بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه أما بعد :
أغلب من يتكلم في مسألة الحكم بالقوانين الوضعية هم على قسمين
القسم الأول : يركزون في كلامهم وكتاباتهم على التأصيل والتنظير وقد يصيبون كثيرا في هذا الباب ، لكن ينسون أو يتغافلون الواقع الذي هم فيه !!
القسم الثاني : يركزون في كلامهم على الواقع ، ولا شك كثير منه حق ، ولكن يحاولون جرَّ كل النصوص والأحاديث والآثار على هذا الواقع بالتعنت !!
وهذان القسمان عندهم خلطٌ وتناقض ، ولابدّ من الجمع بين الواقع والتنظير في هذا الباب حتى لا يقع التحريف في أحدهما .
نصوص وآثار في الحاكم بغير ما أنزل الله ومواقف المتكلمين فيها :
ما ورد من الآثار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم حيث جعلوا الأصل في الحكم أنه كفر أصغر كثير ، وصحيح ولا مدفع فيه وليس بتضعيف أثر واحد منها يعني يضعف كل ما في الباب ، فهذا الملجأ ليس بعلمي ، ومواقف المتكلمين في هذا على أقسام : القسم الأول : يصحح هذه الآثار ويقول بها ويعتقدها لكن مشكلته أن ينزل هذه النصوص على المواد الكفرية التي سنذكرها ، فيما يسمى بالنظام الديموقراطي الكفري !!
القسم الثاني : يضعف كل ما ورد في الباب من الآثار !! لأنه لم يستطع أن يجمع بينها وبين واقعه ، فهو كما قيل شبه ثم عطل !! فهو أنزلها على عصره وواقعه فلما لم تتطابق معه ، عاد عليها ضربا باليمين !! أو تراه أحيانا يلجأ للتحريف والتأويل .
القسم الثالث : قالوا الآثار صحيحة لكنها مخالفة للقرآن !!! وهذا أعجب الأقوال . متى كان الصحابة يخالفون القرآن يا لكع !! ومن يقرر أنهم خالفوا القرآن ؟ أنت !!
(قلت) وهذه الفرق الثلاث لم توفق للوسطية في التعامل مع هذه الآثار ، فهي ثابتة لا شك فيها ، ولا تخالف القرآن ، ولكن لا تُنَزَّلُ على واقعٍ مغايرٍ لها ، من الإعذار في كفريات مستقلة ، وأعطيكم أمثلة في الصميم :
المثال الأول : لو أن حاكما ترك تحكيم الشريعة وأتى بكتب السحر يحكم بها على الناس ، هل كان سيشكُّ في كفره أحدٌ ؟ لا طبعا إلا مجنون !! طيب لماذا ؟ سيقال إنَّ السحر كفرٌ كيف يحكم بالكفر !! مع أنَّ السحر ناقض واحد فقط ، طيب وماذا عمن أتى بنظام الديموقراطية وهو يحتوي على عشرات النواقض الكفرية التي هي أشد السحر فكيف بمجموعها !! لماذا هذا يكفر بناقض واحد ، وذاك لا يكفر بعشرات النواقض !!
المثال الثاني : لو أن حاكما ترك تحكيم الشريعة وأتى بكتب التوراة أو الإنجيل وحكم بها اليوم ، هذا هذا يكون مسلما ؟؟ سيقولون لك : لا ، لأنهما يحتويان على الشرك بل حتى لو لم تكونا محرفتان ، فالحكم بهما كفرٌ اليوم لأنهما منسوخان ، وهذا معلوم من الدين بالضرورة ، بل من حَكَّمَ الياسق كفر إجماعا ، طيب هذا هو نفس جوابنا !!
المثال الثالث : لو أنَّ حاكما يحمي الشرك في بلده ويدعمه ، ضفْ أنه يحكم بغير ما أنزل الله ، فهذا أغلب هذه الفرق الموحدة ستقول عنه كافر ، دون اللجوء للكلام عنه في حكمه بغير ما أنزل الله ، لأنه واقع في كفر مستقل آخر وهو الشرك . فيا جماعة ، ألم تنتبهوا أنكم غفلتم عن هذا المنحنى الخطير في كلامهم عن تحكيم القوانين ؟
واقع القوانين والمواد الذي تحتويه (نظام الدموقراطية نموذجا )
قبل أن تَنظُر وتُأصِّل الباب وتحتج بالنصوص ، ألق نظرة في حقيقة النظام الديموقراطي الذي هو يعتبر كفرا مستقلا بذاته ، خارجا عن مسألة التحكيم ، فلا يخفى على كل عاقل ، ما يحتويه النظام الديموقراطي من مواد كفرية ، بالعشرات بل بالمئات ، وأبرزها :
1/ حرية الدين والإعتقاد والإلحاد .
2/ مواد للعلمانية بل هي العلمانية نفسها لمن عرف مصدرها .
3/ مواد في الحريات المطلقة ، فسب الدين مثلا لا يعد كفرا .
4/ ومواد في وحدة الأديان .
5/ مواد فصل الدين عن الدولة .
6/ مواد خاصة بحماية الشرك والقبور والأضرحة باسم التراث !! 7/ مواد في احترام الكفار ومولاتهم احترام دياناتهم .
8/ مواد بالعشرات في نقض الحدود والسنن وتعطيلها تماما .
9/ مواد في استحلال العشرات من المحرمات المجمع عليها المعلومة من الدين بالضرورة .
10/ وأول مادة في كل الدساتير تنص على أن المرجعية للشعب وحكمه .!!
11/ مواد في المساوات بين الناس خلافا للشرع ، وهي كفر واضح .
12/ بل ومواد للطعن في التوحيد وووصفه بالإرهاب !! من ذلك تجريم تكفير المشركين وتجريم الجهاد ، والولاء والبراء ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، محاربة دعاة التوحيد وبقتل أو سجن وتعذيب أو طرد ، وأقل ما يفعلونه إيقافهم عن الدعوة !! وهناك نواقض كثيرة مستقلة يحكم بها الحكام في هذا النظام !! فهي طاغوت في حد ذاته يجب الكفر به وبمن يحكم بها ، فإيّاك أن تعتقد أن هذا ما قال فيه الصحابة كفر دون كفر!!
ولا أريد أن أطيل في ذكر المواد الكفرية التي يحتويه النظام الديموقراطي والعاقل يكفيه ذكر ناقض واحد من هذه المواد ليعرف حكم الحاكم بها .
فالخلاصة أن هذا النظام من أكبر الطواغيت العصرية ، ومن أكفر الأشياء على سطح الأرض بحتوائه ما سبق ذكره من النواقض ، ولهذا قال محمد بن إبراهيم في فتاويه عن النظام الدموقراطي : "وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع ، ومكابرة لأحكامه ومشاقة لله ولرسوله ، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية إعداداً وإمداداً وإرصاداً وتأصيلاً وتفريعاً وتشكيلاً وتنويعاً وحكماً وإلزاماً ومراجع مستمدات ) [ (الفتاوى 12/284) ]
فتخيل ، هل يعقل لو أنك سألت ابن عباس عن حاكم يحكم بوحدة الأديان مثلا فقط لا أقول بجميع ما ذكرته وما تركته للإختصار ، هل كان سيقول لك ــ والعياذ بالله ــ عمن يحكم بهذا : " هذا ليس الكفر الذي تذهب إليه إنه كفر دون كفر !! بل حشاه حبر هذه الأمة أن يقول هذا !! قد تقول : أعطيني مثالا عن الحكم بغير ما أنزل الله عند السلف .
مثال أول : مثلا ما حكاه ابن قتيبة في الأشربة فقال : كَانَ ابْنُ هَرْمَةَ الشَّاعِرُ فِي شَرَفِهِ وَنَسَبِهِ وَجَوْدَةِ شِعْرِهِ يَشْرَبُ الْخَمْرَ بِالْمَدِينَةِ وَيَسْكَرُ فَلَا يَزَالُ الشُّرَطُ وَقَدْ أَخَذُوهُ وَرَفَعُوهُ إِلَى الْوَالِي فِي الْمَدِينَةِ فَحَدَّهُ فَوَفَدَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ وَقَدْ قَالَ فِيهِ الْمِدْحَةَ الَّتِي امْتَدَحَهُ بِهَا وَقَافِيَتُهَا لَامٌ فَاسْتَحْسَنَهَا وَقَالَ لَهُ : سَلْ حَاجَتَكَ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَكْتُبُ إِلَى عامل المدينة ، أن لا يَحُدَّنِي إِنْ وَجَدَنِي سَكْرَانًا فَقَالَ أبو جعفر المنصور : هَذَا حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ وَمَا كُنْتُ لِأُعَطِّلَهُ ، فَهَلْ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَهُ ؟ قَالَ لَا وَاللَّهِ يا أمير المؤمنين فاحتمل لي بحلية فَكَتَبَ الْمَنْصُورُ إِلَى عَامِلِهِ مَنْ أَتَاكَ بِابْنِ هَرْمَةَ وَهُوَ سَكْرَانُ فاجلده مائة جلدة وَاجْلِدِ ابْنَ هَرْمَةَ ثَمَانِينَ فَرَضِيَ وَمَضَى بِكِتَابِهِ فَكَانَ الْعَوْنُ إِذَا مر به صرعا قَالَ: مَنْ يَشْتَرِي ثَمَانِينَ بِمِائَةٍ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُ ) اهـــ .
(قلت) أبو جعفر المنصور على ظلمه وطغيانه يأبى أن يعطل حدًّا واحدا مباشرة ، وهذا يعطيك صورة عمن هو أفضل منه ممن قبله كيف يقع عندهم الحكم بغير ما أنزل الله .
ومثال آخر : ما قاله التابعي الجليل أبو مجلز فيما أخرج عبد بن حميد وَأَبُو الشَّيْخ عَن أبي مجلز {وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ} قَالَ : نعم قَالُوا {وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ} قَالَ: نعم قَالُوا : فَهَؤُلَاءِ يحكمون بِمَا أنزل الله ؟ قَالَ نعم هُوَ دينهم الَّذِي بِهِ يحكمون ، وَالَّذِي بِهِ يَتَكَلَّمُونَ وَإِلَيْهِ يدعونَ فإذا تركُوا مِنْهُ شَيْئا ، علمُوا أَنه جور مِنْهُم ، إِنَّمَا هَذِه الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكُونَ الَّذين لا يحكمون بِمَا أنزل الله ) اهـ
(قلت) فبين أن الترك الكلي واستبداله بغير كتاب الله لم يكن في حكام المسلمين في زمانهم ، إنما كان ذلك في أهل الكتاب والمشركين !! إنما الذي كان يقع في زمنهم مثل تعطيل لبعض الحدود لشهوة أو خوف وهم يعرفون أنه من الدين لا جاحدين به كما سبق ذكره في المثال الأول وهو يؤكده . ولهذا حكى الإجماع على تكفير من بدل الشرع غير واحد : فهذا االتكفير لمجرد التبديل ، فما بالك لو كان البديل هي هذه النواقض المستقلة !!
قال ابن تيمية كما في الفتاوى (3/267) : والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه ، أو حرم الحلال المجمع عليه ، أو بدل الشرع المجمع عليه ، كان كافرا مرتدا باتفاق الفقهاء ) اهـــ (قلت) كل جزء مما ذكره موجود في الديموقراطية كما سبق . وقال في مجموع الفتاوى (28/524) : وَمَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ وَبِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ سَوَّغَ اتِّبَاعَ غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ أَوْ اتِّبَاعَ شَرِيعَةٍ غَيْرِ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ كَافِرٌ وَهُوَ كَكُفْرِ مَنْ آمَنَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَكَفَرَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} اهــــ
وقال ابن كثير : من ترك الشرع المحكم المنزل على محمد خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام ، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر ، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه ؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين ) اهــ [البداية والنهاية (13/119)] (قلت) وكيف لو تحاكم لنظام كله مجموع نواقض كفرية مستقلة !! وقد نقل هذه الإجماعات عن بن تيمية وابن كثير الكثير ، مقرين ومحتجين بهذا الإجماع الذي على أقل أحواله أن يقال : لا يعلم له مخالف ممن يعتد به و بقوله ، ونقله أكثر النجديين مقرين له كعبد الرحمن بن حسن وعبد اللطيف وبن سحمان وحمد بن عتيق وغيرهم إلى زمن ابن براهيم والشنقيطي وأقرانهم .
لكن الخطأ الذي عند هؤلاء هو إطلاقات مغلوطة تصدر منهم كما سبق في أقسام الناس في التعامل مع الآثار ، فهم يقولون بكفر القوانين السابقة ومن يحكم بها لكن عندما يجيؤون للنصوص والآثار الواردة يسيئون تحريفها أو تضعيفها أو تنزيلها ، وأحيانا يردون على السلف في قولهم : أن الأصل في الحكم بغير ما أنزل الله هو كفر أصغر !! أو يطلقون عبارات في أن الحاكم بغير ما أنزل الله طاغوت ، هكذا بإطلاق !! وهذا وذاك لا يصح قطعا بهذا الإطلاق بل فيه تفصيل .
والسبب هو عدم توافق الواقع عندهم مع التنظير ، فحدث التناقض في أذهانهم لا في الحقيقة . ولهذا لا ينفع الحاكم بهذه المواد الكفرية الإعتراف بالخطأ ، فمن يكفر بالله ثم اعترف بأنه على خطأ هل ينفعه اعترافه إذا لم يتب منه ؟؟
ولهذا قال محمد بن براهيم في الفتاوى (6/189) : ولعلك أن تقول : لو قال من حكم القانون : أنا أعتقد أنه باطل ، فهذا لا أثر له بل هو عزل للشرع كما لو قال أحد أنا أعبد الأوثان وأعتقد أنها باطل ) اهـ
أول من نحى الشريعة وحكم القوانين والآراء :
ثم إن تنحية الشريعة ، وعدم الحكم بها ، واستبدالها بآراء الرجال لم تعرفه الأمة إلا في زمان التتر ، فهم أول من فعل ذلك فما كان من علماء ذاك العصر إلا الحكم عليهم بالكفر ، رغم كونهم يظهرون الإسلام ، ويعظمون شعائره حتى في حالهم وقالهم . ولا يظن أحد أن التتار وملكها كانوا كفار أصليين لا ينبغي الإحتجاج بهم في قضية التبديل ، فقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية (13/401) في حوادث سنة أربع وتسعين وستمائة أن ملك التتار قازان بن أرغون بن أبغا بن تولى بن جنكيز خان ، أسلم وأظهر الإسلام على يد الأمير توزون ودخلت التتار أو أكثرهم في الإسلام ، ونثر الذهب والفضة واللؤلؤ على رؤوس الناس يوم إسلامه ، وتسمى بمحمود ، وشهد الجمعة والخطبة ، وخرب كنائس كثيرة ، وضرب عليهم الجزية ، ورد مظالم كثيرة ببغداد وغيرها من البلاد وقال : وأما كتابه (الياسا) فإنه يكتب في مجلدين بخط غليظ ، ويحمل على بعير عندهم، وقد ذكر بعضهم أنه كان يصعد جبلاً ثم ينزل ثم يصعد ثم ينزل مراراً حتى يعيى ويقع مغشياً عليه ، ويأمر من عنده أن يكتب ما يلقى على لسانه حينئذ ، فإن كان هذا هكذا ، فالظاهر إن الشيطان كان ينطق على لسانه بما فيها وذكر الجويني أن بعض عبادهم كان يصعد الجبال في البرد الشديد للعبادة فسمع قائلاً يقول له : إنا قد ملكنا جنكيز خان وذريته وجه الأرض ، قال الجويني : فمشايخ المغول يصدقون بهذا ويأخذونه مسلماً ، ثم ذكر الجويني نتفاً من الياسا ، من ذلك : أنه من زنا قتل محصنا كان أو غير محصن، وكذلك من لاط قتل، ومن تعمد الكذب قتل، ومن سحر قتل، ومن تجسس قتل ، ومن دخل بين اثنين يختصمان فأعان أحدهما قتل ، ومن بال في الماء الواقف قتل ومن انغمس فيه قتل ، ومن أطعم أسيراً أو سقاه أو كساه بغير إذن أهله قتل ، ومن وجد هارباً ولم يرده قتل ، ومن أطعم أسيراً أو رمى إلى أحد شيئاً من المأكول قتل ، بل يناوله من يده إلى يده ، ومن أطعم أحداً شيئا فليأكل منه أولاً ، ولو كان المطعوم أميراً لا أسيراً ، ومن أكل ولم يطعم من عنده قتل ، ومن ذبح حيواناً ذبح مثله بل يشق جوفه ويتناول قلبه بيده يستخرجه من جوفه أولاً ، وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبدالله خاتم الأنبياء ، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر ، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا ، وقدمها عليه ؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين قال الله : ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) وقال تعالى ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) اهـ [ البداية والنهاية (13/137-139) ]
القرائن القوية على الإستحلال القلبي عند المبدل لشرع الله :
كثير من الحكام يرفض مجرد الدعوة إلى تطبيق الشريعة !! فهل يقال : إنه ممن غلبت عليه شهوته ، فرضا أنه لم يكفر بتحكيم الديموقراطية !!! وتجدهم يقننون ويلزمون ويسمون أنفسهم بالسلطة التشريعية ، فهل من يقنن ويلزم يعاقب المخالف ويجبر الناس على التحاكم إليهم وعلى قبول أحكامهم مسلم إلا إذا استحل !!؟ ومثلها ما كان يحدث في القبائل من تحكيم العادات والتقاليد وترك الشريعة كلها فكفرهم العلماء بذلك ، هل قالوا بالإستحلال حينها في مثل هذا ؟؟ . أعمال المكفرة التي لا تحتاج لاستنطاق لوضوحها كما أن بعض الأعمال إذا رأيناها حكمنا بإسلام ذلك العامل دون أن نسأله هل نطقت بالشهادة أم لا ، كمثل من رأيناه يصلي ، أو من رأيناه لابسا للإحرام ويطوف بالبيت ، فلا يشك أحد في إسلام مثل هذا الشخص ، ما لم يظهر ناقضا ، فكذلك بعض الأعمال إذا رأيناها حكمنا بكفر العامل بها دون سؤال له ليش فعلت ذلك ؟ ومن خلافاتنا الجوهرية المؤثرة والفاصلة مع من لا يكفر محكم القوانين الديموقراطية إلا بالإستحلال ، قولهم أنه لا يوجد عمل هو كفر بمجرده إلا الشرك ، ويقصدون الشرك في العبادة (الألوهية) قالوا أما البقية تحتاج إلى استحلال بالقول واستنطاق !! وحججنا عليهم والحمد لله كثيرة ، ويكفي ما سبق من أن هذه مواد كفرية حتى على مذهبكم !! ولكن سأخص أحد فروع هذه المسألة بالبحث وهي قضية العمل الكفري المجرد الذي لا يحتاج إلى استنطاق ، لأنه إذا جئنا بمثال واحد من ذلك انتهى الموضوع . فما بالك إذا كانت الأمثلة أكثر من واحد ، مع أن ناقض ترك الصلاة التي هي لوحدها تكفي لنقض تلك القاعدة ، فإذا قالوا : ترك الصلاة شرك وهو صحيح ، قلنا : ومن قال لكم أن تبديل شرع الله بالقوانين والتحاكم إليها ونقض الإسلام بمواد كفرية ليس من الشرك ؟؟ بل ما سنذكره من الصور الكفرية كلها داخلة تحت مسمى الشرك .
وهذه المسائل اخترت منها عشرة وكلها كفر فيها أهل العلم دون شرط الإستحلال مع أنها مجرد أعمال بغير جحود وهاهي سوى ترك الصلاة :
ـــ من تزوج امرأة أبيه : لما روي بسند صحيح عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: إِنِّي لَأَطُوفُ عَلَى إِبِلٍ ضَلَّتْ لِي فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنَا أَجُولُ فِي أَبْيَاتٍ، فَإِذَا أَنَا بِرَكْبٍ وَفَوَارِسَ إِذْ جَاءُوا فَطَافُوا بِفِنَائِي، فَاسْتَخْرَجُوا رَجُلًا ، فَمَا سَأَلُوهُ، وَلَا كَلَّمُوهُ ، حَتَّى ضَرَبُوا عُنُقَهُ ، فَلَمَّا ذَهَبُوا ، سَأَلْتُ عَنْهُ فَقَالُوا : عَرَّسَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ " ـــ مانع الزكاة الذي قاتل على منعها .
ـــ من فر من صف المسلمين والتحق بالعدو وقف في صفهم . ـــ إهانة المصحف ـــ قتل نبي ــــ تنجيس المسجد ـــ الإستهزاء بالدين عمليا .
ترك الحكم يصحبه عمل بغيره، ولهذا لجؤوا للديموقراطية .
وهنا سؤال مهم قد يطرحه المخالف : وهو أن الإجماع المنقول عن الصحابة أنه لا يوجد شيء من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة ، فعلى هذا يكون ترك الحكم ليس بكفر إلا إذا اقترن بالإسحلال ؟ فالجواب :
أولا : سبق ذكر الكفريات المستقلة الذي بُني عليه حكم تكفير الحاكم بالديموقراطية ، وهذه مسألة قاطعة فاصلة للنزاع ، ومع ذلك نقول لأصحاب هذه الشبهة : هذا الإجماع المنقول في حكم تارك الصلاة ، يتكلم عن التروك المجردة لا عن الأعمال الكفرية ، كما جاء في لفظ الراوي في قوله ( تركه كفر ) أما الأعمال التي تعتبر كفرا مجردا هي بالعشرات تقول بها أنت وأنا ، و لربما بالمئات كما يذكرونها في كتب النواقض العملية المطولة ، وفي كتب الفقه عند باب الردة ، وقد ذكرت هنا عشرة أمثلة منها وإلا فهي أكثر من عشرة .
ثانيا : أن صاحب الإشكال لم ينتبه أيضا أن المبدل لشرع الله جمع بين الترك والعمل ، فإن تركه هو التخلي عن الحكم بشرع الله ، وعمله هو : تشريع القوانين مضادة لشرع الله الذي تركه ، والحكم بها والتحاكم إليها ، والإلزام بها ، وعقاب من خالفها ، فضلا عن كونها نواقض مستقلة !!
ثالثا : أصلا لا يتصور في مثل هذه المسالة تركا بدون بديل من عمل كما قال تعالى مثلا ( لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ) فمن لم يتقدم بالعمل والتقوى ، فلابد يتأخر وينقص ، وليس فيه وسط يتوقف عنده في مثل هذه الأشياء ، لكن لما كانت الصلاة هي التطبيق العملي للتوحيد كان تركها يعتبر تركا للتوحيد ، ومن ترك التوحيد فهو مشرك ، بخلاف ترك الصيام والحج يكون أيضا مجردا دون بديل واستبدال . فالتوحيد ليس فيه ترك مجرد ، ولهذا سمى محمد بن عبد الوهاب كتابه ( مفيد المستفيد في حكم تارك التوحيد ) أي حكم فاعل الشرك . ولهذا قال تعالى ( أقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين ) فمن ترك الصلاة فقد ترك عبادة الله ، ولابد إذن أن يستبدل ذلك بعبادة الشيطان .
ففي الحقيقة ليس هناك ترك في التوحيد والصلاة تركا مجردا ، بخلاف الزكاة والصوم ونحوه يتصور فيهم الترك المجرد ، وبما أن التشريع والحكم داخل تحت أفراد الألوهيته والربوبيته فتركه تركا كليا لابد يؤدي مباشرة إلى استبداله بالشركيات والكفريات ، وهو ما حدث فعلا ، لما استبدلوا الشرع بالديموقراطية ، والله المستعان .
وإلى هنا انتهى المقال والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .....
كتبه أبو عبيد الجزائري .....
أغلب من يتكلم في مسألة الحكم بالقوانين الوضعية هم على قسمين
القسم الأول : يركزون في كلامهم وكتاباتهم على التأصيل والتنظير وقد يصيبون كثيرا في هذا الباب ، لكن ينسون أو يتغافلون الواقع الذي هم فيه !!
القسم الثاني : يركزون في كلامهم على الواقع ، ولا شك كثير منه حق ، ولكن يحاولون جرَّ كل النصوص والأحاديث والآثار على هذا الواقع بالتعنت !!
وهذان القسمان عندهم خلطٌ وتناقض ، ولابدّ من الجمع بين الواقع والتنظير في هذا الباب حتى لا يقع التحريف في أحدهما .
نصوص وآثار في الحاكم بغير ما أنزل الله ومواقف المتكلمين فيها :
ما ورد من الآثار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم حيث جعلوا الأصل في الحكم أنه كفر أصغر كثير ، وصحيح ولا مدفع فيه وليس بتضعيف أثر واحد منها يعني يضعف كل ما في الباب ، فهذا الملجأ ليس بعلمي ، ومواقف المتكلمين في هذا على أقسام : القسم الأول : يصحح هذه الآثار ويقول بها ويعتقدها لكن مشكلته أن ينزل هذه النصوص على المواد الكفرية التي سنذكرها ، فيما يسمى بالنظام الديموقراطي الكفري !!
القسم الثاني : يضعف كل ما ورد في الباب من الآثار !! لأنه لم يستطع أن يجمع بينها وبين واقعه ، فهو كما قيل شبه ثم عطل !! فهو أنزلها على عصره وواقعه فلما لم تتطابق معه ، عاد عليها ضربا باليمين !! أو تراه أحيانا يلجأ للتحريف والتأويل .
القسم الثالث : قالوا الآثار صحيحة لكنها مخالفة للقرآن !!! وهذا أعجب الأقوال . متى كان الصحابة يخالفون القرآن يا لكع !! ومن يقرر أنهم خالفوا القرآن ؟ أنت !!
(قلت) وهذه الفرق الثلاث لم توفق للوسطية في التعامل مع هذه الآثار ، فهي ثابتة لا شك فيها ، ولا تخالف القرآن ، ولكن لا تُنَزَّلُ على واقعٍ مغايرٍ لها ، من الإعذار في كفريات مستقلة ، وأعطيكم أمثلة في الصميم :
المثال الأول : لو أن حاكما ترك تحكيم الشريعة وأتى بكتب السحر يحكم بها على الناس ، هل كان سيشكُّ في كفره أحدٌ ؟ لا طبعا إلا مجنون !! طيب لماذا ؟ سيقال إنَّ السحر كفرٌ كيف يحكم بالكفر !! مع أنَّ السحر ناقض واحد فقط ، طيب وماذا عمن أتى بنظام الديموقراطية وهو يحتوي على عشرات النواقض الكفرية التي هي أشد السحر فكيف بمجموعها !! لماذا هذا يكفر بناقض واحد ، وذاك لا يكفر بعشرات النواقض !!
المثال الثاني : لو أن حاكما ترك تحكيم الشريعة وأتى بكتب التوراة أو الإنجيل وحكم بها اليوم ، هذا هذا يكون مسلما ؟؟ سيقولون لك : لا ، لأنهما يحتويان على الشرك بل حتى لو لم تكونا محرفتان ، فالحكم بهما كفرٌ اليوم لأنهما منسوخان ، وهذا معلوم من الدين بالضرورة ، بل من حَكَّمَ الياسق كفر إجماعا ، طيب هذا هو نفس جوابنا !!
المثال الثالث : لو أنَّ حاكما يحمي الشرك في بلده ويدعمه ، ضفْ أنه يحكم بغير ما أنزل الله ، فهذا أغلب هذه الفرق الموحدة ستقول عنه كافر ، دون اللجوء للكلام عنه في حكمه بغير ما أنزل الله ، لأنه واقع في كفر مستقل آخر وهو الشرك . فيا جماعة ، ألم تنتبهوا أنكم غفلتم عن هذا المنحنى الخطير في كلامهم عن تحكيم القوانين ؟
واقع القوانين والمواد الذي تحتويه (نظام الدموقراطية نموذجا )
قبل أن تَنظُر وتُأصِّل الباب وتحتج بالنصوص ، ألق نظرة في حقيقة النظام الديموقراطي الذي هو يعتبر كفرا مستقلا بذاته ، خارجا عن مسألة التحكيم ، فلا يخفى على كل عاقل ، ما يحتويه النظام الديموقراطي من مواد كفرية ، بالعشرات بل بالمئات ، وأبرزها :
1/ حرية الدين والإعتقاد والإلحاد .
2/ مواد للعلمانية بل هي العلمانية نفسها لمن عرف مصدرها .
3/ مواد في الحريات المطلقة ، فسب الدين مثلا لا يعد كفرا .
4/ ومواد في وحدة الأديان .
5/ مواد فصل الدين عن الدولة .
6/ مواد خاصة بحماية الشرك والقبور والأضرحة باسم التراث !! 7/ مواد في احترام الكفار ومولاتهم احترام دياناتهم .
8/ مواد بالعشرات في نقض الحدود والسنن وتعطيلها تماما .
9/ مواد في استحلال العشرات من المحرمات المجمع عليها المعلومة من الدين بالضرورة .
10/ وأول مادة في كل الدساتير تنص على أن المرجعية للشعب وحكمه .!!
11/ مواد في المساوات بين الناس خلافا للشرع ، وهي كفر واضح .
12/ بل ومواد للطعن في التوحيد وووصفه بالإرهاب !! من ذلك تجريم تكفير المشركين وتجريم الجهاد ، والولاء والبراء ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، محاربة دعاة التوحيد وبقتل أو سجن وتعذيب أو طرد ، وأقل ما يفعلونه إيقافهم عن الدعوة !! وهناك نواقض كثيرة مستقلة يحكم بها الحكام في هذا النظام !! فهي طاغوت في حد ذاته يجب الكفر به وبمن يحكم بها ، فإيّاك أن تعتقد أن هذا ما قال فيه الصحابة كفر دون كفر!!
ولا أريد أن أطيل في ذكر المواد الكفرية التي يحتويه النظام الديموقراطي والعاقل يكفيه ذكر ناقض واحد من هذه المواد ليعرف حكم الحاكم بها .
فالخلاصة أن هذا النظام من أكبر الطواغيت العصرية ، ومن أكفر الأشياء على سطح الأرض بحتوائه ما سبق ذكره من النواقض ، ولهذا قال محمد بن إبراهيم في فتاويه عن النظام الدموقراطي : "وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع ، ومكابرة لأحكامه ومشاقة لله ولرسوله ، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية إعداداً وإمداداً وإرصاداً وتأصيلاً وتفريعاً وتشكيلاً وتنويعاً وحكماً وإلزاماً ومراجع مستمدات ) [ (الفتاوى 12/284) ]
فتخيل ، هل يعقل لو أنك سألت ابن عباس عن حاكم يحكم بوحدة الأديان مثلا فقط لا أقول بجميع ما ذكرته وما تركته للإختصار ، هل كان سيقول لك ــ والعياذ بالله ــ عمن يحكم بهذا : " هذا ليس الكفر الذي تذهب إليه إنه كفر دون كفر !! بل حشاه حبر هذه الأمة أن يقول هذا !! قد تقول : أعطيني مثالا عن الحكم بغير ما أنزل الله عند السلف .
مثال أول : مثلا ما حكاه ابن قتيبة في الأشربة فقال : كَانَ ابْنُ هَرْمَةَ الشَّاعِرُ فِي شَرَفِهِ وَنَسَبِهِ وَجَوْدَةِ شِعْرِهِ يَشْرَبُ الْخَمْرَ بِالْمَدِينَةِ وَيَسْكَرُ فَلَا يَزَالُ الشُّرَطُ وَقَدْ أَخَذُوهُ وَرَفَعُوهُ إِلَى الْوَالِي فِي الْمَدِينَةِ فَحَدَّهُ فَوَفَدَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ وَقَدْ قَالَ فِيهِ الْمِدْحَةَ الَّتِي امْتَدَحَهُ بِهَا وَقَافِيَتُهَا لَامٌ فَاسْتَحْسَنَهَا وَقَالَ لَهُ : سَلْ حَاجَتَكَ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَكْتُبُ إِلَى عامل المدينة ، أن لا يَحُدَّنِي إِنْ وَجَدَنِي سَكْرَانًا فَقَالَ أبو جعفر المنصور : هَذَا حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ وَمَا كُنْتُ لِأُعَطِّلَهُ ، فَهَلْ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَهُ ؟ قَالَ لَا وَاللَّهِ يا أمير المؤمنين فاحتمل لي بحلية فَكَتَبَ الْمَنْصُورُ إِلَى عَامِلِهِ مَنْ أَتَاكَ بِابْنِ هَرْمَةَ وَهُوَ سَكْرَانُ فاجلده مائة جلدة وَاجْلِدِ ابْنَ هَرْمَةَ ثَمَانِينَ فَرَضِيَ وَمَضَى بِكِتَابِهِ فَكَانَ الْعَوْنُ إِذَا مر به صرعا قَالَ: مَنْ يَشْتَرِي ثَمَانِينَ بِمِائَةٍ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُ ) اهـــ .
(قلت) أبو جعفر المنصور على ظلمه وطغيانه يأبى أن يعطل حدًّا واحدا مباشرة ، وهذا يعطيك صورة عمن هو أفضل منه ممن قبله كيف يقع عندهم الحكم بغير ما أنزل الله .
ومثال آخر : ما قاله التابعي الجليل أبو مجلز فيما أخرج عبد بن حميد وَأَبُو الشَّيْخ عَن أبي مجلز {وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ} قَالَ : نعم قَالُوا {وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ} قَالَ: نعم قَالُوا : فَهَؤُلَاءِ يحكمون بِمَا أنزل الله ؟ قَالَ نعم هُوَ دينهم الَّذِي بِهِ يحكمون ، وَالَّذِي بِهِ يَتَكَلَّمُونَ وَإِلَيْهِ يدعونَ فإذا تركُوا مِنْهُ شَيْئا ، علمُوا أَنه جور مِنْهُم ، إِنَّمَا هَذِه الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكُونَ الَّذين لا يحكمون بِمَا أنزل الله ) اهـ
(قلت) فبين أن الترك الكلي واستبداله بغير كتاب الله لم يكن في حكام المسلمين في زمانهم ، إنما كان ذلك في أهل الكتاب والمشركين !! إنما الذي كان يقع في زمنهم مثل تعطيل لبعض الحدود لشهوة أو خوف وهم يعرفون أنه من الدين لا جاحدين به كما سبق ذكره في المثال الأول وهو يؤكده . ولهذا حكى الإجماع على تكفير من بدل الشرع غير واحد : فهذا االتكفير لمجرد التبديل ، فما بالك لو كان البديل هي هذه النواقض المستقلة !!
قال ابن تيمية كما في الفتاوى (3/267) : والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه ، أو حرم الحلال المجمع عليه ، أو بدل الشرع المجمع عليه ، كان كافرا مرتدا باتفاق الفقهاء ) اهـــ (قلت) كل جزء مما ذكره موجود في الديموقراطية كما سبق . وقال في مجموع الفتاوى (28/524) : وَمَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ وَبِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ سَوَّغَ اتِّبَاعَ غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ أَوْ اتِّبَاعَ شَرِيعَةٍ غَيْرِ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ كَافِرٌ وَهُوَ كَكُفْرِ مَنْ آمَنَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَكَفَرَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} اهــــ
وقال ابن كثير : من ترك الشرع المحكم المنزل على محمد خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام ، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر ، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه ؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين ) اهــ [البداية والنهاية (13/119)] (قلت) وكيف لو تحاكم لنظام كله مجموع نواقض كفرية مستقلة !! وقد نقل هذه الإجماعات عن بن تيمية وابن كثير الكثير ، مقرين ومحتجين بهذا الإجماع الذي على أقل أحواله أن يقال : لا يعلم له مخالف ممن يعتد به و بقوله ، ونقله أكثر النجديين مقرين له كعبد الرحمن بن حسن وعبد اللطيف وبن سحمان وحمد بن عتيق وغيرهم إلى زمن ابن براهيم والشنقيطي وأقرانهم .
لكن الخطأ الذي عند هؤلاء هو إطلاقات مغلوطة تصدر منهم كما سبق في أقسام الناس في التعامل مع الآثار ، فهم يقولون بكفر القوانين السابقة ومن يحكم بها لكن عندما يجيؤون للنصوص والآثار الواردة يسيئون تحريفها أو تضعيفها أو تنزيلها ، وأحيانا يردون على السلف في قولهم : أن الأصل في الحكم بغير ما أنزل الله هو كفر أصغر !! أو يطلقون عبارات في أن الحاكم بغير ما أنزل الله طاغوت ، هكذا بإطلاق !! وهذا وذاك لا يصح قطعا بهذا الإطلاق بل فيه تفصيل .
والسبب هو عدم توافق الواقع عندهم مع التنظير ، فحدث التناقض في أذهانهم لا في الحقيقة . ولهذا لا ينفع الحاكم بهذه المواد الكفرية الإعتراف بالخطأ ، فمن يكفر بالله ثم اعترف بأنه على خطأ هل ينفعه اعترافه إذا لم يتب منه ؟؟
ولهذا قال محمد بن براهيم في الفتاوى (6/189) : ولعلك أن تقول : لو قال من حكم القانون : أنا أعتقد أنه باطل ، فهذا لا أثر له بل هو عزل للشرع كما لو قال أحد أنا أعبد الأوثان وأعتقد أنها باطل ) اهـ
أول من نحى الشريعة وحكم القوانين والآراء :
ثم إن تنحية الشريعة ، وعدم الحكم بها ، واستبدالها بآراء الرجال لم تعرفه الأمة إلا في زمان التتر ، فهم أول من فعل ذلك فما كان من علماء ذاك العصر إلا الحكم عليهم بالكفر ، رغم كونهم يظهرون الإسلام ، ويعظمون شعائره حتى في حالهم وقالهم . ولا يظن أحد أن التتار وملكها كانوا كفار أصليين لا ينبغي الإحتجاج بهم في قضية التبديل ، فقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية (13/401) في حوادث سنة أربع وتسعين وستمائة أن ملك التتار قازان بن أرغون بن أبغا بن تولى بن جنكيز خان ، أسلم وأظهر الإسلام على يد الأمير توزون ودخلت التتار أو أكثرهم في الإسلام ، ونثر الذهب والفضة واللؤلؤ على رؤوس الناس يوم إسلامه ، وتسمى بمحمود ، وشهد الجمعة والخطبة ، وخرب كنائس كثيرة ، وضرب عليهم الجزية ، ورد مظالم كثيرة ببغداد وغيرها من البلاد وقال : وأما كتابه (الياسا) فإنه يكتب في مجلدين بخط غليظ ، ويحمل على بعير عندهم، وقد ذكر بعضهم أنه كان يصعد جبلاً ثم ينزل ثم يصعد ثم ينزل مراراً حتى يعيى ويقع مغشياً عليه ، ويأمر من عنده أن يكتب ما يلقى على لسانه حينئذ ، فإن كان هذا هكذا ، فالظاهر إن الشيطان كان ينطق على لسانه بما فيها وذكر الجويني أن بعض عبادهم كان يصعد الجبال في البرد الشديد للعبادة فسمع قائلاً يقول له : إنا قد ملكنا جنكيز خان وذريته وجه الأرض ، قال الجويني : فمشايخ المغول يصدقون بهذا ويأخذونه مسلماً ، ثم ذكر الجويني نتفاً من الياسا ، من ذلك : أنه من زنا قتل محصنا كان أو غير محصن، وكذلك من لاط قتل، ومن تعمد الكذب قتل، ومن سحر قتل، ومن تجسس قتل ، ومن دخل بين اثنين يختصمان فأعان أحدهما قتل ، ومن بال في الماء الواقف قتل ومن انغمس فيه قتل ، ومن أطعم أسيراً أو سقاه أو كساه بغير إذن أهله قتل ، ومن وجد هارباً ولم يرده قتل ، ومن أطعم أسيراً أو رمى إلى أحد شيئاً من المأكول قتل ، بل يناوله من يده إلى يده ، ومن أطعم أحداً شيئا فليأكل منه أولاً ، ولو كان المطعوم أميراً لا أسيراً ، ومن أكل ولم يطعم من عنده قتل ، ومن ذبح حيواناً ذبح مثله بل يشق جوفه ويتناول قلبه بيده يستخرجه من جوفه أولاً ، وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبدالله خاتم الأنبياء ، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر ، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا ، وقدمها عليه ؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين قال الله : ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) وقال تعالى ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) اهـ [ البداية والنهاية (13/137-139) ]
القرائن القوية على الإستحلال القلبي عند المبدل لشرع الله :
كثير من الحكام يرفض مجرد الدعوة إلى تطبيق الشريعة !! فهل يقال : إنه ممن غلبت عليه شهوته ، فرضا أنه لم يكفر بتحكيم الديموقراطية !!! وتجدهم يقننون ويلزمون ويسمون أنفسهم بالسلطة التشريعية ، فهل من يقنن ويلزم يعاقب المخالف ويجبر الناس على التحاكم إليهم وعلى قبول أحكامهم مسلم إلا إذا استحل !!؟ ومثلها ما كان يحدث في القبائل من تحكيم العادات والتقاليد وترك الشريعة كلها فكفرهم العلماء بذلك ، هل قالوا بالإستحلال حينها في مثل هذا ؟؟ . أعمال المكفرة التي لا تحتاج لاستنطاق لوضوحها كما أن بعض الأعمال إذا رأيناها حكمنا بإسلام ذلك العامل دون أن نسأله هل نطقت بالشهادة أم لا ، كمثل من رأيناه يصلي ، أو من رأيناه لابسا للإحرام ويطوف بالبيت ، فلا يشك أحد في إسلام مثل هذا الشخص ، ما لم يظهر ناقضا ، فكذلك بعض الأعمال إذا رأيناها حكمنا بكفر العامل بها دون سؤال له ليش فعلت ذلك ؟ ومن خلافاتنا الجوهرية المؤثرة والفاصلة مع من لا يكفر محكم القوانين الديموقراطية إلا بالإستحلال ، قولهم أنه لا يوجد عمل هو كفر بمجرده إلا الشرك ، ويقصدون الشرك في العبادة (الألوهية) قالوا أما البقية تحتاج إلى استحلال بالقول واستنطاق !! وحججنا عليهم والحمد لله كثيرة ، ويكفي ما سبق من أن هذه مواد كفرية حتى على مذهبكم !! ولكن سأخص أحد فروع هذه المسألة بالبحث وهي قضية العمل الكفري المجرد الذي لا يحتاج إلى استنطاق ، لأنه إذا جئنا بمثال واحد من ذلك انتهى الموضوع . فما بالك إذا كانت الأمثلة أكثر من واحد ، مع أن ناقض ترك الصلاة التي هي لوحدها تكفي لنقض تلك القاعدة ، فإذا قالوا : ترك الصلاة شرك وهو صحيح ، قلنا : ومن قال لكم أن تبديل شرع الله بالقوانين والتحاكم إليها ونقض الإسلام بمواد كفرية ليس من الشرك ؟؟ بل ما سنذكره من الصور الكفرية كلها داخلة تحت مسمى الشرك .
وهذه المسائل اخترت منها عشرة وكلها كفر فيها أهل العلم دون شرط الإستحلال مع أنها مجرد أعمال بغير جحود وهاهي سوى ترك الصلاة :
ـــ من تزوج امرأة أبيه : لما روي بسند صحيح عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: إِنِّي لَأَطُوفُ عَلَى إِبِلٍ ضَلَّتْ لِي فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنَا أَجُولُ فِي أَبْيَاتٍ، فَإِذَا أَنَا بِرَكْبٍ وَفَوَارِسَ إِذْ جَاءُوا فَطَافُوا بِفِنَائِي، فَاسْتَخْرَجُوا رَجُلًا ، فَمَا سَأَلُوهُ، وَلَا كَلَّمُوهُ ، حَتَّى ضَرَبُوا عُنُقَهُ ، فَلَمَّا ذَهَبُوا ، سَأَلْتُ عَنْهُ فَقَالُوا : عَرَّسَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ " ـــ مانع الزكاة الذي قاتل على منعها .
ـــ من فر من صف المسلمين والتحق بالعدو وقف في صفهم . ـــ إهانة المصحف ـــ قتل نبي ــــ تنجيس المسجد ـــ الإستهزاء بالدين عمليا .
ترك الحكم يصحبه عمل بغيره، ولهذا لجؤوا للديموقراطية .
وهنا سؤال مهم قد يطرحه المخالف : وهو أن الإجماع المنقول عن الصحابة أنه لا يوجد شيء من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة ، فعلى هذا يكون ترك الحكم ليس بكفر إلا إذا اقترن بالإسحلال ؟ فالجواب :
أولا : سبق ذكر الكفريات المستقلة الذي بُني عليه حكم تكفير الحاكم بالديموقراطية ، وهذه مسألة قاطعة فاصلة للنزاع ، ومع ذلك نقول لأصحاب هذه الشبهة : هذا الإجماع المنقول في حكم تارك الصلاة ، يتكلم عن التروك المجردة لا عن الأعمال الكفرية ، كما جاء في لفظ الراوي في قوله ( تركه كفر ) أما الأعمال التي تعتبر كفرا مجردا هي بالعشرات تقول بها أنت وأنا ، و لربما بالمئات كما يذكرونها في كتب النواقض العملية المطولة ، وفي كتب الفقه عند باب الردة ، وقد ذكرت هنا عشرة أمثلة منها وإلا فهي أكثر من عشرة .
ثانيا : أن صاحب الإشكال لم ينتبه أيضا أن المبدل لشرع الله جمع بين الترك والعمل ، فإن تركه هو التخلي عن الحكم بشرع الله ، وعمله هو : تشريع القوانين مضادة لشرع الله الذي تركه ، والحكم بها والتحاكم إليها ، والإلزام بها ، وعقاب من خالفها ، فضلا عن كونها نواقض مستقلة !!
ثالثا : أصلا لا يتصور في مثل هذه المسالة تركا بدون بديل من عمل كما قال تعالى مثلا ( لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ) فمن لم يتقدم بالعمل والتقوى ، فلابد يتأخر وينقص ، وليس فيه وسط يتوقف عنده في مثل هذه الأشياء ، لكن لما كانت الصلاة هي التطبيق العملي للتوحيد كان تركها يعتبر تركا للتوحيد ، ومن ترك التوحيد فهو مشرك ، بخلاف ترك الصيام والحج يكون أيضا مجردا دون بديل واستبدال . فالتوحيد ليس فيه ترك مجرد ، ولهذا سمى محمد بن عبد الوهاب كتابه ( مفيد المستفيد في حكم تارك التوحيد ) أي حكم فاعل الشرك . ولهذا قال تعالى ( أقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين ) فمن ترك الصلاة فقد ترك عبادة الله ، ولابد إذن أن يستبدل ذلك بعبادة الشيطان .
ففي الحقيقة ليس هناك ترك في التوحيد والصلاة تركا مجردا ، بخلاف الزكاة والصوم ونحوه يتصور فيهم الترك المجرد ، وبما أن التشريع والحكم داخل تحت أفراد الألوهيته والربوبيته فتركه تركا كليا لابد يؤدي مباشرة إلى استبداله بالشركيات والكفريات ، وهو ما حدث فعلا ، لما استبدلوا الشرع بالديموقراطية ، والله المستعان .
وإلى هنا انتهى المقال والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .....
كتبه أبو عبيد الجزائري .....
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق