بسم الله والصلاة والسلام على رسوله الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :
أرجو ألا تنزعج أيها القارئ إن وجدت في هذا المقال علامات تعجب كثيرة ، فموضوع هذه الأوراق كلها عجائب وغرائب ، وهذا حوار شاق ليس بشيق مع فئة من المداهنين يَدَّعُون السنة ، لا وبل يدعون التوحيد !! وكان السؤال العام لهذا الحوار هو : إذا سَكَتَّ أنت َ، وسَكَتُّ أنا ، فمنْ يُبَيِّنُ للنَّاسِ منْ هُمْ أهلَ الكُفْرِ والضِلالِ !! هذا سؤال مربك للمداهنين الجدد : .... للأسف محسوبين علينا !! يكتبون في كل شيء ...!! وينتقدون كل سطر ، ويُعَقِّبون على كل حرف ... !! وعندهم شجاعة رهيبة حاربوا من أجلها العالم ، وحاربهم الناس لقمعها ...!! فإذا ذكرت أسماء الشرك والتجهم بالكفر أصابهم الخرس !! والعجب أنه خرس فيه حكمة !! فعجبا كيف يصرخ المرجئة والجهمية والزنادقة فوق المنابر بتضليلنا ، بينما يقبع المداهنون في حلس بيوتهم لا تسمع إلا همسهم لحكمة !!
يذكرني هذا بما روى في ذم الكلام (1349) قال حكى يحي بن عمار : أن قوما من الزنادقة كانوا في سرب يتناجون ، فحانت الصلاة فقام حلاج على المنارة يؤذن فقالوا : كيف يقوم دين يتناجى به الرؤساء ، مع دين يصرخ به حلاج !! .
هذه هي الصورة الجديدة للمداهنين المنتسبين للسنة ـــ وَهْمًا ـــ اليوم ، وليتهم يتوقفون على صموتهم !! بل ينكرون على الموحدين تكفيرهم للمشركين ، وبيان كُفْرِ منْ كفَرْ !! كل ذلك ولا زال المداهن يدعي أن هذا من الحكمة والعقل !! وما نحن فيه تهور وحمق ونزعة خروج !! يا مداهن ، ويحك ، إذا لم تقل الحق ، فلا تقل الباطل !! ماذا لو داهن الإمام أحمد في المحنة كما يداهن هذا الساكت اليوم ؟ ماذا كان سيكون !! وماذا لو أرخوا الحبال على أبي حنيفة ، وسكتوا عنه لم يُبيِّنوا ضلاله ؟؟ بداية الحوار الشاق لا الشيق .... !! كل ما في هذا الحوار ، ليس قد وقع فعلا ، وإنما هو لسان حال هذه الفئة ، من خلاله تعرف بطلان ما هم عليه المداهنون المثبطون عن دعوة التوحيد . قال المداهن : أوصانا السلف : أن الزم الصمت وليسعك بيتك !! قلتُ : يا رجل من قال لك اعمل مظاهرات واصرخ !! أو اظهر في القنوات !! والله يكفينا منك إشارة غير صريحة نستخرجها بالمنقاش ، على أن جهمية العصر على غير ملة محمد صلى الله عليه وسلم !! فقد ضل الناس فيهم ....
قال المداهن : هذا ليس واجب علي !!
قلتُ : بل هو أوجب الواجبات ، وهو أصل دين الإسلام وقاعدته التي ينبغي أن تتعلمها وتبينها للناس :
قال البربهاري في شرح السنة :" ولا يخرج أحدا من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله عزوجل أو يرد شيئا من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يصلي لغير أو يذبح لغير الله فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام ." اهـ
قال محمد بن عبد الوهاب : وأنت يا من من الله عليه بالإسلام وعرف أن ما من إله إلا الله ، لا تظن أنك إذا قلت : هذا هو الحق ، وأنا تارك ما سواه لكن لا أتعرض للمشركين ، ولا أقول فيهم شيئا ، لا تظن أن ذلك يحصل لك به الدخول في الإسلام ، بل لا بد من بغضهم ، وبغض من يحبهم ، ومسبتهم ومعاداتهم كما قال أبوك إبراهيم ، والذين معه : {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [سورة الممتحنة آية: 4] ، وقال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} الآية [سورة البقرة آية: 256] ، وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [سورة النحل آية: 36] ولو يقول رجل: أنا أتبع النبي صلى الله عليه وسلم وهو على الحق، لكن لا أتعرض اللات والعزى، ولا أتعرض أبا جهل وأمثاله، ما علي منهم; لم يصح إسلامه ) اهــــــ قال المداهن : أنا أبدعهم في نفسي !! قلتُ : فقط !! هذه عين المداهنة ، والغش لمن معك ...!! فاكتفاؤك بتبديع للمشرك والجهمي هو أصلا إرجاء وضلالة ، بل كفر !! وبسببه لم تُبين أن ما يقع الناس فيه اليوم عند القبور والتجهم الحاصل اليوم في قضايا الإيمان والصفات عند المشيخة !! هو من الشرك المخرج من الملة ، وأن فاعله غير معذور البتة ، ولم تكرر ذلك حتى حفظها الناس عنك ورسخت في قلوبهم !! كفاك تضليلا لمن حولك ، فقد أغرقتهم في بحر شيطانك الأخرس .
قال المداهن : أنت تريد المشاكل مع الناس والدول !! أنا لا أتكلم في التكفير !!
قلت : إذا كنت تريد دعوة بلا مشاكل عليك بالتمثيل أو الفن ونحو هذا ، أو انخرط في حزب الإخوان والتبليغ مثلا . أما سبيل الرسل والأئمة والسلف قبلنا ، فكما هو لا يتبدل ، فقم به أو اقعد .
قال : أباح الله لنا المداراة !!
قلت هذه هي بليتك ، تداهن باسم المداراة !! أو أنك ما فهمت التوحيد أصلا ... وهو ظني بك .
قال الآجري في كتابه الغراباء (ص78) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : افْرُقْ لَنَا بَيْنَ الْمُدَارَاةِ وَالْمُدَاهَنَةِ ؟ قِيلَ لَهُ : الْمُدَارَاةُ : الَّتِي يُثَابُ عَلَيْهَا الْعَاقِلُ , وَيَكُونُ مَحْمُودًا بِهَا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَعِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُدَارِي جَمِيعَ النَّاسِ الَّذِينَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُمْ وَمِنْ مُعَاشَرَتِهِمْ لَا يُبَالِي مَا نَقَصَ مِنْ دُنْيَاهُ , وَمَا انْتُهِكَ بِهِ مِنْ عِرْضِهِ بَعْدَ أَنْ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ , فَهَذَا رَجُلٌ كَرِيمٌ غَرِيبٌ فِي زَمَانِهِ. وَالْمُدَاهَنَةُ : فَهُوَ الَّذِي لَا يُبَالِي مَا نَقَصَ مِنْ دِينِهِ إِذَا سَلِمَتْ لَهُ دُنْيَاهُ , قَدْ هَانَ عَلَيْهِ ذَهَابُ دِينِهِ وَانْتِهَاكُ عِرْضِهِ , بَعْدَ أَنْ تَسْلَمَ لَهُ دُنْيَاهُ , فَهَذَا فِعْلُ مَغْرُورٍ , فَإِذَا عَارَضَهُ الْعَاقِلُ فَقَالَ: هَذَا لَا يَجُوزُ لَكَ فِعْلُهُ قَالَ : نُدَارِي فَيَكْسُو الْمُدَاهَنَةَ الْمُحَرَّمَةَ اسْمَ الْمُدَارَاةِ !! وَهَذَا غَلَطٌ كَبِيرٌ مِنْ قَائِلِهِ ) اهـــــ.
قال المداهن : ما دام يداهنوننا فنحن كذلك ، نسكت عن كفرهم وضلالهم !!.
قلتُ وهذه هي التي قالها الله تعالى { وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } روى ابن أبي حاتم في تفسيره (11262) والطبري (18608) بسند جيد قال ابن زيد في قوله : {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار } قال: "الركون" الإدهان وقرأ: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} قال : تركنُ إليهم ولا تنكر عليهم الذي قالوا ، وقد قالوا العظيمَ من كفرهم بالله وكتابه ورسله .
(قلت) هل رأيت أن من المداهنة السكوت عن الكفر وأهله ، وعدم بيان ذلك للناس ، بتسمية الأسماء باسمها الذي سماها الله به .
روى عبد الرزاق في تفسيره (3276) عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} قَالَ : « وَدُّوا لَوْ يُدْهِنُ رَسُولُ اللَّهِ فَيُدْهِنُونَ »
قال الفراء في معانيه : يُقال: ودوا لو تلينُ فِي دينك ، فيلينون فِي دينهم .
قال ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن (ص151) : أي تلين لهم في دينك فيلينون في أديانهم .
قال المداهن : العالم لابد يكون حكيما ويعرف متى يتكلم !!
قلتُ : العالم لا يداهن في بيان الحق كما هو عليه خاصة التوحيد والكفر . قال الآجري في كتابه في أخلاق العلماء (ص64) عن صفة العالم : شَدِيدُ الْبُغْضِ لِمَنْ عَصَى مَوْلَاهُ يُجِيبُ السَّفِيهَ بِالصَّمْتِ عَنْهُ , وَالْعَالِمَ بِالْقَبُولِ مِنْهُ , لَا مُدَاهِنٌ , وَلَا مُشَاحِنٌ وَلَا مُخْتَالٌ... ) اهــــ
قال المداهن : هم ـــ يقصد المرجئة ـــ !! عرضوا علينا السكوت وقد يجبروننا بالقوة أحيانا على هذا !!
قلت : اسمع هذه الآية : قال تعالى : { وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً }
عن أبي عثمان الدمشقي قال : أوحى الله إلى موسى بن عمران : ولا تطع كل مداهن غرور ، واعلم بأن الدنيا دار تعز للظالمين. [مختصر تاريخ دمشق (29/66)]
وروى عبد الرزاق (1597) عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ} قَالَ : أَطَافُوا بِهِ لَيْلَةً , فَقَالُوا: أَنْتَ سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا فَأَرَادُوهُ عَلَى بَعْضِ مَا يُرِيدُونَ , فَهَمَّ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يُقَارِبَهُمْ فِي بَعْضِ مَا يُرِيدُونَ ثُمَّ عَصَمَهُ اللَّهُ " قَالَ : فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} لِلَّذِي أَرَادُوا فَهَمَّ أَنْ يُقَارِبَهُمْ فِيهِ ."
(قلت) يقول الله لي ولك يجب عليك أن نيبن للناس كفر الكافر وأن نعلمهم البراءة منه والكفر به ، فقلت أنت : لا من الحكمة السكوت ! وقال تعالى لي ولك : ( فاصدع بما تؤمر ) فقلت أنت : ليس هذا وقت الكلام في التوحيد وقضايا التكفير !!
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب : ومعنى الكفر بالطاغوت : أن تبرأ من كل ما يعتقد فيه غير الله ، من جنى ، أو أنسى ، أو شجر ، أو حجر ، أو غير ذلك ، وتشهد عليه بالكفر ، والضلال ، وتبغضه ، ولو كان أنه أبوك أو أخوك ، فأما من قال أنا لا أعبد إلا الله ، وأنا لا أتعرض السادة ، والقباب على القبور ، وأمثال ذلك ، فهذا كاذب في قول لا إله إلا الله ، ولم يؤمن بالله ، ولم يكفر بالطاغوت ) اهـــــ.
قلتُ : ثم اعلم أيها المداهن أن أقل أحوالك أن تكون عاجزا ، أما ادعاء أن طريقك هذا هو الحكمة والعقل فهذا باطل. روى ابن أبي شيبة في مصنفه (37137) وابن وضاح في البدع (219) والحاكم (8418) والداني في الفتن (241) بسند صحيح وصححه ووافقه ذاك الذهبي عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا انْفَرَجْتُمْ عَنْ دِينِكُمُ انْفِرَاجَ الْمَرْأَةِ عَنْ قُبُلِهَا , لَا تَمْنَعُ مَنْ يَأْتِيهَا ؟ فَقَالَ رَجُلٌ : قُبِّحَ الْعَاجِزُ قَالَ : بَلْ قُبِّحْتَ أَنْتَ.
(قلت) لأن العاجز أهون من الواقع في الفتنة ، وليس معنى هذا أنه على خير وأنه عجزه هو الكيس !! بل قد فسره حذيفة رضي الله عنه فقال : فيما روى ابن أبي شيبة (37136) بسند جيد عن حُذَيْفَةُ «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا بَرَكَتْ تَجُرُّ خِطَامَهَا فَأَتَتْكُمْ مِنْ هَاهُنَا وَمِنْ هَاهُنَا » , قَالُوا: لَا نَدْرِي وَاللَّهِ , قَالَ: « لَكِنِّي وَاللَّهِ أَدْرِي , أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَالْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ ، إِنْ سَبَّهُ السَّيِّدُ لَمْ يَسْتَطِعِ الْعَبْدُ أَنْ يَسُبَّهُ , وَإِنْ ضَرَبَهُ لَمْ يَسْتَطِعِ الْعَبْدُ أَنْ يَضْرِبَهُ » روى الإمام أحمد بسنده عن أبي العالية قوله : يأتي على الناس زمانٌ تَخْرُبُ صدورُهم من القرآن، ولا يجدون له حلاوةً ولا لذاذةً ، إن قصّروا عما أُمِروا به قالوا : إن الله غفور رحيم !! وإن عملوا بما نُهوا عنه قالوا : سيُغفر لنا إنا لم نشرك بالله شيئا ! أمرُهم كلُّه طمع ليس معه صدق ، يلبسون جلود الضّأن على قلوب الذئاب أفضلهم في دِينه المداهِن ) اهــــ [ الزهد للإمام أحمد 1741] قلت أي أن أهونهم شرا المداهن .
قال المداهن : أنا معذور لأني أخاف الناس يضرونني !! .
قلت : بل هو جبن منك وعار ، دعا العصا حتى تكون فوق رأسك ثم قل هذا ، وإلا فأنت تذكر حوار أحمد وابن معين في هذا !!
ولو كنت معذورا كما تدعي فلا تُلزم غيرك بخوفك وجبنك ، فعلى الأقل اعترف به ، وقد روي في الأثر مرفوعا : « لا يَمنعنَّ أَحدَكم مخافةُ الناسِ أَن يتكلَّمَ بالحقِّ إذا علمَهُ ».
وروى المخلصي في الملخصيات (3028) عن بشر بن الحارث قال : مَع الناسِ تقيةٌ ، وليسَ مَعهم خوفُ. قال يا أخي لا تورطنا بمشاكل مع الناس فليس هذا من فعل أهل الحديث !! قلت تريد صنيع أهل الحديث ؟ هاك أمثلة إذن :
وروى الهروي (1334) سمعت أبي يقول سمعت أبا سعيد الطالقاني غير مرة في مجلسه يلعن الكلابية ويصرح باسم رئيس فيهم ، وينسب أبا سعد إلى المداهنة .
(قلت) لأنه سكت عن بيان كفر الأشعرية للناس .. قال الهروي في ذم الكلام (ص560) : فلا والله لا دين للمتناجين دين ، ولا رأي المستترين متين .
وروى الهروي (1337) سمعت أحمد بن الحسن الخاموشي الفقيه الرازي في داره بالري في محفل يلعن الأشعرية ويطري الحنابلة . وروى الهروي (1346) سمعت أبا بكر عبد الرحمن بن منصور المقرئ يقول : سمعت أبا سعيد بن أبي سهل الفقيه الحنبلي ـــ ببست ــــ يلعنهم كل يوم بعد صلاة الغداة في المحراب في الجمع ويؤمنون .
(قلت) أين هذه القوة في ذات الله اليوم !!
وروى الهروي (ص586) عن محمد بن ابراهيم الماستوي حين ذكر أهل الكلام قال : فأما ركون ، أو إصغاء إلى استفتاء أحد منهم أو أخذ حديث عنهم ، فهو من عظائم أمور الدين .
(قلت) وقد مضى أن من الركون السكوت عن بيان كفر الكافر . روى أبو نعيم في الحلية (1/85) وتاريخ ابن عساكر (7497) عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ الدِّمَشْقِيِّ قَالَ : نَادَى حَوْشَبٌ الْخَيْرِيُّ عَلِيًّا يَوْمَ صِفِّينَ فَقَالَ : انْصَرِفْ عَنَّا يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ ، فَإِنَّا نَنْشُدُكَ اللهَ فِي دِمَائِنَا وَدَمِكَ ، نُخَلِّي بَيْنَكَ وَبَيْنَ عِرَاقِكَ ، وَتُخَلِّي بَيْنَنَا وَبَيْنَ شَامِنَا ، وَتَحْقِنُ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : هَيْهَاتَ يَا ابْنَ أُمِّ ظُلَيْمٍ وَاللهِ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ الْمُدَاهَنَةَ تَسَعُنِي فِي دِينِ اللهِ لَفَعَلْتُ ، وَلَكَانَ أَهْوَنَ عَلَيَّ فِي الْمَؤُونَةِ ، وَلَكِنَّ اللهَ لَمْ يَرْضَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ بِالْإِدْهَانِ وَالسُّكُوتِ وَاللهُ يُعْصَى ."
قال المداهن : ما هذا التشدد خيار الناس يداهنون اليوم !!
قلت : وإنْ ، أتريد المعمعة أو الحق !! وهل هذا يجعلها حلالا !! . وقد روى ابن ماجه والشجري كما في ترتيب الأمالي (2765) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : مَا حَالُنَا إِذَا تَرَكْنَا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَهُمَا أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ ؟ قَالَ : يَنْزِلُ بِكُمْ مَا نَزَلَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا نَزَلَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ ؟ قَالَ: تَفْشُو الْفَوَاحِشُ فِي شِرَارِكُمْ ، وَتَكُونُ الْمُدَاهَنَةُ فِي خِيَارِكُمْ وَيَكُونُ الْعِلْمُ فِي رُذَالِكُمْ ، وَتَكُونُ الْإِمْرَةُ فِي صِبْيَانِكُمْ " [ حسنه ذاك العراقي في تخريج الإحياء وتكلم فيه المنذري في ترغيبه ، وفي سنده ضعف ]
قال المداهن : عندي مصالح مع الناس تضيع إذن !!
قلت : هذا اعتراف مقيت ، وهو من النفاق المجانب للإيمان . روى السلمي في آداب الصحبة (82) عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : « تَعَامَلَ النَّاسُ بِالدِّينِ زَمَانًا طَوِيلًا حَتَّى ذَهَبَ الدِّينُ ، ثُمَّ تَعَاشَرُوا بِالْمُرُوءَةِ حَتَّى ذَهَبَتِ الْمُرُوءَةُ ، ثُمَّ تَعَاشَرُوا بِالْحَيَاءِ ثُمَّ تَعَاشَرُوا بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ ، وَأَظُنُّهُ سَيَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ»
وروى في كتابه الفتوة (ص35) عن أبي عبد الله القرشي يقول : لا يشم رائحة الصدق عبدٌ يداهن نفسه، أو يداهن غيره .
قال أبو نعيم في مقدمة صفة المنافقين (ص31) : فَإِنِّي لَما رأيت الناس وَكثير منهم استخفوا بالاحتراز من النفاق ، وَاستهانوا بأن عرفوا بأخلاق المنافقين ، وَاستحسنوها وَاستجازوا المداهنة ، وَتألفوها .... وَالمراوغة وَالمخادعة وَاعتقدوها ، أحببت أن أجمع ما يحضرني من الآيات الواردة عَنِ اللَّه تعالى، في كتابه في ذم ذلك ) اهــــ.
وفي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ المشهور : من شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه .
قال المداهن : إيش فيها تداري أهل البدع !!
قلت : ومازلت تسميها مداراة ، كم يسمي الخمر باسم مشروب روحي !!
روى ذاك البيهقي في شعب الإيمان (8117) قال سهل بن عبد الله التستري :... مُدَارَاةُ ذَوِي الْأَرْحَامِ سُنَّةٌ ، وَمُدَارَاةُ السُّلْطَانِ طَاعَةٌ ، وَمُدَارَاةُ أَهْلِ الْبِدَعِ مُدَاهَنَةٌ ) اهـ.
روى عَبْدُ الرَّزَّاقِ (6822) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أُخْبِرْتُ عَنْ بَعْضِ الْأَنْصَارِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ كِتَابًا يَعْهَدُ إِلَيْهِ : « خُذِ الصَّدَقَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ طُهْرَةً لِأَعْمَالِهِمْ ، وَزَكَاةً لِأَمْوَالِهِمْ ، وَحُكْمًا مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ ، الْعَدَاءُ فِيهَا حَيْفٌ ، وَظُلْمٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَالتَّقْصِيرُ عَنْهَا مُدَاهَنَةٌ فِي الْحَقِّ ، وَخِيَانَةٌ لِلْأَمَانَةِ ... )
روى أبو نعيم في الحلية (7/50) عن عَبْدَ اللهِ بْنَ دَاوُدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ: « إِذَا كَانَ النَّاسِكُ جِيرَانُهُ عَنْهُ رَاضُونَ فَهُوَ مُدَاهِنٌ »
قال المداهن : التكفير اليوم هو إلقاء بالنفس إلى التهلكة !!
قلت : الموحد يجعل عرضه ونفسه دون دينه ، ولا يشرك بالله وإن قتل وحرق والناس في هذا مراتب حسب ما أعطاهم الله من قوة ، والسعيد من وفقه الله أن يقويه للدعوة كما هي دون إمرار ومداهنة ، ومن قتل دون هذا فهو عند الله شهيد . والدعوة جهاد بل من أعظم الجهاد ، فمتى صار الجهاد تهور وإلقاء بالنفس للتهلكة !! قال عمر ابن عبد العزيز كما في سيرة ابن عبد الحكم (ص137- 140) : وإنه قد بلغني أنه قد كثر الفجور فيكم، وأمن الفساق في مدائنكم، وجاهروا من المحارم بأمر لا يحب الله من فعله ولا يرضى المداهنة عليه، كان لا يظهر مثله في علانية قوم يرجون لله وقارا ، ويخافون منه غِيرًا وهم الأعزون الأكثرون من أهل الفجور ، وليس بذلك مضى أمر سلفكم ولا بذلك تمت نعمة الله عليهم ، بل كانوا {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّار} {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} ولعمري إن من الجهاد في سبيل الله الغلظة على أهل محارم الله بالأيدي والألسن والمجاهدة لهم فيه وإن كانوا الآباء ، والأبناء ، والعشائر وإنما سبيل الله طاعته.
يقول الإمام إسحاق بن راهوية في كتابه لأبي زرعة : إني أزداد بك كل يوم سرورا فالحمد لله الذي جعلك ممن يحفظ سنته وهذا من أعظم مايحتاج إليه اليوم طالب العلم، وأحمد بن إبراهيم لا يزال في ذكرك الجميل حتى يكاد يفرط، وإن لم يكن فيك بحمد الله إفراط ، وأقرأني كتابك إليه بنحو ما أوصيتك من إظهار السنة ، وترك المداهنة فجزاك الله خيرا أقدم على ما أوصيتك ، فإن للباطل جولة ثم يضمحل ، وإنك ممن أحب صلاحه وزينه ، وإني أسمع من إخواننا القادمين ما أنت عليه من العلم والحفظ فأسر بذلك ." [ مقدمة الجرح والتعديل (ص341) ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص122) وتاريخ دمشق ، وتهذيب التهذيب (7/32)]
وَروى ابن ماجه بسند ضعيف عَن عبَادَة بن الصَّامِت قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أقِيمُوا حُدُود الله فِي الْقَرِيب والبعيد وَلَا تأخذكم فِي الله لومة لائم .
روى أبو نعيم في تاريخ أصبهان (2/100) بسند ضعيف عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَيْسَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِ الْمُدَاهَنَةُ وَالْمَلَقُ لَكِنِ الصِّدْقُ وَالرِّفْقُ » ..............
وبالله التوفيق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق