.... حَجْرُ الكَلَامِ بِمَا لَيْسَ لَكَ فِيهِ عَنْ السَلَفِ إِمَامُ ....
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :
هذا فصل اقتطعته من كتاب كبير لم أتمه بعد باسم ( الإحتجاج بالأثر بين المتقدمين والمتأخرين ) يسر الله إتمامه ولما رأيته فصلا في غاية الخطورة والأهمية ، وأن التنبيه عليه أمر لا يحتمل التأخير ، رأيت أن أعجل بنشر هذا الفصل ، وأرجئ بقية الكتاب إلى تمامه ، وذاك يطول لكثرة مباحثه فهذا فصل مهم يتعلق بقول الإمام أحمد ( إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام ) فأقول كمقدمة لهذا الفصل : كل من تكلم في شيء من الدين وليس له فيما قال إمام من السلف فكلامه مردود ، كائنا من كان ومهما كان علمه وفضله ، كما قال مالك : ( ليس كل من قال قولا يتبع عليه وإن كان له فضل ) وقد نص السلف أنه لا يجوز لأي مسلم أن يتدين بما ليس له سلف فيه ، سواء كان كلامه في إثبات شيء لم يقله السلف ، أو نفي شيء قاله السلف ، فإذا لم يأت بسلف له من القرون المفضلة من الصحابة والتابعين ، فكلامه باطل ، يكور ويرمى به في وجهه ، ومن عجائب هذا الزمن الأخير أن المتأخرين يظنون أن الإمام أحمد الوحيد من قال : ( لا تتكلم بما ليس لك فيه إمام ) ثم يخوضون في تأويل كلامه وتحريفه إلى ما لا أراده !! وفي كتب أصول الفقه السخيفة أباطيل وترهات في تحريف عبارة أحمد بالتضليل والجهالة !! وسنفضحهم هنا ونبين أن هذه قاعدة السلف جميعا من عهد الصحابة إلى زمن أحمد ومن بعده من أهل الحديث ، ونذكر من كلام الإمام أحمد ما يفسر قوله وما أراده ، مما يكذب تحريقات الأصوليين ، فأقول وبالله التوفيق :
ــ روى البخاري (2462) وأحمد في مسند (391) في حديث طويل عن عمر بن الخطاب لما كان سيذكر الناس بآية الرجم وحكمه فقبل أن يصعد على المنبر قال عبد الرحمن بن عوف : فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ طَلَعَ عُمَرُ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ قُلْتُ : لَيَقُولَنَّ الْعَشِيَّةَ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ مَقَالَةً مَا قَالَهَا عَلَيْهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ قَالَ : فَأَنْكَرَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ ذَلِكَ ، فَقَالَ: مَا عَسَيْتَ أَنْ يَقُولَ مَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ ؟!
ــ روى ابن أبي شيبة (23806) بسند جيد عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : « نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الدُّبَّاءِ ، وَالْمُزَفَّتِ » قَالَ إِبْرَاهِيمُ : فَقُلْتُ لِلْأَسْوَدِ : فَالْحَنْتَمُ ، وَالْجِرَارُ الْخُضْرُ ؟ فَقَالَ : تُرِيدُ أَنْ نَقُولَ مَا لَمْ يُقَلْ !! »
ــ ذكر السمعاني في كتاب الإنتصار لأهل الحديث (ص7) قال الشافعي : عَن سُهَيْل بن نعيم قَالَ قَالَ الشَّافِعِي : كل من تكلم بِكَلَام فِي الدّين أَو فِي شَيْء من هَذِه الْأَهْوَاء لَيْسَ لَهُ فِيهِ إِمَام مُتَقَدم من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه فقد أحدث فِي الْإِسْلَام حَدثا .
ــ روى الخطيب في الفقيه والمتفقه (1/436) عن إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ: « إِذَا كَانَ يَأْتَمُّ بِمَنْ قَبْلَهُ فَهُوَ إِمَامٌ لِمَنْ بَعْدَهُ » (قلت) وكل هذا يشبه قوله أيضا ( إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر فافعل ) .
ــ وروى الخلال في السنة (927) وتكلم معاذ بن معاذ بكلام أراد به ضد القدرية ، فبلغ يحيى بن سعيد القطان ، فأرسل ابنه محمد يقول له : أدركت ابن عون، ويونس، فهل سمعت أحداَ منهم تكلم بمثل هذا ؟
ــ روى البيهقي في السنن الكبرى (21466) قال الأوزاعي : مَنْ أَخَذَ بِنَوَادِرِ الْعُلَمَاءِ خَرَجَ مِنَ الإِسْلاَمِ . ـــ قال الحسين بن الوليد : لقيت مالك بن أنس فسألته عن حديث فقال : لقد طال عهدي بهذا الحديث ، فمن أين جئت به ؟ قلت : حدثني به عنك إبراهيم بن طهمان ، قال : أبو سعيد ؟ كيف تركته ؟ قلت : تركته بخير، قال : هو بعد يقول : أنا عند الله مؤمن ؟ قلت له : وما أنكرت من قوله يا أبا عبدالله ؟ فسكت عني ، وأطرق ساعة ، ثم قال : لم أسمع السلف يقولونه. [ رواه الدولابي في الأسماء الكنى (1054) والخطيب في تاريخه (7/13) ]
ــ وكان الإمام أحمد في المحنة يقول : (كيف أقول ما لم يقل ؟ ) [ الرد على الجهمية لأحمد (ص47) والإبانة الكبرى لابن بطة (441) ] ــــ وقال الإمام أحمد للميموني : إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام .[ ذكره في مناقب أحمد لابن الجوزي (ص 178) وفي سير أعلام النبلاء (11/296) والمسودة في أصول الفقه (ص450) ]
ــ وروى الخلال في السنة (965) عن الْحُسَيْنَ بْنَ مَنْصُورٍ، يَقُولُ: قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «مَنْ قَالَ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَا مُؤْمِنٌ ؟ » قُلْتُ : مَا أَعْلَمُ رَجُلًا أَثِقُ بِهِ. قَالَ: «لَمْ تَقُلْ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَبْلَنَا »
ــ وروى الخلال في السنة (982) أن أحمد حكى كلام لشبابة بن سوار أنه قال في الإيمان إذا قال فقد عمل !! ثُمَّ قَالَ أَحمد : هَذَا قَوْلٌ خَبِيثٌ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَقُولُ بِهِ، وَلَا بَلَغَنِي » وقد علق ابن رجب على هذا في الفتح (1/122) قال : يعني أنه بدعة لم يقله أحد ممن سلف.
ــ قد سئل الإمام أحمد عن تفسير الحديث : أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ " فأجاب يُفْتِي بِمَا لَمْ يَسْمَعْ ." [ الآداب الشرعية (2/134) ]
ــ وقال الإمام أحمد : إنَّ الَّذِي يُفْتِي النَّاسَ يَتَقَلَّدُ أَمْرًا عَظِيمًا يَنْبَغِي لِمَنْ أَفْتَى أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِقَوْلِ مَنْ تَقَدَّمَ وَإِلَّا فَلَا يُفْتِي " [ الآداب الشرعية 2/134 ]
ــ وفي السنة للخلال (926) ذكر المروذي قصة أحمد بن علي بن رجاء لما تكلم بعبارة الجبر وهو من أهل الحديث ، قال عنه الإمام أحمد : كلما ابتدع رجل بدعة اتسعوا في جوابها وقال : يستغفر ربه ، الذي رد عليهم بمحدثة ، وأنكر على من رد بشيء من جنس الكلام ، إذا لم يكن له فيها إمام مقدم .
ـــ عَن الْحسن بن زِيَاد قَالَ : مَا رَأَيْت أحدا يناظر زفر إلا رَحمته ، قَالَ وَقَالَ زفر : إني لست أناظر أحدا حَتَّى يَقُول لقد أَخْطَأت وَلَكِن أناظره حَتَّى يجنُّ !! قيل : فَكيف يجنُّ ؟؟ قَالَ يَقُول بِمَا لم يقلهُ اُحْدُ !! .[ أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيرمي (ص111) ]
(قلت) فانظر إلى هذا المبتدع زفر وهو من أهل الرأي ، حين يعترف أن من قال بقول لم يسبقه إليه أحد فقد جنّ جنونه !!
ــ وقال مسلم في مقدمة صحيحه (1/34) وهو يرد على من اشترط السماع في المعاصرة في المسألة المشهورة في المصطلح : وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي أَحْدَثَهُ الْقَائِلُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ فِي تَوْهِينِ الْحَدِيثِ بِالْعِلَّةِ الَّتِي وَصَفَ أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُعَرَّجَ عَلَيْهِ ، وَيُثَارَ ذِكْرُهُ، إِذْ كَانَ قَوْلًا مُحْدَثًا وَكَلَامًا خَلْفًا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ سَلَفَ ، وَيَسْتَنْكِرُهُ مَنْ بَعْدَهُمْ خَلَفَ ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا فِي رَدِّهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا شَرَحْنَا ، إِذْ كَانَ قَدْرُ الْمَقَالَةِ وَقَائِلِهَا الْقَدْرَ الَّذِي وَصَفْنَاهُ ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى دَفْعِ مَا خَالَفَ مَذْهَبَ الْعُلَمَاءِ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ "
ــ روى الخلال في السنة (2179) قال أبو يعقوب البغوي عمن يقول ( لفظي بالقرآن غير مخلوق ) : ونحن لم نسمع عالماً قال هذا ، ولا بلغنا عن عالم أنه قاله منذ بعث الله محمداً صلى الله عليه وإلى زماننا هذا وإنما نحن أصحاب اتباع وتقليد لأئمتنا وأسلافنا الماضين - رحمهم الله - لا نحدث بعدهم حدثاً ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قاله إمام ."
ــ وروى الخلال في السنة (2163) أن جعفر بن محمد النسائي قال : صح عندي في حياة أبي عبد الله أنه نهى أن يقال : لفظي بالقرآن غير مخلوق ، قال جعفر بن محمد النسائي : من قال هذا فهو كلام محدث لم يقله أحد من العلماء .
ــ وروى الخلال في السنة (2174) أخبرنا أبو بكر المروذي قال : سمعت أبا الحسين على بن مسلم الطوسي يقول : القرآن كلام الله غير مخلوق ، وهذا قول أبي عبد الله وبه نقتدي إذ كنا لم ندرك في عصره أحدا يقدمه في العلم والمعرفة والديانة وهو وإن كان مقدما عند من أدركنا من علمائنا ، فما علمت أحدا بلي بمثل ما بلي به فصبر ، فهو حجة وقدوة وحجة لأهل هذا العصر ومن بلي بعدهم فنحن متبعون لمقالته وموافقون له ، فمن قال : لفظي بالقرآن مخلوق قد ابتدع وليس هو من كلام العلماء ، وهذا مما أحدث أصحاب الكلام المبتدع ، وقد صح عندنا أن أبا عبد الله أنكر على من قال ذلك وغضب منه الغضب الشديد ، وقال : ما سمعت عالما قال هذا ، فمن خالف أبا عبد الله فيما ينهى عنه فنحن غير موافقين له منكرون عليه ، وقد أدركنا من علمائنا مثل أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك ، وهشيم بن بشير ، وإسماعيل بن علية ، وسفيان بن عيينة ، وعباد بن عباد ، وعباد بن العوام ، وأبو بكر بن عياش ، وعبد الله بن إدريس ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، ويحيى بن أبي زائدة ، ويوسف بن يعقوب الماجشون ، ووكيع ، ويزيد بن هارون ، وأبو أسامة ، وهؤلاء كلهم قد أدركوا التابعين وسمعوا منهم ورووا عنهم ما منهم أحد قال لفظي بالقرآن غير مخلوق والحمد لله ، فنحن لهم متبعون ولما أحدث بعدهم مخالفون .
ـــ قال الإمام ابن أبي حاتم في عقيدة الرازيين وقد نقل إجماع علماء الأمصار على ما فيه : وَنَجْتَنِبُ الشُّذُوذَ وَالْخِلَافَ وَالْفُرْقَةَ.." [شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (1/177) ] (قلت) والشذوذ أن يتفرد الرجل بقول لم يسبقه إليه أحد من الأئمة .
قال الإمام الآجري في كتاب أخلاق العلماء (1/43) : فإذا أوردت عليه مسألة قد اختلف فيها أهل العلم اجتهد فيها ، فما كان أشبه بالكتاب والسنة والإجماع ، ولم يخرج به من قول الصحابة وقول الفقهاء بعدهم قال به ، إذا كان موافقا لقول بعض الصحابة وقول بعض أئمة المسلمين قال به . وإن كان رآه مما يخالف به قول الصحابة وقول فقهاء المسلمين حتى يخرج عن قولهم لم يقل به ، واتهم رأيه ، ووجب عليه أن يسأل من هو أعلم منه أو مثله ، حتى ينكشف له الحق ، ويسأل مولاه أن يوفقه لإصابة الخير والحق ".
(قلت) لله درك من فقيه ، تأمل قوله ( واتهم رأيه) يعني إذا رأى المفتي نفسه جاء بقول لم يسبق إليه فأول شيء يفعله أن يتهم فهمه ورأيه ، ولا محالة من هذا ، واليوم يتهمون رأي السلف إذا خالفت آراءهم !! وقال البربهاري رحمه الله في شرح السنة (ص37) : كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة ، فلا تعجلن ! ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر : هل تكلم به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد من العلماء ؟ فإن وجدت فيه أثرا عنهم ، فتمسك به ، ولا تجاوزه لشيء ، ولا تختار عليه شيئا ) . قال ابن أبي زيد القيرواني كما في النوادر والزيادات (1/5) : ليس لأحدٍ أَنْ يُحْدِثَ قولاً أو تَأْويلاً لم يَسْبِقْهُ به سَلَفٌ , وإنه إذا ثَبَت عن صاحبٍ قَوْلٌ لا يُحْفَظُ عن غيرِه من الصحابةِ خِلاَفٌ له ولا وِفَاقٌ ، أنَّه لا يسَع خِلافُه وقال ذلك معَنى الشافعيُّ وأهلُ العراقِ "
وقال السمعاني في كتاب الإنتصار لأهل الحديث (ص61) وهو يرد على المتكلمين لما قَالُوا أول مَا يجب على الْإِنْسَان النّظر الْمُؤَدِّي إِلَى معرفَة الْبَارِي عز وَجل فقال : وَهَذَا قَول مخترع لم يسبقهم إِلَيْهِ أحد من السّلف وأئمة الدّين ، وَلَو أَنَّك تدبرت جَمِيع أَقْوَالهم وكتبهم لم تَجِد هَذَا فِي شَيْء مِنْهَا لَا مَنْقُولًا من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا من الصَّحَابَة وَكَذَلِكَ من التَّابِعين بعدهمْ ، وَكَيف يجوز أَن يخفى عَلَيْهِم أول الْفَرَائِض وهم صدر هَذِه الْأمة والسفراء بَيْننَا وَبَين رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ، وَلَئِن جَازَ أَن يخفى الْفَرْض الأول على الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ حَتَّى لم يبينوه لأحد من هَذِه الْأمة مَعَ شدَّة اهتمامهم بِأَمْر الدّين وَكَمَال عنايتهم حَتَّى استخرجه هَؤُلَاءِ بلطيف فطنتهم وزعمهم فَلَعَلَّهُ خَفِي عَلَيْهِم فَرَائض أخر ، وَلَئِن كَانَ هَذَا جَائِزا فَلَقَد ذهب الدّين واندرس لأَنا إِنَّمَا نَبْنِي أقوالنا على أَقْوَالهم فَإِذا ذهب الأَصْل فَكيف يُمكن الْبناء عَلَيْهِ ، نَعُوذ بِاللَّه من قَول يُؤَدِّي إِلَى هَذِه الْمقَالة الْفَاحِشَة القبيحة الَّتِي تُؤدِّي إِلَى الانسلاخ من الدّين وتضليل الْأَئِمَّة الماضين ) اهـــ
وقال ابن تيمية ولم يلتزم بما قال : « وكل قول ينفرد به المتأخر عن المتقدمين ، ولم يسبقه إليه أحد فإنه يكون خطأ ، كما قال الإمام أحمد : إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام » [مجموع الفتاوى 21/291]
(قلت) لو التزم بن تيمية بهذا لما تاه في بحار المنطق والأعذار !!
قال ابن عبد الهادي في الصارم المنكي (1/318) : لا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنة لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه ولا بينوه للأمة ، فإن هذا يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا وضلوا عنه ، واهتدى إليه هذا المعترض المستأخر ، فكيف إذا كان التأويل يخالف تأويلهم ويناقضه ) اهــــ
قال ابن رجب في فتح الباري (1/407) : وقد اعتمد ابن حزم على هَذا الحديث في أن الحائض والنفاس مدتهما واحدة ، وأن أكثر النفاس كأكثر الحيض ، وَهوَ قول لَم يسبق إليه ، ولو كانَ هَذا الاستنباط حقاً لما خفي علي أئمة الإسلام كلهم إلى زمنه ."
وقال ابن رجب في كتاب فضل علم السلف على علم الخلف (ص 4-6) وهو يتكلم عن السلف وعددهم : وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم فإنه حدث بعدهم حوادث كثيرة وحدث من انتسب إلى متابعة السنة والحديث من الظاهرية ونحوهم وهو أشد مخالفة لها لشذوذه عن الأئمة وانفراده عنهم بفهم يفهمه أو يأخذ مالم يأخذ به الأئمة من قبله". اهـــ
ونختم بما روى الخطيب في شرف أصحاب الحديث (ص72) : أَنْشَدَنِي عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُكْتِبُ، قَالَ: أَنْشَدَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ قَالَ: أَنْشَدَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ لِأَبِي جَعْفَرٍ الْخَوَّاصِ:
ذَهَبَتْ دَوْلَةُ أَصْحَابِ الْبِدَعْ ... وَوَهَى حَبْلُهــــــــُمْ ثُمَّ انْقَطـــَعْ
وَتَدَاعَى بِانْصِرَافِ جَمْعِهِمْ ... حِزْبُ إِبْلِيسَ الَّذِي كَانَ جَمَعْ
هَلْ لَهُمْ يَا قَوْمِ فِي بِدْعَتِهِمْ ...مِنْ فَــــــقِيهٍ أَوْ إِمَــــــامٍ يُتّــــبَعْ
مِثْلِ سُفْيَانَ أَخِي ثَوْرٍ الَّذِي ... عَلَّمَ النَّاسَ دُقَيْقَاتِ الْوَرَعْ
أَوْ سُلَيْمَانَ أَخِي التَّيْمِ الَّذِي ... تَرَكَ النَّوْمَ لِهَوْلِ الْمُطّــــَلَعْ
أَوْ فَتَى الْإِسْلَامِ أَعْنِي أَحْمَدَا ... ذَاكَ لَوْ قَارَعَهُ الْقُرَّاءُ قَرَعْ
لَمْ يَخَفَ سَوْطُهُمْ إِذْ خُوِّفُوا ... لَا وَلَا سَيْفُهُمْ حِينَ لَمـــــَعْ
كتبه أبو عبيد الجزائري يوم 7/12/1438 هـــ
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :
هذا فصل اقتطعته من كتاب كبير لم أتمه بعد باسم ( الإحتجاج بالأثر بين المتقدمين والمتأخرين ) يسر الله إتمامه ولما رأيته فصلا في غاية الخطورة والأهمية ، وأن التنبيه عليه أمر لا يحتمل التأخير ، رأيت أن أعجل بنشر هذا الفصل ، وأرجئ بقية الكتاب إلى تمامه ، وذاك يطول لكثرة مباحثه فهذا فصل مهم يتعلق بقول الإمام أحمد ( إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام ) فأقول كمقدمة لهذا الفصل : كل من تكلم في شيء من الدين وليس له فيما قال إمام من السلف فكلامه مردود ، كائنا من كان ومهما كان علمه وفضله ، كما قال مالك : ( ليس كل من قال قولا يتبع عليه وإن كان له فضل ) وقد نص السلف أنه لا يجوز لأي مسلم أن يتدين بما ليس له سلف فيه ، سواء كان كلامه في إثبات شيء لم يقله السلف ، أو نفي شيء قاله السلف ، فإذا لم يأت بسلف له من القرون المفضلة من الصحابة والتابعين ، فكلامه باطل ، يكور ويرمى به في وجهه ، ومن عجائب هذا الزمن الأخير أن المتأخرين يظنون أن الإمام أحمد الوحيد من قال : ( لا تتكلم بما ليس لك فيه إمام ) ثم يخوضون في تأويل كلامه وتحريفه إلى ما لا أراده !! وفي كتب أصول الفقه السخيفة أباطيل وترهات في تحريف عبارة أحمد بالتضليل والجهالة !! وسنفضحهم هنا ونبين أن هذه قاعدة السلف جميعا من عهد الصحابة إلى زمن أحمد ومن بعده من أهل الحديث ، ونذكر من كلام الإمام أحمد ما يفسر قوله وما أراده ، مما يكذب تحريقات الأصوليين ، فأقول وبالله التوفيق :
ــ روى البخاري (2462) وأحمد في مسند (391) في حديث طويل عن عمر بن الخطاب لما كان سيذكر الناس بآية الرجم وحكمه فقبل أن يصعد على المنبر قال عبد الرحمن بن عوف : فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ طَلَعَ عُمَرُ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ قُلْتُ : لَيَقُولَنَّ الْعَشِيَّةَ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ مَقَالَةً مَا قَالَهَا عَلَيْهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ قَالَ : فَأَنْكَرَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ ذَلِكَ ، فَقَالَ: مَا عَسَيْتَ أَنْ يَقُولَ مَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ ؟!
ــ روى ابن أبي شيبة (23806) بسند جيد عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : « نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الدُّبَّاءِ ، وَالْمُزَفَّتِ » قَالَ إِبْرَاهِيمُ : فَقُلْتُ لِلْأَسْوَدِ : فَالْحَنْتَمُ ، وَالْجِرَارُ الْخُضْرُ ؟ فَقَالَ : تُرِيدُ أَنْ نَقُولَ مَا لَمْ يُقَلْ !! »
ــ ذكر السمعاني في كتاب الإنتصار لأهل الحديث (ص7) قال الشافعي : عَن سُهَيْل بن نعيم قَالَ قَالَ الشَّافِعِي : كل من تكلم بِكَلَام فِي الدّين أَو فِي شَيْء من هَذِه الْأَهْوَاء لَيْسَ لَهُ فِيهِ إِمَام مُتَقَدم من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه فقد أحدث فِي الْإِسْلَام حَدثا .
ــ روى الخطيب في الفقيه والمتفقه (1/436) عن إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ: « إِذَا كَانَ يَأْتَمُّ بِمَنْ قَبْلَهُ فَهُوَ إِمَامٌ لِمَنْ بَعْدَهُ » (قلت) وكل هذا يشبه قوله أيضا ( إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر فافعل ) .
ــ وروى الخلال في السنة (927) وتكلم معاذ بن معاذ بكلام أراد به ضد القدرية ، فبلغ يحيى بن سعيد القطان ، فأرسل ابنه محمد يقول له : أدركت ابن عون، ويونس، فهل سمعت أحداَ منهم تكلم بمثل هذا ؟
ــ روى البيهقي في السنن الكبرى (21466) قال الأوزاعي : مَنْ أَخَذَ بِنَوَادِرِ الْعُلَمَاءِ خَرَجَ مِنَ الإِسْلاَمِ . ـــ قال الحسين بن الوليد : لقيت مالك بن أنس فسألته عن حديث فقال : لقد طال عهدي بهذا الحديث ، فمن أين جئت به ؟ قلت : حدثني به عنك إبراهيم بن طهمان ، قال : أبو سعيد ؟ كيف تركته ؟ قلت : تركته بخير، قال : هو بعد يقول : أنا عند الله مؤمن ؟ قلت له : وما أنكرت من قوله يا أبا عبدالله ؟ فسكت عني ، وأطرق ساعة ، ثم قال : لم أسمع السلف يقولونه. [ رواه الدولابي في الأسماء الكنى (1054) والخطيب في تاريخه (7/13) ]
ــ وكان الإمام أحمد في المحنة يقول : (كيف أقول ما لم يقل ؟ ) [ الرد على الجهمية لأحمد (ص47) والإبانة الكبرى لابن بطة (441) ] ــــ وقال الإمام أحمد للميموني : إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام .[ ذكره في مناقب أحمد لابن الجوزي (ص 178) وفي سير أعلام النبلاء (11/296) والمسودة في أصول الفقه (ص450) ]
ــ وروى الخلال في السنة (965) عن الْحُسَيْنَ بْنَ مَنْصُورٍ، يَقُولُ: قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «مَنْ قَالَ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَا مُؤْمِنٌ ؟ » قُلْتُ : مَا أَعْلَمُ رَجُلًا أَثِقُ بِهِ. قَالَ: «لَمْ تَقُلْ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَبْلَنَا »
ــ وروى الخلال في السنة (982) أن أحمد حكى كلام لشبابة بن سوار أنه قال في الإيمان إذا قال فقد عمل !! ثُمَّ قَالَ أَحمد : هَذَا قَوْلٌ خَبِيثٌ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَقُولُ بِهِ، وَلَا بَلَغَنِي » وقد علق ابن رجب على هذا في الفتح (1/122) قال : يعني أنه بدعة لم يقله أحد ممن سلف.
ــ قد سئل الإمام أحمد عن تفسير الحديث : أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ " فأجاب يُفْتِي بِمَا لَمْ يَسْمَعْ ." [ الآداب الشرعية (2/134) ]
ــ وقال الإمام أحمد : إنَّ الَّذِي يُفْتِي النَّاسَ يَتَقَلَّدُ أَمْرًا عَظِيمًا يَنْبَغِي لِمَنْ أَفْتَى أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِقَوْلِ مَنْ تَقَدَّمَ وَإِلَّا فَلَا يُفْتِي " [ الآداب الشرعية 2/134 ]
ــ وفي السنة للخلال (926) ذكر المروذي قصة أحمد بن علي بن رجاء لما تكلم بعبارة الجبر وهو من أهل الحديث ، قال عنه الإمام أحمد : كلما ابتدع رجل بدعة اتسعوا في جوابها وقال : يستغفر ربه ، الذي رد عليهم بمحدثة ، وأنكر على من رد بشيء من جنس الكلام ، إذا لم يكن له فيها إمام مقدم .
ـــ عَن الْحسن بن زِيَاد قَالَ : مَا رَأَيْت أحدا يناظر زفر إلا رَحمته ، قَالَ وَقَالَ زفر : إني لست أناظر أحدا حَتَّى يَقُول لقد أَخْطَأت وَلَكِن أناظره حَتَّى يجنُّ !! قيل : فَكيف يجنُّ ؟؟ قَالَ يَقُول بِمَا لم يقلهُ اُحْدُ !! .[ أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيرمي (ص111) ]
(قلت) فانظر إلى هذا المبتدع زفر وهو من أهل الرأي ، حين يعترف أن من قال بقول لم يسبقه إليه أحد فقد جنّ جنونه !!
ــ وقال مسلم في مقدمة صحيحه (1/34) وهو يرد على من اشترط السماع في المعاصرة في المسألة المشهورة في المصطلح : وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي أَحْدَثَهُ الْقَائِلُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ فِي تَوْهِينِ الْحَدِيثِ بِالْعِلَّةِ الَّتِي وَصَفَ أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُعَرَّجَ عَلَيْهِ ، وَيُثَارَ ذِكْرُهُ، إِذْ كَانَ قَوْلًا مُحْدَثًا وَكَلَامًا خَلْفًا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ سَلَفَ ، وَيَسْتَنْكِرُهُ مَنْ بَعْدَهُمْ خَلَفَ ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا فِي رَدِّهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا شَرَحْنَا ، إِذْ كَانَ قَدْرُ الْمَقَالَةِ وَقَائِلِهَا الْقَدْرَ الَّذِي وَصَفْنَاهُ ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى دَفْعِ مَا خَالَفَ مَذْهَبَ الْعُلَمَاءِ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ "
ــ روى الخلال في السنة (2179) قال أبو يعقوب البغوي عمن يقول ( لفظي بالقرآن غير مخلوق ) : ونحن لم نسمع عالماً قال هذا ، ولا بلغنا عن عالم أنه قاله منذ بعث الله محمداً صلى الله عليه وإلى زماننا هذا وإنما نحن أصحاب اتباع وتقليد لأئمتنا وأسلافنا الماضين - رحمهم الله - لا نحدث بعدهم حدثاً ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قاله إمام ."
ــ وروى الخلال في السنة (2163) أن جعفر بن محمد النسائي قال : صح عندي في حياة أبي عبد الله أنه نهى أن يقال : لفظي بالقرآن غير مخلوق ، قال جعفر بن محمد النسائي : من قال هذا فهو كلام محدث لم يقله أحد من العلماء .
ــ وروى الخلال في السنة (2174) أخبرنا أبو بكر المروذي قال : سمعت أبا الحسين على بن مسلم الطوسي يقول : القرآن كلام الله غير مخلوق ، وهذا قول أبي عبد الله وبه نقتدي إذ كنا لم ندرك في عصره أحدا يقدمه في العلم والمعرفة والديانة وهو وإن كان مقدما عند من أدركنا من علمائنا ، فما علمت أحدا بلي بمثل ما بلي به فصبر ، فهو حجة وقدوة وحجة لأهل هذا العصر ومن بلي بعدهم فنحن متبعون لمقالته وموافقون له ، فمن قال : لفظي بالقرآن مخلوق قد ابتدع وليس هو من كلام العلماء ، وهذا مما أحدث أصحاب الكلام المبتدع ، وقد صح عندنا أن أبا عبد الله أنكر على من قال ذلك وغضب منه الغضب الشديد ، وقال : ما سمعت عالما قال هذا ، فمن خالف أبا عبد الله فيما ينهى عنه فنحن غير موافقين له منكرون عليه ، وقد أدركنا من علمائنا مثل أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك ، وهشيم بن بشير ، وإسماعيل بن علية ، وسفيان بن عيينة ، وعباد بن عباد ، وعباد بن العوام ، وأبو بكر بن عياش ، وعبد الله بن إدريس ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، ويحيى بن أبي زائدة ، ويوسف بن يعقوب الماجشون ، ووكيع ، ويزيد بن هارون ، وأبو أسامة ، وهؤلاء كلهم قد أدركوا التابعين وسمعوا منهم ورووا عنهم ما منهم أحد قال لفظي بالقرآن غير مخلوق والحمد لله ، فنحن لهم متبعون ولما أحدث بعدهم مخالفون .
ـــ قال الإمام ابن أبي حاتم في عقيدة الرازيين وقد نقل إجماع علماء الأمصار على ما فيه : وَنَجْتَنِبُ الشُّذُوذَ وَالْخِلَافَ وَالْفُرْقَةَ.." [شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (1/177) ] (قلت) والشذوذ أن يتفرد الرجل بقول لم يسبقه إليه أحد من الأئمة .
قال الإمام الآجري في كتاب أخلاق العلماء (1/43) : فإذا أوردت عليه مسألة قد اختلف فيها أهل العلم اجتهد فيها ، فما كان أشبه بالكتاب والسنة والإجماع ، ولم يخرج به من قول الصحابة وقول الفقهاء بعدهم قال به ، إذا كان موافقا لقول بعض الصحابة وقول بعض أئمة المسلمين قال به . وإن كان رآه مما يخالف به قول الصحابة وقول فقهاء المسلمين حتى يخرج عن قولهم لم يقل به ، واتهم رأيه ، ووجب عليه أن يسأل من هو أعلم منه أو مثله ، حتى ينكشف له الحق ، ويسأل مولاه أن يوفقه لإصابة الخير والحق ".
(قلت) لله درك من فقيه ، تأمل قوله ( واتهم رأيه) يعني إذا رأى المفتي نفسه جاء بقول لم يسبق إليه فأول شيء يفعله أن يتهم فهمه ورأيه ، ولا محالة من هذا ، واليوم يتهمون رأي السلف إذا خالفت آراءهم !! وقال البربهاري رحمه الله في شرح السنة (ص37) : كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة ، فلا تعجلن ! ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر : هل تكلم به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد من العلماء ؟ فإن وجدت فيه أثرا عنهم ، فتمسك به ، ولا تجاوزه لشيء ، ولا تختار عليه شيئا ) . قال ابن أبي زيد القيرواني كما في النوادر والزيادات (1/5) : ليس لأحدٍ أَنْ يُحْدِثَ قولاً أو تَأْويلاً لم يَسْبِقْهُ به سَلَفٌ , وإنه إذا ثَبَت عن صاحبٍ قَوْلٌ لا يُحْفَظُ عن غيرِه من الصحابةِ خِلاَفٌ له ولا وِفَاقٌ ، أنَّه لا يسَع خِلافُه وقال ذلك معَنى الشافعيُّ وأهلُ العراقِ "
وقال السمعاني في كتاب الإنتصار لأهل الحديث (ص61) وهو يرد على المتكلمين لما قَالُوا أول مَا يجب على الْإِنْسَان النّظر الْمُؤَدِّي إِلَى معرفَة الْبَارِي عز وَجل فقال : وَهَذَا قَول مخترع لم يسبقهم إِلَيْهِ أحد من السّلف وأئمة الدّين ، وَلَو أَنَّك تدبرت جَمِيع أَقْوَالهم وكتبهم لم تَجِد هَذَا فِي شَيْء مِنْهَا لَا مَنْقُولًا من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا من الصَّحَابَة وَكَذَلِكَ من التَّابِعين بعدهمْ ، وَكَيف يجوز أَن يخفى عَلَيْهِم أول الْفَرَائِض وهم صدر هَذِه الْأمة والسفراء بَيْننَا وَبَين رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ، وَلَئِن جَازَ أَن يخفى الْفَرْض الأول على الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ حَتَّى لم يبينوه لأحد من هَذِه الْأمة مَعَ شدَّة اهتمامهم بِأَمْر الدّين وَكَمَال عنايتهم حَتَّى استخرجه هَؤُلَاءِ بلطيف فطنتهم وزعمهم فَلَعَلَّهُ خَفِي عَلَيْهِم فَرَائض أخر ، وَلَئِن كَانَ هَذَا جَائِزا فَلَقَد ذهب الدّين واندرس لأَنا إِنَّمَا نَبْنِي أقوالنا على أَقْوَالهم فَإِذا ذهب الأَصْل فَكيف يُمكن الْبناء عَلَيْهِ ، نَعُوذ بِاللَّه من قَول يُؤَدِّي إِلَى هَذِه الْمقَالة الْفَاحِشَة القبيحة الَّتِي تُؤدِّي إِلَى الانسلاخ من الدّين وتضليل الْأَئِمَّة الماضين ) اهـــ
وقال ابن تيمية ولم يلتزم بما قال : « وكل قول ينفرد به المتأخر عن المتقدمين ، ولم يسبقه إليه أحد فإنه يكون خطأ ، كما قال الإمام أحمد : إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام » [مجموع الفتاوى 21/291]
(قلت) لو التزم بن تيمية بهذا لما تاه في بحار المنطق والأعذار !!
قال ابن عبد الهادي في الصارم المنكي (1/318) : لا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنة لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه ولا بينوه للأمة ، فإن هذا يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا وضلوا عنه ، واهتدى إليه هذا المعترض المستأخر ، فكيف إذا كان التأويل يخالف تأويلهم ويناقضه ) اهــــ
قال ابن رجب في فتح الباري (1/407) : وقد اعتمد ابن حزم على هَذا الحديث في أن الحائض والنفاس مدتهما واحدة ، وأن أكثر النفاس كأكثر الحيض ، وَهوَ قول لَم يسبق إليه ، ولو كانَ هَذا الاستنباط حقاً لما خفي علي أئمة الإسلام كلهم إلى زمنه ."
وقال ابن رجب في كتاب فضل علم السلف على علم الخلف (ص 4-6) وهو يتكلم عن السلف وعددهم : وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم فإنه حدث بعدهم حوادث كثيرة وحدث من انتسب إلى متابعة السنة والحديث من الظاهرية ونحوهم وهو أشد مخالفة لها لشذوذه عن الأئمة وانفراده عنهم بفهم يفهمه أو يأخذ مالم يأخذ به الأئمة من قبله". اهـــ
ونختم بما روى الخطيب في شرف أصحاب الحديث (ص72) : أَنْشَدَنِي عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُكْتِبُ، قَالَ: أَنْشَدَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ قَالَ: أَنْشَدَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ لِأَبِي جَعْفَرٍ الْخَوَّاصِ:
ذَهَبَتْ دَوْلَةُ أَصْحَابِ الْبِدَعْ ... وَوَهَى حَبْلُهــــــــُمْ ثُمَّ انْقَطـــَعْ
وَتَدَاعَى بِانْصِرَافِ جَمْعِهِمْ ... حِزْبُ إِبْلِيسَ الَّذِي كَانَ جَمَعْ
هَلْ لَهُمْ يَا قَوْمِ فِي بِدْعَتِهِمْ ...مِنْ فَــــــقِيهٍ أَوْ إِمَــــــامٍ يُتّــــبَعْ
مِثْلِ سُفْيَانَ أَخِي ثَوْرٍ الَّذِي ... عَلَّمَ النَّاسَ دُقَيْقَاتِ الْوَرَعْ
أَوْ سُلَيْمَانَ أَخِي التَّيْمِ الَّذِي ... تَرَكَ النَّوْمَ لِهَوْلِ الْمُطّــــَلَعْ
أَوْ فَتَى الْإِسْلَامِ أَعْنِي أَحْمَدَا ... ذَاكَ لَوْ قَارَعَهُ الْقُرَّاءُ قَرَعْ
لَمْ يَخَفَ سَوْطُهُمْ إِذْ خُوِّفُوا ... لَا وَلَا سَيْفُهُمْ حِينَ لَمـــــَعْ
كتبه أبو عبيد الجزائري يوم 7/12/1438 هـــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق