بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :
هذا فصل في تخريج لحديث الإستلقاء المشهور الذي دار حوله نقاش كبير وخلاف بين المتأخرين ولم نجد له عن أئمة النقد من المتقدمين أي كلام !! ، وإلا لكان حجة لنا ننهي بها الموضوع ، والغرض من هذا المقال هو بيان تخريجه وحكم الجلسة التي وردت في الحديث ، ومن أراد التوسع فليرجع إلى ما علقه عادل آل حمدان في كتاب الدشتي إثبات الحد (53) فقد أطال في التعليق عليه بكلام طويل على أني لي ملاحظات في جزمه بصحة هذا الحديث ففي ذلك نظر فالأقرب ضعفه.
حديث قتادة بن النعمان رضي الله عنه : عَنْ عُبْيد بْنِ حُنَيْنٍ قَالَ : بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ ، إِذْ جَاءَهُ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ ، فَجَلَسَ فَتَحَدَّثَ ، ثُمَّ ثَابَ إِلَيْهِ نَاسٌ فَقَالَ : انْطَلِقْ بِنَا يَا ابْنَ مُنَيْنٍ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، فَإِنِّي قَدْ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ قَدِ اشْتَكَى قَالَ : فَانْطَلَقْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي سَعِيدٍ ، فَوَجَدْنَاهُ مُسْتَلْقِيًا رَافِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ، فَسَلَّمْنَا وَقَعَدْنَا ، فَرَفَعَ قَتَادَةُ يَدَهُ فَقَرَصَهُ قَرْصَةً شَدِيدَةً ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَوْجَعْتَنِي. قَالَ : ذَلِكَ أَرَدْتُ ، أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : « لَمَّا قَضَى اللَّهُ خَلْقَهُ ، اسْتَلْقَى ، ثُمَّ وَضَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى » ثُمَّ قَالَ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ مِثْلُ هَذَا ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : نَعَمْ .
تخريج هذا الحديث :
أخرجه ابْن أبي عَاصِم فِي السّنة (248/1-249) ومن طريقه أبو نعيم في معرفة الصحابة (5752) وابن منده في المعرفة (2/132/1) وأبو نصر الغازي في جزء من الأمالي (77/1) والْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات (ص355-356) وأخرجه الطبراني في الكبير (19/13) ورواه ابن أبي يعلى في إبطال التأويلات (179) وقال (183) وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلالُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي سُنَنِهِ ، ورواه أبو موسى المديني في جزء مخطوط بعنوان ( الكلام على حديث الاستلقاء لأبي موسى المديني الحافظ ) لم يوجد منه إلا أول صفحة السند ، ورواه الدشتي في إثبات الحد (53) وابن المحب في الصفات (1/241/أ) وذكره بدون سند الدرامي في كتابه النقض على بشر المريسي العنيد (ص311)
بيان طرق هذه الرواية :
رواه عن قتادة بن النعمان رواه عنه كل من : عبيد بن حنين وسعيد بن يسار أبو الحباب وبسر بن سعيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة .
وراه عن عبيد بن حنين سعيد بن الحارث وعنه فليح بن سليمان وعنه ابنه محمد .
رواه عن محمد بن فليح : ابراهيم بن المنذر : وعن إبراهيم انتشر جدا : فرواه عنه ابن أبي عاصم وجعفر بن سليمان النوفلي وأحمد بن رشدين وأحمد بن داود المكي وأحمد بن الحسين الرقي ومحمد بن إسحاق الصاغاني ومحمد بن المصفى وحمد بن المبارك الصوري وابن الأصفر وغيرهم .
الكلام على هذا الإسناد ورجاله :
مداره على محمد بن فليح عن أبيه وفيهما كثر الكلام من حيث هذا الإسناد وإليك البيان : أولا : أما محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي ويقال الخزاعي المدني ت 197 هـ . قال أبو زرعة : ( فليح بن سليمان ، ضعيف الحديث إلا أنه من حسن حديثه نعمة) وقيل له: فليح؟ فحرك رأسه ، وقال ( واهي الحديث، هو وابنه ، محمد بن فليح جميعا واهيان ) قال العقيلي في الضعفاء (1682) مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ مَدِينِيٌّ لَا يُتَابَعُ فِي بعض حَدِيثِهِ . علق ذاك الذهبي على العقيلي في تاريخه (291) : قلت : كثير مِن الثَّقات قد تفردوا ، فيصحّ أن يقال فيهم لا يُتابَعُون عَلَى بعض حديثهم !!.
أما يحي بن معين : فقد لخص المعلمي الكلام عن مرويان بن معين فيه فقال في التنكيل (229) محمد بن فليح بن سليمان. مرت الإشارة إلى حكايته في ترجمة سليمان بن فليح «يقول عنه ابن معين : إنه ليس بثقة» أقول: روى أبو حاتم عن معاوية بن صالح عن ابن معين: «فليح بن سليمان ليس بثقة، ولا ابنه» . فسئل أبو حاتم فقال: «ما به بأس، ليس بذاك القوى» وقد اختلفت كلمات ابن معين في فليح قال مرة: «ليس بالقوي ولا يحتج بحديثه، هو دون الدراوردي» وقال مرة: «ضعيف ما أقربه من أبي أويس» وقال مرة: «أبو أويس مثل فليح: صدوق وليس بحجة» . فهذا كله يدل أن قوله في الرواية الأولى: «ليس بثقة» ، إنما أراد أنه ليس بحيث يقال له ثقة وترداد الوطأة خفة في قوله: «ولا ابنه» فإنها أخف من أن يقال في الابن: «ليس بثقة» ويتأكد ذلك بأن محمد بن فليح روى عنه البخاري في (الصحيح) والنسائي في (السنن) وقال الدارقطني: «ثقة» وذكره ابن حبان في (الثقات) .
أما الدارقطني : قَال في التهذيب : قال الدارقطني ثقة روى عنه عَبد الله بْن وهب مع تقدمه ) اهــ وقال في حديثٍ هو فيه : "إسناد ثابت".
(قلت) أما رواية البخاري له في صحيحه فقد أخرج نسخة من روايته عن أبيه ... توبع على أكثرها عنده ، وله عند البخاري نسخة أخرى توبع عليها ، واجتنبه مسلم فلم يخرج له شيئا . [ انظر الجرح والتعديل ج 4/ ق1/ 59، تهذيب التهذيب ج 9/ 406- 407، ميزان الاعتدال ج 4/ 10، هدي الساري (ص441-442) ]
الثاني : أما فليح بن سليمان : في تاريخ بن معين برواية الدوري (766) سَمِعت يحيى وَذكر فليح بن سُلَيْمَان فَلم يقو أمره . وفي سؤالات ابن الجنيد (817) سألت يحيى عن فليح بن سليمان فقال: ضعيف الحديث .
وفي سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني (137) وَسَأَلت عليا عَن فليح بن سُلَيْمَان فَقَالَ كَانَ فليح وَأَخُوهُ عبد الحميد ضعيفين . وقال النسائي في ضعفاءه (486) فليح بن سُلَيْمَان لَيْسَ بِالْقَوِيّ مدنِي . وفي ضعفاء أبي زرعة (2/366) قال : "فليح بن سليمان ، ضعيف الحديث . وفي الجرح والتعديل (7/85) عن يحيى بن معين انه قال فليح بن سليمان ليس بقوى ولا يحتج بحديثه، وهو دون الدراوردى والدراوردى اثبت منه، نا عبد الرحمن قال سألت ابى عن فليح بن سليمان فقال ليس بالقوى . وقال ابن عدي : لفليح أحاديث صالحة يروي عن الشيوخ من أهل المدينة أحاديث مستقيمة وغرائب وقد اعتمده البخاري في صحيحه ، وروى عنه الكثير ، وهو عندي لا بأس به". وقال أبو أحمد الحاكم : ليس بالمتين عندهم" . وقال البرقي عن ابن معين: "ضعيف وهم يكتبون حديثه، ويشتهونه". وقال الساجي: "هو من أهل الصدق ويهم" وذكره ابن حبان في الثقات. [ وانظر ترجمته وأقوال العلماء فيه في : تهذيب التهذيب (8/ 303- 305) وميزان الاعتدال (3/365) وهدي الساري (ص435) ]
علة ثانية في السند : وهي تخص رواية عبيد بن حنين عن النعمان قيل منقطع . قال ابن رجب وبدر الدين بن جماعة : وفي الحديث علة أخرى وهي أن قتادة بن النعمان مات في خلافة عمر رضي الله عنه ، وعبيد بن حنين مات سنة خمس ومائة وله خمس وسبعون سنة في قول الواقدي فتكون روايته عن قتادة بن النعمان منقطعة . [ راجع فتح الباري (3/406) ]
الطريق الثاني عن سعيد الخدري :
رواه أبو النضر ، وهو سالم بن أبي أمية القرشي . يرويه يونس بن محمد والحسن بن سوار كلاهما عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي النضر به ، ولفظه : عَنْ أَبِي النَّضْرِ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ كَانَ يَشْتَكِي رِجْلَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَخُوهُ وَقَدْ جَعَلَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى وَهُوَ مُضْطَجِعٌ ، فَضَرَبَهُ بِيَدِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْوَجِعَةِ فَأَوْجَعَهُ، فَقَالَ : أَوْجَعْتَنِي ، أَوَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ رِجْلِي وَجِعَةٌ ؟ قَالَ : بَلَى ، قَالَ : فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ ؟ قَالَ " أَوَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى عَنْ هَذِهِ ؟.
رواه أحمد (11375) والحارث ابن أبي أسامة (زوائده/861) وأحمد بن منيع كما في المطالب العالية (2830) لكن هذه الرواية ، ليست فيها الزيادة التي في الرواية الأولى وبهذا أعله ابن رجب في الفتح الباري (3/406) وهذه علة تبدو في ظاهرها قوية !! قوله (دخل عليه أخوه) هو قتادة بن النعمان كما هو جد واضح ، فعاد الحديث إليه ، وبهذا جزم به ابن رجب في الفتح الباري (3/406) و لما قال ذاك العسقلاني في أطراف المسند (6/356) أخو أبي سعيد كأنه قتادة بن النعمان ، لأنه أخوه لأمه ) علق عليه أحمد شاكر في تحقيق المسند عند حديث (11375) فقال : قلنا جاء مصرحاً به في رواية عند الطبراني في الكبير (19/ (18) (قلت) وقد عاد ذاك العسقلاني وجزم بأنه قتادة بن النعمان في المطالب العالية (2811) .
قال الهيثمي في المجمع (8/100) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا النضر لم يسمع من أبي سعيد . وقال البوصيري في المجردة (2/158) رواه ابن منيع والحارث وأحمد وسنده صحيح .
(قلت) أما الإنقطاع الذي ذكره الهيثمي ، فإننا قد عرفنا الواسطة وهما : إما أبو الحباب سعيد بن يسار وإما عبيد بن حنين ، غير أن عبيد بن حنين عن النعمان قيل منقطع ، كما سبق وهذا يشكل على الإتصال هنا ، ويبقى الإشكال أيضا أن رواية الليث هذه بدون تلك الزيادة في الرواية الأولى .
ذكر من صحح سند عن هذا الحديث :
أبو بكر الخلال : قال ابن أبي يعلى في إبطال التأويلات : قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلالُ : هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ ، وَهُمْ مَعَ ثِقَتِهِمْ شَرْطُ الصَّحِيحَيْنِ مُسْلِمٍ وَالْبُخَارِيِّ .
أبو نصر الغازي قال في الأمالي (77/1) : إن رواة طريق قتادة من رجال الصحيح .
القاضي أبو يعلى : فقد روى حديث قتادة بن النعمان المنكر ، وقال : هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ ، وَهُمْ مَعَ ثِقَتِهِمْ شَرْطُ الصَّحِيحَيْنِ مُسْلِمٍ وَالْبُخَارِيِّ " [ إبطال التأويلات (ص189) ] . ابن القيم الجوزية : قال : " وَرَوَى الْخَلَّالُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( لَمَّا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ )" [ أنظر اجتماع الجيوش (2/ 107) والصواعق (4/1522) ] .
وقال ابن عبد الهادي في الكلام على مسألة الإستواء (ص38) : رواه الخلال بإسناد على شرط الشيخين .
وقال الذهبي في العلو (ص63) :حَدِيث قَتَادَة بن النُّعْمَان سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لما فرغ الله من خلقه اسْتَوَى على عَرْشه ) رُوَاته ثِقَات ، رَوَاهُ أَبُو بكر الْخلال فِي كتاب السّنة لَهُ .
وقال في العرش (62) رواه الخلال في السنة بإسناد صحيح على شرط الصحيحين.
قال الحافظ أبو موسى المديني : رواه ابن الأصفر عن إبراهيم بن محمد بن فليح عن أبيه عن سالم أبي النضر عن أبي الحباب سعيد بن يسار عن قتادة، ورواه محمد بن المبارك الصوري عن إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح عن أبيه عن سالم أبي النضر، عن عبيد بن حنين وبسر بن سعيد كلاهما عن قتادة، ورواه عن قتادة أيضا سوى عبيد بن حنين وأبي الحباب وبسر بن سعيد - عبيد الله بن عبد الله بن عتبة. ورواه عن إبراهيم بن المنذر محمد بن إسحاق الصغاني ومحمد بن المصفى ومحمد بن المبارك الصوري وجعفر بن سليمان النوفلي وأحمد بن رشدين وأحمد بن داود المكي وابن الأصفر وغيرهم، وحدث به من الحفاظ عبد الله بن أحمد بن حنبل وأبو بكر بن أبي عاصم وأبو القاسم الطبراني، وروي عن شداد بن أوس أيضا مرفوعا. وروي عن عبد الله بن عباس وكعب بن عجرة رضي الله عنهما موقوفا، وعن كعب الأحبار أيضا، وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) هذا المعنى، ورواة هذا الحديث من طريق قتادة وشداد عامتهم من رجال الصحيح، وذلك كله بعد قول الله تعالى (أفمن يخلق كمن لا يخلق) إنما يوافق الاسم الاسم، ولا تشبه الصفة الصفة ) اهـــ [ نقله عنه الدشتي في إثبات الحد (53) ]
خلاصة الكلام :
لم أقف على أي تصحيح من المتقدمين من طبقة أحمد ونحوه ، لهذا الحديث أو من ذكره في كتب المعتقد والسنة والصفات إلا ابن أبي عاصم فقط في السنة ، وقيل الخلال في السنة لكن لفظ أبي يعلى في إبطال التأويلات قال ( في سننه ) لا السنة ، بينما ابن القيم والذهبي وابن عبد الهادي قال ( في السنة ) والملاحظ أن كل من مشاه إنما صحح إسناده فقط أو وثقوا رجال سنده ، وادعوا أنهم على شرط البخاري !! والحقيقة أن قولهم على شرط البخاري فيه نظر لأسباب :
الأول : أن البخاري تجنب إخراج هذا الحديث ، وهو قوي على شرطه كما يدعون . الثاني : أن مسلم تجنب الرواية مطلقا لرواية فليح وابنه في صحيحه . الثالث : وهو السبب الأقوى ، وهو أنه أخرج لَهُ البُخَارِيّ نُسْخَة من رِوَايَته عَن أَبِيه عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَبَعضهَا عَن هِلَال عَن أنس بن مَالك توبع على أَكْثَرهَا عِنْده وَله نُسْخَة أُخْرَى عِنْده بِهَذَا الْإِسْنَاد لَكِن عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ بَدَلَ عَطاء بن يسَار وَقد توبع فِيهَا أَيْضا ، وَهِي ثَمَانِيَة أَحَادِيث ، فهذا يدل على أن البخاري لم يعتمد عليه كثقة حجة ، وإنما كان ينتقى من حديثه مرويات قليلة جدا ، وقد عددت كل ما في صحيحه فإذا هي ستة عشر حديثا (16) فقط ، كل متونها معروفة مشهورة ، مروية من عدة طرق . الرابع : أن كتب السنن والعقائد والمسانيد كلها لا أحد منهم خرج هذا الحديث بروايته الأولى ، وهذا ما يثير الشك والإضطراب جدا في مدى صحة كلام المتأخرين عن تصحيح سنده على شرط البخاري !! ولا يكفي الاحتجاج بإخراج ابن أبي عاصم وحده لهذا الحديث ، فقد عودنا أن يتفرد بإخراج أحاديث يتفرد بها فتكون ضعيفة عادة ويتجنبها باقي أصحاب السنن والصحاح ، كما تفرد بحديث (لكل نبي حوض) دون سائر من كتب في العقيدة والسنة من أهل الحديث ، ولهذا يبقى هذا الحديث محال إشكال كبير بروايته الأولى دون رواية أحمد فليس فيها موضع النقاش والجدل ؟؟ لهذا تجد أن أبا محمد الدارمي لما ذكره في كتابه النقض على المريسي (ص331) سكت عنه ولم يصحح ولا يضعف إنما ، رد تأويله وتحريفه على المريسي على فرض صحته فيما يظهر ، ورفض ابن رجب أن يصحح هذه الرواية الأولى واكتفي بتجويد رواية أحمد فقط ، ومثله ذاك البيهقي .
وأنا صراحة لا أجزم بصحته ولا نكارته ، لكن الأقرب ضعفه على منهج الحديث ، من جهة السند ، لا على طريقة الجهمية والأشعرية ومن تأثر بهم من المعاصرين بسبب المتن !! إنما من جهة السند فقط ، وإن صح فلا إشكال في متنه كما سأتي في هذا التنبيه .
تنبيه مهم : حديث الإستلقاء هذا لا ترتبط صحته أو ضعفه بسبب ورورده ، أو ما إذا كانت تلك الجلسة مباحة أو لا ؟ لأننا إذا قلنا أن الجلسة مباحة فهذا لا يعني نفي الصفة التي وردت في الحديث عن الله تعالى ـــ إن صحت ـــ لأنه لا تلازم بين هذا وهذا ولا تعارض ، فمن جعل إثبات هذا ينفي وجود هذا ، هذا غلط فاحش في الفهم !! فإن صحت فنحن نثبتها على طريقة السلف في الصفات في الإمرار بما يليق الله لا مانع منه ولا يوجد فيه أي نكارة ، فنقول الصفة ثابتة لله تعالى لا على سبيل الإستراحة كما ادعت اليهود لعنهم الله ، وإنما الله يفعل ما يشاء وما مسه من لغوب ، وليست بأغرب من الإستواء والجلوس لله تعالى على العرش وقد نبه على هذه القضية ابن أبي يعلى في إبطال التأويلات فقال : أعلم أن هَذَا الخبر يفيد أشياء منها : جواز إطلاق الاستلقاء عليه ، لا عَلَى وجه الاستراحة ، بل عَلَى صفة لا تعقل معناها ، وأن له رجلين كما له يدان ، وأنه يضع إحداهما عَلَى الأخرى عَلَى صفة لا نعقلها ، إذ ليس فِي حمله عَلَى ظاهره ما يحيل صفاته ..... قولكم أنه لا يجوز حمله عَلَى ذَلِكَ غلط ، لأنا قد بينا أنا لا نحمله عَلَى صفة تستحيل فِي صفاته ، بل يجري فِي ذَلِكَ مجرى غيره من الصفات... قال .. والثاني : منع هَذِهِ الجلسة وكراهتها ، قام الدليل عَلَى جواز هَذِهِ الجلسة لخلاف السلف وأجازتهم له ، وبقي إثبات الرجلين عَلَى ظاهره لأنه لم ينقل عنهم خلافه ولا رده ، فوجب الرجوع إليه ، لأنه لا يجوز فِي حقه إثبات صفة برأيه واجتهاده حديث آخر فِي هَذَا المعنى ) اهـــ
(قلت) فعلى هذا لا حاجة لترجيح المنع لهذه الجلسة كما فعل عادل آل حمدان في تعليقه على إثبات الحد للدشتي ، فرارا من الإلزام الذي ذكره بعض المتأخرين ، فترجيحه للمنع ضعيف خلاف جماهير السلف وأهل الحديث الذين أباحوها ، فإنه لا تلازم بين إثبات الصفة ، وبين إباحتها للمخلوق أن يجلسها أولا ، وقد ثبت عندنا أن الله سبحانه يجلس على كرسه ، فهل يعقل أن نقول لا يجوز الجلوس على الكرسي أيضا ؟؟
فصل إباحة جلسة الإستلقاء ووضع الرجلين على الأخرى :
جلسها النبي صلى الله عليه وسلم عدة مرات ، كما في عدة روايات ومنها ما روي عن عباد بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله عليه وسلم مستلقيا في المسجد ، واضعا إحدى رجليه على الأخرى. رواه البخاري وترجم له بـ : باب الاستلقاء في المسجد .
من فعله من الصحابة : أبو بكر وعمر وعثمان وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف وبلال بن رباح وأنس وأسامة بن زيد وابن عمر والبراء بن مالك ومعاوية .
ومن التابعين : ابن الحنفية والشعبي والحسن وأبو مجلز وابن سيرين وعكرمة ومحمد بن علي .
قال ابن رجب في الفتح (3/406) وأما أكثر العلماء ، فرخصوا فيه ، وممن روي أنه كان يفعله: عمر، وعثمان ، وابن مسعود ، ونص أحمد على جوازه ) اهــ .
قال المَرُّوذِيّ : سَأَلْتُ أبا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يَسْتَلْقِي عَلَى قَفاهُ ، وَيَضَعُ إحْدى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرى؟ قال: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، قَدْ رُوِيَ . [ الآداب الشرعية (3/401) ]
من قال إن النهي منسوخ بالإباحة :
قال أبو موسى المديني في اللطائف من علوم المعارف (ص43) وَحَدِيثُ الاسْتِلْقَاءِ ذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ .
قال ابن شاهين في ناسخ الحديث (1/504) بعد ذكر حديث جَابِرٍ قَالَ: « نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْتَلْقِيَ الرَّجُلُ عَلَى قَفَاهُ ، ثُمَّ يَضَعُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى » قال : وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الِاسْتِلْقَاءِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ، عَنْ عَمِّهِ ، وَالَّذِي يَصِحُّ عِنْدَنَا نَسْخُهُ فَعَالُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مِثْلَ ذَلِكَ سَوَاءٌ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلصَّحَابَةِ فِي هَذَا فِعْلٌ لَقُلْنَا : إِمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ ، لَأَنَّهُ نَهَى عَنْ أَشْيَاءَ وَخُصَّ هُوَ بِفِعَالِهَا أَوْ نَقُولُ نَسْخَ النَّهْي الْفِعَالَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . [ ونقله ابن الجوزي في منسوخ الحديث (1/441) ]
(قلت) وهو ظاهر صنيع مالك في الموطأ في الموطأ حينما ذكر في أحد تبويباته روايات الإباحة وفعل الصحابة مشيرا للإباحة وبهذا بوب جميع أهل الحديث في تبويباتهم في الصحاح والسنن والمسانيد مما يدل أن الأمر عندهم على الإباحة .
ومن كرهها من السلف : أبو سعيد الخدري ، وقتادة ابن النعمان وابن عباس وسعيد بن جبير وكعب بن عجرة ورواية عن بن سيرين والحسن وبه قال مجاهد وطاووس .
سبب كراهة بعض السلف لهذه الجلسة :
في إتحاف الخيرة (5830) قال إسحاق بن راهويه : أبنا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ثَنَا عَبْدُ الْجَلِيلِ- وَهُوَ ابْنُ عَطِيَّةَ- ثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ قَالَ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- اسْتَلْقَى فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ ، فَوَضَعَ إِحْدَى رجليه على الأخرى وكان الْيَهُودُ تَفْتَرِي عَلَى اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- يَقُولُونَ: إِنَّ رَبَّنَا- تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فَرَغَ مِنَ الْخَلْقِ يوم السبت ثم تروح ، فقال الله- عز وجل-: ( ولقد خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أيام وما مسنا من لغوب ) فَكَانَ أَقْوَامٌ يَكْرَهُونَ أَنْ يَضَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ على الأخرى حتى صنع عمر". [ قال البوصيري : هذا إسناد رواته ثقات ].
وروى ابن أبي شيبة (25516) والخطيب في تاريخه (3990) بسند صحيح عَنِ الْحَكَمِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا مِجْلَزٍ عَنِ الرَّجُلِ يَجْلِسُ وَيَضَعُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى , فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ ، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ كَرِهَتْهُ الْيَهُودُ ، قَالُوا : إِنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ، ثُمَّ اسْتَوَى يَوْمَ السَّبْتِ فَجَلَسَ تِلْكَ الْجِلْسَةَ "
وروى ابن أبي شيبة (25523) حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ حَبِيبٍ قَالَ: رَآنِي مُحَمَّدٌ وَقَدْ وَضَعْتُ رِجْلَيَّ هَكَذَا - وَوَضَعَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى - قَالَ: فَقَالَ: « ارْفَعْهَا ، قَدْ تَوَاطَئُوا عَلَى الْكَرَاهِيَةِ لَهَا » قَالَ : فَذَكَرْتُ لِلْحَسَنِ ، قَالَ : فَكَانَتِ الْيَهُودُ يَكْرَهُونَهُ , فَخَالَفَهُمُ الْمُسْلِمُونَ عن عقيل : قيل للحسن : قد كان يكره أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى. فقال الحسن: ما أخذوا ذلك إلا عن اليهود.
وعن حُمَيد عن الحسن : أنه كان يفعله ويقول : إنما كره أن يفعله بين يَدَي القوم مخافة أن ينكشف .
روى ابن أبي شيبة (25511) عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: « إِنَّمَا يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ أَهْلُ الْكِتَابِ »
قال ابن رجب في فتح الباري (3/406) ملخصا كل الروايات : واختلفوا في أحاديث النهي : فمنهم من قال : هي منسوخة بحديث الرخصة ، ورجحه الطحاوي وغيره. ومنهم من قال : هي محمولة على من كان بين الناس فيخاف أن تنكشف عورته ، أو لم يكن عليه سراويل ، روي ذلك عن الحسن ، وروي عنه ، أنه قال فيمن كره ذلك : ما أخذوا ذلك إلا عن اليهود ) اهـــ .
(قلت) يفهم من هذه الآثار ، أن اليهود ابتدعت شيئين : الأول : أنها فسرت تلك الصفة لله تعالى وهي الجلوس ووضع الرجل على الأخرى بأنها من تعب والعياذ بالله ، وهذا من كفرهم وسوء طويتهم وخبثهم .
الثاني : أنها ادعت أن هذه الجلسة لا تجوز ، لأنها خاصة بالخالق أو نحو هذا . لكن لا ندري هل من كره هاته الجلسة من الصحابة والتابعين كرهوا ذلك مخالفة لأهل الكتاب . كما يدعي أبو مجلز والحسن وعكرمة ، أم أنهم سمعوا الكراهة من النبي صلى الله عليه وسلم لما نهى عن ذلك أول مرة ، فبقوا على تلك الكراهة ولم يصلهم النسخ بفعله ؟ والله أعلم وبالله التوفيق .
كتبه أبو عبيد الجزائري عفا الله عنه
هذا فصل في تخريج لحديث الإستلقاء المشهور الذي دار حوله نقاش كبير وخلاف بين المتأخرين ولم نجد له عن أئمة النقد من المتقدمين أي كلام !! ، وإلا لكان حجة لنا ننهي بها الموضوع ، والغرض من هذا المقال هو بيان تخريجه وحكم الجلسة التي وردت في الحديث ، ومن أراد التوسع فليرجع إلى ما علقه عادل آل حمدان في كتاب الدشتي إثبات الحد (53) فقد أطال في التعليق عليه بكلام طويل على أني لي ملاحظات في جزمه بصحة هذا الحديث ففي ذلك نظر فالأقرب ضعفه.
حديث قتادة بن النعمان رضي الله عنه : عَنْ عُبْيد بْنِ حُنَيْنٍ قَالَ : بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ ، إِذْ جَاءَهُ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ ، فَجَلَسَ فَتَحَدَّثَ ، ثُمَّ ثَابَ إِلَيْهِ نَاسٌ فَقَالَ : انْطَلِقْ بِنَا يَا ابْنَ مُنَيْنٍ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، فَإِنِّي قَدْ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ قَدِ اشْتَكَى قَالَ : فَانْطَلَقْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي سَعِيدٍ ، فَوَجَدْنَاهُ مُسْتَلْقِيًا رَافِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ، فَسَلَّمْنَا وَقَعَدْنَا ، فَرَفَعَ قَتَادَةُ يَدَهُ فَقَرَصَهُ قَرْصَةً شَدِيدَةً ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَوْجَعْتَنِي. قَالَ : ذَلِكَ أَرَدْتُ ، أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : « لَمَّا قَضَى اللَّهُ خَلْقَهُ ، اسْتَلْقَى ، ثُمَّ وَضَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى » ثُمَّ قَالَ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ مِثْلُ هَذَا ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : نَعَمْ .
تخريج هذا الحديث :
أخرجه ابْن أبي عَاصِم فِي السّنة (248/1-249) ومن طريقه أبو نعيم في معرفة الصحابة (5752) وابن منده في المعرفة (2/132/1) وأبو نصر الغازي في جزء من الأمالي (77/1) والْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات (ص355-356) وأخرجه الطبراني في الكبير (19/13) ورواه ابن أبي يعلى في إبطال التأويلات (179) وقال (183) وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلالُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي سُنَنِهِ ، ورواه أبو موسى المديني في جزء مخطوط بعنوان ( الكلام على حديث الاستلقاء لأبي موسى المديني الحافظ ) لم يوجد منه إلا أول صفحة السند ، ورواه الدشتي في إثبات الحد (53) وابن المحب في الصفات (1/241/أ) وذكره بدون سند الدرامي في كتابه النقض على بشر المريسي العنيد (ص311)
بيان طرق هذه الرواية :
رواه عن قتادة بن النعمان رواه عنه كل من : عبيد بن حنين وسعيد بن يسار أبو الحباب وبسر بن سعيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة .
وراه عن عبيد بن حنين سعيد بن الحارث وعنه فليح بن سليمان وعنه ابنه محمد .
رواه عن محمد بن فليح : ابراهيم بن المنذر : وعن إبراهيم انتشر جدا : فرواه عنه ابن أبي عاصم وجعفر بن سليمان النوفلي وأحمد بن رشدين وأحمد بن داود المكي وأحمد بن الحسين الرقي ومحمد بن إسحاق الصاغاني ومحمد بن المصفى وحمد بن المبارك الصوري وابن الأصفر وغيرهم .
الكلام على هذا الإسناد ورجاله :
مداره على محمد بن فليح عن أبيه وفيهما كثر الكلام من حيث هذا الإسناد وإليك البيان : أولا : أما محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي ويقال الخزاعي المدني ت 197 هـ . قال أبو زرعة : ( فليح بن سليمان ، ضعيف الحديث إلا أنه من حسن حديثه نعمة) وقيل له: فليح؟ فحرك رأسه ، وقال ( واهي الحديث، هو وابنه ، محمد بن فليح جميعا واهيان ) قال العقيلي في الضعفاء (1682) مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ مَدِينِيٌّ لَا يُتَابَعُ فِي بعض حَدِيثِهِ . علق ذاك الذهبي على العقيلي في تاريخه (291) : قلت : كثير مِن الثَّقات قد تفردوا ، فيصحّ أن يقال فيهم لا يُتابَعُون عَلَى بعض حديثهم !!.
أما يحي بن معين : فقد لخص المعلمي الكلام عن مرويان بن معين فيه فقال في التنكيل (229) محمد بن فليح بن سليمان. مرت الإشارة إلى حكايته في ترجمة سليمان بن فليح «يقول عنه ابن معين : إنه ليس بثقة» أقول: روى أبو حاتم عن معاوية بن صالح عن ابن معين: «فليح بن سليمان ليس بثقة، ولا ابنه» . فسئل أبو حاتم فقال: «ما به بأس، ليس بذاك القوى» وقد اختلفت كلمات ابن معين في فليح قال مرة: «ليس بالقوي ولا يحتج بحديثه، هو دون الدراوردي» وقال مرة: «ضعيف ما أقربه من أبي أويس» وقال مرة: «أبو أويس مثل فليح: صدوق وليس بحجة» . فهذا كله يدل أن قوله في الرواية الأولى: «ليس بثقة» ، إنما أراد أنه ليس بحيث يقال له ثقة وترداد الوطأة خفة في قوله: «ولا ابنه» فإنها أخف من أن يقال في الابن: «ليس بثقة» ويتأكد ذلك بأن محمد بن فليح روى عنه البخاري في (الصحيح) والنسائي في (السنن) وقال الدارقطني: «ثقة» وذكره ابن حبان في (الثقات) .
أما الدارقطني : قَال في التهذيب : قال الدارقطني ثقة روى عنه عَبد الله بْن وهب مع تقدمه ) اهــ وقال في حديثٍ هو فيه : "إسناد ثابت".
(قلت) أما رواية البخاري له في صحيحه فقد أخرج نسخة من روايته عن أبيه ... توبع على أكثرها عنده ، وله عند البخاري نسخة أخرى توبع عليها ، واجتنبه مسلم فلم يخرج له شيئا . [ انظر الجرح والتعديل ج 4/ ق1/ 59، تهذيب التهذيب ج 9/ 406- 407، ميزان الاعتدال ج 4/ 10، هدي الساري (ص441-442) ]
الثاني : أما فليح بن سليمان : في تاريخ بن معين برواية الدوري (766) سَمِعت يحيى وَذكر فليح بن سُلَيْمَان فَلم يقو أمره . وفي سؤالات ابن الجنيد (817) سألت يحيى عن فليح بن سليمان فقال: ضعيف الحديث .
وفي سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني (137) وَسَأَلت عليا عَن فليح بن سُلَيْمَان فَقَالَ كَانَ فليح وَأَخُوهُ عبد الحميد ضعيفين . وقال النسائي في ضعفاءه (486) فليح بن سُلَيْمَان لَيْسَ بِالْقَوِيّ مدنِي . وفي ضعفاء أبي زرعة (2/366) قال : "فليح بن سليمان ، ضعيف الحديث . وفي الجرح والتعديل (7/85) عن يحيى بن معين انه قال فليح بن سليمان ليس بقوى ولا يحتج بحديثه، وهو دون الدراوردى والدراوردى اثبت منه، نا عبد الرحمن قال سألت ابى عن فليح بن سليمان فقال ليس بالقوى . وقال ابن عدي : لفليح أحاديث صالحة يروي عن الشيوخ من أهل المدينة أحاديث مستقيمة وغرائب وقد اعتمده البخاري في صحيحه ، وروى عنه الكثير ، وهو عندي لا بأس به". وقال أبو أحمد الحاكم : ليس بالمتين عندهم" . وقال البرقي عن ابن معين: "ضعيف وهم يكتبون حديثه، ويشتهونه". وقال الساجي: "هو من أهل الصدق ويهم" وذكره ابن حبان في الثقات. [ وانظر ترجمته وأقوال العلماء فيه في : تهذيب التهذيب (8/ 303- 305) وميزان الاعتدال (3/365) وهدي الساري (ص435) ]
علة ثانية في السند : وهي تخص رواية عبيد بن حنين عن النعمان قيل منقطع . قال ابن رجب وبدر الدين بن جماعة : وفي الحديث علة أخرى وهي أن قتادة بن النعمان مات في خلافة عمر رضي الله عنه ، وعبيد بن حنين مات سنة خمس ومائة وله خمس وسبعون سنة في قول الواقدي فتكون روايته عن قتادة بن النعمان منقطعة . [ راجع فتح الباري (3/406) ]
الطريق الثاني عن سعيد الخدري :
رواه أبو النضر ، وهو سالم بن أبي أمية القرشي . يرويه يونس بن محمد والحسن بن سوار كلاهما عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي النضر به ، ولفظه : عَنْ أَبِي النَّضْرِ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ كَانَ يَشْتَكِي رِجْلَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَخُوهُ وَقَدْ جَعَلَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى وَهُوَ مُضْطَجِعٌ ، فَضَرَبَهُ بِيَدِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْوَجِعَةِ فَأَوْجَعَهُ، فَقَالَ : أَوْجَعْتَنِي ، أَوَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ رِجْلِي وَجِعَةٌ ؟ قَالَ : بَلَى ، قَالَ : فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ ؟ قَالَ " أَوَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى عَنْ هَذِهِ ؟.
رواه أحمد (11375) والحارث ابن أبي أسامة (زوائده/861) وأحمد بن منيع كما في المطالب العالية (2830) لكن هذه الرواية ، ليست فيها الزيادة التي في الرواية الأولى وبهذا أعله ابن رجب في الفتح الباري (3/406) وهذه علة تبدو في ظاهرها قوية !! قوله (دخل عليه أخوه) هو قتادة بن النعمان كما هو جد واضح ، فعاد الحديث إليه ، وبهذا جزم به ابن رجب في الفتح الباري (3/406) و لما قال ذاك العسقلاني في أطراف المسند (6/356) أخو أبي سعيد كأنه قتادة بن النعمان ، لأنه أخوه لأمه ) علق عليه أحمد شاكر في تحقيق المسند عند حديث (11375) فقال : قلنا جاء مصرحاً به في رواية عند الطبراني في الكبير (19/ (18) (قلت) وقد عاد ذاك العسقلاني وجزم بأنه قتادة بن النعمان في المطالب العالية (2811) .
قال الهيثمي في المجمع (8/100) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا النضر لم يسمع من أبي سعيد . وقال البوصيري في المجردة (2/158) رواه ابن منيع والحارث وأحمد وسنده صحيح .
(قلت) أما الإنقطاع الذي ذكره الهيثمي ، فإننا قد عرفنا الواسطة وهما : إما أبو الحباب سعيد بن يسار وإما عبيد بن حنين ، غير أن عبيد بن حنين عن النعمان قيل منقطع ، كما سبق وهذا يشكل على الإتصال هنا ، ويبقى الإشكال أيضا أن رواية الليث هذه بدون تلك الزيادة في الرواية الأولى .
ذكر من صحح سند عن هذا الحديث :
أبو بكر الخلال : قال ابن أبي يعلى في إبطال التأويلات : قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلالُ : هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ ، وَهُمْ مَعَ ثِقَتِهِمْ شَرْطُ الصَّحِيحَيْنِ مُسْلِمٍ وَالْبُخَارِيِّ .
أبو نصر الغازي قال في الأمالي (77/1) : إن رواة طريق قتادة من رجال الصحيح .
القاضي أبو يعلى : فقد روى حديث قتادة بن النعمان المنكر ، وقال : هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ ، وَهُمْ مَعَ ثِقَتِهِمْ شَرْطُ الصَّحِيحَيْنِ مُسْلِمٍ وَالْبُخَارِيِّ " [ إبطال التأويلات (ص189) ] . ابن القيم الجوزية : قال : " وَرَوَى الْخَلَّالُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( لَمَّا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ )" [ أنظر اجتماع الجيوش (2/ 107) والصواعق (4/1522) ] .
وقال ابن عبد الهادي في الكلام على مسألة الإستواء (ص38) : رواه الخلال بإسناد على شرط الشيخين .
وقال الذهبي في العلو (ص63) :حَدِيث قَتَادَة بن النُّعْمَان سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لما فرغ الله من خلقه اسْتَوَى على عَرْشه ) رُوَاته ثِقَات ، رَوَاهُ أَبُو بكر الْخلال فِي كتاب السّنة لَهُ .
وقال في العرش (62) رواه الخلال في السنة بإسناد صحيح على شرط الصحيحين.
قال الحافظ أبو موسى المديني : رواه ابن الأصفر عن إبراهيم بن محمد بن فليح عن أبيه عن سالم أبي النضر عن أبي الحباب سعيد بن يسار عن قتادة، ورواه محمد بن المبارك الصوري عن إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح عن أبيه عن سالم أبي النضر، عن عبيد بن حنين وبسر بن سعيد كلاهما عن قتادة، ورواه عن قتادة أيضا سوى عبيد بن حنين وأبي الحباب وبسر بن سعيد - عبيد الله بن عبد الله بن عتبة. ورواه عن إبراهيم بن المنذر محمد بن إسحاق الصغاني ومحمد بن المصفى ومحمد بن المبارك الصوري وجعفر بن سليمان النوفلي وأحمد بن رشدين وأحمد بن داود المكي وابن الأصفر وغيرهم، وحدث به من الحفاظ عبد الله بن أحمد بن حنبل وأبو بكر بن أبي عاصم وأبو القاسم الطبراني، وروي عن شداد بن أوس أيضا مرفوعا. وروي عن عبد الله بن عباس وكعب بن عجرة رضي الله عنهما موقوفا، وعن كعب الأحبار أيضا، وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) هذا المعنى، ورواة هذا الحديث من طريق قتادة وشداد عامتهم من رجال الصحيح، وذلك كله بعد قول الله تعالى (أفمن يخلق كمن لا يخلق) إنما يوافق الاسم الاسم، ولا تشبه الصفة الصفة ) اهـــ [ نقله عنه الدشتي في إثبات الحد (53) ]
خلاصة الكلام :
لم أقف على أي تصحيح من المتقدمين من طبقة أحمد ونحوه ، لهذا الحديث أو من ذكره في كتب المعتقد والسنة والصفات إلا ابن أبي عاصم فقط في السنة ، وقيل الخلال في السنة لكن لفظ أبي يعلى في إبطال التأويلات قال ( في سننه ) لا السنة ، بينما ابن القيم والذهبي وابن عبد الهادي قال ( في السنة ) والملاحظ أن كل من مشاه إنما صحح إسناده فقط أو وثقوا رجال سنده ، وادعوا أنهم على شرط البخاري !! والحقيقة أن قولهم على شرط البخاري فيه نظر لأسباب :
الأول : أن البخاري تجنب إخراج هذا الحديث ، وهو قوي على شرطه كما يدعون . الثاني : أن مسلم تجنب الرواية مطلقا لرواية فليح وابنه في صحيحه . الثالث : وهو السبب الأقوى ، وهو أنه أخرج لَهُ البُخَارِيّ نُسْخَة من رِوَايَته عَن أَبِيه عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَبَعضهَا عَن هِلَال عَن أنس بن مَالك توبع على أَكْثَرهَا عِنْده وَله نُسْخَة أُخْرَى عِنْده بِهَذَا الْإِسْنَاد لَكِن عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ بَدَلَ عَطاء بن يسَار وَقد توبع فِيهَا أَيْضا ، وَهِي ثَمَانِيَة أَحَادِيث ، فهذا يدل على أن البخاري لم يعتمد عليه كثقة حجة ، وإنما كان ينتقى من حديثه مرويات قليلة جدا ، وقد عددت كل ما في صحيحه فإذا هي ستة عشر حديثا (16) فقط ، كل متونها معروفة مشهورة ، مروية من عدة طرق . الرابع : أن كتب السنن والعقائد والمسانيد كلها لا أحد منهم خرج هذا الحديث بروايته الأولى ، وهذا ما يثير الشك والإضطراب جدا في مدى صحة كلام المتأخرين عن تصحيح سنده على شرط البخاري !! ولا يكفي الاحتجاج بإخراج ابن أبي عاصم وحده لهذا الحديث ، فقد عودنا أن يتفرد بإخراج أحاديث يتفرد بها فتكون ضعيفة عادة ويتجنبها باقي أصحاب السنن والصحاح ، كما تفرد بحديث (لكل نبي حوض) دون سائر من كتب في العقيدة والسنة من أهل الحديث ، ولهذا يبقى هذا الحديث محال إشكال كبير بروايته الأولى دون رواية أحمد فليس فيها موضع النقاش والجدل ؟؟ لهذا تجد أن أبا محمد الدارمي لما ذكره في كتابه النقض على المريسي (ص331) سكت عنه ولم يصحح ولا يضعف إنما ، رد تأويله وتحريفه على المريسي على فرض صحته فيما يظهر ، ورفض ابن رجب أن يصحح هذه الرواية الأولى واكتفي بتجويد رواية أحمد فقط ، ومثله ذاك البيهقي .
وأنا صراحة لا أجزم بصحته ولا نكارته ، لكن الأقرب ضعفه على منهج الحديث ، من جهة السند ، لا على طريقة الجهمية والأشعرية ومن تأثر بهم من المعاصرين بسبب المتن !! إنما من جهة السند فقط ، وإن صح فلا إشكال في متنه كما سأتي في هذا التنبيه .
تنبيه مهم : حديث الإستلقاء هذا لا ترتبط صحته أو ضعفه بسبب ورورده ، أو ما إذا كانت تلك الجلسة مباحة أو لا ؟ لأننا إذا قلنا أن الجلسة مباحة فهذا لا يعني نفي الصفة التي وردت في الحديث عن الله تعالى ـــ إن صحت ـــ لأنه لا تلازم بين هذا وهذا ولا تعارض ، فمن جعل إثبات هذا ينفي وجود هذا ، هذا غلط فاحش في الفهم !! فإن صحت فنحن نثبتها على طريقة السلف في الصفات في الإمرار بما يليق الله لا مانع منه ولا يوجد فيه أي نكارة ، فنقول الصفة ثابتة لله تعالى لا على سبيل الإستراحة كما ادعت اليهود لعنهم الله ، وإنما الله يفعل ما يشاء وما مسه من لغوب ، وليست بأغرب من الإستواء والجلوس لله تعالى على العرش وقد نبه على هذه القضية ابن أبي يعلى في إبطال التأويلات فقال : أعلم أن هَذَا الخبر يفيد أشياء منها : جواز إطلاق الاستلقاء عليه ، لا عَلَى وجه الاستراحة ، بل عَلَى صفة لا تعقل معناها ، وأن له رجلين كما له يدان ، وأنه يضع إحداهما عَلَى الأخرى عَلَى صفة لا نعقلها ، إذ ليس فِي حمله عَلَى ظاهره ما يحيل صفاته ..... قولكم أنه لا يجوز حمله عَلَى ذَلِكَ غلط ، لأنا قد بينا أنا لا نحمله عَلَى صفة تستحيل فِي صفاته ، بل يجري فِي ذَلِكَ مجرى غيره من الصفات... قال .. والثاني : منع هَذِهِ الجلسة وكراهتها ، قام الدليل عَلَى جواز هَذِهِ الجلسة لخلاف السلف وأجازتهم له ، وبقي إثبات الرجلين عَلَى ظاهره لأنه لم ينقل عنهم خلافه ولا رده ، فوجب الرجوع إليه ، لأنه لا يجوز فِي حقه إثبات صفة برأيه واجتهاده حديث آخر فِي هَذَا المعنى ) اهـــ
(قلت) فعلى هذا لا حاجة لترجيح المنع لهذه الجلسة كما فعل عادل آل حمدان في تعليقه على إثبات الحد للدشتي ، فرارا من الإلزام الذي ذكره بعض المتأخرين ، فترجيحه للمنع ضعيف خلاف جماهير السلف وأهل الحديث الذين أباحوها ، فإنه لا تلازم بين إثبات الصفة ، وبين إباحتها للمخلوق أن يجلسها أولا ، وقد ثبت عندنا أن الله سبحانه يجلس على كرسه ، فهل يعقل أن نقول لا يجوز الجلوس على الكرسي أيضا ؟؟
فصل إباحة جلسة الإستلقاء ووضع الرجلين على الأخرى :
جلسها النبي صلى الله عليه وسلم عدة مرات ، كما في عدة روايات ومنها ما روي عن عباد بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله عليه وسلم مستلقيا في المسجد ، واضعا إحدى رجليه على الأخرى. رواه البخاري وترجم له بـ : باب الاستلقاء في المسجد .
من فعله من الصحابة : أبو بكر وعمر وعثمان وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف وبلال بن رباح وأنس وأسامة بن زيد وابن عمر والبراء بن مالك ومعاوية .
ومن التابعين : ابن الحنفية والشعبي والحسن وأبو مجلز وابن سيرين وعكرمة ومحمد بن علي .
قال ابن رجب في الفتح (3/406) وأما أكثر العلماء ، فرخصوا فيه ، وممن روي أنه كان يفعله: عمر، وعثمان ، وابن مسعود ، ونص أحمد على جوازه ) اهــ .
قال المَرُّوذِيّ : سَأَلْتُ أبا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يَسْتَلْقِي عَلَى قَفاهُ ، وَيَضَعُ إحْدى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرى؟ قال: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، قَدْ رُوِيَ . [ الآداب الشرعية (3/401) ]
من قال إن النهي منسوخ بالإباحة :
قال أبو موسى المديني في اللطائف من علوم المعارف (ص43) وَحَدِيثُ الاسْتِلْقَاءِ ذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ .
قال ابن شاهين في ناسخ الحديث (1/504) بعد ذكر حديث جَابِرٍ قَالَ: « نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْتَلْقِيَ الرَّجُلُ عَلَى قَفَاهُ ، ثُمَّ يَضَعُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى » قال : وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الِاسْتِلْقَاءِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ، عَنْ عَمِّهِ ، وَالَّذِي يَصِحُّ عِنْدَنَا نَسْخُهُ فَعَالُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مِثْلَ ذَلِكَ سَوَاءٌ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلصَّحَابَةِ فِي هَذَا فِعْلٌ لَقُلْنَا : إِمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ ، لَأَنَّهُ نَهَى عَنْ أَشْيَاءَ وَخُصَّ هُوَ بِفِعَالِهَا أَوْ نَقُولُ نَسْخَ النَّهْي الْفِعَالَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . [ ونقله ابن الجوزي في منسوخ الحديث (1/441) ]
(قلت) وهو ظاهر صنيع مالك في الموطأ في الموطأ حينما ذكر في أحد تبويباته روايات الإباحة وفعل الصحابة مشيرا للإباحة وبهذا بوب جميع أهل الحديث في تبويباتهم في الصحاح والسنن والمسانيد مما يدل أن الأمر عندهم على الإباحة .
ومن كرهها من السلف : أبو سعيد الخدري ، وقتادة ابن النعمان وابن عباس وسعيد بن جبير وكعب بن عجرة ورواية عن بن سيرين والحسن وبه قال مجاهد وطاووس .
سبب كراهة بعض السلف لهذه الجلسة :
في إتحاف الخيرة (5830) قال إسحاق بن راهويه : أبنا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ثَنَا عَبْدُ الْجَلِيلِ- وَهُوَ ابْنُ عَطِيَّةَ- ثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ قَالَ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- اسْتَلْقَى فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ ، فَوَضَعَ إِحْدَى رجليه على الأخرى وكان الْيَهُودُ تَفْتَرِي عَلَى اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- يَقُولُونَ: إِنَّ رَبَّنَا- تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فَرَغَ مِنَ الْخَلْقِ يوم السبت ثم تروح ، فقال الله- عز وجل-: ( ولقد خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أيام وما مسنا من لغوب ) فَكَانَ أَقْوَامٌ يَكْرَهُونَ أَنْ يَضَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ على الأخرى حتى صنع عمر". [ قال البوصيري : هذا إسناد رواته ثقات ].
وروى ابن أبي شيبة (25516) والخطيب في تاريخه (3990) بسند صحيح عَنِ الْحَكَمِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا مِجْلَزٍ عَنِ الرَّجُلِ يَجْلِسُ وَيَضَعُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى , فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ ، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ كَرِهَتْهُ الْيَهُودُ ، قَالُوا : إِنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ، ثُمَّ اسْتَوَى يَوْمَ السَّبْتِ فَجَلَسَ تِلْكَ الْجِلْسَةَ "
وروى ابن أبي شيبة (25523) حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ حَبِيبٍ قَالَ: رَآنِي مُحَمَّدٌ وَقَدْ وَضَعْتُ رِجْلَيَّ هَكَذَا - وَوَضَعَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى - قَالَ: فَقَالَ: « ارْفَعْهَا ، قَدْ تَوَاطَئُوا عَلَى الْكَرَاهِيَةِ لَهَا » قَالَ : فَذَكَرْتُ لِلْحَسَنِ ، قَالَ : فَكَانَتِ الْيَهُودُ يَكْرَهُونَهُ , فَخَالَفَهُمُ الْمُسْلِمُونَ عن عقيل : قيل للحسن : قد كان يكره أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى. فقال الحسن: ما أخذوا ذلك إلا عن اليهود.
وعن حُمَيد عن الحسن : أنه كان يفعله ويقول : إنما كره أن يفعله بين يَدَي القوم مخافة أن ينكشف .
روى ابن أبي شيبة (25511) عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: « إِنَّمَا يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ أَهْلُ الْكِتَابِ »
قال ابن رجب في فتح الباري (3/406) ملخصا كل الروايات : واختلفوا في أحاديث النهي : فمنهم من قال : هي منسوخة بحديث الرخصة ، ورجحه الطحاوي وغيره. ومنهم من قال : هي محمولة على من كان بين الناس فيخاف أن تنكشف عورته ، أو لم يكن عليه سراويل ، روي ذلك عن الحسن ، وروي عنه ، أنه قال فيمن كره ذلك : ما أخذوا ذلك إلا عن اليهود ) اهـــ .
(قلت) يفهم من هذه الآثار ، أن اليهود ابتدعت شيئين : الأول : أنها فسرت تلك الصفة لله تعالى وهي الجلوس ووضع الرجل على الأخرى بأنها من تعب والعياذ بالله ، وهذا من كفرهم وسوء طويتهم وخبثهم .
الثاني : أنها ادعت أن هذه الجلسة لا تجوز ، لأنها خاصة بالخالق أو نحو هذا . لكن لا ندري هل من كره هاته الجلسة من الصحابة والتابعين كرهوا ذلك مخالفة لأهل الكتاب . كما يدعي أبو مجلز والحسن وعكرمة ، أم أنهم سمعوا الكراهة من النبي صلى الله عليه وسلم لما نهى عن ذلك أول مرة ، فبقوا على تلك الكراهة ولم يصلهم النسخ بفعله ؟ والله أعلم وبالله التوفيق .
كتبه أبو عبيد الجزائري عفا الله عنه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق