جُوَيْنٍ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيًّا أَوْ قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : « لَوْ أَنَّ رَجُلًا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ ، وَقَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ ، ثُمَّ قُتِلَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ ، لَحَشَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ مَنْ يُرَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى هُدًى » . 

ــ روى نعيم بن حماد في الفتن (732) والبيهقي في الكبرى (14552) والداني في الفتن (183) بسند جيد عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ ( إِنَّهَا سَتَكُونُ أُمُورٌ مَنْ رَضِيَهَا مِمَّنْ غَابَ عَنْهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا وَمَنْ كَرِهَهَا مِمَّنْ شَهِدَهَا كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا ) 

ــ وروى نعيم في الفتن (733) وابن أبي شيبة (37422) وابن وضاح في البدع (274) والطبراني في الكبير (8888) والبيهقي في الكبرى (14551) بسند جيد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَشْهَدُ الْمَعْصِيَةَ يَعْمَلُ بِهَا فَيَكْرَهُهَا فَيَكُونُ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا ، وَيَغِيبُ عَنْهَا فَيَرْضَاهَا فَيَكُونُ كَمَنْ شَهِدَهَا » 

ــ وروى ابن وضاح في البدع (282) بسند ضعيف منقطع عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : « إِنَّ الْخَطِيئَةَ لَتُعْمَلُ فِي الْأَرْضِ فَيَعْمَلُونَ بِهَا , وَمَعَهُمُ الرَّجُلُ فَلَا تُصِيبُهُ , وَتُصِيبُ الرَّجُلَ الْخَارِجَ مِنَ الْأَرْضِ بِأَنَّ هَذَا يُنْكِرُهَا وَلَا يَهْوَاهَا , وَتَبْلُغُ هَذَا الْآخَرَ فَلَا يُنْكِرُهَا وَيَهْوَاهَا » 

ــ وروى الدارمي في سننه (319) بسند فيه ضعف عن سَلْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ « لَوْ وَضَعَ رَجُلٌ رَأْسَهُ عَلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ، فَصَامَ النَّهَارَ ، وَقَامَ اللَّيْلَ لَبَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ هَوَاهُ » [ أنظر اتحاف المهرة (5928) ] 

ــ روى ابن سعد في الطبقات (4/201) بسند صالح عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ : ... قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يَوْمًا : مَا أَفْرَقُ عَلَى نَفْسِي إِلا مِنْ ثَلاثِ مَوَاطِنَ فِي دَمِ عُثْمَانَ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بن صفوان : إن كنت رضيت قتلته فَقَدْ شَرَكْتَ فِي دَمِهِ . 

ــ روى ابن أبي شيبة (37432) والداني في الفتن (170) بسند جيد عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ : مَا أَخْبَرْتُ وَلَا اسْتُخْبِرْتُ مُذْ كَانَتِ الْفِتْنَةُ ، قَالَ لَهُ مَسْرُوقٌ لَوْ كُنْتُ مِثْلَكَ لَسَرَّنِي أَنْ أَكُونَ قَدْ مِتُّ قَالَ شُرَيْحٌ : فَيَكْفِ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مَا فِي الصُّدُورِ , وَتَلْتَقِي الْفِئَتَانِ وَإِحْدَاهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْأُخْرَى .

ــ وفي كتاب التذكرة لذاك القرطبي (1/1065) وفي تفسيره (4/294) ولم أقف على سند له قال : حسَّنَ رجلٌ عند الشعبي قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال الشعبي: قد شركت في دمه. (قلت) وأخذها من الآية السابقة ( وقتلهم الأنبياء ) . 

ــ روى العقيلي في الضعفاء (2/152) عن سُفْيَانَ يَقُولُ : قَالَ عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ لِسَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ : أَنْتَ قَتَلْتَ عُثْمَانَ ؟ فَجَزِعَ وَقَالَ : أَنَا قَالَ : نَعَمْ ، أَنْتَ تَرْضَى بِقَتْلِهِ .

وقد قلت في هذا المعنى بيتين : 


احذر هواك ولا تقل يا صاح         لم أرم سهما لم أقم بسلاحي
فلعل ميلك بالهوى هو مُوغِلٌ       فــــي فـــــــتنة أو في دم وسفاح




         فاللهم نعوذ بك أن نشارك بجوارحنا وقلوبنا وهوانا في الفتن .
كتبه أبو عبيد الجزائري ....يوم 17/01/1439 ....

ليست هناك تعليقات: