إسبال الغترة بتخريج الأحاديث والآثار الواردة في أهل الفترة
بسم الله الرحمن الرحيم .........
هذا جزء حديثي مفرد جمعت فيه الأحاديث والآثار الواردة في أهل الفترة مع تخريجها وبيان حكمها وقد قسمتها لفصلين : فصل خاص بتخريج المرفوعات وبيان عللها ، وفصل خاص ببيان الموقوفات والآثار التي وردت في أهل الفترة ، وأسميته ( إسبال الغترة بتخريج الأحاديث والآثار في أهل الفترة ) .
فصل : في تخريج الروايات المرفوعة في الباب :
أما المرفوعات فهي مروية عن جملة من الصحابة ، فروي ذلك عن : أبي هريرة وأنس بن مالك ومعاذ بن جبل والأسود بن سريع وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم وله طرق وروايات وألفاظ مغايرة لبعضها ، وإليك تخريج أحاديثهم :
أما رواية الأسود بن سريع :
رواه الإمام أحمد في مسنده برقم (16256) وإسحاق بن راهويه في مسنده (رقم 41) وابن حبان (برقم 7357 ) ومن طريقهما أبو نعيم في كتابيه معرفة الصحابة برقم (852) وأخبار أصبهان رقم (1451) والطبراني في المعجم الكبير برقم (481) ورواه البيهقي في الاعتقاد برقم (120) والقضاء والقدر رقم (581) وهذا لفظ أحمد قال حدثني علي بن عبد الله ثنا معاذ بن هشام صاحب الدستوائي حدثني أبي عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أربعة يحتجون يوم القيامة رجل أصم ورجل هرم ورجل أحمق ورجل مات في الفترة فأما الأصم فيقول رب لقد جاء الإسلام ولم أسمع شيئا وأما الأحمق فيقول رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر وأما الهرم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أعقل وأما الذي مات في الفترة فيقول رب ما أتاني لك رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم رسولا أن ادخلوا النار ،قال فوالذي نفسي بيده لو دخلوها كانت عليهم بردا وسلاما ."
(قلت) أما حديث الأسود بن سريع ففيه علل ونكارة : العلة الأولى أن معاذ بن هشام الدستوائي تكلموا في حفظه وفي مروياته عن أبيه وهو لا يحتمل التفرد بهذا الحديث ، وأيضا اضطرب في حديثه جدا :
ففي سؤالات أبي عبيد الآجري (رقم 364)": قلت لأبي داود معاذ بن هشام عندك حجة قال أكره أن أقول شيئا ، كان يحيى لا يرضاه .قال أبو عبيد لا أدري من يحيى ، يحيى بن معين أو يحيى القطان وأظنه يحيى القطان ".
(قلت) يحيى بن معين هو من تكلم فيه فقد جاء في تاريخ ابن معين (4284) سمعت يحيى يقول: معاذ بن هشام صدوق ليس بحجة ."
وقال ابن محرز في سؤالاته برقم (587) :" سمعت يحيى بن معين وقيل له : أيما أحب إليك في قتادة : سعيد-ابن أبي عروبة- أو هشام-الدستوائي- ؟ قال : سعيد ثقة ثبت وهشام ثقة وأما ابنه معاذ بن هشام فلم يكن بالثقة ، إنما رغب فيه أصحاب الحديث للإسناد ، وليس عند الثقات الذين حدثوا عن هشام هذه الأحاديث ، وزعموا أن أحاديث هشام عشرة آلاف ) اهـ
وفي العلل ومعرفة الرجال رقم (2328) قال عبد الله بن الإمام أحمد قال أبي فقيل لعبد الرحمن بن مهدي إن معاذ بن هشام يقول: في كتاب أبي عن قتادة مرسلا فقال عبد الرحمن : هشام إذاً كان لا يحفظ الحديث مرتين ) اهــــ
(قلت) وقد اكتشف أهل الحديث من معاذ نفسه أن أحاديثه عن والده بعضها سمعها منه وبعضها لم يسمعها من أبيه :
فعن علي بن المديني قال : سمعت معاذ بن هشام بمكة ، وقيل له ما عندك ؟ قال عندي عشرة آلاف فأنكرنا عليه وسخرنا منه فلما جئنا إلى البصرة أخرج إلينا من الكتب نحوا مما قال ــــ يعني عن أبيه
ـــ فقال هذا سمعته وهذا لم أسمعه فجعل يميزها ".
وقال ابن عدي : ولمعاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة حديث كثير ، وله عن غير أبيه أحاديث صالحة ، و هو يغلط في الشيء بعد الشيء وأرجوا أنه صدوق" [ انظر ترجمته من تهذيب الكمال للمزي (28/142) ]
العلة الثانية : يخشى من تدليس قتادة فهو من الطبقة الثالثة من المدلسين الذين لا يقبل منهم حديث إلا ما صرحوا فيه بالتحديث قال فيه أبو زرعة : يدلس كثيرا ، وقال أبو داود عنه : شديد التدليس" وهو هنا قد عنعن في حديثه هذا ويخشى أنه دلس بل قد دلس قطعا ، ومما يدلك على أنه قد دلس هو:
العلة الثالثة : الانقطاع بين قتادة والأحنف بن قيس لأن قتادة لم يلق الأحنف :
في كتاب المراسيل لابن أبي حاتم برقم (619) قال :" أخبرنا حرب بن إسماعيل فيما كتب إلي قال : قال أحمد بن حنبل : ما أعلم قتادة روى عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا عن أنس رضي الله عنه قيل : فابن سرجس ؟ فكأنه لم يره سماعا ) اهـ
وقال ابن أبي حاتم برقم (640) سمعت أبي يقول قتادة عن أبي هُرَيرة مرسل وقتادة عن عائشة مرسل ولم يلق قتادة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنسا وعبد الله بن سرجس ."
(قلت) وهذه علة ظاهرة في كل أحاديث قتادة عن الصحابة ، والأحنف بن قيس هذا قديم فإنه وإن لم تثبت صحبته إلا أنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره ، بل هو أسن من كثير من الصحابة الذين لقيهم قتادة مثل أنس وعبد الله بن سرجس ، فقد سمع به الرسول صلى الله عليه وسلم فدعى له فقال : " اللهم اغفر للأحنف" فكان الأحنف يقول : فما شيء من عملي أرجى عندي من ذلك . يعني : دعوة النبي صلى الله عليه و سلم".
وقد تنبه لهذه العلة الضياء المقدسي فقال في المختارة (1456) بعد ذكره لهذا الإسناد : آخر إسناده منقطع" .
وتنبه لها أيضا ذاك الذهبي فقال في تذكرته (3/199) عند ذكر حديث الأسود بن سريع هذا فقال :"هذا غريب منقطع. وجاء عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود، ولكن قتادة لم يلق الأحنف ولا سمع منه ) اهـ
فهذه ثلاث علل في حديث الأسود بن سريع وهو كما يقال أصح شيء في الباب على ضعفه !! .
وأما رواية أبي هريرة لها عنه طرق :
الأولى : رواها أحمد وإسحاق في مسنديهما مباشرة بعد رواية الطريق الأول": عن مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَ هَذَا ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ :" فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا يُسْحَبُ إِلَيْهَا" . (قلت) ضعيف ، معاذ بن هشام لا يحتمل التفرد به وقد اضطرب فيه جدا .
الثانية : رواها أسد بن موسى في الزهد (97) وابن أبي عاصم في السنة (323) وابن راهويه في مسنده (514) حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أربعة كلهم يدلي بحجة وعذر يوم القيامة : الشيخ الذي أدرك الإسلام هرما ، والأصم الأبكم ، والمعتوه ، ورجل مات في الفترة . فيقول الله عز وجل : إني مرسل إليكم رسولا فأطيعوه ، فيأتيهم الرسول فيؤجج لهم نارا ليقتحموها فمن اقتحمها كانت عليه بردا وسلاما ، ومن لم يقتحمها حقت عليه كلمة العذاب » وزاد أسد بن موسى في السند رجلا فقال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن أبي هريرة ، مثله .
(قلت) ولها علل :
الأولى : فيه حماد بن سلمة وهو صدوق له أوهام ، اجتنب البخاري روايته في صحيحه ، وما خرج مسلم له في الأصول إلا من حديثه عن ثابت. وقد تغير بأخرة . ( انظر كتاب من تكلم
فيه وهو موثق رقم 91) فروايته لهذا الحديث وهو من الأصول دون متابع قد لا يحتمل
الثانية : وهي أشد ففي هذا الإسناد علي بن زيد وهو ابن جدعان منكر الحديث عند أهل الصنعة ومن نظر في ترجمته علمذلك ( انظر الجرح والتعديل رقم 1020).
أما رواية أنس رضي الله عنه
فقد رواها البزار في مسنده برقم (7594) و أبو يعلى في مسنده برقم (4224) والبيهقي في كتابيه الاعتقاد رقم (121) و القضاء والقدر برقم (581) كلهم من طريق جرير بن عبد الحميد عن ليث عن عبد الوارث عن أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يؤتى بأربعة يوم القيامة بالمولود وبالمعتوه وبمن مات في الفترة والشيخ الفاني كلهم يتكلم بحجته فيقول الرب تبارك وتعالى لعنق من النار ابرز فيقول لهم إني كنت أبعث إلى عبادي رسلا من أنفسهم وإني رسول نفسي إليكم ادخلوا هذه فيقول من كتب عليه الشقاء يا رب أين ندخلها ومنها كنا نفر قال ومن كتبت عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعا قال فيقول تبارك وتعالى أنتم لرسلي أشد تكذيبا ومعصية فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار".
(قلت) ضعيف بالمرة ، ولها علتان هما :
العلة الأولى : من طريق ليث بن أبي سليم فحاله سيء جدا قد ضعفه غير واحد ، وكان يحيى بن سعيد أشدهم عليه وكان لا يحدث عنه ولا يراجع فيه أبدا ، وضعفه ابن عيينة ووكيع وعيسى بن يونس وابن معين وأحمد وقال البخاري : مضطرب الحديث " وقال أبو حاتم وأبو زرعة : ليث لا يشتغل به . [ أنظر تهذيب التهذيب (3/ 474) ]
العلة الثانية : عبد الوارث الراوي عن أنس : قال البخاري عنه : رجل مجهول " وقال البرذعي : قلت لأبي زرعة : عبد الوارث الذي يروي عن أنس من روى عنه ؟ قال : ليث ويحي الجابر وجابر الجعفي وسلمة بن سابور وأبو هاشم وهو منكر الحديث .
وقال الدارقطني : ضعيف ." (أنظر سؤالات البرذعي (ص381) وعلل الترمذي (ورقة 24) وسنن الدارقطني (2/211).
أما رواية معاذ بن جبل
فقد رواها أبو نعيم في الحلية (9) و الطبراني في المعجم الكبير(رقم 158) والأوسط رقم (ص278) برقم ( 7955و158 ) وفي مسند الشاميين رقم (2205) قال :حدثنا موسى ثنا محمد بن المبارك ثنا عمرو بن واقد ثنا يونس عن أبي إدريس عن معاذ بن جبل عن نبي الله صلى الله عليه و سلم قال يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلا وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيرا فيقول الممسوخ عقلا يا رب لو آتيتني عقلا ما كان من آتيته عقلا بأسعد بعقله مني ويقول الهالك في الفترة يا رب لو أتاني منك عهد ما كان من آتاه منك عهد بأسعد بعهده مني ويقول الهالك صغيرا لو آتيتني عمرا ما كان من آتيته عمرا بأسعد بعمره مني فيقول الرب تبارك وتعالى إني آمركم بأمر فتطيعوني فيقولون نعم وعزتك فيقول اذهبوا فادخلوا النار ولو دخلوها ما ضرتهم قال فتخرج عليهم قوابص يظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء فيرجعون سراعا قال يقولون خرجنا يا رب وعزتك نريد دخولها فخرجت علينا قوابص ظننا أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء فيأمرهم الثانية فيرجعون كذلك يقولون مثل قولهم فيقول الله تبارك وتعالى قبل أن تخلقوا علمت ما أنتم عاملون وعلى علمي خلقتكم وإلى علمي تصيرون فتأخذهم النار".
(قلت) رواية معاذ بن جبل هذه :فهي لا شيء ولها علة شديدة :
قال عنها الطبراني : لا يروى عن معاذ إلا بهذا الإسناد" اهـــ
وقال أبو نعيم :لا يعرف هذا الحديث مسندا متصلا عن النبي صلى الله عليه و سلم من حديث أبي إدريس عن معاذ إلا من حديث يونس بن ميسرة تفرد به عنه عمرو بن واقد".
(قلت) هذه الرواية من طريق عمرو بن واقد وهو متروك منكر الحديث عند البخاري والدارقطني وغيره بل اتهم بالكذب.
ولهذا قال في العلل المتناهية عند حديث رقم (1540) : هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي إسناده عمرو ابن واقد قال ابن مسهر ليس بشيء وقال الدارقطني متروك وقال ابن حبان يروي المناكير عن المشاهير فاستحق الترك ) اهــ
أما رواية أبو سعيد الخدري :
فرواها ابن الجعد في مسنده ( برقم 2038 ) واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد برقم (854) كلاهما من طريق أحمد بن منصور أخبرنا الحسن الأشيب ومحمد بن جعفر واللفظ للأشيب عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الهالك في الفترة والمعتوه والمولود قال يقول الهالك في الفترة لم يأتني كتاب ولا رسول ثم تلا هذه الآيات ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله الآية ويقول المعتوه لم يجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا ويقول المولود رب لم أدرك الحلم قال فترفع لهم نار فيقال لها ردوها أو أدخلوها قال فيردها أو يدخلها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل قال ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا لو أدرك العمل قال فيقول إياي عصيتم فكيف برسلي وبالغيب أتتكم قال محمد بن جعفر إياي عصيتم فكيف لو أتتكم رسلي ."
أما رواية أبي سعيد الخدري : فهي منكرة وعللها هي :
العلة الأولى : في إسنادها عطية وهو العوفي تركه يحي بن معين ، وقال أبو داود : لا يعتمد عليه " وضعفه أحمد وهشيم وأبو حاتم والنسائي والدارقطني وقال مرة : مضطرب الحديث " . وقال ابن حبان : لا يحل الاحتجاج به ولا كتابة حديثه إلا على وجه التعجب " اهـ
وكان شيعيا يدلس تدليس الشيوخ خاصة عن الكلبي الذي كان يسميه أبا سعيد وفي هذا الحديث قال : عن أبي سعيد فيخشى أن يكون هو الكلبي المتهم بالكذب .(انظر التاريخ الكبير للبخاري (5/360) وسؤالات الآجري (3/105) وعلل أبي حاتم (1095) وضعفاء النسائي (505) وضعفاء الدارقطني (4/39) والمجروحين لابن حبان (2/176) وتهذيب الكمال للمزي (20/148) ).
العلة الثانية : في إسناده أيضا فضيل بن مرزوق وهو الرؤاسي الراوي عن عطية العوفي وثقه البعض ، ولكن قال يحيى ضعيف وقال مرة ثقة. وقال ابن أبي حاتم :"سألت أبى عن فضيل بن مرزوق فقال هو صدوق صالح الحديث يهم كثيرا يكتب حديثه ، قلت يحتج به ؟ قال لا. قال الحاكم : عيب على مسلم إخراجه في صحيحه" اهـ
وقال ابن حبان : "منكر الحديث جدا ، كان ممن يخطئ على الثقات ويروى عن عطية الموضوعات وعن الثقات الأشياء المستقيمة فاشتبه أمره، والذي عندي أن كل ما روى عن عطية من المناكير يلزق ذلك كله بعطية ويبرأ فضيل منها، وفيما وافق الثقات من الروايات عن الأثبات يكون محتجا به وفيما انفرد على الثقات ما لم يتابع عليه يتنكب عنها في الاحتجاج بها على حسب ما ذكرنا من هذا الجنس في كتاب شرائط الاخبار وأرجو أن فيما ذكرت فيه ما يستدل به على ما رواه إن شاء الله ) اهــــ ( أنظر ترجمته من : الجرح والتعديل (7/423) والمجروحين لابن حبان (2/209) وتهذيب الكمال (23 307) والميزان (3/6772) )
الخلاصة :
أنه لا يصح من المرفوع شيئا من الأسانيد في الباب ، و وإنما الإعتماد على أثر أبي هريرة وآثار التابعين الواردة بأسانيد صحيحة وهي التي ستأتي في الفصل الآتي ، وهي تشير على أن أحد هذه المرفوعات له مخرج وأصل صحيح لأنه محال أن يقال برأي والإجتهاد والله أعلم .
فصل في ما روي من الآثار عن الصحابة والتابعين في الفترة :
أثر أبي هريرة رضي الله عنه :
وهو العمدة في هذه المسألة الكبيرة ، وله عن أبي هريرة عدة أسانيد أغلبها من طريق معمر ولكن اختلفوا على معمر على ثلاث طرق فتارة يروونه عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن أبي هريرة ، وتارة يروونه عنه عن همام بن منبه عن أبي هريرة ، مرة اخرى يروونه عنه عن قتادة عن أبي هريرة ، وله طريق آخر تماما برويه حماد وسيأتي وإليك سرد أسانيده :
الإسناد الأول : ما رواه عَبْدُ الرَّزَّاقِ (1541) عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللَّهُ أَهْلَ الْفَتْرَةِ وَالْمَعْتُوهَ , وَالْأَصَمَّ , وَالْأَبْكَمَ , وَالشِّيُوخَ الَّذِينَ لَمْ يُدْرِكُوا الْإِسْلَامَ , ثُمَّ يُرْسِلُ رَسُولًا إِلَيْهِمْ أَنْ يَدْخُلُوا النَّارَ» قَالَ : فَيَقُولُونَ: كَيْفَ وَلَمْ يَأْتِنَا رَسُولٌ ؟ قَالَ : « وَايْمِ اللَّهِ لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا , ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَيْهِمْ فَيُطِيعُهُ مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُطِيعَهُ» قَالَ: ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : " فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] [ وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم وستأتي رواية ابن أبي حاتم التي ذكرها بلا سند في تفسيره (13213) لكن رواية بن المنذر لم أقف عليها في المطبوع ]
(قلت) وهذا سند صحيح وهو أصح شيء في الباب ، غير أن عبد الرزاق كأنه خولف ، خالفه في إسناده محمد بن ثور فرواه عن معمر بسند آخر ، كما رواه الطبري في تفسيره (17/402) حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة عن أبي هريرة فذكره .. وهذا إسناد منقطع معلول كما سيأتي ، لكن هذا لا يعتبر علة في سند عبد الرزاق بمخالفه ابن ثور ، لأن عبد الرزاق أحفظ الرواة عن معمر كما ذكر أبو زرعة في الضعفاء (432) وقاله ابن معين أيضا كما في الجرح والتعديل (6/37) ولعل لمعمر في هذا الأثر إسنادين عن أبي هريرة فتارة يحدث بهذا وتارة بهذا ؟؟
الإسناد الثاني : وفيه مخالفة ابن ثور المذكورة آنفا رواها الطبري في تفسيره (17/402) حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة عن أبي هريرة قال : إذا كان يوم القيامة جمع الله تبارك وتعالى نسم الذين ماتوا في الفترة والمعتوه والأصمّ والأبكم والشيوخ الذين جاء الإسلام وقد خرفوا ، ثم أرسل رسولا أن ادخلوا النار فيقولون: كيف ولم يأتنا رسول ، وأيم الله لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما ، ثم يرسل إليهم ، فيطيعه من كان يريد أن يطيعه قبل قال أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ) .
(قلت) سنده ضعيف لأجل أن قتادة عن أبي هريرة مرسل ، فقد قال أحمد أنه لم يسمع من أحد من الصحابة إلا أنس وقال قتادة عن أبي هريرة مرسل ، ذكره ابن أبي حاتم في المراسيل (619)
الإسناد الثالث : قال الطبري : وحدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثنا أبو سفيان عن معمر عن همام عن أبي هريرة نحوه .
(قلت) سنده ضعيف جدا ، والمعمري على هذا يكون خالف عبد الرزاق في الإسناد وهذه هي صحيفة همام بن منبه الشهيرة وهي صحيفة ثابتة لكن المشكل في هذا الأثر أنه لم يصح السند إليها : فالقاسم هو بن الحسن شيخ الطبري لم أجد له أنا ترجمة ولا أحمد شاكر في تحقيق المسند ولا صاحب معجم شيوخ الطبري فهو مجهول ، ولم يذكر في الرواة عن الحسين بن داود !!
ويحتمل أن القاسم هذا هو ابن الحسن الذي في تاريخ بغداد (12/ 432- 433) عند ترجمة القاسم بن الحسن بن يزيد ، أبو محمد الهمذاني الصائغ المتوفي سنة 272. فهذا يحتمل أن يكون هو المراد ، دون جزم لأنه لم يذكر في من سمع عن الحسين بن داود لكن احتمال أن يكون هو طارئ جدا ، فهناك طبقة من المؤلفين يكثرون الرواية عن هذا الاسم وكلهم متوفون في سنوات متقاربة كأبي الحسن الغساني في أخباره وأبو سعيد الشاشي في مسنده والخرائطي في كتبه ويلقبون القاسم هذا بأبي محمد الصائغ وله ترجمة في تاريخ بغداد (12/324) فإن كان هذا هو فثقة وإن كان آخر فالله أعلم بحاله .. أما الحسين هو الحسين بن داود الملقب بسنيد ضعفه النسائي وأبو حاتم وأبو داود والساجي وغمزه أحمد .
العلة الثالثة : أبو سفيان هذا هو محمد بن حميد اليشكري وإن كان صدوقا فقد ذكره العقيلي في الضعفاء وقال في حديثه نظر." اهــــ (قلت) وقد خالف المعمري هذا عبد الرزاق في السند لكن لا يعتبر بمخالفته لأن الراوي سنيد عن المعمري ضعيف ، وأيضا عبد الرزاق أوثق منه في معمر ، قال ابن الجنيد في سؤالاته : (312) سألت يحيى بن معين عن أبي سفيان المعمري محمد بن حميد وتفسيره عن معمر فقال: «كان ثقة قال لي: عرضنا بعضها على معمر ، وبعضها كان يحدثنا والكتاب في البيت ، ثم يجيء ويوقع عليه قال: ولو قلت : إني قد سمعته كله ، قلت ليحيى بن معين : فأيما أحب إليك : عبد الرزاق أو هو ؟ قال : عبد الرزاق أحب إليَّ ." وَقَال أبو بكر الأثرم عَن أحمد بن حنبل: حديث عبد الرزاق ، عن معمر أحب إلي من حديث هؤلاء البَصْرِيّين كان يعني معمرا - يتعاهد كتبه وينظر فيها يعني : باليمن وكان يحدثهم حفظا بالبصرة .[ تهذيب الكمال (18/57) ]
الإسناد الرابع : وروى يحي بن سلام في تفسيره (2/658) : عن حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : ثَلاثَةٌ يَحْتَجُّونَ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَرَجُلٌ أَدْرَكَ الإِسْلامَ هَرِمًا وَمَعْتُوهٌ أَصَمُّ أَبْكَمُ .
(قلت) وهذا سند فيه بعض الضعف .
الأولى : أن حماد بن سلمة لم يسمع من حماد بن أبي سليمان قال يحي بن معين في تاريخه رواية الدوري (4159) أنه مرسل ، الثانية : حماد بن أبي سليمان وإن وثق فهو متكلم في حفظه بعض الشيء .
الثالثة : حماد عن أبي هريرة منقطع ، فإنه لم يذكروا له سماعا عن الصحابة إلا من أنس ، لكن قد عرفت الواسطة بينهما بعد ذلك فوجدت في كتاب الزهد لأسد بن موسى برقم (97) فذكر إبراهيم النخعي بينهما فزالت العلة بهذا .
الحكم العام على أثر أبي هريرة :
تبين من مجموع الأسانيد أن الأثر له مخرج وأصل صحيح عن أبي هريرة فقد تعددت مخارجه وطرقه وإن كان في بعضها شيء من الضعف ، فبعضها سنده صحيح ، ويؤكد أن مخرجه صحيح عن أبي هريرة أيضا ، أنه روي مرفوعا من حديثه بطرق شتى ، وأيضا بعض أصحاب أبي هريرة يقول بمحتوى الأثر كأبي صالح باذان ، ويتبن أيضا أن هذا الكلام لا يقال من قبل الرأي والإجتهاد قطعا فيتقضي الحكم برفعه والحال هذه .
أثر الحسن البصري رحمه الله :
رواه يحي بن سلام في تفسيره (2/658) : وَحَدَّثَنِي قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : أَرْبَعَةٌ يُرَجُّونَ الْعُذْرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : مَنْ مَاتَ قَبْلَ الإِسْلامِ ، وَمَنْ أَدْرَكَهُ الإِسْلامُ وَهُوَ هَرِمٌ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ، وَمَنْ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ لا يَسْمَعُ الصَّوْتَ ، وَالَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ، فَكُلُّ هَؤُلاءِ يُرَجُّونَ الْعُذْرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ : فَيُرْسِلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَيْهِمْ رَسُولا ، فَيُوقِدُ نَارًا فَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يَقَعُوا فِيهَا فَمِنْ بَيْنِ وَاقِعٍ وَمِنْ بَيْنِ هَارِبٍ. (قلت) وهذا سند صحيح لا غبار عليه .
أثر أبي صالح باذان التابعي رحمه الله :
روى ابن أبي شيبة في المصنف (35366) إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سِنَانٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: يُحَاسِبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمِ الرُّسُلَ فَيُدْخِلُ الْجَنَّةَ مَنْ أَطَاعَهُ وَيُدْخِلُ النَّارَ مَنْ عَصَاهُ : وَيَبْقَى قَوْمٌ مِنَ الْوِلْدَانِ وَالَّذِينَ هَلَكُوا فِي الْفَتْرَةِ وَمَنْ غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ , فَيَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُمْ : قَدْ رَأَيْتُمْ إِنَّمَا أَدْخَلْتُ الْجَنَّةَ مَنْ أَطَاعَنِي وَأَدْخَلْتُ النَّارَ مَنْ عَصَانِي , وَإِنِّي آمُرُكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا هَذِهِ النَّارَ , فَيَخْرُجُ لَهُمْ عُنُقٌ مِنْهَا , فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ نَجَاتَهُ , وَمَنْ نَكَصَ فَلَمْ يَدْخُلْهَا كَانَتْ هَلَكَتَهُ .
(قلت) رجاله ثقات غير أبي سنان فيه ضعف لكن لعله يحتمل منه هذا الأثر الموقوف لأنه ضعفه يسير ، وهذا ليس حديث مرفوع فيتشدد في إسناده ، لكن من الغرابة في متنه أنه ذكر الولدان !! .
أثر مسلم بن يسار رحمه الله :
روى ابن المبارك في الزهد (1322) أَخْبَرَكُمْ أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيَوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: " ذُكِرَ لِي أَنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَبْدٌ كَانَ فِي الدُّنْيَا أَصَمَّ أَبْكَمَ ، وُلِدَ كَذَلِكَ ، لَمْ يَسْمَعْ شَيْئًا قَطُّ ، وَلَمْ يُبْصِرْ شَيْئًا قَطُّ ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ قَطُّ ، فَيَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : مَا عَمِلْتَ فِيمَا وُلِّيتَ ، وَفِيمَا أُمِرْتَ بِهِ ؟ فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ، وَاللَّهِ مَا جَعَلْتَ لِي بَصَرًا أُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ فَأَقْتَدِيَ بِهِمْ ، وَمَا جَعَلْتَ لِي سَمْعًا فَأَسْمَعَ بِهِ مَا أَمَرْتَ بِهِ، وَنَهَيْتَ عَنْهُ ، وَمَا جَعَلْتَ لِي لِسَانًا فَأَتَكَلَّمَ بِخَيْرٍ أَوْ بِشَرٍّ، وَمَا كُنْتُ إِلَّا كَالْخَشَبَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَتُطِيعُنِي الْآنَ فِيمَا آمُرُكَ بِهِ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَعْ فِي النَّارِ، فَيَأْبَى، فَيُدْفَعُ فِيهَا "
(قلت) سند صحيح ورجاله كلهم ثقات ...
أثر أبي قلابة الجرمي رحمه الله :
روى ابن المبارك في الزهد (1323) أَخْبَرَكُمْ أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيَوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ : يُؤْتَى بِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُونَ أَوْثَانَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ : مَاذَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا ، وَاللَّهِ مَا أَتَانَا لَكَ رَسُولٌ وَأَمَرَ، وَاللَّهِ لَوْ أَتَانَا لَكَ رَسُولٌ وَأَمَرَ كُنَّا أَطْوَعَ خَلْقِكَ لَكَ قَالَ : فَيَقُولُ اللَّهُ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرِي أَتُطِيعُونِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ ، فَيَأْخُذُ عُهُودَهُمْ، وَمَوَاثِيقَهُمْ ثُمَّ يَقُولُ: انْطَلِقُوا فَادْخُلُوا النَّارَ، فَيَنْطَلِقُونَ ، فَإِذَا رَأَوْهَا سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا، فَيَهَابُونَهَا، فَيَرْجِعُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا ، فَرِقْنَا ، قَالَ: فَيَقُولُ: انْطَلِقُوا فَادْخُلُوهَا، فَيَفْعَلُونَ مِثْلَ مَا فَعَلُوا، فَإِذَا كَانَتِ الثَّالِثَةُ قَالَ: ادْخُلُوهَا دَاخِرِينَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ دَخَلُوهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ كَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا »
(قلت) سنده صحيح إلى أبي قلابة .
فصل في ما دلت عليه الآثار من المعاني والقول الأقرب في الفترة
توجيه هذه الآثار الواردة في الفترة ، من الصعوبة بمكان ، بسبب ندرة كلام السلف عليها إنما اكتفوا بالرواية لها دون التكلف في تفسيرها ، ولم يصلنا من كلامهم إلا الشيء النادر مثل كلام يحي بن سلام الآتي ذكره ، وهذا ما يدلك على أن الغيبيات نؤمن بها ونكل علمها إلى الله ، وهذا أريح للعقل ، وأسلم للدين ، ولكن عندنا وقفات مهمة هي :
الوقفة الأولى : هي أنا نعتقد قطعا أن أهل الشرك في الدنيا كفار مشركون غير معذورين لا بالجهل ولا بأي شيء ، يعاملون حسب ما يقتضيه الإسلام في أحكامهم ، وأن المشركين يوم القيامة في النار خالدين فيها ، ونشهد لهم بالنار بعد مماتهم على الشرك كما شهد الصحابة بالنار على أموات أهل الردة .
الوقفة الثانية : أن هذه الطبقة النادرة من أهل الفترة الذين لم يسمع أحدهم أي شيئا من أمر الإسلام والنبوة ، هم أندر من الكبريت الأحمر ، بحيث يستثنى مثلا أهل الجاهلية أن يكونوا من أهل الفترة كما قال أبو قلابة ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنهم من أهل النار في غير ما مناسبة ، فعلى هذا يكون أهل الفترة ليس معناه من فتور الوحي فقط فليس انقطاع الوحي عذرا لأحد ، ولكن أهل الفترة شيء يتعلق بالتكليف كالسماع والعقل ، والبلوغ وهي تشبه وضع الثلاثة المذكورة في حديث (رفع القلم عن ثلاث) فإنه لا يتصور أهل الفترة الذين ما وصلهم أي شيء إلا في أطراف الأرض وأقطابها المنقطعين وهم قلة جدا بهذا المعنى لا كما تتصور المرجئة أنهم ملئوا السهل والجبل !! قلنا هذا طبعا إذا صح وجود أهل الفترة افتراضا .
الوقفة الثالثة : ونعتقد أنه لا يجوز تعيين أي بشر ـــ حي كان أو ميت ، دان الشرك والكفر ــــ بأنه من أهل الفترة ، فإن هذا مما لا يمكن علمه ، إلا في المجنون الذي جن قبل البلوغ أو من ولد كذلك أو الولدان إن صح الأثر بدخولهم الإمتحان أيضا فهؤلاء لا إشكال فيهم ، ولهم في الدنيا حكم التبعية كما قاله السلف ، أما غيرهم نحكم على بالكفر ونجريه عليهم في الدنيا ، وإذا ماتوا شهدنا عليهم بالنار على الظاهر .
الوقفة الرابعة : أنه في هذا الإمتحان قد لا ينجو منه حتى المجنون والأصم الأبكم كما في أثر مسلم بن يسار ، وهذا القول يؤكد أن حقيقة هذا الإمتحان مرتبط بالشقاوة والسعادة والميثاق الأول بأنه احتمال قوي وتوجيه معتبر ، فإنه إذا كان أطفال المشركين جاء فيهم حديث ( الله أعلم بما كانوا عاملين ) فغيرهم أولى وأولى .
الوقفة الخامسة : فأما أن نقول متى ينجو الواحد منهم ؟؟ فالله أعلم بحقيقة ذلك جزما ، فمعنا والحال هذه أقوال واحتمالات مأثورة :
1 ـــ : وهو قول يحي بن سلام وهو أقدم توجيه وصلنا ولهذا فهو معتبر جدا ، حيث قَالَ يَحْيَى بن سلام معلقا على أثر الحسن السابق وكلامه قال : نَرَى أَنَّ الَّذِي يَنْجُو مِنَ النَّارِ: مَنْ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ لا يَسْمَعُ الصَّوْتَ ، وَالَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ، وَالاثْنَانِ الآخَرَانِ لَيْسَ لَهُمَا عُذْرٌ : الَّذِي مَاتَ قَبْلَ الإِسْلامِ ، وَمَنْ أَدْرَكَهُ الإِسْلامُ وَهُوَ هَرِمٌ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ {69} فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ {70} [الصافات: 69-70] .
(قلت) مُعَلقا ، هذا توجيه ممتاز ، ويشهد له أثر أبي قلابة الأخير ، رغم أن أثر مسلم بن يسار السابق كأنه يعكر عليه نوعا ما ، حيث ذكر فيه أن الله تعالى امتحن الأصم الأبكم الأعمى فلم ينج وألقي في النار ، ومع ذلك يبقى توجيه يحيا أقرب قول للصواب .
2 ــ : وهو أن يقال إنا نكل علم ذلك إلى الله ، ولا نقول شيئا في الناجي والهالك ، ونربط الحكم بالشقاوة والسعادة التي سبقت بها الأقدار ، وهذا أيضا قول محتمل ، ويدل عليه سكوت أغلب السلف عن تفسير الأثار وتوجيهها وشرحها إنما فقط اكتفوا بالرواية .
والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق