الأحد، 1 أكتوبر 2017

كف الخائض عن إباحة قراءة القرآن للجنب والحائض

بسم الله والحمد لله ، والصلاة والسلام على أفضل خلق الله ، محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :

لما كان هناك إعضال في الإسناد الذي بين المتأخرين وبين المتقدمين من السلف ، افتقدنا العديد من الحلقات المفقودة من العهد القديم ، والتي أثرت في الأحكام من فقه العهد الجديد ، حتى إذا خطر ببال محب الحديث ، أن يتصفح كتب الأثر الأولى ، وما قاله الصحابة والتابعون في المسائل الفقهية فضلا عن المسائل العقدية ، تملكته دهشة شديدة من التناقض العريض ، بين ما يقوله المتأخرون وبين ما سطره الأولون ! حتى يخيل إليه ــ إن لم يكن لبيبا ـــ أن في عقله شيئا ، فتراه يتمتم في نفسه قائلا : ( ربما لم أفهم ) ! أو ( لعلها لا تصح ) ! وما الأمر إلا كما قال الأول أنه ( يأتي زمان يطوف الرجل الأرض يسأل عن شيء فلا يجد من يفتيه بأثر ) ولا أراه إلا هذا الزمن الذي سيطرت فيه عبارات ( أرى ، والظاهر ، ويبدو لي ) ولله الأمر من قبل ومن بعد .
ومن هاته المسائل التي صارت كالحلقة المفقودة من دهارير طويلة ، قضية منع الجنب والحائض من قراءة القرآن ، فصار المفتون يرخصون للرجل والمرأة القراءة دون إشكال ، وظنوا أن النهي يقتصر على مس المصحف فقط !! ثم توالت الفتاوى الظاهرية من المجالس والمنتديات من المشايخ وطلبة العلم ــ زعموا ــ إلا من رحم ربك وقليل ما هم ، وهاهي الآثار أزفها إليك في ثوب جميل مرتبة في فصول ومقدمة وخاتمة .

فصل : ما روي من الأحاديث المرفوعة في الباب :

رويت أحاديث مرفوعة في الباب بعضها ضعيف وبعضها أشد ضعفا وبعضها مختلف في تصحيحها ، وبعضها يحتمل الثبوت ، فمما روي عن الصحابة مرفوعا : حديث علي بن أبي طالب وهو أقوى ما روي في الباب ، عبد الله ابن عمر وعبد الله ابن رواحة وجابر بن عبد الله وأبي موسى الأشعري عبد الله الغافقي .

1) حديث علي بن أبي طالب :

عَن عَلّي بن أبي طَالب رَضي اللهُ عَنهُ أَنه قَالَ: «لم يكن يحجب النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْقُرْآن شَيْء سُوَى الْجَنَابَة»
أخرجه أبو داود (229) والنسائى (52/1) والترمذي (1/273 ـ 274) وابن ماجه (594) وأحمد (1/84 و124) ـ ورواه أيضاً الطيالسى (101) والطحاوى (1/52) وابن الجارود فى " المنتقى " (52 ـ 53) والدارقطنى (ص 44) وابن أبى شيبة (1/36/1 و37/1) والحاكم (1/152 ـ 4/107) وابن عدى فى " الكامل " (ق 214/2) والبيهقى (1/88 - 89) كلهم من طرق عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال: أتيت على على رضى الله عنه أنا ورجلان , فقال: " ... فذكره "

وللحديث عدة ألفظ :

في لفظ أبي داود : عَن عبد الله بن سَلمَة قَالَ: «دَخَلنَا عَلَى عَلّي أَنا ورجلان: رجل منا، وَرجل من بني أَسد، أَحسب قَالَ: فبعثهما لِحَاجَتِهِ، وَقَالَ: إنَّكُمَا عِلْجَانِ، فعالجا عَن دينكما. ثمَّ دخل الْمخْرج، ثمَّ خرج فَدَعَا بِمَاء فَأخذ مِنْهُ حفْنَة فتمسح بهَا، ثمَّ جعل يقْرَأ الْقُرْآن فأنكروا ذَلِك، فَقَالَ: إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يخرج من الْخَلَاء فيقرئنا الْقُرْآن وَيَأْكُل مَعنا اللَّحْم وَلم يكن يَحْجُبهُ - أَو قَالَ: يحجزه - عَن الْقُرْآن شَيْء لَيْسَ الْجَنَابَة»

وَلَفظ ابْن مَاجَه: «كَانَ يَأْتِي الْخَلَاء فَيَقْضِي الْحَاجة ثمَّ يخرج فيأكل مَعنا الْخبز وَاللَّحم، وَيقْرَأ الْقُرْآن لَا يَحْجُبهُ وَرُبمَا قَالَ: لَا يحجزه - عَن الْقُرْآن شَيْء إِلَّا الْجَنَابَة»

وَلَفظ النَّسَائِيّ: «كَانَ يخرج من الْخَلَاء فَيقْرَأ الْقُرْآن وَيَأْكُل مَعنا اللَّحْم، وَلم يكن يَحْجُبهُ من الْقُرْآن شَيْء لَيْسَ الْجَنَابَة» وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث الْأَعْمَش، عَن عَمْرو بن مرّة، عَن عبد الله بن سَلمَة، عَن عَلّي: «كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقْرَأ الْقُرْآن عَلَى كل حَال، إِلَّا الْجَنَابَة»

وَلَفظ التِّرْمِذِيّ : «كَانَ يقرئنا الْقُرْآن عَلَى كل حَال مَا لم يكن جنبا»
وَلَفظ أَحْمد: « أتيت عَلَى عَلّي أَنا ورجلان، فَقَالَ: كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقْضِي حَاجته ثمَّ يخرج فَيقْرَأ الْقُرْآن وَيَأْكُل مَعنا اللَّحْم وَلَا يحجزه - وَرُبمَا قَالَ: يَحْجُبهُ - من الْقُرْآن شَيْء، لَيْسَ الْجَنَابَة»
وَلَفظ ابْن حبَان: «كَانَ لَا يَحْجُبهُ عَن قِرَاءَة الْقُرْآن شَيْء مَا خلا الْجَنَابَة» وَفِي رِوَايَة لَهُ «لم يكن يَحْجُبهُ من قِرَاءَة الْقُرْآن شَيْء إِلَّا أَن يكون جنبا»
وَلَفظ الْحَاكِم: «سُوَى الْجَنَابَة - أَو إِلَّا الْجَنَابَة»
وَلَفظ الدَّارَقُطْنِيّ: «كَانَ لَا يَحْجُبهُ عَن قِرَاءَة الْقُرْآن شَيْء إِلَّا أَن يكون جنبا»
وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ بِنَحْوِهِ، وَذكره فِي «خلافياته» من طَرِيق أبي دَاوُد وَالْحَاكِم.

(قلت): اختلفوا في تصحيحه جدا ، واحتمال ثبوته ليس ببعيد :
فَممن صَححه:والترمذي وبن حبان وابن خزيمة والحاكم والبيهقي وابن السكن وعبد الحق الإشبيلي وغيرهم وورد عن الثوري وشعبة ما يوحي بثبوته عندهما ، قَالَ شُعْبَة عن هذا الحديث :( هَذَا ثلث رَأس مَالِي ) ، وقَالَ سُفْيَان الثوري : ( مَا أحدث بِحَدِيث أحسن مِنْهُ ) .

قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَبِه قَالَ غير وَاحِد من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، قَالُوا: يقْرَأ الرجل الْقُرْآن عَلَى غير وضوء، وَلَا يقْرَأ فِي الْمُصحف إِلَّا وَهُوَ طَاهِر. وَبِه يَقُول سُفْيَان الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق.

وصصحه ابن حبَان، فَإِنَّهُ أخرجه فِي «صَحِيحه» وَقَالَ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. قَالَ: والشيخان لم يحْتَجَّا بِعَبْد الله بن سَلمَة، ومدار الحَدِيث عَلَيْهِ. قَالَ: وَعبد الله بن سَلمَة غير مطعون فِيهِ.

وأقره الْبَيْهَقِيّ عَلَى ذَلِك فِي «خلافياته» وَذكره ابْن السكن أَيْضا فِي «سنَنه الصِّحَاح المأثورة» ، وَقَالَ صاحب كتاب «الإِمَام» : وَأخرجه الْحَافِظ أَبُو بكر بن خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه» وَقَالَ: سَمِعت أَحْمد بن الْمِقْدَام الْعجلِيّ يَقُول: ثَنَا سعيد بن الرّبيع، عَن شُعْبَة بِهَذَا الحَدِيث قَالَ شُعْبَة: هَذَا ثلث رَأس مَالِيوَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: قَالَ سُفْيَان الثوري : مَا أحدث بِحَدِيث أحسن مِنْهُ.

وَقَالَ عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» : إِنَّه حَدِيث صَحِيح. ثمَّ نقل عَن ابْن صَخْر أَنه قَالَ فِي «فَوَائده»: إِنَّه حَدِيث مَشْهُور.
وَقَالَ الْبَزَّار: إِنَّه لَا يرْوَى عَن عَلّي إِلَّا من حَدِيث عَمْرو بن مرّة، عَن عبد الله بن سَلمَة.

قلت: قد رَوَاهُ الْأَعْمَش عَن عَمْرو بن مرّة، عَن أبي البخْترِي، عَن عَلّي، وَقيل: عَن عَمْرو بن مرّة عَن عَلّي مَوْقُوفا مُرْسلا، ذكر ذَلِك الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» ثمَّ قَالَ: القَوْل قَول من قَالَ: عَن عَمْرو بن مرّة عَن عبد الله بن سَلمَة، عَن عَلّي. وَحَكَى البُخَارِيّ عَن عَمْرو بن مرّة قَالَ : كَانَ عبد الله بن سَلمَة يحدثنا فنعرف وننكر، وَكَانَ قد كبر لَا يُتَابع فِي حَدِيثه ، وَقَالَ ابْن الْجَارُود - بَعْدَمَا أخرجه -: قَالَ يَحْيَى بن سعيد: وَكَانَ شُعْبَة يَقُول فِي هَذَا الحَدِيث: نَعْرِف وننكر ـــ يَعْنِيعبد الله بن سَلمَة - كَانَ كبر حَيْثُ أدْركهُ عَمْرو.

وَرَوَى هَذَا الحَدِيث الإِمَام الشَّافِعِي فِي «سنَن حَرْمَلَة» ، ثمَّ قَالَ: إِن كَانَ ثَابتا فَفِيهِ دلَالَة عَلَى تَحْرِيم الْقُرْآن عَلَى الْجنب.

قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي جماع كتاب الطّهُور وَقَالَ: وَإِن لم يكن أهل الحَدِيث يثبتونه. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» : إِنَّمَا توقف الشَّافِعِي فِي ثُبُوته ، لِأَن مَدَاره عَلَى عبد الله بن سَلمَةوَكَانَ قد كبر وَأنكر من عقله وَفِي حَدِيثه بعض النكرَة وَإِنَّمَا رَوَى هَذَا الحَدِيث بَعْدَمَا كبر، قَالَه شُعْبَة. ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَصَحَّ عَن عمر أَنه كره الْقُرْآن للْجنب.

ومن ضعفه أحمد والبخاري وتوقف فيه الشافعي وغيرهم :
وَذكر الْخطابِيّ في معالم السنن أَن أَحْمد بن حَنْبَل كَانَ يوهن حَدِيث عَلّي هَذَا، ويضعف أَمر عبد الله بن سَلمَة. وَذكر ابن الملقن عن شيخه فتح الدَّين الْيَعْمرِي فِي «شَرحه لِلتِّرْمِذِي» عَن الإِمَام أَحْمد أَنه قَالَ: لم يرو هَذَا الحَدِيث أحد عَن عَمْرو غير شُعْبَة. ثمَّ ناقشه فِي ذَلِك فَقَالَ: ذكر ابْن عدي أَنه رَوَاهُ عَن عَمْرو: الْأَعْمَش وَشعْبَة ومسعر وَابْن أبي لَيْلَىوَيَحْيَى بن سعيدورقبة أَو بَقِيَّة ، لست أَدْرِي أَيهمَا هُوَ.

وقال ذاك النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» عَلَى التِّرْمِذِيّ فَقَالَ: إِن غَيره من الْحفاظ الْمُحَقِّقين قَالُوا: إِنَّه حَدِيث ضَعِيف، وَقَالَ فِي «خلاصته» : خَالف التِّرْمِذِيّ (الْأَكْثَرُونَ) فضعفوه.(قلت) ومدار الإختلاف في توثيق عبد الله بن سلمة لأنه تفرد بالحديث وهو ممن يخطأ أحيانا ويهم وقد وثق أيضا من بعض أهل الحديث ، ومن هنا وقع الخلاف ، هل ضبط عبد الله بن سلمة هذا الحديث وحفظه أو لا ؟ فلا يمكن القطع بشيء في ذلك .ولهشاهد قوي آخر : 

وروى أحمد في المسند (1/110) وأخرجه أبو يعلي (365): من طريق عائذ بن حبيب حدَثني عامر بن السِّمط عن أبي الغريف قال: أُتي عليٌّ بوَضوءٍ، فمضمض واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل يديه وذراعيه ثلاثاً، ثمَّ مسح برأسه، ثمَّ غسل رجليه، ثم قال: هكذا رأيتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ. ثمَّ قرأ شيئاً من القرآن، ثمَّ قال: هذا لمن ليس بجنبٍ، فأمَا الجنب فلا ولا آية)وعلقه البخاري في التاريخ الكبير (7/60-61) عن أحمد بن إشكاب، عن عائذ بن حبيببه ، ولم يذكر المرفوع منه.قال الضياء في المختارة (625) إسناده صحيح وقال أحمد شاكر في تحقيقه المسند : إسناده حسن. أبو الغريف: هو عبيد الله بن خليفة الهمداني وأخرجه أبو يعلي (365) وقال محققه : إسناده قوي .وقال الهيثمي فيمجمع الزوائد(1/276) بعد أن عزاه إلى أبي يعلى: رجاله موثقون .

(قلت) إنما صح موقوفا فقط ، وهذا السند ليس صحيح بإطلاق كما قالوا ، لأن أبا الغريف هذا لم يوثقه غير ابن حبان وقال أبو حاتم الرازى: " ليس بالمشهور. قيل: هو أحب إليك أو الحارث الأعور؟ قال: الحارث أشهر , وهذا قد تكلموا فيه , وهو شيخ من نظراء أصبغ بن نباتة ) وأصبغ هذا لين الحديث عند أبى حاتم , ومتروك عند غيرهفليتنبه لهذا !!

وعلته : أنه قد رواه بعض الثقات موقوفا على علي :
فقد رواه الدارقطني في سننه (1/118) من طريق يزيد بن هارون، حدثنا عامر بن السمطحدثنا أبو الغريف عن علي موقوفاً عليه، قال الدارقطني : هو صحيح عن علي.

وكذلك رواه موقوفاً: شريك بن عبد الله القاضي عند ابن أبي شيبة (1/102) والحسن بن حي وخالد بن عبد الله عند البيهقي (1/89 و90) ثلاثتهم عن عامر بن السِّمْط به.

2) : حديث عبد الله بن عمر :

عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لاَ تَقْرَأِ الحَائِضُ وَلاَ الجُنُبُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ. أخرجه الترمذي (131) والنسائي في سننه (1479)، وابن ماجة (595) ، وعبد الله بن أحمد في ((العلل)) (2/ 300) ، والدارقطني (1/ 117) ، والحسن بن عرفة في ((جزئه)) (60) ، وابن عدي في ((الكامل)) (1/ 294) (4/ 1391) ، والعقيلي في ((الضعفاء)) (1/ 90) ، وابن الجوزي في ((التحقيق)) (1/ 108-109) ، والبيهقي (1/ 89) ، والخطيب (2/ 145) من طريق إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً.. فذكره.

(قلت) ضعيف مرفوعا لكنه صح موقوفا على ابن عمر .
قال الترمذي: (حديث ابن عمر، لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة) ، وقال عبد الله بن أحمد عقبه: ((سألت أبي عن حديثفذكره ثم قال: فقال أبي: هذا باطل، أنكره على إسماعيل بن عياش. يعني أنه وهم من إسماعيل بن عياش) .
وقال ابن أبي حاتم في العلل (1/ 49/ 116) : (سألت أبي ... وذكر الحديث فقال أبو حاتم: هذا خطأ، إنما هو عن ابن عمر قوله) . اهـ‍ــ يعني أنه وهم في رفعه.

وقال البيهقي: (فيه نظر، قال محمد بن إسماعيل فيما بلغني عنه: إنما روى هذا إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة. ولا أعرفه من حديث غيره. وإسماعيل منكر الحديث عن أهل الحجاز وأهل العراق) .
وقال النسائي بعد تخريجه : ليس هذا بالقوي .
وقال بن عبد الهادي في المحرر (ص131) : وَقد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من غير طَرِيقه، وَضَعفه الإِمَام أَحْمد، وَالْبُخَارِيّ، وَغَيرهمَا، وَصوب أَبُو حَاتِم وَقفه، وَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ عَن ابْن عمر قَوْله) .
وقال في التنقيح (1/236) : وقد قال عبد الله بن أحمد في حديث إسماعيل بن عيَّاش عن موسى بن عقبة: عرضت على أبي هذا الحديث، فقال: هذا حديث باطلٌ .
وقال ابنُ عَدِي: ليس لهذا الحديث أصلٌ- وفي بعض النُسخ: من حديث عبيد الله .
وضعَّفه البخاريَّ والبيهقيُ وغيرهما ) .
[ يراجع : "العلل" برواية عبد الله: (3/381- رقم: 5675) "الكامل": (1/298- رقم: 127) "العلل الكبير" للترمذي: (ترتيبه- ص: 58- 59- رقم: 75) "المعرفة": (1/190- رقم: 116) الخلافيات ": (2/23- 24- رقم: 318) ] .

3) حديث عبد الله الغافقي :

وروى الدارقطني (427)والطحاوي في شرح المعاني (570) والبيهقي في الكبرى (415) وابن قانع في معجم الصحابة (3/54) ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (4513) والطبراني في المعجم الكبير (656) وذكره في كنز العمال (27463) كلهم من طريق ابْنُ لَهِيعَةَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ , عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي الْكَنُودِ , عَبْدِ اللَّهِ الْغَافِقِيِّ قَالَ: أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا طَعَامًا ثُمَّ قَالَ: «اسْتُرْ عَلَيَّ حَتَّى أَغْتَسِلَ» , فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ جُنُبٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ» , فَأَخْبَرْتُ بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَخَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّكَ أَكَلْتَ وَأَنْتَ جُنُبٌ , فَقَالَ: «نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأْتُ أَكَلْتُ وَشَرِبْتُ وَلَا أَقْرَأُ حَتَّى أَغْتَسِلَ»

(قلت) سنده ضعيف ، مداره على ابن لهيعة وهو ضعيف وقد أشار البيهقي إلى أن الواقدي تابع ابن لهيعة في روايته عن عبد الله بن سليمان ، لكنها متابعة لا يفرح بمثلها فالله أعلم بثبوته .
وقد وقع في سنن الدارقطني ومعجم بن قانع عَنْ مالك بن عَبْدِ اللَّهِ الْغَافِقِيِّ لا عن عبد الله الغافقي ولعل هذا الإضطراب في ضبط الإسم من ابن لهيعة ، أو لعل هناك خلاف في اسم الغافقي كما ورد عند ابن عبد الحكم في فتوح مصر (1/338) فقد أشار إلى الخلاف في اسمه .

ثم وقفت على كلام لذاك العسقلاني قال في الإصابة (4/191) : أخرجه البغوي والدّارقطنيّ والطبري والبيهقي وابن مندة ووقع في رواية الأخيرين أنه سمع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم. وذكر البيهقي أنّ الواقدي رواه أيضا عن عبد اللَّه بن سليمان به، ولأبي موسى الغافقي رواية عن جابر وغيره ويقال: إن اسم أبي موسى مالك بن عبد اللَّه، فعلى هذا فهو غير صاحب الحديث المذكور ) اهـ
(قلت) ليس هو آخر كما ظن بل هو نفسه اختلف في اسمه واشتهر بأبي موسى الغافقي.

قال الهيثمي في المجمع (1492) : رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَفِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ وَفِيهِ ضَعْفٌ ، وَفِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ ) اهــــ .
قال ذاك الطحاوي معلقا عليه : فَفِي هَذَيْنِ الْأَثَرَيْنِ مَنْعُ الْجُنُبِ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، وَفِي أَحَدِهِمَا مَنْعُ الْحَائِضِ مِنْ ذَلِكَ. فَثَبَتَ. بِمَا فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ , مَعَ مَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذِكْرِ اللهِ , وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي حَالِ الْحَدَثِ غَيْرِ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ. وَأَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ خَاصَّةً , مَكْرُوهَةٌ فِي حَالِ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ. فَأَرَدْنَا أَنْ نَنْظُرَ أَيُّ هَذِهِ الْآثَارِ تَأَخَّرَ؟ فَنَجْعَلَهُ نَاسِخًا لِمَا تَقَدَّمَ

4) حديث علي و أبي موسى الأشعري :

الدارقطني في سننه (426)من طريق أَبي نُعَيْمٍ النَّخَعِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ هَانِئٍ , نا أَبُو مَالِكٍ النَّخَعِيُّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حُسَيْنٍ , حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ , عَنْ الْحَارِثِ , عَنْ عَلِيٍّ - قَالَ أَبُو مَالِكٍ: وَأَخْبَرَنِي مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ , عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ , عَنْ أَبِي بُرْدَةَ , عَنْ أَبِي مُوسَى كِلَاهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَلِيُّ إِنِّي أَرْضَى لَكَ مَا أَرْضَى لِنَفْسِي , وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي , لَا تَقْرَأِ الْقُرْآنَ وَأَنْتَ جُنُبٌ , وَلَا أَنْتَ رَاكِعٌ , وَلَا أَنْتَ سَاجِدٌ , وَلَا تُصَلِّ وَأَنْتَ عَاقِصٌ شَعْرَكَ , وَلَا تَدْبَحْ تَدْبِيحَ الْحِمَارِ»
(قلت) حديث منكر جدا ، في سنده متهم ، قال ابن عبد الهادي في التنقيح (1/241) رواهُ الدَّارَقُطْنيُّ من رواية أبي نعيم النَّخعيَّواسمه عبد الرَحمن بن هانىء ، قال الإمام أحمد: ليس بشيءٍ . وكذَّبه يحيى بن معين ، وقال أبو حاتم الرَازيَّ: لا بأس به، يكتب حديثه . وقال ابن عَديٍّ: عامة ماله لا يتابعه الثقات عليه .
وأبو نعيم يرويه عن أبي مالك النخعيَّ عبد الملك بن حسين، وقد قال يحيى بن معينِ في أبي مالكِ: ليس بشيءِ وقال أبو زرعة وأبو حاتم: ضعيف الحديث ) اهـــ .

5) حديث عبد الله بن رواحة :

روى الدارقطني في سننه (430) - نا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَيُّوبَ الْمُعَدَّلُ بِالرَّمْلَةِ , وَالْحَسَنُ بْنُ الْخَضِرِ الْمُعَدَّلُ بِمَكَّةَ , قَالَا: نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ الْبَغْدَادِيُّ , نا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ السِّمْسَارُ , نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ , عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ , عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُنَا الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ».
قال الدارقطني : إِسْنَادُهُ صَالِحٌ وَغَيْرُهُ لَا يَذْكُرُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) قلتثم روى المرسل (432)
قال ابن عبد الهادي في التنقيح (1/245) :رواه الدَارَقُطنيُ هكذا مرسلاً، ورواه من وجهِ آخر عن زَمعة عن سلمة عن عكرمة عن ابن عبَاسِ متصلاً .
وزَمعة بن صالح: ضعَّفه أحمد ويحيى وأبو حاتم وغيرهم، وقال أبو زرعة: واهي الحديث . وقال البخاريَّ: يخالف في حديثه، تركه ابن مهديٍّ أخيراً ، وقال ابن معين مرَّةَ: صويلح الحديث . وقال ابن عَدِيٍّ: ربَّما يهم في بعض ما يرويه، وأرجو أنَّ حديثه صالحٌ لا بأس به
وسلمة بن وهرام: قال أحمد: روى عنه زَمعة أحاديث مناكير، أخشى أن يكون حديث ضعيفاً. وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معينِ، وأبو زرعة: ثقة . وقال أبو داود: ضعيفٌ. وقال ابن عَدِي: أرجو أنَه لا بأس بروايات الأحاديث التي يرويها عنه غيرُ زَمعة وذكره ابن حِبَان في كتاب "الثقات ) اهــ

6) جابر بن عبد الله الأنصاري :

وفي سنن الدارقطني": (1/87) عن محمَّد بن الفضل عن أبيه عن طاوس عن جابر قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا تقرأ الحائض ولا النفساء شيئاً من القرآن ".
قال ابن عبد الهادي في التنقيح (1/243) رواه الدَارَقُطْنِيُ أيضاً ، ومحمَّد بن الفضل: كذَّبه يحيى بن معينٍ ، وقال أحمد: ليس بشيءٍ، حديثه حديث أهل الكذب . وقال النَسائيُ: متروك الحديث ، وأبوه ضعَّفه الفلاَّس وابن عَديٍّ ) اهـــ

الخلاصة :

أن الأحاديث المرفوعة التي رويت في الباب أسانيدها فيها مقال وبعضها يحتمل الصحة ، لكن الإعتماد ليس عليها ، إنما يزبدها قوة هي الآثار عن الصحابة .
قال ابن رجب في الفتح (1/429 ـــ 430) : وفي نهي الحائض والجنب عن القراءة أحاديث مرفوعة، إلا أن أسانيدها غيرقوية، كذا قالَ الإمام أحمد في قراءة الحائض، وكأنه يشير إلى أن الرواية في الجنبأقوى، وهو كذلك ، وأقوى ما في الجنب: حديث عبد الله بن سلمة، عن علي، قالَ: ( كانَرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه - أو يحجزه - عن القرآن شيء، ليس الجنابة ) خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وخرجه الترمذي بمعناه، وقال: حسن صحيح، وخرجه ابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)) والحاكم، وقال صحيح الإسناد.
وتكلم فيهِ الشافعي وغيره ، فإن عبد الله بن سلمة هذا رواه بعدما كبر، قالَ شعبة عنه: كانَ يحدثنا فكنا نعرف وننكر , وقال البخاري: لا يتابع في حديثه، ووثقه العجلي ويعقوب بن شيبة وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به ، والإعتماد في المنع على ما روي عن الصحابة، ويعضده: قول عائشة وميمونة في قراءة النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - القرآن في حجرهما في حال الحيض فإن يدل على أن للحيض تأثيراً في منع القراءة ) اهـــ


(قلت) الأحاديث المرفوعة وإن كان فيها مقال ، لكن بعضها يحتمل التصحيح جدا ، كحديث علي وعبد الله بن رواحة ، وبعضها صحت موقوفة كحديث ابن عمر وعلي ، واحتمال أن لها حكم الرفع قوي جدا ، كما أن احتمال أن يكون لها أصلا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم قوي أيضا ، إذ أن أغلب الصحابة أفتوا بما دلت عليه هذه الأحاديث ، وذهبوا إلى ذلك ، وهم لا يتكلمون في دين الله بالرأي ، خاصة في مثل هاته المسألة الكبيرة ، إذ من المحال أن يمنعوا الناس عن قراءة القرآن بلا أثر سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن هذا الفعل من الخطر بمكان وقد قال تعالى : ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ) .

فصل : ما رود من آثار الصحابة في منع قراءة القرآن على الجنب والحائض .

ممن وصلتنا آثارهمعشرة من الصحابة وهم : عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ، وعلي بن أبي طالب ، وسلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن رواحة ، وعبد الله بن عمر ، وجابر بن عبد الله ، وأبو هريرة وسعد الخير رضي الله عنهم أجمعين .

عمر بن الخطاب :

روى ابن أبي شيبة (1080) وابن المنذر في الأوسط (618) عَنْ عُمَرَ قَالَ: «لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ الْقُرْآنَ» وصححه البيهقي في السنن والآثار (783) .وروى بن أبي شيبة (1098) عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُمَرَ قَالَ: «لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ الْقُرْآنَ»وروى عبد الرزاق (1307) وأبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب الصلاة (135) والدارمي في السنن (1032) والطحاوي في شرح المعاني (583) والبيهقي في السنن الكبرى (419) عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، «يَكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَهُوَ جُنُبٌ»في رواية الدارمي والبيهقي : قال شعبة : وجدت في صحيفتي( والحائض )

عبد الله بن مسعود :

روى ابن أبي شيبة (1081) عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَمْشِي نَحْوَ الْفُرَاتِ وَهُوَ يُقْرِئُ رَجُلًا، فَبَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَكَفَّ الرَّجُلُ عَنْهُ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «مَا لَكَ؟» قَالَ: إِنَّكَ بُلْتَ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «إِنِّي لَسْتُ بِجُنُبٍ»

علي بن أبي طالب :

ابن أبي شيبة (1086) والبيهقي في السنن الكبرى (417) وابن المنذر في الأوسط (619) عَنْ أَبِي الْغَرِيفِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «لَا يَقْرَأُ وَلَا حَرْفًا» يَعْنِي: الْجُنُبَ
قال البيهقي في السنن الكبرى (417) رَوَى أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: " اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ تَكُنْ جُنُبًا " وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ

وفي رواية عبد الرزاق (1306) وأبو نعيم الفضل بن دكين في الصلاة (136) وابن المنذر (620) عن أَبي الْغَرِيفِ الْهَمْدَانِيَّ يَقُولُ: شَهِدْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بَالَ، ثُمَّ قَالَ: «اقْرَءُوَا الْقُرْآنَ مَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُكُمْ جُنُبًا، فَإِذَا كَانَ جُنُبًا فَلَا وَلَا حَرْفًا وَاحِدًا» زاد أبو نعيم : وَلَكِنِ اذْكُرِ اللَّهَ وَسَبِّحْ »في رواية الدارقطني في سننه (1/118) : عن عامر بن السِّمط ثنا أبو الغريف الهمدانيُ قال: كنا مع عليٍّ عليه السَلام في الرَحبة، فخرج إلى أقصى الرَّحبة، فوالله ما أدرى أبولاً أحدث أم غائطاً؟ ثمَّ جاء فدعا بكوزٍ من ماءٍ، فغسل كفَّيه ثمَّ قبضهما إليه، ثم قرأ صدراً من القرآن، ثمَّ قال: اقرؤوا القرآن ما لم يصب أحدكم جنابةً، فإن أصابه فلا ولا حرفاً واحداً ) قال الدَارَقُطْنِيُ: صحيحٌ عن عليٍّ .وروى الفضل بن دكين في كتاب الصلاة (137) - حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ «كَرِهَ أَنْ يَقْرَأَ وَهُوَ جُنُبٌ»

جابر بن عبد الله الأنصاري :

روى الدارقطني في سننه (1/121) عن يحيى بن أبي أنيسة عن أبي الزبير عن جابر قال: لا تقرأ الحائض ولا الجنب ولا النفساء القرآن ) (قلت) لكن قال الدارقطني يحي ضعيف لكن وقد تابع ابنُ لهيعة يحي كما عند ابن المنذر في الأوسط (621) فاحتمال صحته وارد .

سعد بن أبي وقاص وسعد الخير :

روى الدولابي في الكنى (210) وابن عساكر في تاريخه (48/249) بسنده إلى أَبي فِرَاسٍ الشَّعْبَانِيَّ يَقُولُ: إِنَّهُمْ كَانُوا غَزَاةَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ زَمَنَ مُعَاوِيَةَ , وَعَلَيْنَا يَزِيدُ بْنُ شَجَرَةَ , فَبَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَهُ إِذْ مَرَّ بِهِ أَبُو سَعْدِ الْخَيْرِ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعْدٍ أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ الْجُنُبُ الْقُرْآنَ ؟ فَقَالَ أَبُو سَعْدٍ: أَنَا الَّذِي أَقُولُ إِنَّ الْجُنُبَ إِذَا تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ الْآيَةَ وَالْآيَتَيْنِ وَأَيْمُ اللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَصْنَعُونَ مَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْكُمْ مِنْ ذَلِكَ قَالُوا: مَا هُوَ؟ قَالَ: تَأْكُلُونَ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ ثُمَّ تُصَلُّونَ وَلَا تَتَوَضَّئُونَ وَأَنَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ وَغَلَتْ بِهِ الْمَرَاجِلُ »

سلمان الفارسي :

روى الطحاوي في مشكل الآثار (579) وذكره في إتحاف المهرة (5913) حَدَّثَنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عُزْرَةَ، عَنْ سَلْمَانَ أَنَّهُ أَحْدَثَ فَجَعَلَ يَقْرَأُ فَقِيلَ لَهُ: أَتَقْرَأُ وَقَدْ أَحْدَثْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ , إِنِّي لَسْتُ بِجُنُبٍ "

عبد الله بن عمر :

أخرج الترمذي (131) والنسائي في سننه (1479)، وابن ماجة (595) ، وعبد الله بن أحمد في ((العلل)) (2/ 300) ، والدارقطني (1/ 117) ، والحسن بن عرفة في ((جزئه)) (60) ، وابن عدي في ((الكامل)) (1/ 294) (4/ 1391) ، والعقيلي في ((الضعفاء)) (1/ 90) ، ، والبيهقي (1/ 89) ، والخطيب (2/ 145) عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَقَالَ: «لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ وَلَا الْحَائِضُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ» (قلت) وقد روي مرفوعا ولا يصح رفعه .

أبو هريرة :

روى الدارمي في السنن (1040) بسند جيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ( أَرْبَعٌ لَا يَحْرُمْنَ عَلَى جُنُبٍ وَلَا حَائِضٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ).

عبد الله بن رواحة :

قال بن قدامة في كتاب إثبات العلو (52) : وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ الاسْتِيعَابِ: رُوِّينَا مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رواحة مشى ليلة إِلَى أَمَةٍ لَهُ فَنَالَهَا، فَرَأَتْهُ امْرَأَتُهُ فَلَامَتْهُ، فَجَحَدَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَاقْرَإِ الْقُرْآنَ، فَإِنَّ الْجُنُبَ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ:
شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَــقٌّ        وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِـــــرِينَا
وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ     وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا
وَتَحمِلُهُ مَلَائِكَةٌ كِـــرَامٌ           وَأَمْلَاكُ الإِلَــهِ مُسَـــــوَّمِينَا
فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ صَدَقَ اللَّهُ ، وَكَذَبَتْ عَيْنِي، وَكَانَتْ لَا تَحْفَظُ الْقُرْآنَ .
[ انظر: الاستيعاب لابن عبد البر بهامش الإصابة 2/296. 
وأخرجه الدارمي في الرد على الجهمية ص 27، طبع المكتب الإسلامي. وأورده الذهبي في العلو ص 42، وقال: روي عن وجوه مرسلة، منها يحيى بن أيوب المصري، حدثنا عمارة بن غزبة، عن قدامة بن محمد بن إبراهيم الحاطبي، فذكره، فهو منقطع.
وله لفظ آخر : أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه 8/697]ورواه من طريقه ابن قدامة في إثبات العلو (53) من طريق أَبي أُسَامَةَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ جَارِيَةٌ، وَكَانَ يُكَاتِمُ امْرَأَتَهُ غَشَيَانَهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا ذَاتَ يَوْمٍ، فَاتَّهَمَتْهُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ عَلَيْهَا، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَقَالَتْ لَهُ: اقرأ القرآن إذاً، فَقَالَ:

شهدت بإذن الله أَنَّ مُحَمَّدًا ... رَسُولُ الَّذِي فَوْقَ السَّمَاوَاتِ مِنْ عَلِ
وَأَنَّ أَبَا يَحْيَى وَيَحْيَى كِلَاهُمَا ... لَهُ عَمـَلٌ مِـنْ ربـه مـــتــقـــبل
فقالت : أَوْلَى لَكَ .

وفي سنن الدارقطني (1/120- 121) عن زَمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة قال: كان عبد الله بن رواحة مضطجعاً إلى جنب امرأته، فقام إلى جارية له في ناحية الحجرة، فوقع عليها، وفزعت امرأته فلم تجده في مضجعه، فقامت فخرجت فرأته على جاريته، فرجعت إلى البيت فأخذت الشَّفرة، ثمَّ خرجت وفرغ، فقام فلقيها تحمل الشَفرة، فقال: مَهْيَم؟ قالت: لو أدركتك حيث رأيتك لوجأت بين كتفيك بهذه الشَفرة قال: وأين رأيتني؟
قالت: رأيتك على الجارية فقال: ما رأيتني، وقد نهانا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنبٌ قالت: فاقرأ فقال:
أتانا رســـول الله يتلو كـتابه ... كما لاح مشهور من الفجر ساطع
أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقـنات أنَ مـــا قــال واقـــع
يبيت يجافي جنبه عن فراشِـه ...إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
فقالت: آمنت بالله، وكذَّبت البصر ، ثُمَّ غدا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره، فضحك حتَّى بدت نواجذه ) .
رواه الدَارَقُطنيُ هكذا مرسلاً، ورواه من وجهِ آخر عن زَمعة عن سلمة عن عكرمة عن ابن عبَاسِ متصلاً وكثرة المراسيل التي فيه تدل على أن القصة لها أصل صحيح والله أعلم .



فصل : ماروي عن أئمة التابعين في منع الحنب والحائض من قراءة القرآن :

وردت إلينا عدة آثار عن التابعين ممن منع قراءة القرآن للحائض والجنب مطلقا دون تفريق بينهما في شيء منهم : شقيق بن سلمة أبو وائل وابن المسيب ومجاهد وعكرمة وعبيدة السلماني وابن سيرين والأسود والزهري وعامر الشعبي والحسن وقتادة وعطاء وأبو العالية وسعيد بن جبير وجابر زيد ومن بعدهم إبراهيم النخعي ومعمر بن راشد وهشام بن حسان وابن جريج والثوري والأوزاعي وبن المبارك، وقال به من الأئمة الفقهاء : الشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق وغيرهم وهاهي غير مرتبة إنما نسردها سردا فنقول :

وروى بن أبي شيبة (1094) عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: « لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ الْقُرْآنَ» قَالَ فَذَكَرْتُهُ لِإِبْرَاهِيمَ، فَكَرِهَهُ » 

وروى ابن أبي شيبة (1082) عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: «لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ»

وروى بن أبي شيبة (1087) عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ:لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَا آيَةً، وَقَالَ:إِنَّهُ إِذَا قَرَأَ صَلَّى .                                             

روى عبد الرزاق (1302) عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ، عَنِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ أَيَذْكُرَانِ اللَّهَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: أَفَيَقْرَآنِ الْقُرْآنَ ؟ قَالَ: «لَا» قَالَ مَعْمَرٌ: وَكَانَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، يَقُولَانِ: «لَا يَقْرَآنِ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ»

وفي مسند بن الجعد (3231) عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: « الْجُنُبُ لَا يَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا »

روى عبد الرزاق (1303) عن ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ مِنَ الْقُرْآنِ فَقَالَ: «أَمَّا الْحَائِضُ فَلَا تَقْرَأُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْجُنُبُ فَالْآيَةُ ينفذها »

روى ابن أبي شيبة (1083) عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : «لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ الْقُرْآنَ»

روى الدارمي في السنن (1033) عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: " أَرْبَعَةٌ لَا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ: عِنْدَ الْخَلَاءِ، وَفِي الْحَمَّامِ، وَالْجُنُبُ وَالْحَائِضُ، إِلَّا الْآيَةَ وَنَحْوَهَا لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ " 

 وروى بن أبي شيبة (1084) والدارمي في السنن (1031) عَنْ عَامِرٍ قَالَ: « الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ لَا يَقْرَآنِ الْقُرْآنَ » 

 وروى ابن أبي شيبة (1085) عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: «لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ الْقُرْآنَ»

ورواه الدارمي في السنن (1038) بلفظ أتم عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كَانَ يُقَالُ: " لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ، وَلَا الْحَائِضُ، وَلَا يُقْرَأُ فِي الْحَمَّامِ، وَحَالَانِ لَا يَذْكُرُ الْعَبْدُ فِيهِمَا اللَّهَ: عِنْدَ الْخَلَاءِ وَعِنْدَ الْجِمَاعِ، إِلَّا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ، بَدَأَ فَسَمَّى اللَّهَ ) "

روى عبد الرزاق (1309) عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ : الْجُنُبُ يُسَبِّحُ وَيَحْمَدُ اللَّهَ ، وَيَدْعُو، وَلَا يَقْرَأُ آيَةً وَاحِدَةً »

روى ابن أبي شيبة (1095) والدارمي (1035) عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: « الْحَائِضُ لَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ .

وروى بن أبي شيبة (1096) عَنْ ابن سيرين قَالَ: «الْحَائِضُ لَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ»

روى النسائي في سننه (1480) والبيهقي في السنن (1/ 309) عن الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: سُئِلَ الزُّهْرِيُّ عَنِ الْجُنُبِ وَالنُّفَسَاءِ، وَالْحَائِضِ فَقَالَ: " لَمْ يُرَخَّصْ لَهُمْ أَنْ يَقْرَءُوا مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا " 

قال ذاك البيهقي : وَرُوِّينَاهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، ثُمَّ عَنْ عَطَاءٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالنَّخَعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي الْحَائِضِ لَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ.

قال ابن المنذر في الأوسط (2/97) : عنَ عُبَيْدَةُ : الْجُنُبُ مِثْلُ الْحَائِضِ ، وَقَالَ عَطَاءٌ: الْحَائِضُ لَا تَقْرَأُ شَيْئًا وَالْجُنُبُ الْآيَةُ يُنْفِذُهَا ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَإِبْرَاهِيمُ وَالزُّهْرِيُّ وَابْنُ جُبَيْرٍ: الْحَائِضُ لَا تَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: الْحَائِضُ لَا تَتِمُّ الْآيَةَ ) اهـــ


فصل : مذهب الإمام الشافعي :

قال ابن المنذر في الأوسط (2/97) : وحَكَى الرَّبِيعُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ وَلَا الْحَائِضُ وَلَا يَحْمِلَانِ الْمُصْحَفَ ) اهـــ .

قال البيهقي في معرفة السنن والآثار (774) حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّهُ بَعَثَ رَجُلَيْنٍ، فَقَالَ: «إِنَّكُمَا عَلْجَانِ. فَعَالِجَا عَنْ دِينِكُمَا، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ أَوْ يَحْجُرُهُ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، لَيْسَ الْجَنَابَةَ» ثم قال : رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي سُنَنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، مُخْتَصَرًا ثُمَّ قَالَ: " إِنْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتًا فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ تَجُورُ لِغَيْرِ الطَّاهِرِ، مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا، فَإِذَا كَانَ جُنُبًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ، وَالْحَائِضُ فِي مِثْلِ حَالِ الْجُنُبِ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَشَدَّ نَجَاسَةً مِنْهُ،وَذَكَرَهُ فِي كِتَابِ جِمَاعِ الطُّهُورِ ثُمَّ قَالَ وَأُحِبُّ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ أَنْ يَدَعَا الْقُرْآنَ حَتَّى يَطْهُرَا احْتِيَاطًا لِمَا رُوِيَ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُ الْحَدِيثِ يُثْبِتُونَهُ ) اهـــ .

فصل : مذهب الإمام أحمد وإسحاق :

جاء في طبقات الحنابلة (1/333) والمقصد الأرشد لابن مفلح (3/8)عن موسى بن عيسى الجصاص عن أحمد قال : لا يقرأ الجنب شيئاً من القرآن، والتسبيح رُخّص فيه، أما أن يتعمد الآية أو السورة ، لا يُعجبني ) .

وفي مسائل الكوسج(62) قلت: يقرأ الجنب من القرآن ؟
قال: طرف الآية والشيء كذلك والتسبيح ، فأما أن يتعمد الآية والسورة فما يعجبني ، قال إسحاق: كما قال ) .

قال ابن المنذر في الأوسط (2/97) : وَكَانَ أَحْمَدُ يَكْرَهُ أَنْ تَقْرَأَ الْحَائِضُ وَذَكَرَ الْجُنُبَ فَقَالَ: أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَقَالَ: وَلَا حَرْفَ، الْأَثْرَمُ عَنْهُ ) اهـــ

في مسائل أبي داود (ص39) : قُلْتُ لِأَحْمَدَ : الْحَائِضُ لَا تَقْرَأُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ ؟ قَالَ: لَا ، وَتُسَبِّحُ وَتَذْكُرُ اللَّهَ ، وَقَالَ : الْحَائِضُ أَشَدُّ مِنَ الْجُنُبِ ، وَرَخَّصَ فِي الْكَلِمَةِ يَقْرَؤُهَا )

قال ابن رجب في شرح البخاري (1/429) : وجه هذا : أن حدث الحيض أشد من حدث الجنابة ، فإنه يمنع ما يمنع منه حدث الجنابة وزيادة ، وهي الوطء والصوم ) اهـ

فصل : مذهب الإمام مالك :

قال ابن المنذر في الأوسط (2/98) : وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ الْقُرْآنَ إِلَّا أَنْ يَتَعَوَّذَ بِالْآيَةِ وَالْآيَتَيْنِ عِنْدَ مَنَامِهِ وَلَا يَدْخُلِ الْمَسْجِدَ إِلَّا عَابِرَ سَبِيلٍ وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ.

في النوادر والزيادات للقيرواني(1/123 ـــ 124) : قال ابن حبيب: لا يجوز لِلْجُنُبِ أن يقرأ القرآنَ، لا نَظَرًا ولا ظاهِرًا، حتى يَغْتَسلَ.

قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إلاَّ أنَّ مالكًا قال: لا بأس أنْ يقرأ الجُنُبُ الآيات عند نوم أو عند رَوْعٍ. قال مالك: ولقد حرَصْتُ أنْ أجِدَ في قراءة الجُنُبِ القرآن رُخْصَةً فما وَجَدْتُها.

قال مالك، في المختصر: لا يقرأ لجُنُبُ إلاَّ الآياتِ اليسيرة.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ولا بأس أن يقرأ الرَّجُلُ القرآن قائمًا، وقاعدًا، وماشيًا، وراكبًا، ومضطجعًا، ما لم يكُنْ جُنُبًا ).

فصل : في اختلاف السلف في قراءة الآية الواحدة للجنب والحائض :

مما يدل على صحة المنع لقراءة القرآن للجنب والحائض ، أن السلف اختلفوا في قراءة آية واحدة فقط بين مرخص فيها وبين مانع ، وبين مفصل في ذلك ، وكل ذلك يدل على شدة منع قراءة القرآن للجنب والحائض .

الأول : من منع مطلقا : 

في أثرعلي رضي الله عنه السابق شدد حتى في قراءة الحرف ، فقال ( لا يقرأ ولا حرفا )
روى عبد الرزاق (1309) عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ : الْجُنُبُ يُسَبِّحُ وَيَحْمَدُ اللَّهَ ، وَيَدْعُو، وَلَا يَقْرَأُ آيَةً وَاحِدَةً »

الثاني : من رخص في الآية دون أن يتمها :

روى الدولابي في الكنى (210) بسنده إلى أَبي فِرَاسٍ الشَّعْبَانِيَّ يَقُولُ: إِنَّهُمْ كَانُوا غَزَاةَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ زَمَنَ مُعَاوِيَةَ , وَعَلَيْنَا يَزِيدُ بْنُ شَجَرَةَ , فَبَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَهُ إِذْ مَرَّ بِهِ أَبُو سَعْدِ الْخَيْرِ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعْدٍ أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ الْجُنُبُ الْقُرْآنَ ؟ فَقَالَ أَبُو سَعْدٍ: أَنَا الَّذِي أَقُولُ إِنَّ الْجُنُبَ إِذَا تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ الْآيَةَ وَالْآيَتَيْنِ وَأَيْمُ اللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَصْنَعُونَ مَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْكُمْ مِنْ ذَلِكَ قَالُوا: مَا هُوَ؟ قَالَ: تَأْكُلُونَ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ ثُمَّ تُصَلُّونَ وَلَا تَتَوَضَّئُونَ وَأَنَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ وَغَلَتْ بِهِ الْمَرَاجِلُ »

قال ذاك البيهقي في السنن الكبرى (417) وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: " لَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ الْجُنُبُ الْآيَةَ وَنَحْوَهَا، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " الْآيَةَ وَالْآيَتَيْنِ " وَمَنْ خَالَفَهُ أَكْثَرُ، وَفِيهِمْ إِمَامَانِ، وَمَعَهُمْ ظَاهِرُ الْخَبَرِ .

روى بن أبي شيبة (1090) والدارمي في السنن (1034) عَنْ حَجَّاجٍ قال عَنْ عَطَاءٍ، وَعَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ يَسْتَفْتَحُونَ رَأْسَ الْآيَةِ وَلَا يُتِمُّونَ آخِرَهَا.

وروى ابن أبي شيبة (1097) وأبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب الصلاة (138) عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: «تَقْرَأُ مِمَّا دُونَ الْآيَةِ، وَلَا تَقْرَأُ آيَةً تَامَّةً» في رواية أبي نعيم : قَالَ: «لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ آيَةً تَامَّةً»

ذكر ابن المنذر في الأوسط (2/98) بدون سند أن الأوزاعى قال : لا يقرأ الجنب إلا آية الركوبوآية النزول: ( سبحان الذى سخر لنا هذا) [الزخرف: 13] الآية( وقل رب أنزلنى منزلا مباركًا) [المؤمنون: 29]

روى الدارمي (1039) عَنْ عَطَاءٍ فِي الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ تَقْرَأُ قَالَ: «لَا ، إِلَّا طَرَفَ الْآيَةِ»قال الترمذي في السنن : وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلِ: سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، قَالُوا: لاَ تَقْرَأِ الحَائِضُ وَلاَ الجُنُبُ مِنَ القُرْآنِ شَيْئًا، إِلاَّ طَرَفَ الآيَةِ وَالحَرْفَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَرَخَّصُوا لِلْجُنُبِ وَالحَائِضِ فِي التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ ) .

وممن رخص في الآية والآيتين :

روى ابن المنذر في الأوسط (623) و أبو العباس الأصم في جزءه (178) من طريق بقية حدثنا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُكْمِلٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ لا بَأْسَ أن يقرأ الجنب الآية ونحوها.

روى ابن أبي شيبة (1088) عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَقْرَأَ الْجُنُبُ الْآيَةَ وَالْآيَتَيْنِ "روى ابن أبي شيبة (1089) عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَقْرَأَ الْجُنُبُ الْآيَةَ وَالْآيَتَيْنِ .

روى ابن أبي شيبة (1092) عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ: يَقْرَأُ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ قَالَ: «الْآيَةَ وَالْآيَتَيْنِ»

روى الدارمي في السنن (1030) عن سُفْيَانُ قَالَ بَلَغَنِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُمَا: قَالَا «لَا يَقْرَأِ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ آيَةً تَامَّةً، يَقْرَآنِ الْحَرْفَ»

روى الدارمي في السنن (1033) عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: " أَرْبَعَةٌ لَا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ: عِنْدَ الْخَلَاءِ، وَفِي الْحَمَّامِ، وَالْجُنُبُ وَالْحَائِضُ، إِلَّا الْآيَةَ وَنَحْوَهَا لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ "

روى ابن أبي شيبة (1093) عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ مُغَفَّلٍ، مِثْلَ ذلك .

روى عبد الرزاق (1308) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَارِقٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ الْمُسَيِّبِ، أَيَقْرَأُ الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»

(قلت) يقصد الآية والآيتين ، لأنه نهى عن قراءة القرآن مطلقا ، وستأتي الرواية الثانية المروية عنه في إباحة القراءة مطلقا والكلام عليها . 

في النوادر للقيرواني (1/124) قال مالك في المختصر: لا يقرأ لجُنُبُ إلاَّ الآياتِ اليسيرة ) .

فصل : الجواب على من فرق بين الجنب والحائض :

إن قيل : إن الجنب أمره بيده متى اغتسل حلت له القراءة ، بخلاف الحائض والنفساء ليس أمرهما بيدهما فلو منعتستطول مدتها ولا تقرأ القرآن أو تنساه ، وسيضعف إيمانها جدا !؟ 

وقد روي نحو هذا الكلام عن مالك ، كما في النوادر والزيادات (1/123) : قال مالك في المختصر: ولا بأس بأن تقرأ الحائض القرآن، بخلاف الجُنُبِ.

قال ابن المنذر في الأوسط (2/98) : وَأَمَّا الْحَائِضُ وَمَنْ سِوَاهَا فَلَا يُكْرَهُ لَهَا أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ لِأَنَّ أَمْرَهَا يَطُولُ فَلَا تَدَعِ الْقُرْآنَ وَالْجُنُبُ لَيْسَ كَحَالِهَا ) اهـــ، 

ونقل ذاك الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء (1/173) : وَقَالَ مَالك تقْرَأ النُّفَسَاء وَالْحَائِض مَا شاءتا وَأما الْجنب فَلَا يقْرَأ إِلَّا الشَّيْء الْخَفِيف ) اهـ

قال ابن رجب في الفتح (1/428)وحكى أبو ثور ذَلِكَ عن الشافعي، وأنكره أصحاب الشافعي عنه ) اهــــ.

فنجيب على هذا بقولنا:

أولا : إن الحائض أشد من الجنب فإذا منع الجنب من قراءة القرآن فالحائض أولى :ولهذا شدد السلف في الحائض وقال لا تقرأ ولا آية ورخص الآية واللآيتين للجنب ، فقد روى عبد الرزاق (1303) عن ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ مِنَ الْقُرْآنِ فَقَالَ: « أَمَّا الْحَائِضُ فَلَا تَقْرَأُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْجُنُبُ فَالْآيَةُ ينفذها » وفي رواية بن جرير عنه كما ذكرها ابن رجب في الفتح (1/429) :عن عطاء قالَ: الحائض أشد شأناً من الجنب، الحائض لا تقرأ شيئاً من القرآن والجنب يقرأ الآية ).                           قال ابن رجب معلقا : ووجه هذا: أن حدثَ الحيض أشد من حدث الجنابة ، فإنه يمنع ما يمنع منه حدث الجنابة وزيادة، وهي الوطء والصوم، وما قيل من خشية النسيان فإنه يندفع بتذكر القرآن بالقلب، وهو غير ممنوع به ) اهــ

وفي مسائل أبي داود (ص39) : قُلْتُ لِأَحْمَدَ : الْحَائِضُ لَا تَقْرَأُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ ؟ قَالَ: لَا ، وَتُسَبِّحُ وَتَذْكُرُ اللَّهَ ، وَقَالَ : الْحَائِضُ أَشَدُّ مِنَ الْجُنُبِ ، وَرَخَّصَ فِي الْكَلِمَةِ يَقْرَؤُهَا ) 

ثانيا : أنهما منعتا أكثر من ذلك( الصلاة والصوم )فالقرآن أولى وأولى . وذكر البيهقي في الشعب (1933) قَالَ ذاك الْحَلِيمِيُّ : الْحَيْضُ أَشَدُّ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَهُوَ بِتَحْرِيمِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْحَائِضِ أَوْلَى ) اهـ 
ثالثا : أن السلف من الصحابة والتابعين على خلاف هذا القول فإنهم لم يفرقوا بين الحائض والجنب ، ولم يرد عنهم شيء من التفريق بل بعضهم شدد على الحائض أكثر ، مع العلم أن يعلمون بأن الحائض قد يطول مدتها لقراءة القرآن ويعلمون بحالة النفساء ومع ذلك لم يرخصوا في شيء من ذلك ، فدل على كلام مالك بناه على رأيه لا على أثر. 

رابعا :ذكر ابن رجب في الفتح (1/428) عن مالك في الحائض روايتان إحداهما هي كالجنب )

خامسا :ومع ذلك وردت آثار عن السلف ذكروا لها بديلا مناسبا لحالتها حتى تحافظ على إيمانها ، وهي أن تتوضأ في كل صلاة وتجلس في مصلاها من بيتها وتــذكر الله وتسبح وتهللوقد وردت عدة آثار حسنة في الباب يحسن أن نذكرها :

فصل : البديل الحسن للحائض والنفساء والجنب :

روى الدارمي في السنن (1040) بسند جيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: " أَرْبَعٌ لَا يَحْرُمْنَ عَلَى جُنُبٍ وَلَا حَائِضٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ) .

روى ابن أبي شيبة (7270) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: «أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ الْمَرْأَةَ الْحَائِضَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ أَنْ تَتَوَضَّأَ وَتَجْلِسَ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَتَذْكُرَ اللَّهَ، وَتُهَلِّلَ وَتُسَبِّحَ»

روى عبد الرزاق (1306) وأبو نعيم الفضل بن دكين في الصلاة (136) عن أَبي الْغَرِيفِ الْهَمْدَانِيَّ يَقُولُ: شَهِدْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بَالَ، ثُمَّ قَالَ: «اقْرَءُوَا الْقُرْآنَ مَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُكُمْ جُنُبًا، فَإِذَا كَانَ جُنُبًا فَلَا وَلَا حَرْفًا وَاحِدًا» زاد أبو نعيم : وَلَكِنِ اذْكُرِ اللَّهَ وَسَبِّحْ »

روى عبد الرزاق (1304) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ يَذْكُرَانِ اللَّهَ ؟ قَالَ: «نَعَمْ»

روى ابن أبي شيبة(7271)عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: «إِنَّا لَنَأْمُرُ نِسَاءَنَا فِي الْحَيْضِ أَنْ يَتَوَضَّأْنَ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، ثُمَّ يَجْلِسْنَ وَيُسَبِّحْنَ وَيَذْكُرْنَ اللَّهَ»

روى عبد الرزاق (1305) والدارمي في السنن (1029) عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: «الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ يَذْكُرَانِ اللَّهَ وَيُسَمِّيَانِ»

وروى ابن أبي شيبة (7266) عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْحَائِضِ: «تُنَظِّفُ وَتَتَّخِذُ مَكَانًا فِي مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ تَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ»

وروى الفضل بن دكين في كتاب الصلاة (139) عَنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: «الْجُنُبُ يُسَمِّي وَيَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى»

روى ابن أبي شيبة (7272) عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي الْحَائِضِ: «تَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَتَذْكُرُ اللَّهَ»

روى عبد الرزاق (1309) عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ : « الْجُنُبُ يُسَبِّحُ وَيَحْمَدُ اللَّهَ ، وَيَدْعُو، وَلَا يَقْرَأُ آيَةً وَاحِدَةً »

روى الدارمي (1037) عن قَتَادَةُ قَالَ: الْجُنُبُ يَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى 


فائدة : كرهوا حتى كتابة القرآن للجنب :

روى الفضل بن دكين في الصلاة (140) وبوب ( بَابُ الْجُنُبِ يَكْتُبُ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] ثم روى عن سُفْيَانُ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ " كَرِهَ أَنْ يَكْتُبَ الْجُنُبُ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] "

فصل : ما يخالف مرويات الباب (إشكالات وجوابها) :

ورد في الباب ما يعكر صفوه من بعض الروايات التي شذت وخالفت جماهير السلف من الصحابة والتابعين ، والتي لا زال يفتي بها أحيانا الواحد في القرن بعد الواحد مع أنها أدلة ضعيفة في مقابل عشرات الآثار والأدلة :

الأثر الأول : روى الدارمي (1036) أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، وَأَبُو نُعَيْمٍ قَالَا: أَنبَأَنَا السَّائِبُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَاكَانَتْ «تَرْقِي أَسْمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَهِيَ عَارِكٌ» (قلت) عارك أي حائض .

الجواب : استدل بعضهم بهذا الأثر على جواز قراءة الحائض لقرآن !! ، وليس فيه أي حجة ، إذ ليس فيه أنها قرأت عليها القرآن ، فإنه كما نعلم قد تكون الرقية بالأذكار والأدعية النافعة والظاهر أنها كانت تستعملها هنا .

الأثر الثاني : روى ابن المنذر في الأوسط (622) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، ثنا أَبُو عُبَيْدَةَ، ثنا عُبَيْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ، مِنْ بَنِي عَبَّابٍ النَّاجِيِّ قَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ وَهُوَ جُنُبٌ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: مَا فِي جَوْفِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ )

(قلت) علقه البخاري في صحيحه (1/423 ــ شرح بن رجب ) ووصله ذاك العسقلاني في تغليق التعليق (2/171 ـــ 172) فذكره من طريق بن المنذر ، تفرد بذكر الإسناد بن المنذر ، وليس له إسناد سوى هذا ، وعبيد بن عبيدة : لم أعرفه ، ولم أجد بهذا الإسم إلا عبيد بن عبيدة بن مرة التمار يروي كثيرا عن معتمر بن سليمان ، فإن كان هو المقصود فقد قال الهيثمي في المجمع (7/45) لم أعرفه !

(قلت) ذكره ابن حبان في الثقات وقال يغرب . قال الدارقطني في المؤتلف والمختلف : عُبَيْد بن عبيدة , يَرْوي عن معتمر بن سُلَيْمان وغيره بَصْريّ , رَوَى عَنْه مُحمَّد بن غالب تمتام , ومُحمَّد بن إبراهيم البُوشَنْجِيّ , وعَبد الله بن الدورقي , وغيرهم ) اهـــ 

وقال الذهبي في الميزان (256) : قال الدارقطني : يحدث عن معتمر بغرائب لم يأت بها غيره وحدث عنه البوشنجي ) اهـــ
والعلة : أنه إن كان هو المقصود في السند فإن السند معضل فعبيد بن عبيدة هذا يروي عن المعتمر بن سليمان الذي مات سنة سبع وثمانين ومئة بالبصرة.
وإن كان هو آخر كما هو الظاهر ويدل عليه قوله (مِنْ بَنِي عَبَّابٍ النَّاجِيِّ )فلم أعرفه ولم أجد له ترجمة، وأنه أيضا متقدم في طبقة التابعين .

الأثر الثالث : وروى ابن المنذر (624) وَحَدَّثُونَا عَنْ مَحْمُودِ بْنِ آدَمَ، ثنا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، ثنا الْحُسَيْنُ يَعْنِي ابْنَ وَاقِدٍ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ وِرْدَهُ وَهُوَ جُنُبٌ ) وذكره ابن حجر في التغليق (2/172) وقال إسناده صحيح  
(قلت) كيف وفيه جهالة من روى عنهم ابن المنذر في قوله (حدثونا) فإنه لم يوضح من حدثه بذلك ، ثم إن الحسين بن واقدوإن وثقه بعضهم فقد ضعفه بعض أهل الحديث فلا أدري كيف يتغافل عن كلامهم ويصحح الإسناد مطلقا !! فقد ذكره العقيلي في الضعفاء وروى أبو بكر الأثرم قال: ذكر أبو عبد الله حسين بن واقد فقال: وأحاديث حسين ما أدري أي شيء هي، ونفض يده"    [ الضعفاء للعقيلي (1/251) وذكر العقيلي حديثا رواه الحسين بن واقد أنه عرض على أحمد فَأَنْكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ: مَنْ رَوَى هَذَا؟ قِيلَ لَهُ: الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، فَقَالَ بِيَدِهِ وَحَرَّكَ رَأْسَهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَرْضَهُ) وَقَال الساجي: فيه نظر، وهو صدوق يهم ، وَقَال أبو يعلي الخليلي: يدلس عن عكرمة مولى ابن عباس ولم يلقه [ الارشاد، الورقة (38) ]

وأخاف أن يكون غير في المعنى وأن يكون الذي فعله بن عباس أنه يقرأ ورده وهو على غير طهارة ، ففسرها بن واقد أنه جنب ، والله أعلم .
وعلى كل حال : إن صح هذا عن ابن عباس فقد روي عنه أيضا ما يخالف هذا :

فقد روى ابن المنذر (623) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، أنا بَقِيَّةُ عَنْ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُكْمِلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ الْجُنُبُ الْآيَةَ وَنَحْوَهَا ) 

(قلت) فهذا يدل على أنه يكره قراءة ما سوى ذلك .

وروى ابن المنذر في الأوسط (2/221) قال حدثنا عثمان بن عمر نا عتبة بن عبد الله ، أنا أبو غانم يونس بن نافع عن أبي مجلز قال : دخلت على ابن عباس فقلت له : أيقرأ الجنب القرآن ؟ قال : دخلت علي وقد قرأت سبع القرآن وأنا جنب ) 

(قلت) أثر ضعيف في سنده أبو غانم ضعيف وفيه جهالة ، ذكره البخاري وابن أبي حاتم فلم يذكرا فيه شيئا ، لم يوثقه غير بن حبان وقال عنه يخطئ وقال السليماني : منكر الحديث [ أنظر تاريخ البخاري الكبير: 8 / الترجمة (3534)والجرح والتعديل: (9 / الترجمة 1038) وثقات ابن حبان (7 / 650) والميزان (9921) ]

ومما يشكك في الآثر الأول أيضا : أننا لم نجد تلامذة بن عباس على ذلك القول بل على خلافه ، إذ منعوا من قراءة الجنب والحائض للقرآن وعلى رأسهم مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وبن المسيب في إحدى الروايات الصريحة عنه ، وابن سيرين وعطاء وقتادة ، وهذا مما يدخل الشك في ثبوت تلك الرواية عن ابن عباس زيادة على ضعف إسنادها ، ولهذا قال مالك لقد حرصت أن أجد رخصة للجنب يقرأ القرآن فلم أجدها ، فإنه لو صح كلام ابن عباس لقال به ولوجده ، لأن مذهب ابن عباس اعتنى به الناس وانتشر جدا ووقف عليه مالك .

الأثر الرابع : روى ابن حزمفي المحلى (1/93) : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ عَنْ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَضَّاحٍ عن مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ ثنا يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ السَّمْتِيُّ ثنا إدْرِيسُ عَنْ حَمَّادٍ قَالَ سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ الْجُنُبِ هَلْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ فَقَالَ: وَكَيْفَ لَا يَقْرَؤُهُ وَهُوَ فِي جَوْفِهِ وَبِهِ إلَى يُوسُفَ السَّمْتِيِّ عَنْ نَصْرٍ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ الْبَقَرَةَ وَهُوَ جُنُبٌ. )

(قلت) ابن حزم رجل يرمي غيره بالجهل وينسى نفسه ، فمن العجائب أنه طعن في كل الروايات التي فيها المنع من قراءة الجنب والحائض للقرآن ، وقال كلها دون استثناء ضعيفة !! وهاهو هنا يروي عن يوسف السمتي الكذاب دون حياء ! 

قال عبد الله بن أحمد في العلل (3932): سَمِعت يحيى وَذكر يُوسُف بن خَالِد السَّمْتِي فَقَالَ : كَذَّاب خَبِيث عَدو الله رجل سوء يخاصم للدّين لَا يحدث عَنهُ أحد فِيهِ خير رَأَيْته مَا لَا أحصي بِالْبَصْرَةِ) اهـــ .

الأثر السادس : قال ابن حزم أيضا(1/93):أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا غُنْدَرٌ ثنا شُعْبَةُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ الْجُنُبِ يَقْرَأُ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا وَقَالَ أَلَيْسَ فِي جَوْفِهِ الْقُرْآنُ ؟ ) اهـــ

(قلت) فهذا وإن تفرد به ابن حزم وهو مغموز في دينه ، فرجاله ثقات إلى حماد بن أبي سليمان المتهم في دينه هو الآخر ، بل وفي صدقه فقد كان الأعمش والنخعي وغيرهما يقولان ومن يصدّق حماد ؟ وقد وقع خلاف في تعيين المسؤول من ؟ هل هو بن جبير أم بن المسيب ؟ ، فرواه ابن بطة في الإبانة الكبرى (2282) بسند آخر عن شعبة عن حماد أنه سأل ابن المسيب لا سعيد بن جبير !! لكن على فرض صحته عن بن جبير ، فإنأكثر الروايات عن سعيد بن جبير تخالف هذا صريحا:

فقد روى ابن أبي شيبة (1092) عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ: يَقْرَأُ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ قَالَ: «الْآيَةَ وَالْآيَتَيْنِ» 

روى الدارمي في السنن (1030) عن سُفْيَانُ قَالَ بَلَغَنِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُمَا: قَالَا «لَا يَقْرَأِ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ آيَةً تَامَّةً، يَقْرَآنِ الْحَرْفَ» 

وروى بن أبي شيبة (1090) والدارمي في السنن (1034) عَنْ حَجَّاجٍ قال عَنْ عَطَاءٍ، وَعَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ يَسْتَفْتَحُونَ رَأْسَ الْآيَةِ وَلَا يُتِمُّونَ آخِرَهَا .                 
الأثر السابع : قال ابن رجب في الفتح (1/427) : روي عن معاذ بن جبل أنه سأل عن قراءة اقرآن للجنب فقال : ما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء من ذلك )

قال ابن رجب : خرجه ابن جرير بإسناد ساقط لا يصح والظاهر أنه مما وضعه محمد بن سعيد المصلوب وأسقط اسمه من الإسناد ، فقد وجدنا أحاديث متعددة بهذا الإسناد وهي من موضوعات المصلوب ) اهـــ

الخلاصـة : 

القول الذي لا شك فيه ، أن يمنع ويكره كراهة شديدة على الجنب والحائض قراءة القرآن ولا يرخص إلا في الآية والأحسن عدم إتمامها خروجا من النزاع ، وهذا الذي عليه جماهير السلف من الصحابة والتابعين ومن الأئمة بعدهم .

قال ابن عبد البر في الإستذكار (2/104) : عَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَقَدْ شذت فرق فأجازت قراءته جنبا وهي مخجوجة بِالسُّنَّةِ وَأَقَاوِيلِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ ) اهــ

قال ابن عبد البر في التمهيد (2/474) : وَقَدْ شَذَّ دَاوُدُ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِإِجَازَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْجُنُبِ وَقَالَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ إِنَّهُ لَيْسَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذَا اعْتِرَاضٌ مَرْدُودٌ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْآثَارِ وَالْفِقْهِ لِأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَقُلْهُ عَنْهُ حَتَّى عَلِمَهُ مِنْهُ وَيَلْزَمُهُ عَلَى هَذَا أَنْ يَرُدَّ قَوْلَ بن عُمَرَ قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مِجَنٍّ وَقَوْلَ عَمَرَ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا وَمِثْلُهُ قَوْلُ الصَّاحِبِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ كَذَا وَنَحْوُ هَذَا وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ ) اهـــ 

قال ابن رجب في الفتح (1/428) ومنع الأكثرون الحائض والجنب من القراءة بكل حال، قليلاً كانَ أو كثيراً، وهذا مروي عن اكثر الصحابة، روي عن عمر، وروي عنه أنه قالَ: لو أن جنباً قرأ القرآن لضربته ، وعن علي، قالَ: لا يقرأ ولا حرفاً ، وعن ابن مسعود، وسليمان، وابن عمر ، وروي عن جابرٍ، قالَ البيهقي: وليس بقوي ، وروي عن ابن عباس بإسناد لا يصح.وهو قول أكثر التابعين، ومذهب الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد وإسحاق - في احدى الروايتين عنهما - وأبي ثور وغيرهم، وهو قول مالكٍ في الجنب، إلا أنه رخص لهُ في قراءة آيتين وثلاث عندَ المنام للتعوذ.
ورخص الأوزاعي لهُ في تلاوة آيات الدعاء والتعوذ، تعوذاً لا قراءة.
وهذا أصح الوجهين للشافعية – أيضاً.
وقال سعيد بن عبد العزيز: رخص للحائض والجنب في قراءة آيتين عندَ الركوب والنزول: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا} الآية [الزخرف: 13] و{رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكاً} [المؤمنون: 29] الآية ) اهــــ .








والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
كتبه أبو عبيد مروان بن علي حاجو الجزائري .

ليست هناك تعليقات: