...بسم الله الرحمن الرحيم ...
أما بعد : فقد اقطعت هذه الفقرة من شرحي على كتاب البربهاري يسر الله طبعه تعجيلا للفائدة ، ملخص هذه المسألة ما يلي : اختلفت الرواية عن السلف في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه على ثلاث أقوال :
القول الأول :
نفي الرؤية مطلقا : فقالوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه ليلة المعراج ، وهو قول عائشة ويُروى ابن مسعود ، وبه قال الدارمي وغيره .
القول الثاني :
وهو إثبات الرؤية القلبية فقط ، وروي هذا عن أبي ذر وابن عباس ومجاهد وأبو العالية ، وأبو صالح والربيع بن أنس ، وهو رواية عن كعب ، ورجحه أحمد في رواية ، ورجح هذا القول الكثير من المتأخرين كالسمعاني في تفسيره وابن تيمية وابن القيم وأرجعوا الخلاف إليها أنه لفظي !! .
(قلت) وهذا الجمع غير جيد ، فالخلاف بين السلف لو كان لفظيا لما اشتد بينهم الإنكار حتى قالت عائشة ما قالت ، ووقع فيها جدل ونقاش بينهم ، وحتى كان الحسن يحلف عليها ، ويشتد على عروة قول عائشة وغير ذلك ، بل الخلاف الحقيقي ، والذي ورد عن السلف من الروايات ، إما أثبتت الرؤية مطلقًا ، أو قيدتها بالرؤية القلبية ، أو نفتها مطلقًا .
القول الثالث :
هو إثباتها مطلقا : وهو المروي عن أبي هريرة وأنس وابن عباس ، والحسن وعروة بن الزبير إثباتها وبه قال سائر أصحاب ابن عباس كعكرمة ، وجزم به كعب الأحبار ، والزهري وصاحبه معمر وآخرون ، وبه الإمام أحمد في رواية مطلقة ، والآجري .
القول الرابع :
وهو التوقف ويُروى هذا عن سعيد بن جبير ، وهو اختيار بعض الأشعرية كالقرطبي والقاضي عياض ونسبه لبعض مشايخه من المالكية ل أدري من هم ، والذهبي في السير ، وهذا القول غريب .
القول الخامس :
أنها رؤية بصرية بالعين : ويقال تفرد بهذا القول الصريح ابن جرير وابن خزيمة في التوحيد ، تابعهم بعض المتأخرين كأبي عبد الله بن حامد وأبو بكر النجاد والقاضي أبو يعلى والأصبهاني التيمي ، والجيلاني وآخرون ، وقد اعتبرتُ هذا القول قولا مفردا ، لأنه صريح جدا في إثبات الرؤية بالعين على خلاف القول الثالث ، فإن فيه إطلاق محتمل ، مع أنه ظاهره يفهم منه إثبات الرؤية بالبصر ، لكن احتطتُ في التفريق بينهما للتدقيق ، وقد نسب القاضي أبو يعلى هذا القول رواية عن أحمد ، فقد اعترض عليه ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، والله أعلم بصحة ذلك ، فالذي جاء في أصول السنة عنه إثبات الرؤية ثم قال ما في معانه لا نفسرها ولا نناظر فيها ، فالظاهر أن مذهبه مطلق الرؤية دون تفسير لهذا اختلفوا عنه .
والترجيح :
الظاهر أن القول الثاني الذي عليه الكثير من السلف هو الصحيح والله أعلم لأن عليه ظواهر النصوص ، ومن نفى مطلق الرؤية لم ينف الرؤية القلبية ، ويُحتج له بحديث أَبِي ذَرٍّ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ قَالَ : نُورٌ أَنَّى أراه . [ رواه مسلم (261) ]
ومِمَّا يؤكّد عدمَ رُؤْيَةِ النبيّ ربَّه بعينيه ليلة الإسراء حديثُ أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ الله عزَّ وجلَّ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهار وعَمَلُ النَّهارِ قبل عَمَلِ اللَّيْلِ ، حجابه النور -وفي رواية أبي بكر : النَّار- لو كَشَفَهُ لأحرقتْ سُبُحاتُ وجْهِه ما انتهى إليه بصرُه من خَلْقِه ".
[ يراجع في نسبة هذه النقولات : التوحيد لابن خزيمة (1/477) والدارقطني في الرؤية ، وتفسير ابن جرير (27/44) والشريعة اللآجري (3/1541-1551) الرد على بشر الريسي (ص523) وعقيدة عبد الغني المقدسي (138) وإبطال التأويلات (1/113) والروايتين والوجهين (ص 63-64) الحجة في بيان المحجة (2/252-253) والشفا (1/261) والغنية لطالبي طريق الحق (1/66) ومجموع الفتاوى (6/509) واجتماع الجيوش الإسلامية (1/12) وزاد المعاد لابن القيم (3/36) والعرش للذهبي (48) والعلو (ص81) والبداية والنهاية (3/112) والتفسير لابن كثير (7/448) والدر المنثور (6/160) ]
كتبه أبو عبيد الجزائري
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق