الأحد، 1 أكتوبر 2017

الهلاك في خلاف الأثر (المقال رقم 4)

فصل : رد البدع يكون بالآثار :

كان السلف إذا أرادوا أن يردوا على أهل البدع والكلام لم يستعملوا أسلوبهم في الرد بالكلام كما يفعله أغلب المتأخرين في ذلك وهذا من البدع في مجاراة أهل البدع في بدعهم ، وإنما كان السلف يردون بالوحي والآثار ويكتفون بها وينكرون ويحذرون ممن رد عليهم بالكلام وإن ذب عن السنة . 

عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْأَصْبَهَانِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : لَا تُجَالِسْ صَاحِبَ كَلَامٍ , وَإِنْ ذَبَّ عَنِ السُّنَّةِ , فَإِنَّهُ لَا يَئُولُ أَمْرُهُ إِلَى خَيْرٍ. [ الإبانة الكبرى لابن بطة 2/ 540) ] 

وعن الحميدي قال : كنا نريد أن نرد على أصحاب الرأي ، فلم نحسن كيف نرد عليهم حتى جاءنا الشافعي ، ففتح لنا. [ حلية الأولياء (9/ 96) ] 

روى أبو نعيم في حلية الأولياء (9/ 9) عن عبد الرحمن بن عمر قال : شهدت عبد الرحمن بن مهدي ، وأراد أن يشتري وصيفة له من رجل من أهل بغداد، فلما قام عنه، أخبر أنه وضع كتباً من الرأي، وابتدع ذلك؛ فجعل يقول: نعوذ بالله من شره ، وكان إذا أتاه قربه وأدناه فلما جاءه، رأيته دخل وعبد الرحمن مريض فسلم، فلم يرد عليه فقعد ، فقال له : يا هذا ، ما شيء بلغني عنك ؟ إنك ابتدعت كتباً ، أو وضعت كتباً فيه من الرأي ، فأراد أن يتقرب إليه بسوء رأيه في أبي حنيفة فقال: يا أبا سعيد، إنما وضعت كتباً رداً على أبي حنيفة ، فقال له : ترد على أبي حنيفة بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثار الصالحين ؟ فقال: لا ، فقال : إنما ترد على أبي حنيفة بآثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآثار الصالحين بالباطل ، أخرج من داري ، فما كنت أضع ، أو أتبع حرمة عندك ، ولو بكذا وكذا ، فذهب يتكلم فقال له : محرم عليك أن تتكلم ، أو تتمكن في داري ، فقام وخرج . 

قال السمعاني في الإنتصار (ص10) : وَإِنَّمَا ترد الْبِدْعَة بالأثر لَا ببدعة مثلهَا فَإِنَّهُ رُوِيَ عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي الإِمَام الْمُقدم قَالَ إنَّمَا يرد على أهل الْبدع بآثار رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وآثار الصَّالِحين ، فَأَما من رد عَلَيْهِم بالمعقول فقد رد بَاطِلا بباطل ) اهـ  

وفي حلية الأولياء (9/ 10 - 11) : قيل لعبد الرحمن بن مهدي : إن فلاناً قد صنف كتاباً في السنة ، رداً على فلان ، فقال عبد الرحمن : رداً بكتاب الله ، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ؟ قيل : بكلام قال : باطلاً بباطل. 

قال السمعاني : وَاعْلَم أَنَّك مَتى تدبرت سيرة الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ من السّلف الصَّالح وَجَدتهمْ ينهون عَن جِدَال أهل الْبِدْعَة بأبلغ النَّهْي وَلَا يرَوْنَ رد كَلَامهم بدلائل الْعقل وَإِنَّمَا كَانُوا إِذا سمعُوا بِوَاحِد من أهل الْبِدْعَة أظهرُوا التبري مِنْهُ ونهوا النَّاس عَن مُجَالَسَته ومحاورته وَالْكَلَام مَعَه وَرُبمَا نهوا عَن النّظر إِلَيْهِ ، قال : وَلَقَد ظَهرت هَذِه الْأَهْوَاء الْأَرْبَعَة الَّتِي هِيَ رَأس الْأَهْوَاء أَعنِي الْقدر والإرجاء ورأي الحرورية والرافضة فِي آخر زمَان الصَّحَابَة فَكَانَ إِذا بَلغهُمْ أَمرهم أمروا بِمَا ذكرنَا وَلم يبلغنَا عَن أحد مِنْهُم أَنه جادلهم بدلائل الْعقل أَو أَمر بذلك ... وَلَو كَانَ طَرِيق الرَّد على المبتدعة هُوَ الْكَلَام وَدَلَائِل الْعقل والجدال مَعَهم لاشتغلوا بِهِ وَأمرُوا بذلك وندبوا إِلَيْهِ ثم قال : .. فَهَذَا طَرِيق الْقَوْم فِي أَمر الْبدع وَأَهْلهَا .

فصل : تأليف الكتب بلا آثار ووحي :

كره أئمة الحديث تأليف الكتب بدون وحي أو آثار ، وشددوا في النهي عن ذلك ، بل نصوا أنها كتب بدع إذا كانت بلا أثر ، وهذا يدلك على حجية اتباع الآثار ، والتفقه فيها والإحتجاج بها . 

قال ابن أبي حاتم : سمعت أبي وأبا زرعة : يأمران بهجران أهل الزيغ والبدع، ويغلظان في ذلك أشد التغليظ، وينكران وضع الكتب برأي في غير آثار، وينهيان عن مجالسة أهل الكلام، والنظر في كتب المتكلمين . [ اللالكائي (1/179 ) ]

وفي كتاب مناقب أحمد لابن الجوزي (ص265) بإسناده إلى حنبل بن إسحاق قال : رأيت أبا عبد الله يكره أن يكتب شيء في رأيه أو فتواه . 

وفي مسائل عبد الله ابن أحمد لأبيه (1582) قَالَ سَمِعت أبي وَذكر وضع كتب فَقَالَ : أكرهها هَذَا أبو حنيفَة وضع كتابا فجَاء أبو يُوسُف وَوضع كتابا وَجَاء مُحَمَّد بن الْحسن فَوضع كتابا فَهَذَا لَا انْقِضَاء لَهُ كلما جَاءَ رجل وضع كتابا وَهَذَا مَالك وضع كتابا وَجَاء الشَّافِعِي ايضا وَجَاء هَذَا يَعْنِي أبا ثَوْر وَهَذِه الْكتب وَضعهَا بِدعَة ، كلما جَاءَ رجل وضع كتابا وَيتْرك حَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأصحابه !! 

وفي مسائل ابن هانئ (1908) : سئل أحمد : كتب مالك والشافعي أحب إليك ، أم كتب أبي حنيفة وأبي يوسف ؟قال : كتب الشافعي ، هؤلاء يفتون بالحديث ( أي مالك والشافعي ) وهؤلاء يفتون بالرأي ، فكم بين هذين ؟؟ 

وفي مسائل أبي داود (1778) سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ : لَا يُعْجِبُنِي رَايُ مَالِكٍ، وَلَا رَايُ أَحَدٍ » 

روى ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد (264) بسنده إلى أبي علي عبد الرحمن بن يحي بن خاقان : أنه بلغه عن أحمد بن حنبل أنه يأمر بكتاب الموطأ (موطأ مالك) ويرخص فيه أو نحو هذا ، وينهى عن (جامع سفيان) فذكر عمي أنه سأل أحمد عنهما أيهما أحب إليك ؟ فقال لا ذا ولا ذا ، عليك بالأثر . 

وذكر ابن القيم في الطرق الحكمية (ص234) قَالَ الْخَلَّالُ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ وَاصِلٍ الْمُقْرِي قَالَ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ - وَسُئِلَ عَنْ الرَّأْيِ ؟ - فَرَفَعَ صَوْتَهُ قَالَ : لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ الرَّأْيِ، عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْآثَارِ.

قال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (1/6) : وإنما لم يكن للمتقدمين من أئمة السنة والدين تصنيف فِي الفقه ولا يرون وضع الكتب ولا الكلام إنما كانوا يحفظون السنن والآثار ويجمعون الأخبار ويفتون بها .

ليست هناك تعليقات: