الأربعاء، 7 يونيو 2017

الرد على من طعن في حديث الصورة

الأقوال المأثورة مما ورد عن السلف في حديث رأيت ربي في أحسن صورة  وبيان ضلال من رده من الفرق المثبورة

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :           
أحاديث الصور في الصفات والأسماء ، يرفضها التجهم والإرجاء وتزعج أهلها الخبثاء ، وذلك لزيغ في قلوبهم والغباء ، ومن هذه الأحاديث العظيمة حديث : ( رأيت ربي في أحسن صورة ) مع أنه رؤيا منام !! وهذا نصه :

عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : أَبْطَأَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَطْلُعَ ، ثُمَّ خَرَجَ ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ، فَصَلَّى بِنَا صَلَاةً تَجَوَّزَ فِيهَا ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : «عَلَى مَصَافِّكُمْ» ، فَثَبَتَ الْقَوْمُ عَلَى مَصَافِّهِمْ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ : " أُنَبِّئُكُمْ بِالَّذِي بَطَّأَنِي عَنْكُمُ الْغَدَاةَ ، إِنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَتَوَضَّأْتُ ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَا قَضَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِي ، وَإِنِّي رَأَيْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فِي مَنَامِي ، فَرَأَيْتُهُ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ ، فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَبِّي ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ فِيهِ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ قُلْتُ : لَا أَدْرِي رَبِّي، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّي، قَالَ: فِيمَا يَخْتَصِمُ فِيهِ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي رَبِّ ، فَوَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ ، فَوَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ، فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ ، فَعَرَفْتُهُ ، ثُمَّ قَالَ لِي : يَا مُحَمَّدُ ، قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَبِّي ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ قُلْتُ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي السَّبَرَاتِ ، وَمَشْيٌ عَلَى الْأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ ، وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَانْتِظَارُ الصَّلَوَاتِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ ، قَالَ: فِيمَ ؟ قَالَ لِي : سَلْ يَا مُحَمَّدُ ، قَالَ: قُلْتُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ ، وَإِذَا أَرَدْتَ بِقَوْمٍ فِتْنَةً فَتَوَفَّنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ ، أَسْأَلُكُ اللَّهُمَّ أَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي وَتَتُوبَ عَلَيَّ ، وَأَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ ."

هذا أحد الأحاديث التي أهلك الجهمية قديما ، بداية مع المريسي زعيمهم ، ثم جاءت المرجئة والأشعرية وأهل البدع عموما من بعدهم إلى اليوم فهلكوا فيه مرة أخرى ، ونحن سنعيد إحياءه في كل مرة لما قاله غلام الخلال : " إنما نروي هذا الحديث وإن كان في إسناده شيء ، تصحيحاً لغيره ، ولأن الجهمية تنكره" ) فإرغاما وإغاضة لمن ضعفه وحرفه من أهل الضلال ، سنحييه بتخريج مختصر ، يُفرح أهل الأثر ، ويُغضب أهل الرأي والبطر ، وسنكشف عن مواقف الزائغين فيه من الجهمية والمرجئة وأهل البدع ببيان مختصر مفيد فأقول :
                                                                                  وقد روي عن عدة من الصحابة فروي عن :  ثوبان ، وأنس ، وأبي أمامة ، وعبد الله بن عباس وأبي عبيدة بن الجراح ، وأبي رافع ، وجابر بن سمرة ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الرحمن بن عائش ، ومعاذ ، وأبي هريرة ، وأم الطفيل ، وعمران بن حصين ، وغيرهم وطرقه كثيرة استوعبها الدارقطني في كتابة الرؤية ، وجمعها أيضا ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية وبين الكلام فيها .                                    
وتخريجه باختصار : 
[ رواه أحمد (23210 و 22109 و 16621 و3484) والترمذي (3235) وابن خزيمة (321) والدارقطني في الرؤية (255 ـــ 259) وعبد الله في السنة (1098) وابن منده في الرد على الجهمية (72 ـــ 75) وغيرهم كثير لا تتسع له هذه الأوراق اليسيرة . 
                                                                            من صححه من المتقدمين :

وقد صحح الحديث مثلا : عبد الرحمن بن مهدي وعلي بن المديني وأحمد والبخاري وأبو زرعة والترمذي وابن عدي والطبراني وابن منده وأبو سعيد الدارمي وأبو بكر بن صدقة والخلال والأثرم وعبد الله بن أحمد وغيرهم ، وناهيك بهذه الأسماء العظيمة القدر  .
قَالَ الترمذي في سننه : " هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح ، سَأَلت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: هَذَا صَحِيح ، وَقَالَ: هَذَا أصح من حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم بِسَنَدِهِ عَن عبد الرَّحْمَن بن العائش الْحَضْرَمِيّ ) ".      
وقال في علله الكبير (661) :  سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَائِشٍ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  وَحَدِيثُ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ جَهْضَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ هَذَا )

قَالَ ابْن مَنْدَه فِي الرد على الجهمية ص (91) : رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن عشرَة مِنَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم، ونقلها عَنْهُم أَئِمَّة الْبِلَاد ، من أهل الشرق والغرب )".                                                                                                           وقال علي بن أحمد بن مهران المديني : "حضرت أبا عبدالله بن مهدي ، وحضر عند جماعة ، فتذاكروا حديث عكرمة ، وأنكره بعضهم، وكنت قد حفظته ، فحدثت به بطوله، فقام إلي أبو عبدالله وقبل رأسي ودعا لي". 

(قلت) وهذا التحديث الذي جاء في موقف الإنكار يدل دلالة واضحة على صحته عندهما .                                             

وقال عبدالله بن أحمد بن حنبل ، قال: رأيت أبي يصحح هذه الأحاديث ، ويذهب إليها ، وجمعها ، وحدثناها.                                                                                                     وقال عبدالوهاب الوراق : سمعت أسود بن سالم ، يقول في هذه الأحاديث التي جاءت في الرؤية ، قال: نحلف عليها بالطلاق والعتاق ، أنها حق ) ".                                                                                                                                       وقال أبو بكر المروذي :  قرأت على أبي عبدالله : حدثكم شاذان ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه : ( رأيت ربي عز وجل شاب أمرد جعد قطط عليه حلة حمراء ) قلت لأبي عبدالله : إنهم يقولون: ما رواه إلا شاذان ! فغضب وقال: من قال هذا ؟ ثم قال: أخبرني عفان : حدثنا عبدالصمد بن كيسان ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عكرمة، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رأيت ربي عز وجل) فقلت : يا أبا عبدالله إنهم يقولون : ما روى قتادة عن عكرمة شيئاً فقال: من قال هذا ؟ أخرج خمسة ستة أحاديث ، أو سبعة ، عن قتادة، عن عكرمة ) ".                

وقال : " قرئ على أبي عبدالله : شاذان ثنا حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس: ( إن محمداً رأى ربه ) قلت: إنهم يقولون : ما رواه غير شاذان ؟  فقال : بلى قد كتبته ، عن عفان ) .                                                                       

وقرئ على أبي عبدالله : عفان ثنا عبدالصمد بن كيسان : ثنا حماد بن سلمة عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأيت ربي). قلت: إنهم يقولون: إن قتادة لم يسمع من عكرمة قال : هذا لا يدري الذي قال وغضب ، وأخرج إلي كتابه فيه أحاديث مما سمع قتادة من عكرمة ، فإذا ستة أحاديث : سمعت عكرمة ، وقال أبو عبدالله : قد ذهب من يحسن هذا ، وعجب من قوم يتكلمون بغير علم، وعجب من قول من قال : لم يسمع. وقال: سبحان الله ، فهو قدم إلى البصرة فاجتمع عليه الخلق )".                                                                

روى الخلال في المنتخب (173) : وقال مهنا بن يحيى الشامي : سألته - يعني أحمد - عن حديث أم الطفيل امرأة أبي بن كعب ، أنها قالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أنه رأى ربه في المنام في صورة شاب موفر رجلاه في خضر عليه نعلان من ذهب ، على وجهه فراش من ذهب. فحول وجهه عني، وقال: هذا حديث منكر، وقال: لا نعرف هذا رجل مجهول يعني مروان بن عثمان".                                                                       

قال أبو يعلى: "يجوز أنه لم يقع لأحمد معرفة مروان بن عثمان في حال ما سأله مهنا، ثم وقع له معرفة نسبه فيما بعد".                                                                                               وقال ابن تيمية : وأما حديث أم الطفيل ، فإنكار أحمد له لكونه لم يعرف بعض رواته ، لا يمنع أن يكون عرفه بعد ذلك ، ومع هذا فأمره بالتحديث به ، لكون معناه موافقاً لسائر الأحاديث ، كحديث معاذ وابن عباس وغيرهما ".        

وقال أبو بكر عبدالعزيز : "حديث أم الطفيل فيه وهاء ، ونحن قائلون به ، وظاهر رواية إبراهيم بن هانئ تدل على صحته ، لأن أحمد قال لأحمد بن عيسى في منزل عمه : حدثهم به ، ولا يجوز أن يأمره أن يحدثهم بحديث يعتقد ضعفه لا سيما فيما يتعلق بالصفات"                                                                  

قال ابن تيمية : " قول أبي بكر عبدالعزيز : فيه وهاء ونحن قائلون به ، أي لأجل ما ثبت من موافقته لغيره الذي هو ثابت ، لا أنه يقال بالواهي من غير حجة ، فإن ضعف إسناد الحديث لا يمنع أن يكون متنه ومعناه حقاً ، ولا يمنع أيضاً أن يكون له من الشواهد والمتابعات ما يبين صحته ، ومعنى الضعيف عندهم أنا لم نعلم أنه رواية عدل ، أو لم نعلم أنه ضابط، فعدم علمنا بأحد هذين ، يمنع الحكم بصحته ، لا يعنون بضعفه : أنا نعلم أنه باطل ، فإن هذا هو الموضوع ، وهو الذي يعلمون أنه كذب مختلق ، فإذا كان الضعيف في اصطلاحهم عائداً إلى عدم العلم ، فإنه يطلب له اليقين والتثبيت ، فإذا جاء من الشواهد بالأخبار الأخرى وغيرها ما يوافقه ، صار ذلك موجباً للعلم بأن روايه صدق فيه وحفظه ) اهـ
وقال أبو يعلى : "ولأنه إجماع أهل الأعصار ، وذلك أن عصراً بعد عصر من لدن التابعين ومن بعدهم ، يخبر أنه رأى ربه ، ولا ينقل عن أحد من أهل العصر الإنكار عليه ، فدل سكوتهم على جواز ذلك".                                                                                                                                               وقال أبو زرعة الدمشقي : "حدثنا أحمد بن صالح قال : حدثنا ابن وهب أخبره ، أن مروان بن عثمان أخبره عن عمارة بن عامر، عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب ، أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يذكر أنه رأى ربه عز وجل في النوم في صورة شاب ذي وفرة قدماه في أخضر عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب ، وكل هؤلاء لهم أنساب قوية بالمدينة ، فأما مروان بن عثمان ، فهو مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى الأنصاري ، وأما عمارة فهو ابن عامر بن عمرو بن حزم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعمرو بن الحرث وسعيد بن أبي هلال ، فلا يشك فيهما ، وحسبك بعبدالله بن وهب محدثاً في دينه وفضله".
قال أبو يعلى : ظاهر الكلام من أبي زرعة ، إثباتاً لرجال حديث أم الطفيل ، وتعريفاً لهم ، وبياناً عن عدالتهم ، وهو ظاهر ما عليه أصحابنا ، لأن أبا بكر الخلال ذكر حديث أم الطفيل في سننه ولم يتعرض للطعن عليه ".                                                     

وقال الطبراني : "حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤية صحيح ، ومن زعم أني رجعت عن هذا الحديث بعد ما حدثت به فقد كذب ، وهذا حديث رواه جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وجماعة من التابعين ، عن ابن عباس ، وجماعة من تابعي التابعين عن عكرمة ، وجماعة من الثقات عن حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أسماءهم بطولها ) اهــــ        
قال ابن منده : "سمعت مشايخنا ممن يعتمد عليهم ، يقولون : أملى أبو القاسم الطبراني حديث عكرمة في الرؤية عن قتادة ، عن عكرمة، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأيت ربي تبارك وتعالى) فأنكر عليه ابن طباطبا العلوي ، ورماه بداوة كانت بين يديه ، فلما رأى الطبراني ذلك واجهه بكلام اختصرته ، وقال في أثناء كلامه: ما تسكتون وتشتغلون بما أنتم فيه حتى لا يذكر ما جرى يوم الحرة ، فلما سمع ذلك ابن طباطبا قام واعتذر إليه ، وندم ) ".                                                                       
قال ابن عدي في الكامل (8/61) : وهذا لَهُ طرق قوله رأيت ربي فِي أحسن صوره واختلفوا فِي أسانيدها فرأيت أَحْمَد بْن حنبل صحح هَذِهِ الرواية الَّتِي رواها مُوسَى بْن خلف ، عَن يَحْيى بْن أَبِي كثير حديث معاذ بْن جبل قَالَ هذا أصحها ) اهـــ .                                                                                                     فقال ابن عبد البر في "التمهيد" (24/325) : " معناه عند أهل العلم : في منامه ، وهو حديث حسن، رواه الثقات ".

وقد أطال بن تيمية في جمع طرقه في كتاب بيان تلبيس الجهمية (7/325) وقال في الأخير : فهذه الروايات يصدق بعضها بعضا إذ قد رواه عن كل شخص أكثر من واحد ) اهـــ           

وقال أيضا : ( وهذه الطرق مع ما فيها من الإضطراب لمن يتدبر الحديث ، ويحسن معرفته يدل دلالة واضحة على أن الحديث محفوظ ، صحيح الأصل ، لا ريب في ذلك بل يوجب له القطع بذلك  ) اهـــ
                               
حكم من أنكر هذا الحديث :                                                                         
قال ابن صدقة الحافظ : من لم يؤمن بحديث عكرمة ، فهو زنديق".                       
وقال الخلال : "إنما نروي هذا الحديث ، وإن كان في إسناده شيء ، تصحيحاً لغيره ، ولأن الجهمية تنكره"                                 
وقال الأثرم : "سألت أبا عبدالله أحمد بن حنبل ، عن حديث حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيت ربي) الحديث ؟ فقال أحمد بن حنبل: هذا حديث رواه الكبر عن الكبر عن الصحابة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن شك في ذلك أو في شيء منه ، فهو جهمي لا تقبل شهادته ، ولا يسلم عليه ، ولا يعاد في مرضه".                 

وقال البربهاري هنا في كتابنا عن حديث الصورة وغيره : ( فإن الإيمان بهذا واجب ، فمن فسر شيئاً من هذا بهواه ، أو رده فهو جهمي ).

وقال أبو زرعة الرازي : "حديث عكرمة عن ابن عباس في الرؤية ، صحيح ، رواه شاذان ، وعبد الصمد بن كيسان ، وإبراهيم بن أبي سويد، لا ينكره إلا معتزلي".                          
(قلت) هنا وقفة ، وهي أن أبا زرعة ربما يقصد من رد أصل الحديث ( رأيت ربي في أحسن صورة ) ، فإن المعتزلة لا يؤمنون بأن الله يرى في المنام ، وإلا فمن صحح أحاديث الرؤيا في الآخرة وحديث معاذ هذا ونحوه ، وضعف الزيادة التي في بعض روايات بن عباس وأم الطفيل فقط والتي ثبت فيها الخلاف ، مع تصحيح باقي طرقه فليس بمعتزلي ،  كما فعل الدارمي ، وقبله بن معين وأحمد الذي اختلفت عنه الرواية في ذلك ، فتوقف مرة في رواية أم الطفيل ،  وأمر بالتحديث به مرة أخرى لكنه صحح رواية بن عباس وفيه نفس الألفاظ كما سبق .
ولفظ الرواية المختلف فيه : عَنْ أُمِّ الطُّفَيْلِ امْرَأَةِ أُبَيٍّ، أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ: " أَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ تَعَالَى فِي الْمَنَامِ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ شَابًّا مُوفَرًا ، رِجْلاهُ فِي خُفٍّ عَلَيْهِ نَعْلانِ مِنْ ذَهَبٍ، عَلَى وَجْهِهِ فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ ) ونحوه هذا رواية بن عباس .

وفي تاريخ بغداد (15/419) : أَخْبَرَنَا علي بن الحسين صاحب العباسي، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن بن عُمَر الخلال قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الفارسي قَالَ : حَدَّثَنَا بكر بن سهل قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الخالق بن منصور قال : ورأيت يحيى بن معين كأنه يهجن نعيم بن حماد في حديث أم الطفيل حديث الرؤية ، ويقول : ما كان ينبغي له أن يحدث بمثل هذا الحديث ) .
(قلت) الرواية وإن كانت ضعيفة فقد رواها أكثر السلف ، وصححه بعضهم كأبي زرعة وأحمد في بعض رواياته وقبلهم من بعدهم من الأئمة ، على أنها رؤيا منام ، لا رؤيا حقيقة وهذا لا إشكال في إثباته كما سبق في كلام أهل العلم في هذا .
                                                                                 
[ أنظر النقولات السابقة في : الكامل لا بن عدي (3/49) وطبقات الحنابلة (2/46) والمنتخب من علل الخلال (183) وإبطال التأويلات (146) بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية ]

تنـــــــــــــــــــبيه :

قال الدارمي في الرد على المريسي : ( وَإِنَّمَا هَذِهِ الرُّؤْيَةُ كَانَتْ فِي الْمَنَامِ ، وَفِي الْمَنَام يُمكن رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ حَال وَفِي كل صُورَة ، رَوَى مُعَاذُ بْنُ جَبِلٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ وَضَعْتُ جَنْبِي ، فَأَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ" ، فَحِينَ وُجِدَ هَذَا لِمُعَاذٍ كَذَلِكَ صُرِفَتِ الرِّوَايَاتُ الَّتِي فِيهَا إِلَى مَا قَالَ مُعَاذٌ ، فَهَذَا تَأْوِيلُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، لَا مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ مِنَ الْجُنُونِ وَالْخُرَافَاتِ ، فَزَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُورَةً فِي الْيَقَظَةِ كَلَّمَتْهُ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا رَبِّ غَيْرَ أَنِّي أَظُنُّكَ لَوْ دَرَيْتَ أَنَّهُ يُخْرِجُكَ تَأْوِيلُكَ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الضَّلَالَاتِ لَأَمْسَكْتَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْهَا ، غَيْرَ أَنَّكَ تَكَلَّمْتَ عَلَى حَدِّ الْحِوَارِ آمِنًا مِنَ الْجَوَابِ غَارًّا أَنْ يُنْتَقَدَ عَلَيْكَ ) اهـــ .
وقال ابن تيمية في بيان التلبيس (7/237) : هذه الرؤيا كانت في المنام ولم يكن ذلك ليلة المعراج كما يظنه كثير من الناس ) اهــ                                                        
بداية الإنحراف في الجيل الأول :

دائما في مثل هاته القضايا الخطيرة تجد أحدا من أهل الحديث يشذ بقول مجهول !! وقد شذ ابن خزيمة كعادته مع أحاديث الصور من بين كل السلف ، فأعل الحديث !! وأعل الدارقطني في علله طرق رواية معاذ الذي صححها كل من قبله من الأئمة الكبار كالبخاري وأحمد والترمذي وغيرهم ، ولم يبين موقفه من باقي الطرق ، وظاهر صنيعه في كتاب الرؤية أنه يمشيها ، فإنه قد استوعب جمع الروايات في كتاب الرؤية دون نقدها ، فمن احتج بالدارقطني بسبب أنه أعل رواية معاذ فقط فهو متهور .                             
( الجيل الثاني والخطوة المشؤومة ) : ثم قفزوا من السند إلى المتن ، فأراد المتأخرون من الأشعرية أن يضعفوا متنه أيضا فما فعلوا شيئا ، إنما فقط أبانوا عوار تجهم مناهجهم وجهالاتهم ، كالبيهقي وابن الجوزي والعسقلاني فقالوا متنه منكر !! وليس فيه شيء منكر ، إنما النكارة في معتقداتهم الجهمية الفاسدة ، وهم قصدوا بالمنكر ألفاظ الصفات التي فيه والتي قد أظلمت قلوبهم بها مثل ( أتاني ربي في أحسن صورة ) وهم ينكرون أن لله صورة ، وفيه (الإتيان) وهم ينكرونه ، ومثل ( فوضع كفيه على كتفيه ) فيه تحقيق صفة اليد وهم ينكرونها ، فماذا تنتظر من جهمي وأشعري أن يقول في هذا الحديث ؟ أكيد الحديث منكر عنده !!                                                                          
( الجيل الثالث والتجهم الصريح ) : ثم أخذوا يألفون في رد الحديث ما فعل ذاك الجهمي (حسن السقاف) ، عفوا ( السخّاف) فألف رسالة سماها " أقوال الحفاظ المأثورة لبيان وضع حديث: (رأيت ربي في أحسن صورة) "! وهو كذاب يفتري على الأئمة المتقدمين ،  فهل رأيت كيف أن الحديث أقض مضاجعهم !!
ومن الجهالات في هذا الجيل ، صنيع ذاك المدخلي الجهمي العنيد في كتابه ( عون الباري ببيان ما تضمنه شرح السنة للإمام البربهاري ) يقول عن هذا الحديث (ص312)  : " هذا الحديث جاء من عدة طرق حكم عليها بعض الأئمة بالإضطراب ..)  ثم راح يعدد بعضهم ممن سبق ذكرهم وتغافل عن تصحيح الكبار من المتقدمين الذين يضرب كلام مخالفهم عرض الحائط أيا كان .

[ وَانْظُر بسط الْكَلَام فِي شرح هَذَا الحَدِيث وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من فَوَائِد فِي كتاب : "اخْتِيَار الأولى فِي شرح حَدِيث اختصام الْمَلأ الْأَعْلَى" لِابْنِ رَجَب ]

   
تم بحمد الله ترقيم هذه الأوراق يوم 24 رجب  1438                    الموافق ل : 21  أفريل 2017 م  ، كتبه أبو عبيد الجزائري

الإحياء لآثار سماع الأموات

                    الإحياء لآثار سماع الموتى من الأحياء

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :

فهذه مسالة سماع الموتى الشهيرة ، والتي أنكرها أكثر أهل العصر وجهلها العوام اليوم كثيرا ، وعلى إنكارها تدور أغلب الفتوة اليوم ، وهي بين من أثبتها بغلو فوقع في الشرك ، كما هو حال الصوفية من عباد الأوثان والقبور ، وبين من نفاها بإطلاق لجهله لما عليه السلف وما ورد فيه من أحاديث وآثار ، وبين مخلط بين هذا وذاك .
وكنت قبل أسابيع نشرت بعض الآثار الواردة في المسألة من باب الإختصار ، لكن تفاجئت بردود فعل من بعض الإخوة أنها لا تكفي لمعارضة الآية في قوله تعالى ( وما أنت بمسمع من في القبور ) !! فقلت سبحان الله !! أليست هاته الآية نزل على السلف الذين أثبتوا السماع ؟ فهل نحن أفهم منهم بهذه الآية ، وهل هم وحاشاهم ردوا الآيات وعارضوا القرآن ؟؟                                      بل هم أعلم من ذلك وأورع وأزكى رضوان الله عليهم ، وكما قال مطرف : ( نحن نطلب من هم أعلم منا بالقرآن ) .                     فقلت في نفسي لابد من الإستطراد قليلا ، نزولا عند رغبة بعض إخواننا ، وسنشبع الموضوع بالآثار والأحاديث لكي نسلم من المعارض ، فأضفت الكثير من الأحاديث والآثار وبعض كلام السلف وأهل العلم منهم ، وختمتها برد الطبري على من استدل بتلك الآيات ونحوها من الحجج الضعيفة ، فهاكه جزءا حديثيا لطيفا مع زوائده وفوائده ، أرجوا أن يكون مقنعا لأهل الحديث والأثر ، وخالصا لوجهه الكريم ، واعلم أنه ليس لي فيه ناقة ولا جمل ، إنما هو مجرد جمع لكلام السلف وآثارهم التي قد تخفى علينا ، لغربة الأحاديث والآثار في هذا الزمن ، وقلة من يحييها ويعتني بأسانيدها والله المستعان .                                         وفيه : قضية سماع الموتى لكلام الأحياء وعرض أعمال الأحياء عليهم ، ومعرفتهم بزيارة الزائر وسماع سلامه واستشعارهم بما حولهم ، وغير ذلك من عالم القبور ، وهو خبر مشهور عند السلف في مواضع كثيرة منها :

فصل : الأصل في هذا الباب :
الأصل في هذا قوله تعالى عن أنبياءه حين كلموا الموتى من الكفار بعد إهلاكم ، وخاطبوهم خطاب من يسمع للموعظة في عدة آيات من ذلك :
قال تعالى في الأعراف أن شعيبا عليه السلام قال لقومه وهم موتى : فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (93)
وقال صالح عليه السلام لقومه وهم موتى : فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ [ الأعراف (79) ]
وهذا الشيء نفسه قد اقتدى فيه النبي صلى الله عليه وسلم بمن قبله من الأنبياء فقال لقومه المشركين يوم قليب بدر لما قتلوا جاثمين نحو كلام الأنبياء قبله ، كما سيأتي نصه .                                                   
روى ابن أبي حاتم في تفسيره (8690) عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ : فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ قَالَ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَالِحًا أَسْمَعَ قَوْمَهُ كَمَا وَاللَّهِ أَسْمَعَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ ) .
وروى الطبري في تهذيبه برقم (739) عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنِ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ : أَظُنُّهُ الْمُطَّلِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَادًا لَمَّا أَهْلَكَهَا اللَّهُ بِمَا أَهْلَكَهَا قَامَ فِيهِمْ نَبِيُّهُمْ فَقَالَ : عَادٌ « هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا ، هَلْ زُلْزِلَتْ أَقْدَامُكُمْ ؟ وَرَجَفَتْ قُلُوبُكُمْ ؟ وَشُقَّتِ الْأَحْقَافُ عَلَيْكُمْ ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَقَالَتِي »
قال السمعاني في تفسيره (2/195) والبغوي في تفسيره (2/209) : قَوْله - تَعَالَى -: {فَتَوَلّى عَنْهُم وَقَالَ يَا قوم لقد أبلغتكم رِسَالَة رَبِّي وَنَصَحْت لكم وَلَكِن لَا تحبون الناصحين} فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ خاطبهم وَقد هَلَكُوا ؟ قيل: هُوَ كَمَا خَاطب الرَّسُول الْكفَّار الْقَتْلَى يَوْم بدر حِين ألقاهم فِي القليب؛ جَاءَ إِلَى رَأس الْبِئْر، وَقَالَ: " يَا عتبَة، يَا شيبَة، وَيَا أَبَا جهل، قد وجدت مَا وَعَدَني رَبِّي حَقًا؛ فَهَل وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا ؟ فَقَالَ عمر: يَا رَسُول الله ، كَيفَ تخاطب قوما قد جيفوا ؟ فَقَالَ: مَا أَنْتُم بأسمع مِنْهُم وَلَكنهُمْ لَا يقدرُونَ على الْإِجَابَة " وَقيل: إِنَّمَا خاطبهم بِهِ ، ليَكُون عِبْرَة لمن خَلفهم ، وَقيل: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير ، وتقديرها : فَتَوَلّى عَنْهُم، فَأَخَذتهم الرجفة ، فَأَصْبحُوا فِي دَارهم جاثمين ، وَذَلِكَ أَن الله - تَعَالَى - مَا كَانَ ليعذب قوما ونبيهم بَينهم ) اهـــ

أما الأصول الحديثية :                                                                         
وقد هذا السماع على أصول من السنة ، هي مجموعة من الأحاديث منها :                                                              1) حديث أنس المشهور في سماع قرع النعال .                      
2) وحديث قليب بدر الذين كلمهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو نص في الباب .                
3) حديث إلقاء السلام على الموتى وزيارتهم .                         
4) حديث تبشير موتى المشركين بالنار عند قبورهم .                                                 
وغير ذلك من الآثار كما سيأتي ، وقد وردت آثار عن الصحابة والتابعين سأختار منها ما يشنف أسماع المخالفين وتقر به أعين أهل الأثر فأقول :
فصل : ما جاء في رؤية وسماع الميت كلام أهل الجنازة وحاله قبل الدفن:                                          
من ذلك ما خرجه ابن أبي الدنيا في كتاب المنامات (7) : من طريقِ سالم بنِ أبي الجعدِ قال: قال حذيفةُ : الروحُ بيدِ ملَكٍ وإن الجسدَ ليغسَّلَ، وإنَّ الملَكَ ليمشِي معه إلى القبرِ، فإذا سُوي عليه سلَكَ فيه، فذلكَ حين يخاطبُ )                                                       
وروى ابن أبي شيبة (34952) وابن أبي الدنيا في المنامات (7) عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى قال: الروحُ بيد ملَكٍ يمشي مع الجنازةِ، يقولُ: اسمعْ ما يقالُ لك، فإذا بلغ حفرتَهُ دفنَ معه . 
وروى ابن أبي الدنيا (8) عن أبي نجيحِ قال: ما مِنْ ميِّت يموتُ إلا روحُهُ في يد مَلَكٍ ينظرُ إلى جسدِهِ ، كيف يغسلُ ويكفَّنُ وكيف يُمشَى به إلى قبر، ثم تُعاد إليه روحُه، فيجلسُ في قبره ) . 
وروى ابن أبي الدنيا (9) عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : « إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ فَمَلَكٌ قَابِضٌ نَفْسَهُ , فَمَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ يَرَاهُ عِنْدَ غُسْلِهِ وَعِنْدَ حَمْلِهِ , حَتَّى يَصِيرَ إِلَى قَبْرِهِ »                                            
وروى فيه (10) عن ُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَالَ: سَمِعْتُ بَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيَّ، يَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّهُ « مَا مِنْ مَيِّتٍ إِلَّا وَرُوحُهُ بِيَدِ مَلَكِ الْمَوْتِ , فَهُمْ يُغَسِّلُونَهُ وَيُكَفِّنُونَهُ , وَهُوَ يَرَى مَا يَصْنَعُ أَهْلُهُ , فَلَوْ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ لَنَهَاهُمْ عَنِ الرَّنَّةِ ، وَالْعَوِيلِ »                            
وروى (11) عن يَحْيَى الْحِمَّانِيَّ قَالَ: دَخَلَ حَمَّادُ بْنُ مُغِيثٍ عَلَى ابْنِ السَّمَّاكِ يَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ فَقَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ: إِنَّهُ لَيَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ يَعْنِي الْمَيِّتَ حَتَّى إِنَّهُ لَيُنَاشِدُ غَاسِلَهُ بِاللَّهِ أَلَا خَفَّفْتَ غَسْلِي»                                                                               وروى (12) عن ابْنُ السَّمَّاكِ قَالَ : " غَسَّلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ أَبِي ، فَلَمَّا غَسَّلَهُ قَالَ : « أَمَا إِنَّهُ الْآنَ يَرَى مَا نَصْنَعُ بِهِ »                                                                     
وبوب الطبري في كتابه تهذيب الآثار (2/505) : الْقَوْلُ فِي مَعَانِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ فِي مَعَانِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ يَكْثُرُ عَدَدُهَا بِتَصْحِيحِهَا ، وَتَصْحِيحِ الْقَوْلِ بِظَاهِرِهَا وَعُمُومِهَا ، وَقَالُوا: الْمَيِّتُ بَعْدَ مَوْتِهِ يَسْمَعُ كَلَامَ الْأَحْيَاءِ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْقَلِيبِ بَعْدَمَا أُلْقُوا فِيهِ مَا قَالَ قَالُوا : وَفِي قَوْلِهِ لِأَصْحَابِهِ ، إِذْ قَالُوا : أَتُكَلِّمُ أَقْوَامًا قَدْ مَاتُوا وَصَارُوا أَجْسَادًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا ؟ فَقَالَ : « مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ» أَوْضَحُ الْبَيَانِ عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ ، مِنْ أَنَّ الْمَوْتَى يَسْمَعُونَ كَلَامَ الْأَحْيَاءِ ، وَاعْتَلُّوا فِي ذَلِكَ بِأَخْبَارٍ رُوِيَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ثم بدأ بذكر بعض الآثار في الباب : 
ثم بوب أيضا في (2/510) : ذِكْرُ مَنْ قَالَ بِتَصْحِيحِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنَ السَّلَفِ وَقَالُوا : إِنَّ الْمَوْتَى يَسْمَعُونَ كَلَامَ الْأَحْيَاءِ ، وَيَتَكَلَّمُونَ وَيَعْلَمُونَ ) اهـــ                                      
وقال الطبري بعد ذكر الأحاديث والأثار في الباب : هَذِهِ أَخْبَارٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِحَاحٌ .                                                                            
(قلت) والآثار في هذا المعنى كثيرة مبثوثة في كتب الأثر والأجزاء الحديثية وسيأتي أغلبها هنا .                                    ( فائدة ) : وقد روى ابن أبي الدنيا منامات آثارا كثيرة عن السلف ماتوا ثم رؤوا بعد ذلك وأنهم حكوا سماعهم لكلام الأحياء من أقاربهم وأصحابهم ، وتواطأت الرؤى على ذلك ولا يخفى ما في الرؤى إذا تواترت وتواطأت من آيات كما في حديث ( أرى رؤاكم قد تواطأت ) .                 
قال ابن القيم في كتاب الروح (ص 11) : وَهَذِه المرائى وَإِن لم تصح بمجردها لإثبات مثل ذَلِك فهى على كثرتها وَأَنَّهَا لَا يحصيها إِلَّا الله قد تواطأت على هَذَا الْمَعْنى وَقد قَالَ النَّبِي أرى رُؤْيا رؤياكم قد تواطأت على أَنَّهَا فِي الْعشْر الْأَوَاخِر يَعْنِي لَيْلَة الْقدر فَإِذا تواطأت رُؤْيا الْمُؤمنِينَ على شَيْء كَانَ كتواطؤ روايتهم لَهُ وكتواطؤ رَأْيهمْ على استحسانه واستقباحه وَمَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن وَمَا رَأَوْهُ قبيحا فَهُوَ عِنْد الله قَبِيح على أَنا لم نثبت هَذَا بِمُجَرَّد الرُّؤْيَا بل بِمَا ذَكرْنَاهُ من الْحجَج وَغَيرهَا ) اهـــ     (قلت) وستأتي الحجج والآثار التي نعتمد عليها .

فصل : في معرفة أهل المقابر بالزائر وبالأيام :

ــــ وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي  كِتَابِ الْقُبُورِ والبيهقي في الشعب (8857) من طريق عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِذَا مَرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرٍ يَعْرِفُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ وَعَرَفَهُ ، وَإِذَا مَرَّ بِقَبْرٍ لَا يَعْرِفُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ.
ـــــ وَرَوَى البيهقي في الشعب (8868) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْمَوْتَى يَعْلَمُونَ بِزُوَّارِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمًا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ.                                                   
وَعَنِ الضحاك قَالَ : مَنْ زَارَ قَبْرًا يَوْمَ السَّبْتِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلِمَ الْمَيِّتُ بِزِيَارَتِهِ قِيلَ لَهُ : وَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : لِمَكَانِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ.
ـــ وروى البيهقي (8863) عن سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ قَالَ بَلَغَنِي عَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّهُ قَالَ : " مِنْ زَارَ قَبْرًا يَوْمَ السَّبْتِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلِمَ الْمَيِّتُ بِزِيَارَتِهِ قِيلَ لَهُ : وَكَيْفَ ذَاكَ ؟ قَالَ : لِمَكَانِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ "
فصل : في ما روي في أن أعمال الأحياء تعرض على أمواتهم من أقاربهم :              
   
وهذا باب واسع مليئ بالآثار ، وفيه ما يدل على أنهم يعلمون بزيارتهم في مقابرهم , ومن أوضح الآثار في الباب نختار منها :                                                                                 ما رواه ابن أبي الدنيا في المنامات (21) عن سعيد بن المسيب قال :الْتَقَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَّامٍ  وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ , فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: " إِنْ مُتَّ قَبْلِي فَالْقَنِي فَأَخْبِرْنِي مَا لَقِيتَ مِنْ رَبِّكَ , وَإِنْ مِتُّ قَبْلَكَ لَقِيتُكَ فَأَخْبَرْتُكَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: وَهَلْ يَلْقَى الْأَمْوَاتُ الْأَحْيَاءَ ؟ قَالَ: نَعَمْ , أَرْوَاحُهُمْ فِي الْجَنَّةِ تَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَتْ , قَالَ: فَمَاتَ فُلَانٌ فَلَقِيَهُ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ: تَوَكَّلْ وَأَبْشِرْ , فَلَمْ أَرَ مِثْلَ التَّوَكُّلِ قَطُّ . "                                                       
ــــ وروى البيهقي في الشعب (8874) عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ : إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يَتَوَكَّفُونَ الْأَخْبَارَ إِذَا أَتَاهُمُ الْمَيِّتُ سَأَلُوهُ مَا فَعَلَ فُلَانٌ ؟ فَيَقُولُ : صَالِحٌ ، فَيَقُولُ : مَا فَعَلَ فُلَانٌ ؟ فَيَقُولُ : أَلَمْ يَأْتِكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : لَا ، فَيَقُولُونَ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ سَلَكَ بِهِ غَيْرَ طَرِيقِنَا "
روى ابن المبارك في الزهد (447) والأصبهاني في الحجة (2/333) عَن عثْمَان بن عبد الله بن أَوْس أَن سعيد بن جبَير قَالَ لَهُ إستأذن علي ابنة أخي وَهِي زَوْجَة عُثْمَان وَهِي إبنة عمْرو بن أَوْس فاسْتَأْذن لَه علَيْهَا فَدخل فَقَالَ كَيفَ يفعل بك زَوجك قالت إِنّه إِلي لمحسن مَا اسْتطاع فَقَالَ يَا عُثْمَان أحسن إِلَيْها فَإنَّك لَا تصنع بهَا شَيْئا إِلَّا جَاءَ عَمْرو بن أَوْس فَقلت هَل تَأتي الْأَمْوَات أَخْبَار الْأَحْيَاء قَالَ نعم ما من أحد لَه حميم إِلَّا وتأتيه أَخْبَار أَقَاربه فَإِن كَانَ خيرا سر بِهِ وَفَرح وهنىء بِهِ ، وَإِن كَانَ شرا إبتأس بِه وحزن حَتَّى إِنَّهُم يسألونه عَن الرجل قد مَاتَ فَيُقَال أَو لم يأتكم ؟ فَيَقُولُونَ لَا خُولِفَ بِهِ إِلَى أمه الهاوية .                                       
وروى الطبري في تهذيب الآثار (2/510) عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَال: " إِنَّ أَعْمَالَكُم تُعْرَض عَلَى أَقْرِبَائِكُمْ مِنْ مَوْتَاكُمْ ، فَإِنْ رَأوا خَيْرا فَرِحوا بِهِ، وَإِن رَأَوْا شَرًّا كَرِهُوهُ ، وَإِنَّهم يَسْتَخْبِرُون الْمَيِّت إِذَا أَتَاهُمْ ، مَنْ مَاتَ بَعْدَهُمْ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ يَسْأَل عَنِ امْرَأَتِهِ أَتَزَوَّجَتْ أَمْ لَا ؟ وَحَتَّى إِنَّ الرَّجل يَسْأَل عَنِ الرَّجُلِ، فَإِذَا قِيلَ: قَدْ مَاتَ قَالَ : هَيْهَات ذَهَبَ ذَاكَ ، فَإِنْ لَمْ يُحِسُّوهُ عِنْدَهُمْ قَالوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، ذهِب بِه إِلَى أُمِّه الْهَاوِيَة ، فَبِئْسَ الْمُرَبِّية ."

وَأخرج ابْنِ أبي شيبَة فِي المُصَنّف (35658) عَن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة قَالَ غزا أَبُو أَيُّوب الْقُسْطَنْطِينِيَّة فَمر بقاص وَهُوَ يَقُول إِذا عمل العَبْد الْعَمَل فِي صدر النَّهَار عرض على معارفه إِذا أَمْسَى من أهل الْآخِرَة وَإِذا عمل الْعَمَل فِي آخر النَّهَار عرض على معارفه إِذا أصبح من أهل الْآخِرَة فَقَالَ أَبُو أَيُّوب أنظر مَا تَقول قَالَ وَالله إِنَّه لَكمَا أَقُول فَقَالَ أَبُو أَيُّوب اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك أَن تفضحني عِنْد عبَادَة بن الصَّامِت وَسعد بن عبَادَة بِمَا عملت بعدهمْ فَقَالَ الْقَاص وَالله لَا يكْتب الله ولَايَته لعبد إِلَّا ستر عوراته وَأثْنى عَلَيْهِ بِأَحْسَن عمله .                             
روى ابن المبارك في الزهد (2/42) وأبو داود في الزهد (211) عن صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ يَقُولُ: « إِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَى مَوْتَاكُمْ ، فَيُسَرُّونَ وَيُسَاءُونَ» قَالَ: يَقُولُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَعْمَلَ عَمَلًا يُخْزَى بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ) (قلت) وبوب له ابن المبارك رحمه الله في كتابه ( باب في عرض عمل الأحياء على الأموات ) .                                                                     
وروى ابن أبي الدنيا في كتابه المنامات (3) : عَن إبراهيم عَن أَبى أَيُّوب قَالَ : تعرض أَعمال الْأَحْيَاء على الْمَوْتَى فَإِذا رَأَوْا حسنا فرحوا وَاسْتَبْشَرُوا وَإِن رَأَوْا سوءا قَالُوا اللَّهُمَّ رَاجع بِهِ )    وَروى ابن أبي الدنيا (16) عن مجاهد قَالَ: إِنَّهُ لَيُبَشَّرُ بِصَلَاحِ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ لِتَقَرَّ بِذَلِكَ عَيْنُهُ قال ابن القيم في الروح (ص10) : وَهَذَا بَاب فِي آثَار كَثِيرَة عَن الصَّحَابَة وَكَانَ بعض الْأَنْصَار من أقَارِب عبد الله بن رَوَاحَة يَقُول اللَّهُمَّ إنى أعوذ بك من عمل أخزى بِهِ عِنْد عبد الله بن رَوَاحَة كَانَ يَقُول ذَلِك بعد أَن اسْتشْهد عبد الله .

فصل : وورد أن الميت يشعر ويسمع بالحي أمامه وقد يرى ، وقد يتأذى منه :

وروى ابن أبي الدنيا في القبور كما في الروح لابن القيم (ص 7) عَن يزِيد بن أَبى حبيب أن سليم بن عُمَيْر مر على مَقْبرَة وَهُوَ حاقن قد غَلبه الْبَوْل فَقَالَ لَهُ بعض أَصْحَابه : لَو نزلت إِلَى هَذِه الْمَقَابِر فبلت فِي بعض حفرهَا !! ، فَبكى ثمَّ قَالَ سُبْحَانَ الله وَالله إنى لأَسْتَحي من الْأَمْوَات كَمَا استحي من الْأَحْيَاء وَلَوْلَا أَن الْمَيِّت يشْعر بذلك لما استحيا مِنْهُ )                           
وروى الطبري في تهذيبه برقم (742) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَيْهِ السَّلَامَ قَالَ « الْمَيِّتُ يَسْمَعُ نِعَالَكُمْ إِذَا وَلَّيْتُمْ عَنْهُ »                                                                                    
روى أحمد (38) بسند صحيح عَنْ عُمرو بْنِ حَزْمٍ قَالَ : رَآنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مُتَّكِئٌ عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ : انْزِلْ مِنَ الْقَبْرِ لَا تُؤْذِي صَاحِبَ الْقَبْرِ ، وَلَا يُؤْذِيكَ ) "                
وفي لفظ : قال له : ( انزل لا تؤذ صاحب هذا القبر )                                                                                   
وروى مسلم (121) عن عبد الله بن شماسة المهري أن عمرو بن العاص لما حضر الموت قال في وصيته: إذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنا ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي .
وروى ابن المبارك في الزهد (2/42) عن مَنْصُورَ بْنَ أَبِي مَنْصُورٍ حَدَّثَهُ قَالَ : سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو فَقُلْتُ : أَخْبِرْنِي عَنْ أَرْوَاحِ الْمُسْلِمِينَ ، أَيْنَ هِيَ حِينَ يَمُوتُونَ ؟ قَالَ : « مَا تَقُولُونَ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ ؟ » قُلْتُ : لَا أَدْرِي قَالَ : فَإِنَّهَا فِي صُوَرِ طَيْرٍ بِيضٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ ، وَأَرْوَاحُ الْكَافِرِينَ فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ ، فَإِذَا مَاتَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ وَمُرَّ بِهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَهُمْ فِي أَنْدِيَةٍ ، وَيَسْأَلُونَهُ عَنْ أَصْحَابِهِمْ، فَإِنْ قَالَ: قَدْ مَاتَ قَالُوا : قَدْ سُفِلَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا هُوِيَ بِهِ إِلَى الْأَرْضِ السَّافِلَةِ فَيَسْأَلُونَهُ عَنِ الرَّجُلِ ، فَإِنْ قَالَ: قَدْ مَاتَ قَالُوا : عُلِيَ بِهِ ، قَالَ يَزِيدُ : كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ : « إِنِّي لَأَسْتَحْيِي مِنَ الْأَمْوَاتِ كَمَا أَسْتَحْيِي مِنَ الْأَحْيَاءِ »

وفي تاريخ مكة للفاكهي (2903) أن عائشة أتت قبر أخيها وأخذت تكلمه وقالت : لَوْ شَهِدْتُكَ مَا بَكَيْتُ عَلَيْكَ ، وَلَوْ حَضَرْتُكَ دَفَنْتُكَ حَيْثُ مُتَّ ".                             
وكانت تكلم أباها الصديق رضي الله عنه إذا وقفت على قبره كما روى أبو يعلى الموصلي في مسنده (88) والدينوري في المجالسة (2422) عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ : أَنَّهَا مَرَّتْ عَلَى قَبْرِ أَبِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَكَ ، وَشَكَرَ لَكَ صَالِحَ سَعْيِكَ ، فَلَقَدْ كُنْتَ لِلدُّنْيَا مُذِلًّا ، بِإِعْرَاضِكَ عَنْهَا وَلِلْآخِرَةِ مُعِزًّا ، بِإِقْبَالِكَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَ أَجَلَّ الْمَرَازِئِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُزْؤُكَ ، وَأَعْظَمَهَا بَعْدَهُ فَقْدُكَ ، إِنَّ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَيَعِدُ بِالْعَزَاءِ عَنْكَ أَحْسَنَ الْعِوَضِ مِنْكَ، فَأَنَا أَتَنَجَّزُ مِنَ اللَّهِ مَوْعُودَهُ فِيكَ الصَّبْرَ عَلَيْكَ ، وَأَسْتَعِيضُهُ مِنْكَ بِالدُّعَاءِ لَكَ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ، تَوْدِيعَ غَيْرِ قَالِيَةٍ لِحَيَاتِكَ ، وَلَا زَارِيَةٍ عَلَى الْقَضَاءِ فِيهِ ."                                                                                                                 ومن الأدلة أيضا على أن الميت يشعر بما حوله ويسمع في يوم جنازته ما في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت : قدموني وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها : يا ويلها أين تذهبون بها يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمع الإنسان لصعق .

وروى ابن المبارك في الزهد (2/42) دَاوُدُ بْنُ نَافِذٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ يَقُولُ: بَلَغَنِي " أَنَّ الْمَيِّتَ يَقْعُدُ فِي حُفْرَتِهِ ، وَهُوَ يَسْمَعُ وَخْطَ مُشَيِّعِيهِ ، وَلَا يُكَلِّمُهُ شَيْءٌ أَوَّلُ مِنْ حُفْرَتِهِ تَقُولُ : وَيْحَكَ ابْنَ آدَمَ ، أَلَيْسَ قَدْ حُذِّرْتَنِي ، وَحُذِّرْتَ ضِيقِي، وَظُلْمَتِي، وَنَتْنِي، وَهَذَا مَا أَعْدَدْتُ لَكَ ؟، فَمَا أَعْدَدْتَ لِي ؟ )                                           
وروى ابن أبي شيبة في المصنف (11774) وسنن ابن ماجه (1567) بسند صحيح عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قَالَ : ما أُبَالِي أَفِي الْقُبُورِ قَضَيْتُ حَاجَتِي أَمْ فِي السُّوقِ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِ ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ » (قلت) ومن هنا والله أعلم يحتمل أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس النعال والمشي بها بين القبور ، لعل ذلك يزعج أهل القبور بسماعهم قرع النعال ، لأنك إذا مشيت بلا نعل لا يصدر منك أي قرع ، ويشبهه النهي عن الجلوس على القبر أو إيذاءه بالغائط أو البول هذا احتمال فقط وإلا فهو أمر غيبي لا يمكن الجزم بشيء فيه .

فصل في أن الميت يسمع السلام من الزائر :

ما روي عن عائشة رضي الله عنها بسند ــــ فيه ضعف ـــ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا استأنس به ورد عليه حتى يقوم ) .                      [ رواه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور كما نسبه إليه ذاك العراقي في تخريج الإحياء ، ورواه ابن عبد البر في الإستذكار (1/185) من حديث ابن عباس نحوه وصححه عبد الحق الإشبيلي ) اهـــ (قلت) لكن في سنده متروك وقد قال ابن رجب في أهوال القبور (ص86) معقبا : قال عبد الحق الإشبيلي إسناده صحيح يشير إن رجاله ثقات إلا أنه غريب بل منكر ) اهـــ
وروي هذا أيضا من حديث أبي هريرة كما في فوائد تمام (139) وأبو العباس الأصم في مجموع أجزاءه (214) والهكاري في كتابه هداية الأحياء للأموات (25) والخطيب في تاريخه (6/137) وابن عساكر (10/380) وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية (1523) : لا يصح .           
وقال ابن رجب فب أهوال القبور (ص87) : عبد الرحمن بن زيد: فيه ضعف وقد خولف في إسناده. (قلت) ولكن وردت آثار صحيحة كثيرة في الباب من ذلك :                           
ـــ روى عبد الرزاق في المصنف (6723) عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : مَرَّ أَبُو هُرَيْرَةَ وَصَاحِبٌ لَهُ عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : سَلِّمْ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : أُسَلِّمُ عَلَى الْقَبْرِ ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : « إِنْ كَانَ رَآكَ فِي الدُّنْيَا يَوْمًا قَطُّ إِنَّهُ لَيَعْرِفُكَ الْآنَ »                                                         
ـــ وروى ابن أبي شيبة في المصنف  (11789) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الْجَارِي قَالَ : قَالَ لِي أَبُو هُرَيْرَةَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ إِذَا مَرَرْتُ بِالْقُبُورِ قَدْ كُنْتُ تَعْرِفُهُمْ فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَصْحَابَ الْقُبُورِ، وَإِذَا مَرَرْتُ بِالْقُبُورِ لَا تَعْرِفُهُمْ فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ "                                                          
(قلت) ولهذا كان صنيع بن عمر على هذا لا يتركه :                                                     
روى عبد الرزاق (6721) عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَمُرُّ بِقَبْرٍ إِلَّا سَلَّمَ .                                                                                 
ـــ وروى ابن أبي شيبة في المصنف (11788) والطبري في تهذيب الآثار (741) عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ سَعْدًا كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى ضَيْعَتِهِ مَرَّ بِقُبُورِ الشُّهَدَاءِ فَيَقُولُ لِأَصْحَابِهِ : « أَلَا تُسَلِّمُونَ عَلَى الشُّهَدَاءِ فَيَرُدُّوا عَلَيْكُمْ »                                                                   
ـــ وروى الطبري في تهذيبه برقم (737) عن عَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَالَةٌ لِي يُقَالُ لَهَا تُهْلَلُ بِنْتُ الْعَطَّافِ ، وَكَانَتْ مِنَ الْعَوَابِدِ ، وَكَانَتْ كَثِيرًا مَا تَرْكَبُ إِلَى الشُّهَدَاءِ قَالَتْ : " رَكِبْتُ إِلَيْهِمْ يَوْمًا فَصَلَّيْتُ عِنْدَ قَبْرِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أصَلِّيَ ، حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ فَقمْت ، فَقُلْتُ هَكَذَا بِيَدِي السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، قَالَتْ: فَسَمِعَتْ أُذُنَايَ السَّلَامَ يَخْرُجُ إِلَيَّ  مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ، أَعْرِفُهُ كَمَا أَعْرِفُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَنِي، وَكَمَا أَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ، وَمَا فِي الْوَادِي دَاعٍ، وَلَا مُجِيبَ يَتَحَرَّكُ إِلَّا غُلَامِي نَائِمًا أَخَذَ بِرَأْسِ دَابَّتِي ، فَاقْشَعَرَّت كُل شَعْرَة مِنِّي، فَدَعَوْت الْغلَام: يَا بُنَيَّ هلم دَابَّتِي، فَأَدْنَى دَابَّتِي فَرَكِبْتُ .

قال ابن القيم : وَيَكْفِي فِي هَذَا تَسْمِيَة الْمُسلم عَلَيْهِم زَائِرًا وَلَوْلَا أَنهم يَشْعُرُونَ بِهِ لما صَحَّ تَسْمِيَته زَائِرًا فَإِن المزور إِن لم يعلم بزيارة من زَارَهُ لم يَصح أَن يُقَال زَارَهُ هَذَا هُوَ الْمَعْقُول من الزِّيَارَة عِنْد جَمِيع الْأُمَم وَكَذَلِكَ السَّلَام عَلَيْهِم أَيْضا فَإِن السَّلَام على من لَا يشْعر وَلَا يعلم بِالْمُسلمِ محَال وَقد علم النَّبِي أمته إِذا زاروا الْقُبُور أَن يَقُولُوا سَلام عَلَيْكُم أهل الديار من الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون يرحم الله الْمُسْتَقْدِمِينَ منا ومنكم والمستأخرين نسْأَل الله لنا وَلكم الْعَافِيَة ، وَهَذَا السَّلَام وَالْخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب وَيعْقل ويردو إِن لم يسمع الْمُسلم الرَّد وَإِذا صلى الرجل قَرِيبا مِنْهُم شاهدوه وَعَلمُوا صلَاته وغبطوه على ذَلِك .                            
قَالَ يزِيد بن هَارُون أخبرنَا سُلَيْمَان التيمى عَن أَبى عُثْمَان النهدى أَن ابْن سَاس خرج فِي جَنَازَة فِي يَوْم وَعَلِيهِ ثِيَاب خفاف فَانْتهى إِلَى قبر قَالَ فَصليت رَكْعَتَيْنِ ثمَّ اتكأت عَلَيْهِ فوَاللَّه إِن قلبي ليقظان إِذْ سَمِعت صَوتا من الْقَبْر إِلَيْك : عَنى لَا تؤذنى ! فَإِنَّكُم قوم تَعْمَلُونَ وَلَا تعلمُونَ وَنحن قوم نعلم وَلَا نعمل وَلِأَن يكون لى مثل ركعتيك أحب إِلَى من كَذَا وَكَذَا ) ، فَهَذَا قد علم باتكاء الرجل على الْقَبْر وبصلاته ) اهــــ

في كتاب الإمتاع بالأربعين (ص86) : وَاسْتدلَّ جمَاعَة مِنْهُم عبد الْحق على حُصُول الِاسْتِمَاع من الْمَيِّت بمشروعية السَّلَام على الْمَوْتَى فَقَالُوا لَو لم يسمعوا السَّلَام لَكَانَ خطابهم بِهِ عَبَثا ) اهــ

فصل : سماع الموتى المشركين لتقريع المسلمين :

والأصل في هذا حديث قليب بدر المشهور ، فهو أصل في سماع أموات الكفار لتقريع المسلمين لهم وتبشيرهم بالنار ، وتوبيخهم على كفرهم ، ولقد سطرت هذه المسألة في كتب العقائد لا لعبث فيقولون الإيمان بكذا وكذا ويذكرونها .
فقد ذكرها ابن أبي عاصم في السنة (884) عند ذكره حديث عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: كُنَّا عند عبد الله بْنِ مَسْعُودٍ فِي بَيْتِ الْمَالِ قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْقُلَيْبِ قُلَيْبِ بَدْرٍ فَقَالَ : "يَا فُلانُ يا فلان هل وجدتم وما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا"؟ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ يَسْمَعُونَ ؟ قَالَ : مَا أَنْتُمْ لأَسْمَعُ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمُ الْيَوْمَ لا يُجِيبُونَ )                                  
ثم قَالَ ابن أبي عاصم معلقا : وَالأَخْبَارُ الَّتِي فِي قُلَيْبِ بَدْرٍ وَنِدَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُمْ وَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَهُ أَخْبَارٌ ثَابِتَةٌ تُوجِبُ الْعَمَلَ وَالْمُحَاسَبَةَ فِيهِ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ قَدْ أَثْبَتْنَاهَا في مواضعها ) اهــــ
وقال البربهاري في شرح السنة (61) : والإيمان بأن النبي صلى الله عليه وسلم حين كلم أهل القليب يوم بدر، أن المشركين كانوا يسمعون كلامه ) اهــــ .

شبهة : 
اعترض بعض الناس ممن أنكر السماع كليا ، بأن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم أو أنه معجزة خاصة به ، فلا يصح الإحتجاج به والحال هذه !!                       
فالجواب : 
أن يقال أولا هذا تحريف للحديث عن ظاهره ، وثانيا : إنّ النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نفعل مثل ما فعله من توبيخ المشرك وهو ميت في قبره ، فبطل الإعتراض على التخصيص وثبت تعميمه بالدليل القطعي وهو التالي :

فصل : في تبشير المشرك في قبره بالنار :
                                                                               ــــ من ذلك حديث أبي رزين العقيلي المشهور الطويل الذي قال فيه  :لَعَمْرُ اللهِ مَا أَتَيْتَ عَلَيْهِ مِنْ قَبْرِ عَامِرِيٍّ ، أَوْ قُرَشِيٍّ مِنْ مُشْرِكٍ ، فَقُلْ : أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ مُحَمَّدٌ، فَأُبَشِّرُكَ بِمَا يَسُوءُكَ، تُجَرُّ عَلَى وَجْهِكَ، وَبَطْنِكَ فِي النَّارِ ..) وهو حديث صحيح تلقاه السلف بالقبول .                                                    
 ومن شواهده ، حديث سعد بن أبي وقاص عند البزار 1/64، 65، والطبراني (326) ، وابن السني (600) ، والبيهقي في دلائل النبوة (1/191، 192) والضياء في "المختارة (1/333) الأعرابي الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم : « حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ مُشْرِكٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ » قَالَ: فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ بَعْدُ وَقَالَ : لَقَدْ كَلَّفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَبًا ، مَا مَرَرْتُ بِقَبْرِ كَافِرٍ إِلَّا بَشَّرْتُهُ بِالنَّارِ . 
(قلت) وفيه ضعف يسير ، وقد أخرجه ابن ماجه (1/ 476 - 477) من هذا الوجه لكنه جعله من مسند عبد الله ابن عمر وقال البوصيري في : ( إسناده صحيح، رجاله ثقات ) (قلت) وفيه إرسال ذكره أبو حاتم في علله لكنه مرسل صحيح الإسناد قوي ولهذا قد صححه الجوزقاني في الأباطيل (1/387) وقال حديث صحيح .                  
وقد روى ابن حبان في صحيحه (847) عمل اليوم والليلة برقم (599) والجوزقاني في الأباطيل (1/388) بسند ضعيف عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا مَرَرْتُمْ بِقُبُورِنَا وَقُبُورِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَخْبِرُوهُمْ أَنَّهُمْ فِي النارِ".

ونحوه هذه الأحاديث التي تدل على أن هذا التقريع ليس خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه أي قبر مشرك مررت عليه تقرعه بهذا الكلام ، وأنه يسمع هذا التقريع وإلا صار عبثا هذا الأمر ، وعكسه في المقابل ، فإنا إذا مررنا على قبور المسلمين نسلم عليهم وندعوا لهم ، ونخاطب خطاب من يسمع ونبشرهم بالخير ، ونخبرهم أننا قريبا نلتحق بكم ، فقد روى عبد الرزاق في (6720) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : حُدِّثْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْطَلِقُ بِطَوَائِفَ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى دَفْنَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَيَقُولُ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ، لَوْ تَعْلَمُونَ مِمَّا نَجَّاكُمُ اللَّهُ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ » ، فلاحظ هذه المقابلة اللطيفة !! .

فصل : مما ورد من القراءة على الميت في قبره :                                         
وما يدل على السماع : أنه ذكر عَن جمَاعَة من السّلف أَنهم أوصوا أَن يقْرَأ عِنْد قُبُورهم وَقت الدّفن قَالَ عبد الْحق الإشبيلي يرْوى أَن عبد الله بن عمر أَمر أَن يقْرَأ عِنْد قَبره سُورَة الْبَقَرَة وَمِمَّنْ رأى ذَلِك الْمُعَلَّى بن عبد الرَّحْمَن وَكَانَ الامام أَحْمد يُنكر ذَلِك أَولا حَيْثُ لم يبلغهُ فِيهِ أثر ثمَّ رَجَعَ عَن ذَلِك                                                                                                                                 ــ ومن ذلك ما رواه الخلال في جزء القراءة على القبور (ص3) :عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ اللَّجْلَاجِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " إِنِّي إِذَا أَنَا مُتُّ، فَضَعْنِي فِي اللَّحْدِ، وَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَسُنَّ عَلَيَّ التُّرَابَ سَنًّا، وَاقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِي بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَأَوَّلِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ ذَلِكَ قَالَ الدُّورِيُّ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قُلْتُ: تَحْفَظُ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الْقُبُورِ شَيْئًا، فَقَالَ: لَا. وَسَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ، فَحَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ ) .

وقد روى الخلال قصة تراجع الإمام أحمد عن إنكاره لذلك فقال : وَأَخْبَرَنِي الْحَسَن بْن أَحْمَد الْوَرَّاقُ، قَال: حَدَّثَنِي عَلِي بْن موسى الْحَدَّاد وَكَانَ صدوقا، وَكَان ابْن حَماد الْمقرِئ يرْشِد إِلَيْهِ، فَأَخْبَرَنِي قَالَ: " كُنْتُ مَعَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ الْجَوْهَرِيِّ فِي جِنَازَةٍ، فَلَمَّا دُفِنَ الْمَيِّتُ جَلَسَ رَجُلٌ ضَرِيرٌ يَقْرَأُ عِنْدَ الْقَبْرِ، فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: يَا هَذَا، " إِنَّ الْقِرَاءَةَ عِنْدَ الْقَبْرِ بِدْعَةٌ فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنَ الْمَقَابِرِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي مُبَشِّرٍ الْحَلَبِيِّ؟ قَالَ: ثِقَةٌ، قَالَ: كَتَبْتَ عَنْهُ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَخْبَرَنِي مُبَشِّرٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ اللَّجْلَاجِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَوْصَى إِذَا دُفِنَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَ رَأْسِهِ بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا، وَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يُوصِي بِذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: فَارْجِعْ، فَقُلْ لِلرَّجُلِ يَقْرَأْ " وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ صَدَقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيَّ، قَالَ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي جِنَازَةٍ وَمَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: فَلَمَّا قُبِرَ الْمَيِّتُ، جَعَلَ إِنْسَانٌ يَقْرَأُ عِنْدَهُ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لِرَجُلٍ: تَمُرُّ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي يَقْرَأُ، فَقُلْ لَهُ: لَا يَفْعَلْ، فَلَمَّا مَضَى، قَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ: مُبَشِّرٌ الْحَلَبِيُّ، كَيْفَ هُوَ؟ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِعَيْنِهَا .                               
وروى الخلال (ص5) عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : « كَانَتِ الْأَنْصَارُ إِذَا مَاتَ لَهُمُ الْمَيِّتُ اخْتَلَفُوا إِلَى قَبْرِهِ يَقْرَءُونَ عِنْدَهُ الْقُرْآنَ »                                                                   
وروى الخلال في كتاب الأمر بالمعروف (ص90) : أَخْبَرَنِي أَبُو يَحْيَى النَّاقِدُ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ الْحُرِّ وَهُوَ يَقُولُ: " مَرَرْتُ عَلَى قَبْرِ أُخْتٍ لِي فَقَرَأْتُ عِنْدَهَا تَبَارَكَ لِمَا يُذْكَرُ فِيهَا ، فَجَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْتُ أُخْتَكَ فِي الْمَنَامِ تَقُولُ: جَزَى اللَّهُ أَبَا عَلِيٍّ خَيْرًا ، فَقَدِ انْتَفَعْتُ بِمَا قَرَأَ ."                                                       

(قلت) والآثار كثيرة لا يسعني نقلها كلها في هذه الأوراق ، وإنما المراد التنبيه على أصولها ، ومن أراد مراجعها فعليك بكتاب (الزهد لابن المبارك) وكفى به حجة فقد بوب فيه فقال ( بَابٌ فِي عَرْضِ عَمَلِ الْأَحْيَاءِ عَلَى الْأَمْوَاتِ) وكتاب (تهذيب الآثار للطبري) فقد بوب لها عدة تويبات في سماع الموتى للأحياء ، وعقد لها أيضا ( الأصبهاني في كتاب الحجة ) فصلا فقال : ( فصل فِيمَن يُنكر أَن الْأَمْوَات يعلمُونَ بأخبار الْأَحْيَاء ويسمعون ) (وكتاب أهوال القبور ) لابن رجب فقد عقد لها فصلا كبيرا فقال ( فصل: معرفة الموتى في قبورهم بحال أهليهم وأقاربهم في الدنيا ) فقد بوب لها بقوله : ( الباب الثامن: فيما ورد من سماع الموتى كلام الأحياء ومعرفتهم بمن يسأل عليهم ويزروهم ومعرفتهم بحالهم بعد الموت وحال أقاربهم في الدنيا ) وذكر منها الكثير الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه (أحكام تمني الموت) وراجع ابن أَبى الدُّنْيَا فِي كتاب الْقُبُور   ( بَاب معرفَة الْمَوْتَى بزيارة الْأَحْيَاء) والتذكرة لذاك القرطبي ، وفي كتاب الروح لابن القيم قال ( الْمَسْأَلَة الأولى وَهِي هَل تعرف الْأَمْوَات زِيَارَة الْأَحْيَاء وسلامهم أم لَا ) وغيرهم كثير .


فصل : الرد على من أنكر ذلك من المعاصرين :

كل هذه الأحاديث والآثار بمجموعها تدل على أن للموتى سماعا لكلام الأحياء ، ولم يحسن من أنكر سماعهم بإطلاق فقط لمجرد فراره من معتقد وشبهات الصوفية !! فليس من العقل دفع شيء من الحق فرارا من الباطل ، فإن هذا السماع لا يفيد المشركين في شيء إثباته ، لأنه سماع مقيد بعدم قدرة ولا نفع في شيء ، لحديث إن الميت إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث ، ولهذا لما احتج بها ذاك السبكي الجهمي على جواز الشرك لم يرد عليه ابن عبد الهادي في الصارم المنكي (ص16) إلا بقوله ( ثم ذكر الأحاديث الواردة في سماع الموتى وكلامهم وإدراكهم وعود الروح إلى البدن وما يتبع ذلك ثم أشار إلى اختلاف المتكلمين وغيرهم في ماهية الروح وحقيقتها وتكلم في ذلك بكلام لا تحقيق فيه ولا حاجة إليه ) اهـ .
أما قوله تعالى (وما أنت بمسمع من في القبور) وقوله ( إنك لا تسمع الموتى ) فقد روى الطبري في تفسيره عن قتادة في قوله (إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) قال كذلك الكافر لا يسمع ، ولا ينتفع بما يسمع.

وقال مقاتل في تفسيره :وذلك أن الله- جل وعز- شبه الكافر من الأحياء حين دعوا إلى الإيمان فلم يسمعوا ، بالأموات أهل القبور الذين لا يسمعون الدعاء ، ثم قال للنبي- عليه السلام- حين لم «يجيبوه» إلى الإيمان إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ ) اهـــ                                                     
وقال يحي بن سلام في تفسيره :أَيْ: وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ الْكُفَّارَ، هُمْ بِمَنْزِلَةِ الأَمْوَاتِ لا يَسْمَعُونَ مِنْكَ الْهُدَى سَمْعَ قَبُولٍ، كَمَا أَنَّ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ لا يَسْمَعُونَ.وقد قال الطبري ملخصا كلام السلف في مثل هاته الآيات من تفسيره (19/490) : وقوله: (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) يقول: إنك يا محمد لا تقدر أن تُفِهم الحقّ من طبع الله على قلبه فأماته، لأن الله قد ختم عليه أن لا يفهمه (وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ) يقول: ولا تقدر أن تسمع ذلك من أصمّ الله عن سماعه سمعه (إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ) يقول: إذا هم أدبروا معرضين عنه، لا يسمعون له لغلبة دين الكفر على قلوبهم، ولا يُصغون للحقّ، ولا يتدبرونه، ولا ينصتون لقائله، ولكنهم يعرضون عنه، وينكرون القول به، والاستماع له ) اهــــ                                                                 
(قلت) فقد فسرها السلف بأن معناها تشبيه المشرك الذي أضله الله بالميت الذي لا يفهم ما يقال له وما يسمعه من الحق ، ولم يقل أحد من السلف عند تفسير هذه الآية أنها على ظاهرها إلا ما روي عن عائشة رضي الله عنها من أنها أنكرت سماع موتى قليب بدر لكلام النبي صلى الله عليه وسلم لهم لظاهر هاته الآيات ، وخالفها الصحابة في ذلك .                                    
فقد روى البخاري (3980) عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: وَقَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَلِيبِ بَدْرٍ فَقَالَ: «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا» ثُمَّ قَالَ: «إِنَّهُمُ الآنَ يَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ»، فَذُكِرَ لِعَائِشَةَ ، فَقَالَتْ : إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنَّهُمُ الآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ هُوَ الحَقُّ» ثُمَّ قَرَأَتْ {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى} [النمل: 80] حَتَّى قَرَأَتْ الآيَةَ (قلت) ويقال عنها أنها تراجعت عن ذلك .

فصل : مهم في رد الطبري على من احتج بالآيتين السابقتين :

قال الطبري في تهذيب الآثار (745) عند ذكره حديثا عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُولَئِكَ الرَّهْطِ، عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَأَصْحَابِهِ، فَأُلْقُوا فِي الطُّوَى قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «جَزَى اللَّهُ شَرًّا مِنْ قَوْمِ نَبِيٍّ، مَا كَانَ أَسْوَأَ الطَّرْدِ، وَأَشَدَّ التَّكْذِيبِ» قَالَ: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تُكَلِّمُ قَوْمًا قَدْ جَيَّفُوا ؟ قَالَ: «مَا أَنْتُمْ بِأَفْهَمَ لِقَوْلِي مِنْهُمْ» أَوْ: «لَهُمْ أَفْهَمُ لِقَوْلِي مِنْكُمْ» قَالُوا : فَخَبَرُ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي رَوَتْهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ، إِذْ قَالُوا لَهُ حِينَ قَالَ مَا قَالَ لِأَهْلِ الْقَلِيبِ: «أَتُكَلِّمُ أَجْسَادًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا مَا أَنْتُمْ بِأَعْلَمَ بِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَمَا أَنْتُمْ بِأَفْهَمَ لَهُ مِنْهُمْ» يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ مَا قُلْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ مِنْ أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ: مَا أَنْتُمْ بِأَعْلَمَ، لَا أَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ أَصْوَاتَ بَنِي آدَمَ وَكَلَامَهُمْ، قَالُوا: وَلَوْ كَانُوا يَسْمَعُونَ كَلَامَ النَّاسِ وَهُمْ مَوْتَى، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى، ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] ، وَلَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] مَعْنًى قَالُوا: وَفِي فَسَادِ الْقَوْلِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا مَعْنَى لَهُ، صِحَّةُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَمْوَاتَ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ لَا يَسْمَعُونَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ شَيْئًا. وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ صَحِيحَةٌ , عُدُولٌ نَقَلَتُهَا، فَالْوَاجِبُ عَلَى مَا انْتَهَتْ إِلَيْهِ، وَقَامَتْ عَلَيْهِ حُجَّةُ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ الْإِيمَانُ بِهَا وَالْإِقْرَارُ بِأَنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مِنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ بَعْدِ مَمَاتِهِ مَا شَاءَ مِنْ كَلَامِ خَلْقِهِ مِنْ بَنِي آدَمَ وَغَيْرِهِمْ عَلَى مَا شَاءَ، وَيُفْهِمُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ مَا شَاءَ، وَيُنَعِّمُ مَنْ أَحَبَّ مِنْهُمْ بِمَا أَحَبَّ، وَيُعَذِّبُ فِي قَبْرِهِ الْكَافِرَ، وَمَنِ اسْتَحَقَّ مِنْهُمُ الْعَذَابَ كَيْفَ أَرَادَ، عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآثَارُ وَصَحَّتْ بِهِ الْأَخْبَارُ. وَلَيْسَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} [النمل: 80] ، وَلَا فِي قَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] حُجَّةٌ لِمَنِ احْتَجَّ بِهِ فِي دَفْعِ مَا صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَةُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ لِأَصْحَابِهِ إِذْ قَالُوا لَهُ فِي خِطَابِهِ أَهْلِ الْقَلِيبِ بِمَا خَاطَبَهُمْ بِهِ: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ» ، وَلَا فِي إِنْكَارِ مَا ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ لِأَصْحَابِهِ مُخْبِرَهُمْ عَنِ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ: «إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ» ، إِذْ كَانَ قَوْلُهُ: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] ، وَقَوْلُهُ: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] ، مُحْتَمِلًا مِنَ التَّأْوِيلِ أَوْجُهًا سِوَى التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلَهُ الْمُوَجِّهُ تَأْوِيلَهُ إِلَى أَنَّهُ لَا مَيِّتَ يَسْمَعُ مِنْ كَلَامِ الْأَحْيَاءِ شَيْئًا. فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى بِطَاقَتِكَ وَقُدْرَتِكَ، إِذْ كَانَ خَالِقُ السَّمْعِ غَيْرَكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ هُوَ الَّذِي يُسْمِعُهُمْ إِذَا شَاءَ، إِذْ كَانَ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى ذَلِكَ دُونَ مَنْ سِوَاهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: {وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ} [النمل: 81] . وَذَلِكَ أَنَّ الْهِدَايَةَ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ وَالتَّوْفِيقَ لِلرَّشَادِ بِيَدِ اللَّهِ دُونَ مَنْ سِوَاهُ، فَنَفَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا أَنْ يُسْمِعَ الْمَوْتَى إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ، كَمَا نَفَى أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى هِدَايَةِ الضُّلَّالِ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَذَلِكَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] ، أَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى إِسْمَاعِ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، بِقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ} [فاطر: 22] ، ثُمَّ نَفَى عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُدْرَةَ عَلَى مَا أَثْبَتَهُ وَأَوْجَبَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] ، وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسْمِعُهُمْ دُونَكَ، وَبِيَدِهِ الْإِفْهَامُ وَالْإِرْشَادُ وَالتَّوْفِيقُ، وَإِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ، فَبَلِّغْ مَا أَرْسِلْتَ بِهِ. فَهَذَا أَحَدُ أَوْجُهِهِ , وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى إِسْمَاعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدِ انْقَطَعَتْ عَنْهُمُ الْأَعْمَالُ، وَخَرَجُوا مِنْ دَارِ الْأَعْمَالِ إِلَى دَارِ الْجَزَاءِ، فَلَا يَنْفَعُهُمْ دُعَاؤُكَ إِيَّاهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَتَبَ رَبُّكَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، لَا يُسْمِعُهُمْ دُعَاؤُكَ إِلَى الْحَقِّ إِسْمَاعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ خَتَمَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُؤْمِنُوا، كَمَا خَتَمَ عَلَى أَهْلِ الْقُبُورِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ أَنَّهُمْ لَا يَنْفَعُهُمْ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْ دَارِ الدُّنْيَا إِلَى مَسَاكِنِهِمْ مِنَ الْقُبُورِ إِيمَانٌ وَلَا عَمَلٌ؛ لِأَنَّ الْآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدَارِ امْتِحَانٍ، وَإِنَّمَا هِيَ دَارُ مُجَازَاةٍ، وَكَذَلِكَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ وجُوهِ الْمَعَانِي. فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمِلًا مِنَ الْمَعَانِي مَا وَصَفْنَا، فَلَيْسَ لِمُوَجِّهِهِ إِلَى أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَيِّتٌ شَيْئًا بِحَالٍ حُجَّةٌ، إِذْ كَانَ لَا خَبَرَ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَحِّحُهُ، وَلَا فِي الْفِعْلِ شَاهِدٌ بِحَقِيقَتِهِ، بَلْ تَأْوِيلُ مُخَالِفِيهِ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَوْلَى بِالصِّحَّةِ لِمَا رُوِّينَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ عَنْهُ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ الْأَحْيَاءِ، عَلَى مَا وَرَدَتْ بِهِ عَنْهُ الْآثَارُ. فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] ، وَقَوْلَهُ لَهُ: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] ، لَمَّا كَانَ عَامًّا ظَاهِرُهُ فِي كُلِّ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَفِي جَمِيعِ الْمَوْتَى، مِنْ غَيْرِ خُصُوصِ بَعْضٍ مِنْهُمْ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْقَائِلِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعُوا فِي حَالِ مَا هُمْ فِي الْبَرْزَخِ شَيْئًا مِنْ كَلَامِ الْأَحْيَاءِ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِإِجَازَةِ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، فَقَدْ ظَنَّ غَيْرَ الصَّوَابِ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَعَلَ بَيَانَ مَا نَزَلَ إِلَيْنَا مِنْ كِتَابِهِ إِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ بَيَّنَ لَنَا عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ ذَكَرَ حَالَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فِي قُبُورِهِمَا حِينَ يُسْأَلَانِ عَنْ دِينِهِمَا: أَنَّهُمَا يَسْمَعَانِ خَفْقَ نِعَالِ مُتَّبِعِي جَنَائِزِهِمَا إِذَا وَلَّوْا عَنْهُمَا مُدْبِرِينَ، فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] ، وَقَوْلَهُ: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] ، مَعْنِيٌّ بِهِ إِسْمَاعُ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ دُونَ جَمِيعِهَا، وَدَلِيلًا عَلَى أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: قَدْ يَسْمَعُونَ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ قَوْلِ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ. فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَمَا تُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا وَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ» ، إِنَّهُ لِيَعْلَمَ ذَلِكَ، إِذْ كَانَ مَعْرُوفًا مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ مِنْهُمْ لِصَاحِبِهِ: قَدْ سَمِعْتُ مِنْكَ مَا قُلْتَ، بِمَعْنَى: فَهِمْتُ عَنْكَ مَا قُلْتَ، وَاسْمَعْ مِنِّي مَا أَقُولُ، بِمَعْنَى: افْهَمْ عَنِّي مَا أَقُولُ؟ قِيلَ لَهُ: إِنْ ذَلِكَ لَوْ وَجَّهْنَاهُ إِلَى الْمَعْنَى الَّذِي قُلْتُهُ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ خَالَفَ قَوْلَنَا فِي أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ السَّمَاعَ الْمَفْهُومَ حُجَّةٌ، وَذَلِكَ أَنَّا إِنْ قُلْنَا: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ خَفْقَ نِعَالِهِمْ، لَمْ يَخْلُ عِلْمُهُمْ بِذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَدَثَ لَهُمْ عَنْ سَمَاعٍ مِنْهُمْ خَفْقَ نِعَالِهِمْ، أَوْ عَنْ خَبَرٍ أُخْبِرُوا بِهِ فِي قُبُورِهِمْ ، وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ فَإِنَّهُ مُحَقَّقٌ قَوْلُنَا فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ يُسْمِعُ مِنْ شَاءَ مِنَ الْأَمْوَاتِ مَا شَاءَ مِنْ كَلَامِ الْأَحْيَاءِ ، وَيُعَرِّفُ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ مِنْ أَخْبَارِهِمْ ، وَيُنَعِّمُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ فِي قَبْرِهِ بِمَا شَاءَ ، وَيُعَذِّبُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ كَيْفَ شَاءَ ، لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) اهـــ                                                                                
فائدة : وقد حكى ابن رجب في تفسيره (2/96) أن الجمهور أجازوا سماع الموتى وحكى كلام بن عبد البر أنه قالَ: ذهبَ إلى ذلكَ جماعة من أهلِ العلم - وهم الأكثرونَ - وهو اختيارُ الطبريِّ وغيره، وكذلكَ ذكرَهُ ابنُ قتيبةَ وغيرُه من العلماءِ ) اهــــ                                  
وقد ظن بعض من لا يهتم بالآثار من المعاصرين ، أن ابن القيم هو من أتى بهذه المسألة في كتاب الروح فراحوا يشنعون عليه ، ومن عجائب ما احتجوا به في ردهم عليه أنهم قالوا : لعل بن القيم كتبه في أول حياته لما كان صوفيا !! وألف ذاك الآلوسي كتابا سماه (الآيات البينات في عدم سماع الأموات على مذهب الحنفية السادات ) ووحققها الألباني فراحوا ينفون سماع الأموات ويردون على من أثبته بكل ما أوتوا ، فلم يأتوا بشيء !!

فصل : في ما روي من أحاديث في الباب مع تخريجها باختصار 

رويت في الباب بعض الأحاديث وإن كان في إسنادها ضعف وبعضها صالح ، فقد ثبتتها أخبار الصحابة المستفيضة وعليها اعتمادنا وإنما ذكرنا هذه الروايات المرفوعة للإستئناس من ذلك :

ــ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ (12683) ثَنَا عبد الرزاق عَنْ سفيان عَمَّنْ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " « إِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَى أَقَارِبِكُمْ وَعَشَائِرِكُمْ مِنَ الْأَمْوَاتِ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا اسْتَبْشَرُوا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُمْ حَتَّى تَهْدِيَهُمْ كَمَا هَدَيْتَنَا » (قلت) سنده ضعيف لأجل الإبهام الذي في السند .
ــ وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ (1903) : حَدَّثَنَا الصلت بن دينار عَنِ الحسن عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " « إِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَى عَشَائِرِكُمْ وَعَلَى أَقْرِبَائِكُمْ فِي قُبُورِهِمْ ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا اسْتَبْشَرُوا بِهِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ قَالُوا : اللَّهُمَّ أَلْهِمْهُمْ أَنْ يَعْمَلُوا بِطَاعَتِكَ » (قلت) فيه ضعف فلم يسمع الحسن من جابر . 
ــ وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ (148) مِنْ طَرِيقِ مسلمة بن علي - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ وَهِشَامِ بْنِ الْغَازِ، عَنْ مكحول، عَنْ عبد الرحمن بن سلامة، عَنْ أبي رهم، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنَّ نَفْسَ الْمُؤْمِنِ إِذَا قُبِضَتْ، تَلَقَّاهَا أَهْلُ الرَّحْمَةِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ كَمَا تَلْقَوْنَ الْبَشِيرَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُونَ: أَنْظِرُوا صَاحِبَكُمْ لِيَسْتَرِيحَ؛ فَإِنَّهُ فِي كَرْبٍ شَدِيدٍ، ثُمَّ لَيَسْأَلُونَهُ : مَا فَعَلَ فُلَانٌ وَفُلَانَةُ ، هَلْ تَزَوَّجَتْ؟ فَإِذَا سَأَلُوهُ عَنِ الرَّجُلِ قَدْ مَاتَ قَبْلَهُ فَيَقُولُ: أَيْهَاتَ، قَدْ مَاتَ ذَاكَ قَبْلِي ، فَيَقُولُونَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الْأُمُّ وَبِئْسَتِ الْمُرَبِّيَةُ، وَقَالَ: إِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَى أَقَارِبِكُمْ وَعَشَائِرِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا فَرِحُوا وَاسْتَبْشَرُوا وَقَالُوا: اللَّهُمَّ هَذَا فَضْلُكَ وَرَحْمَتُكَ، فَأَتْمِمْ نِعْمَتَكَ عَلَيْهِ وَأَمِتْهُ عَلَيْهَا، وَيُعْرَضُ عَلَيْهِمْ عَمَلُ الْمُسِيءِ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ أَلْهِمْهُ عَمَلًا صَالِحًا تَرْضَى بِهِ وَتُقَرِّبُهُ إِلَيْكَ » .
ــ روى الحاكم (7849) وابن أبي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْمَنَامَاتِ (ص5) والدولابي في الكنى (519) وأمثال الحديث لأبي الشيخ (314) والبيهقي في الشعب (9761) من طريق يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ ثَنَا أبو إسماعيل السلولي: سَمِعْتُ مالك بن الداء: يَقُولُ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: « اللَّهَ اللَّهَ فِي إِخْوَانِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ، فَإِنَّ أَعْمَالَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ » (قلت) وفي إسناده ضعف لأجل جهالة بعض رواته ولهذا ضعفه الأزدي  .
ـــ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ (3/3 (11010) وغيْره مِنْ طرِيق أبي عامر العقدي عَنْ عبد الملك بن الحسن المدني عَنْ سعد بن عمرو بن سليم عَنْ معاوية - أَوِ ابن معاوية - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يُغَسِّلُهُ وَيَحْمِلُهُ وَيُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ »

(قلت) في سنده ضعف الراوي عن أبي سعيد فيه جهالة .. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي " الْأَوْسَطِ " مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أبي سعيد ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ عَنْ عمرو بن دينار وبكر بن عبد الله المزني، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ مَعْنَى ذَلِكَ .
ــ وروى ابن أبي الدنيا في المنامات (2) والأصبهاني في الترغيب (156) والمحاملي وغيرهم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَفْضَحُوا مَوْتَاكُمْ بِسَيِّئَاتِ أَعْمَالِكُمْ، فَإِنَّهَا تُعْرَضُ عَلَى أَوْلِيَائِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُبُور»            (قلت) إسناده ضعيف أيضا ضعفه غير واحد

هذه كانت هي المسألة التي كثر فيها الشغب والتخليط والسلف بمعزل عن كل هذا !! فيا قوم متى ترجعون للأثر وتهتمون بالإسناد وأقوال السلف ؟



انتهى هذا الفصل والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات                                    كتبه أبو عبيد الجزائري .

ً

الثلاثاء، 6 يونيو 2017

الرد على من قال بفناء النار

الإجـماعات العقدية في إثبات أن القول بفناء النار هو مذهب الجهمية و الرد على مذهب ابن القيم ابن تيمية

بسم الله الرحمن الرحيم .

هذا فصل مختصر في بيان أن القول بفناء النار هو مذهب الجهمية لا غير ، ولا يثبت خلافا بين السلف في بقاء الجنة والنار ، بل كلهم أجمعوا على أن الجنة والنار كلاهما باقيتان لا تفنيان ، خلافا للجهمية الذين قالوا بفناء الجنة والنار أو إحداهما بحجة أنها حادثة بعد أن لم تكن ، وهذا قول الجهم بن صفوان وشيعته الذي تبناه ونشره في تضليل الناس ، ولا فرق عنده في ذلك بين الجنة والنار ، والمعتزلة أقرب قول منهم في ذلك ، وليست المشكلة في هؤلاء بل الغرابة في ما ثبت عن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، من الميل بالقول بفناء النار خاصة ، وقد نقله عنه ابن القيم في حادي الأرواح (ص 433 ـــ 442) وفي شفاء العليل (ص 435) وفي كتاب الروح أيضا ، وقد طبعت رسالة ابن تيمية التي نقل منها ابن القيم كلام شيخه باسم ( الرد على من قال بفناء الجنة والنار ) بتحقيق السمهري ، وهذا العنوان فيه نظر بل لا يصح بلا شك ، لأنه خلاف محتواها الذي قال فيه بن تيمية بفناء النار ، فكيف يرد على نفسه بالعنوان !! والأصح أن عنوانها الأقرب كما في بعض المخطوطات ( تصنيف في فناء النار ) أو نحو هذا ، وقد واحتجا فيه ببعض الآثار الضعيفة جدا ، والتي ليست واضحة في نفس الوقت !! وبظواهر بعض الآيات المتشابهة ، وترك المحكمات القرآنية وكلام السلف الواضح الصحيح السند والإجماعات الصريحة كما سيأتي ، ولا داعي لتكثير الأدلة والآثار فهي واضحة ، وبعضهم يشكك في نسبة ذلك إليهما وهو تعب لا طائل منه ، فهناك عشرات الأدلة على ثبوت هذا المذهب إليهما ، ويكفي أن ابن القيم أثبت رسالة شيخه ، ونقل معظمها مباشرة في حادي الأرواح وشفاء العليل ونصر مذهبه ، وهي نفسها الرسالة التي رد عليها معاصره وعدوه السبكي ذاك الجهمي العنيد في كتابه الذي سماه : بـــ  ( الإعتبار ببقاء الجنة والنار ) ونفسها الرسالة التي رد عليها ذاك الصنعاني في كتابه ( رفع الأستار في الرد على أدلة القائلين بفناء النار ) ، وسأكتفي هنا بنقولات إجماع أهل السنة القاطعة للشغب في مثل هذه المسألة الخطيرة ، وإلا فالرد على شبهاتهم يطول ولا طائل منه .                                             لكن الإجماع أنفع سلاح في مثل هاته المواطن ، فأقول قد نص غير واحد من العلماء والأئمة الأمناء ، على إجماع أهل السنة النجباء ، في رد هذا القول الواهي ، وكتب العقائد مشحونة بذلك لا يرتاب فيه من له اطلاع ، ونظر في كتبهم ومصنفاتهم ، وهذه جملة من أقوالهم في بيان ذلك تثبيتاً لأهل الحق وفضحاً لأهل الباطل :                                                                                                                            
1) حكايةُ قتيبَة بْن سَعِيدٍ رحمه  الله [240 هـ]
روى أبو أحمد الحاكم في شعار أهل الحديث (17) : سمعت محمد بن إسحاق الثقفي قال : سمعت أبا رجاء قتيبة بن سعيد قال : ( هذا قول الأئمة المأخوذ في الإسلام والسنة : الرضا بقضاء الله ... والجنة والنار مخلوقتان ولا يفنيان ، والصلاة من الله فريضة ، واجبة بتمام ركوعها وسجودها والقراءة فيها ) اهـــ

2) أحمد بن حنبل رحمه الله :

في طبقات الحنابلة (1/24) وتاريخ دمشق (12/310) : قال أبو العباس أحمد بن جعفر بن يعقوب بْن عَبْدِ اللَّهِ الفارسي الأصطخري قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أحمد بن محمد بن حنبل : هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروقها المعروفين بها المقتدي بهم فيها من لدن أصحاب النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى يومنا هذا وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج من الجماعة زائل عَنْ منهج السنة وسبيل الحق ... ثم قال :                
وقد خلقت الجنة وما فيها والنار وما فيها خلقهما اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وخلق الخلق لهما لا يفنيان ولا يفنى ما فيهما أبدًا ، فإن احتج مبتدع أو زنديق بقول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " كُلُّ شيء هالك إلا وجهه وبنحو هذا من متشابه القرآن ، قيل له: كل شيء مما كتب اللَّه عليه الفناء والهلاك هالك والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء ولا للهلاك وهما من الآخرة لا من الدنيا والحور العين لا يمتن عند قيام الساعة ولا عند النفخة ولا أبدًا لأن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ خلقهن للبقاء لا للفناء ولم يكتب عليهن الموت فمن قَالَ خلاف هذا فهو مبتدع وقد ضل عَنْ سواء السبيل ) اهـــ .

3) محمد بن يحي الذهلي [ 258هـ ]

روى أبو نصر المقدسي في الحجة (ص631 ـ ط دار الأول ) : قال الذهلي : ( السنه عندنا الإيمان قول وعمل يزيد وينقص .. وأن الجنة والنار مخلوقتان ... فمن زعم أنهما غير مخلوقتين أو إن كانتا مخلوقتين فإنهما يفنيان كما يفنى سائر الخلق فقد كذب من زعم هذا وأنكر الملة ) .            
وقال ابن النحاس في إعراب القرآن (5/57) : حدّثنا عبد الله بن أحمد بن عبد السّلام سمعت محمد بن يحيى النيسابوري يقول: ( السّنّة عندنا وهو قول أئمتنا مالك بن أنس وأبي عبد الرّحمن بن عمر ، والأوزاعي وسفيان بن سعيد الثوري وسفيان بن عيينة الهلالي وأحمد بن حنبل وعليه عهدنا أهل العلم أنّ الله جلّ وعزّ يرى في الآخرة بالأبصار .. والنار والجنة أنّهما مخلوقتان غير فانيتين )

4) حكايةُ إسماعيلٍ المزنيّ [264هـ] :

قال في كتاب شرح السنة : قال عَليّ بن عبد الله الْحلْوانِي قَالَ كنت بطرابلس الْمغرب فَذكرت أَنا وَأَصْحَاب لنا السّنة إِلَى أَن ذكرنَا أَبَا إِبْرَاهِيم الْمُزنِيّ رَحمَه الله ... فكتبنا إِلَيْهِ كتابا نُرِيد أَن نستعلم مِنْهُ يكْتب إِلَيْنَا شرح السّنة ... فَكتب إِلَيْنَا : ( بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ...
فَإنَّك أصلحك الله سَأَلتنِي أَن أوضح لَك من السّنة أمرا تصبر نَفسك على التَّمَسُّك بِهِ وتدرأ بِهِ عَنْك شبه الْأَقَاوِيل وزيغ محدثات الضَّالّين
وَقد شرحت لَك منهاجا موضحا منيرا لم آل نَفسِي وَإِيَّاك فِيهِ نصحا ... وعقبى الْكَافرين النَّار وَأهل الْجحْد {عَن رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون} ..و{لَا يقْضى عَلَيْهِم فيموتوا وَلَا يُخَفف عَنْهُم من عَذَابهَا كَذَلِك نجزي كل كفور} الْآيَة خلا من شَاءَ الله من الْمُوَحِّدين إخراجهم مِنْهَا .. هَذِه مقالات وأفعال اجْتمع عَلَيْهَا الماضون الْأَولونَ من أَئِمَّة الْهدى وبتوفيق الله اعْتصمَ بهَا التابعون قدوة ورضى ) اهـــ

5) حكاية أبي حاتم وأبي زرعة الرازيان :

روى اللالكائيّ في شرح أصول الإعتقاد (12/10) عن عبد الرحمنِ بن أبي حاتمٍ قَالَ : سألتُ أَبي وأبَا زرعةَ عَنْ مذاهبِ أهلِ السنّة في أصولِ الدينِ، ومَا أدركَا عليهِ العلماءَ في جميعِ الأمصارِ، وما يعتقدانِ مِنْ ذلكَ فقالاَ : ( أدركنَا العلماءَ في جميعِ الأمصارِ حجازاً وعراقاً وشاماً ويمناً فكانَ مِنْ مذهبهمْ : - الإيمانُ قولٌ وعملٌ، يزيدُ وينقصُ ... والجنّة حقٌ والنّار حقٌ ، وهمَا مخلوقانَ لا يفنيانَ أبداً ، والجنّة ثوابٌ لأوليائهِ ، والنّار عقابٌ لأهلِ معصيتهِ إلا مَنْ رحمَ اللهُ عزّ وجلّ ) .



6) حكاية حرب الكرماني 280 هــ :

قال حرب بن إسماعيل الكرماني في كتابه السنة (ص48 ) قال : ( هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أوعاب قائلها فهو مبتدع خارج من الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم فكان من قولهم: ... ويذبح الموت يوم القيامة بين الجنة والنار، وقد خُلِقَت الجنة وما فيها ، وخُلِقَت والنار وما فيها خلقهما الله ثم خلق الخلق لهما لا يفنيان ولا يفنى من فيهما أبدًا ، فإن احتج مبتدع زنديق بقول الله تبارك وتعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} وبنحو هذا فقل له: كل شيء ما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك، والجنة والنار خُلقتا للبقاء لا للفناء ولا للهلاك وهما من الآخرة لا من الدنيا، والحور العين لا يمتن عند قيام الساعة، ولا عند النفخة، ولا أبدًا لأن الله تبارك وتعالى خلقهن للبقاء لا للفناء ولم يكتب عليهن الموت ، فمن قال بخلاف ذلك فهو مبتدع مخالف وقد ضل عن سواء السبيل ) اهـــ .
(قلت) ومن حكى الإجماع كثير ، ومنهم سوى البربهاري في كتابنا هذا ، نذكر ممن لم ننقل كلامه هنا بتمامه على سبيل الإختصار :                                                                 
ابن أبي زمنين في أصول السنة (ص139) والأجري في الشريعة (3/1371) والملطي في كتاب التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع (ص141)  وابن بطة في الإبانة الكبرى (1/300 ـــ طبعة آل حمدان ) والصابوني في أعتقاد السلف أصحاب الحديث وغيرهم كثير .                                                                                        
وقد كان السلف يجهمون ويضللون ، بل ويكفرون من قال بفناء الجنة والنار ويشددون حتى في الرواية عنه من ذلك ، ولا يخفى أنه لا فرق بين من قال بفناءهما جميعا أو خاص واحدة :  
                                                                           
روى عبد الله في العلل (5331) – قال : سَأَلت أبي عَن الحكم بن عبد الله أبي مُطِيع الْبَلْخِي فَقَالَ لَا يَنْبَغِي أَن يرْوى عَنهُ حكوا عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول الْجنَّة وَالنَّار خلقتا فستفنيان وَهَذَا كَلَام جهم لَا يرْوى عَنهُ شَيْء ) اهـــ                                                                           
وروى في السنة (77) عن خَارِجَةَ يَقُولُ : " كَفَرَتِ الْجَهْمِيَّةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْجَنَّةَ تَفْنَى ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ} [ص: 54] فَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا تَنْفَدُ فَقَدْ كَفَرَ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} [الرعد: 35] فَمَنْ قَالَ: لَا يَدُومُ فَقَدْ كَفَرَ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 108] فَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا تَنْقَطِعُ فَقَدْ كَفَرَ، وَقَالَ: {لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ} [الواقعة: 33] فَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا تَنْقَطِعُ فَقَدْ كَفَرَ ) اهـــ "   
                                                                    
في طبقات الحنابلة (1/344) كتب أحمد إلى مسدد بن مسرهد فقال ( بسم اللَّه الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل فِي كل زمان بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى وينهونه عَنِ الردى يحيون بكتاب اللَّه تعالى الموتى ، وبسنة رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أهل الجهالة والردى.. أوصيكم ونفسي بتقوى اللَّه العظيم ولزوم السنة ، فقد علمتم ما حل بمن خالفها وما جاء فيمن اتبعها ، بلغنا عَنِ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قَالَ : " إن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ليدخل العبد الجنة بالسنة يتمسك بها "... ومن زعم أنه يبيد من الجنة شيء فهو كافر وخلق النار قبل خلق الخلق وخلق لها أهلا وعذابها دائم .. ) اهـــ

تهوين المتاخرين والمعاصرين لهذه المسألة الخطيرة :

ولقد استهان أكثر المتأخرين بهذه القضية فمنهم من جعلها مجرد خلاف عقدي لا يبدع ولا يفسق ولا يخطأ فيه المخالف !! فضلا من أن يرمى بكفر ، فقال ابن تيمية في مقدمة رسالته أنها مسألة فيها خلاف بين السلف مشهور !!                                    وقال ابن القيم : وقولكم إنه من أقوال أهل البدع كلام لا خبرة له بمقالات بني آدم وآراءهم واختلافهم !! ) اهـــ [ حادي الأرواح (ص356) ]

وحاول بن تيمية وابن القيم أن يجدوا فرقا بين قولهما وبين قول الجهمية فقالا : إن قول الجهمية هو القول بفناء الجنة والنار جميعا لا النار وحدها !! وهذا الكلام ظاهر الضعف جدا ومثاله كمن يقول إن السلف أجمعوا علو وجوب اتباع الكتاب والسنة فإذا أنا اتبعت الكتاب فقط وتركت السنة لا حرج لأن إجماعهما كان فقط على كلاهما !! وبهذا المثال تتضح المغالطة في قولهم ، وقال ابن القيم أيضا في حادي الأرواح وهو يحاول أن يجد فرقا : أن الجهمية قالت أن النار تفنى بنفسها ونحن نقول الله هو من يفنيها !! وهذا الفرق أضعف من الأول ، والواقع أن هذا المذهب ملتصق بمذهب الجهمية عند السلف عامة ، ويكفي في بطلانه أنه مخالف لصريح النصوص والإجماع .

وقال الفوزان : وغاية ما يقال أنه قول خطأ ، أو رأي غير صواب !! ولا يقال بدعة ولكن ليس قصدي الدفاع عن هذا القول لكن قصدي بيان أنه ليس بدعة ولا ينطبق عليه ضابط البدعة وهو من المسائل القديمة !! ) اهــ [ من كتابه نظرات وتعقيبات (ص50) ]

(قلت) هذا ولابن تيمية قول عام من يراه يظن أنه قول آخر يوافق ما عليه السلف في هذا الأمر في فتاويه وبعض كتبه ، لكنه في الحقيقة ليس قول ثاني ، لأنه إثبات عام لبقاء الجنة والنار كلاهما ، لا إثبات فناء النار لوحدها خاصة ، فهو يعتبر أن القول بفناءهما جميعا هو قول الجهمية بهذا الجمع ، أما بالإفراد يقول هو أحد أقوال السلف كما صرح في رسالته بالنص وكما قاله أيضا بن القيم لما فرق بين مذهبه وبين قول الجهمية ، وفي هذه الرسالة الأخيرة لابن تيمية ، يخص النار بكلامه فقط ، وجاءت رسالته هاته بعد توقف في المسألة لعدة سنوات كما أخبر بن القيم في شفاء العليل (ص435) حيث قال : ( وكنت سألت عنها شيخ الإسلام قدس الله روحه ، فقال لي هذه المسألة عظيمة كبيرة ولم يجب فيها بشيء فمضى على ذلك زمن حتى رأيت في تفسير عبد بن حميد الكثي بعض تلك الآثار التي ذكرت فأرسلت إليه الكتاب وهو في مجلسه الأخير وعلمت على ذلك الموضع وقلت للرسول قل له هذا الموضع يشكل عليه ولا يدري ما هو فكتب فيها مصنفه المشهور رحمة الله عليه ) اهـــــ

(قلت) وكنت في الأول ، أظن أن له قولين ولا أدري آخر أقواله في هذه المسألة ، ثم تبين لي أن رسالته في فناء النار كتبها في آخر حياته كما ذكر بن القيم ، ثم بعد ذلك تأكدت أن له قول واحد من البداية ، ونفس الشيء بالنسبة لابن القيم في النونية ينص على عدم فناء الجنة والنار بالعموم ، لكن إذا أتى بالكلام في فناء النار خاصة كما في بحوثه المبثوثة في كتبه كحادي الأرواح وشفاء العليل وكتاب الروح وغيرها يرجح هذا المذهب وينتصر له وينقل قول شيخه ويدعي أنه قول السلف !! وإذا عاد للكلام العام يقول ببقاءهما كما في النونية فتظن أن له قول ثاني ، والواقع أن كلاهما لهما قول واحد من البداية وهو القول بفناء النار خاصة دون الجنة ، وهذا المذهب خطير ضلل فيه السلف وشددوا ورموا قائله بالعظائم ، ولم يفرقوا بين من قال بفناءهما كلاهما أو من خص واحدة ، والحقيقة أني لا أجد لهما عذرا في القول بهذا المذهب ، لوضوح النصوص ومعتقد السلف في ذلك ، ولأنهما اتبعا المتشابهات وتركا المحكمات !! فالله المستعان  .



كتبه أبو عبيد الجزائري والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .