الأقوال المأثورة مما ورد عن السلف في حديث رأيت ربي في أحسن صورة وبيان ضلال من رده من الفرق المثبورة
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :
أحاديث الصور في الصفات والأسماء ، يرفضها التجهم والإرجاء وتزعج أهلها الخبثاء ، وذلك لزيغ في قلوبهم والغباء ، ومن هذه الأحاديث العظيمة حديث : ( رأيت ربي في أحسن صورة ) مع أنه رؤيا منام !! وهذا نصه :
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : أَبْطَأَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَطْلُعَ ، ثُمَّ خَرَجَ ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ، فَصَلَّى بِنَا صَلَاةً تَجَوَّزَ فِيهَا ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : «عَلَى مَصَافِّكُمْ» ، فَثَبَتَ الْقَوْمُ عَلَى مَصَافِّهِمْ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ : " أُنَبِّئُكُمْ بِالَّذِي بَطَّأَنِي عَنْكُمُ الْغَدَاةَ ، إِنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَتَوَضَّأْتُ ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَا قَضَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِي ، وَإِنِّي رَأَيْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فِي مَنَامِي ، فَرَأَيْتُهُ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ ، فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَبِّي ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ فِيهِ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ قُلْتُ : لَا أَدْرِي رَبِّي، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّي، قَالَ: فِيمَا يَخْتَصِمُ فِيهِ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي رَبِّ ، فَوَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ ، فَوَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ، فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ ، فَعَرَفْتُهُ ، ثُمَّ قَالَ لِي : يَا مُحَمَّدُ ، قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَبِّي ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ قُلْتُ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي السَّبَرَاتِ ، وَمَشْيٌ عَلَى الْأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ ، وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَانْتِظَارُ الصَّلَوَاتِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ ، قَالَ: فِيمَ ؟ قَالَ لِي : سَلْ يَا مُحَمَّدُ ، قَالَ: قُلْتُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ ، وَإِذَا أَرَدْتَ بِقَوْمٍ فِتْنَةً فَتَوَفَّنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ ، أَسْأَلُكُ اللَّهُمَّ أَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي وَتَتُوبَ عَلَيَّ ، وَأَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ ."
هذا أحد الأحاديث التي أهلك الجهمية قديما ، بداية مع المريسي زعيمهم ، ثم جاءت المرجئة والأشعرية وأهل البدع عموما من بعدهم إلى اليوم فهلكوا فيه مرة أخرى ، ونحن سنعيد إحياءه في كل مرة لما قاله غلام الخلال : " إنما نروي هذا الحديث وإن كان في إسناده شيء ، تصحيحاً لغيره ، ولأن الجهمية تنكره" ) فإرغاما وإغاضة لمن ضعفه وحرفه من أهل الضلال ، سنحييه بتخريج مختصر ، يُفرح أهل الأثر ، ويُغضب أهل الرأي والبطر ، وسنكشف عن مواقف الزائغين فيه من الجهمية والمرجئة وأهل البدع ببيان مختصر مفيد فأقول :
وقد روي عن عدة من الصحابة فروي عن : ثوبان ، وأنس ، وأبي أمامة ، وعبد الله بن عباس وأبي عبيدة بن الجراح ، وأبي رافع ، وجابر بن سمرة ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الرحمن بن عائش ، ومعاذ ، وأبي هريرة ، وأم الطفيل ، وعمران بن حصين ، وغيرهم وطرقه كثيرة استوعبها الدارقطني في كتابة الرؤية ، وجمعها أيضا ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية وبين الكلام فيها .
وتخريجه باختصار :
[ رواه أحمد (23210 و 22109 و 16621 و3484) والترمذي (3235) وابن خزيمة (321) والدارقطني في الرؤية (255 ـــ 259) وعبد الله في السنة (1098) وابن منده في الرد على الجهمية (72 ـــ 75) وغيرهم كثير لا تتسع له هذه الأوراق اليسيرة .
من صححه من المتقدمين :
وقد صحح الحديث مثلا : عبد الرحمن بن مهدي وعلي بن المديني وأحمد والبخاري وأبو زرعة والترمذي وابن عدي والطبراني وابن منده وأبو سعيد الدارمي وأبو بكر بن صدقة والخلال والأثرم وعبد الله بن أحمد وغيرهم ، وناهيك بهذه الأسماء العظيمة القدر .
قَالَ الترمذي في سننه : " هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح ، سَأَلت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: هَذَا صَحِيح ، وَقَالَ: هَذَا أصح من حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم بِسَنَدِهِ عَن عبد الرَّحْمَن بن العائش الْحَضْرَمِيّ ) ".
وقال في علله الكبير (661) : سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَائِشٍ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدِيثُ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ جَهْضَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ هَذَا )
قَالَ ابْن مَنْدَه فِي الرد على الجهمية ص (91) : رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن عشرَة مِنَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم، ونقلها عَنْهُم أَئِمَّة الْبِلَاد ، من أهل الشرق والغرب )". وقال علي بن أحمد بن مهران المديني : "حضرت أبا عبدالله بن مهدي ، وحضر عند جماعة ، فتذاكروا حديث عكرمة ، وأنكره بعضهم، وكنت قد حفظته ، فحدثت به بطوله، فقام إلي أبو عبدالله وقبل رأسي ودعا لي".
(قلت) وهذا التحديث الذي جاء في موقف الإنكار يدل دلالة واضحة على صحته عندهما .
وقال عبدالله بن أحمد بن حنبل ، قال: رأيت أبي يصحح هذه الأحاديث ، ويذهب إليها ، وجمعها ، وحدثناها. وقال عبدالوهاب الوراق : سمعت أسود بن سالم ، يقول في هذه الأحاديث التي جاءت في الرؤية ، قال: نحلف عليها بالطلاق والعتاق ، أنها حق ) ". وقال أبو بكر المروذي : قرأت على أبي عبدالله : حدثكم شاذان ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه : ( رأيت ربي عز وجل شاب أمرد جعد قطط عليه حلة حمراء ) قلت لأبي عبدالله : إنهم يقولون: ما رواه إلا شاذان ! فغضب وقال: من قال هذا ؟ ثم قال: أخبرني عفان : حدثنا عبدالصمد بن كيسان ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عكرمة، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رأيت ربي عز وجل) فقلت : يا أبا عبدالله إنهم يقولون : ما روى قتادة عن عكرمة شيئاً فقال: من قال هذا ؟ أخرج خمسة ستة أحاديث ، أو سبعة ، عن قتادة، عن عكرمة ) ".
وقال : " قرئ على أبي عبدالله : شاذان ثنا حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس: ( إن محمداً رأى ربه ) قلت: إنهم يقولون : ما رواه غير شاذان ؟ فقال : بلى قد كتبته ، عن عفان ) .
وقرئ على أبي عبدالله : عفان ثنا عبدالصمد بن كيسان : ثنا حماد بن سلمة عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأيت ربي). قلت: إنهم يقولون: إن قتادة لم يسمع من عكرمة قال : هذا لا يدري الذي قال وغضب ، وأخرج إلي كتابه فيه أحاديث مما سمع قتادة من عكرمة ، فإذا ستة أحاديث : سمعت عكرمة ، وقال أبو عبدالله : قد ذهب من يحسن هذا ، وعجب من قوم يتكلمون بغير علم، وعجب من قول من قال : لم يسمع. وقال: سبحان الله ، فهو قدم إلى البصرة فاجتمع عليه الخلق )".
روى الخلال في المنتخب (173) : وقال مهنا بن يحيى الشامي : سألته - يعني أحمد - عن حديث أم الطفيل امرأة أبي بن كعب ، أنها قالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أنه رأى ربه في المنام في صورة شاب موفر رجلاه في خضر عليه نعلان من ذهب ، على وجهه فراش من ذهب. فحول وجهه عني، وقال: هذا حديث منكر، وقال: لا نعرف هذا رجل مجهول يعني مروان بن عثمان".
قال أبو يعلى: "يجوز أنه لم يقع لأحمد معرفة مروان بن عثمان في حال ما سأله مهنا، ثم وقع له معرفة نسبه فيما بعد". وقال ابن تيمية : وأما حديث أم الطفيل ، فإنكار أحمد له لكونه لم يعرف بعض رواته ، لا يمنع أن يكون عرفه بعد ذلك ، ومع هذا فأمره بالتحديث به ، لكون معناه موافقاً لسائر الأحاديث ، كحديث معاذ وابن عباس وغيرهما ".
وقال أبو بكر عبدالعزيز : "حديث أم الطفيل فيه وهاء ، ونحن قائلون به ، وظاهر رواية إبراهيم بن هانئ تدل على صحته ، لأن أحمد قال لأحمد بن عيسى في منزل عمه : حدثهم به ، ولا يجوز أن يأمره أن يحدثهم بحديث يعتقد ضعفه لا سيما فيما يتعلق بالصفات"
قال ابن تيمية : " قول أبي بكر عبدالعزيز : فيه وهاء ونحن قائلون به ، أي لأجل ما ثبت من موافقته لغيره الذي هو ثابت ، لا أنه يقال بالواهي من غير حجة ، فإن ضعف إسناد الحديث لا يمنع أن يكون متنه ومعناه حقاً ، ولا يمنع أيضاً أن يكون له من الشواهد والمتابعات ما يبين صحته ، ومعنى الضعيف عندهم أنا لم نعلم أنه رواية عدل ، أو لم نعلم أنه ضابط، فعدم علمنا بأحد هذين ، يمنع الحكم بصحته ، لا يعنون بضعفه : أنا نعلم أنه باطل ، فإن هذا هو الموضوع ، وهو الذي يعلمون أنه كذب مختلق ، فإذا كان الضعيف في اصطلاحهم عائداً إلى عدم العلم ، فإنه يطلب له اليقين والتثبيت ، فإذا جاء من الشواهد بالأخبار الأخرى وغيرها ما يوافقه ، صار ذلك موجباً للعلم بأن روايه صدق فيه وحفظه ) اهـ
وقال أبو يعلى : "ولأنه إجماع أهل الأعصار ، وذلك أن عصراً بعد عصر من لدن التابعين ومن بعدهم ، يخبر أنه رأى ربه ، ولا ينقل عن أحد من أهل العصر الإنكار عليه ، فدل سكوتهم على جواز ذلك". وقال أبو زرعة الدمشقي : "حدثنا أحمد بن صالح قال : حدثنا ابن وهب أخبره ، أن مروان بن عثمان أخبره عن عمارة بن عامر، عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب ، أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يذكر أنه رأى ربه عز وجل في النوم في صورة شاب ذي وفرة قدماه في أخضر عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب ، وكل هؤلاء لهم أنساب قوية بالمدينة ، فأما مروان بن عثمان ، فهو مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى الأنصاري ، وأما عمارة فهو ابن عامر بن عمرو بن حزم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعمرو بن الحرث وسعيد بن أبي هلال ، فلا يشك فيهما ، وحسبك بعبدالله بن وهب محدثاً في دينه وفضله".
قال أبو يعلى : ظاهر الكلام من أبي زرعة ، إثباتاً لرجال حديث أم الطفيل ، وتعريفاً لهم ، وبياناً عن عدالتهم ، وهو ظاهر ما عليه أصحابنا ، لأن أبا بكر الخلال ذكر حديث أم الطفيل في سننه ولم يتعرض للطعن عليه ".
وقال الطبراني : "حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤية صحيح ، ومن زعم أني رجعت عن هذا الحديث بعد ما حدثت به فقد كذب ، وهذا حديث رواه جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وجماعة من التابعين ، عن ابن عباس ، وجماعة من تابعي التابعين عن عكرمة ، وجماعة من الثقات عن حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أسماءهم بطولها ) اهــــ
قال ابن منده : "سمعت مشايخنا ممن يعتمد عليهم ، يقولون : أملى أبو القاسم الطبراني حديث عكرمة في الرؤية عن قتادة ، عن عكرمة، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأيت ربي تبارك وتعالى) فأنكر عليه ابن طباطبا العلوي ، ورماه بداوة كانت بين يديه ، فلما رأى الطبراني ذلك واجهه بكلام اختصرته ، وقال في أثناء كلامه: ما تسكتون وتشتغلون بما أنتم فيه حتى لا يذكر ما جرى يوم الحرة ، فلما سمع ذلك ابن طباطبا قام واعتذر إليه ، وندم ) ".
قال ابن عدي في الكامل (8/61) : وهذا لَهُ طرق قوله رأيت ربي فِي أحسن صوره واختلفوا فِي أسانيدها فرأيت أَحْمَد بْن حنبل صحح هَذِهِ الرواية الَّتِي رواها مُوسَى بْن خلف ، عَن يَحْيى بْن أَبِي كثير حديث معاذ بْن جبل قَالَ هذا أصحها ) اهـــ . فقال ابن عبد البر في "التمهيد" (24/325) : " معناه عند أهل العلم : في منامه ، وهو حديث حسن، رواه الثقات ".
وقد أطال بن تيمية في جمع طرقه في كتاب بيان تلبيس الجهمية (7/325) وقال في الأخير : فهذه الروايات يصدق بعضها بعضا إذ قد رواه عن كل شخص أكثر من واحد ) اهـــ
وقال أيضا : ( وهذه الطرق مع ما فيها من الإضطراب لمن يتدبر الحديث ، ويحسن معرفته يدل دلالة واضحة على أن الحديث محفوظ ، صحيح الأصل ، لا ريب في ذلك بل يوجب له القطع بذلك ) اهـــ
حكم من أنكر هذا الحديث :
قال ابن صدقة الحافظ : من لم يؤمن بحديث عكرمة ، فهو زنديق".
وقال الخلال : "إنما نروي هذا الحديث ، وإن كان في إسناده شيء ، تصحيحاً لغيره ، ولأن الجهمية تنكره"
وقال الأثرم : "سألت أبا عبدالله أحمد بن حنبل ، عن حديث حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيت ربي) الحديث ؟ فقال أحمد بن حنبل: هذا حديث رواه الكبر عن الكبر عن الصحابة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن شك في ذلك أو في شيء منه ، فهو جهمي لا تقبل شهادته ، ولا يسلم عليه ، ولا يعاد في مرضه".
وقال البربهاري هنا في كتابنا عن حديث الصورة وغيره : ( فإن الإيمان بهذا واجب ، فمن فسر شيئاً من هذا بهواه ، أو رده فهو جهمي ).
وقال أبو زرعة الرازي : "حديث عكرمة عن ابن عباس في الرؤية ، صحيح ، رواه شاذان ، وعبد الصمد بن كيسان ، وإبراهيم بن أبي سويد، لا ينكره إلا معتزلي".
(قلت) هنا وقفة ، وهي أن أبا زرعة ربما يقصد من رد أصل الحديث ( رأيت ربي في أحسن صورة ) ، فإن المعتزلة لا يؤمنون بأن الله يرى في المنام ، وإلا فمن صحح أحاديث الرؤيا في الآخرة وحديث معاذ هذا ونحوه ، وضعف الزيادة التي في بعض روايات بن عباس وأم الطفيل فقط والتي ثبت فيها الخلاف ، مع تصحيح باقي طرقه فليس بمعتزلي ، كما فعل الدارمي ، وقبله بن معين وأحمد الذي اختلفت عنه الرواية في ذلك ، فتوقف مرة في رواية أم الطفيل ، وأمر بالتحديث به مرة أخرى لكنه صحح رواية بن عباس وفيه نفس الألفاظ كما سبق .
ولفظ الرواية المختلف فيه : عَنْ أُمِّ الطُّفَيْلِ امْرَأَةِ أُبَيٍّ، أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ: " أَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ تَعَالَى فِي الْمَنَامِ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ شَابًّا مُوفَرًا ، رِجْلاهُ فِي خُفٍّ عَلَيْهِ نَعْلانِ مِنْ ذَهَبٍ، عَلَى وَجْهِهِ فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ ) ونحوه هذا رواية بن عباس .
وفي تاريخ بغداد (15/419) : أَخْبَرَنَا علي بن الحسين صاحب العباسي، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن بن عُمَر الخلال قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الفارسي قَالَ : حَدَّثَنَا بكر بن سهل قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الخالق بن منصور قال : ورأيت يحيى بن معين كأنه يهجن نعيم بن حماد في حديث أم الطفيل حديث الرؤية ، ويقول : ما كان ينبغي له أن يحدث بمثل هذا الحديث ) .
(قلت) الرواية وإن كانت ضعيفة فقد رواها أكثر السلف ، وصححه بعضهم كأبي زرعة وأحمد في بعض رواياته وقبلهم من بعدهم من الأئمة ، على أنها رؤيا منام ، لا رؤيا حقيقة وهذا لا إشكال في إثباته كما سبق في كلام أهل العلم في هذا .
[ أنظر النقولات السابقة في : الكامل لا بن عدي (3/49) وطبقات الحنابلة (2/46) والمنتخب من علل الخلال (183) وإبطال التأويلات (146) بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية ]
تنـــــــــــــــــــبيه :
قال الدارمي في الرد على المريسي : ( وَإِنَّمَا هَذِهِ الرُّؤْيَةُ كَانَتْ فِي الْمَنَامِ ، وَفِي الْمَنَام يُمكن رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ حَال وَفِي كل صُورَة ، رَوَى مُعَاذُ بْنُ جَبِلٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ وَضَعْتُ جَنْبِي ، فَأَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ" ، فَحِينَ وُجِدَ هَذَا لِمُعَاذٍ كَذَلِكَ صُرِفَتِ الرِّوَايَاتُ الَّتِي فِيهَا إِلَى مَا قَالَ مُعَاذٌ ، فَهَذَا تَأْوِيلُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، لَا مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ مِنَ الْجُنُونِ وَالْخُرَافَاتِ ، فَزَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُورَةً فِي الْيَقَظَةِ كَلَّمَتْهُ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا رَبِّ غَيْرَ أَنِّي أَظُنُّكَ لَوْ دَرَيْتَ أَنَّهُ يُخْرِجُكَ تَأْوِيلُكَ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الضَّلَالَاتِ لَأَمْسَكْتَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْهَا ، غَيْرَ أَنَّكَ تَكَلَّمْتَ عَلَى حَدِّ الْحِوَارِ آمِنًا مِنَ الْجَوَابِ غَارًّا أَنْ يُنْتَقَدَ عَلَيْكَ ) اهـــ .
وقال ابن تيمية في بيان التلبيس (7/237) : هذه الرؤيا كانت في المنام ولم يكن ذلك ليلة المعراج كما يظنه كثير من الناس ) اهــ
بداية الإنحراف في الجيل الأول :
دائما في مثل هاته القضايا الخطيرة تجد أحدا من أهل الحديث يشذ بقول مجهول !! وقد شذ ابن خزيمة كعادته مع أحاديث الصور من بين كل السلف ، فأعل الحديث !! وأعل الدارقطني في علله طرق رواية معاذ الذي صححها كل من قبله من الأئمة الكبار كالبخاري وأحمد والترمذي وغيرهم ، ولم يبين موقفه من باقي الطرق ، وظاهر صنيعه في كتاب الرؤية أنه يمشيها ، فإنه قد استوعب جمع الروايات في كتاب الرؤية دون نقدها ، فمن احتج بالدارقطني بسبب أنه أعل رواية معاذ فقط فهو متهور .
( الجيل الثاني والخطوة المشؤومة ) : ثم قفزوا من السند إلى المتن ، فأراد المتأخرون من الأشعرية أن يضعفوا متنه أيضا فما فعلوا شيئا ، إنما فقط أبانوا عوار تجهم مناهجهم وجهالاتهم ، كالبيهقي وابن الجوزي والعسقلاني فقالوا متنه منكر !! وليس فيه شيء منكر ، إنما النكارة في معتقداتهم الجهمية الفاسدة ، وهم قصدوا بالمنكر ألفاظ الصفات التي فيه والتي قد أظلمت قلوبهم بها مثل ( أتاني ربي في أحسن صورة ) وهم ينكرون أن لله صورة ، وفيه (الإتيان) وهم ينكرونه ، ومثل ( فوضع كفيه على كتفيه ) فيه تحقيق صفة اليد وهم ينكرونها ، فماذا تنتظر من جهمي وأشعري أن يقول في هذا الحديث ؟ أكيد الحديث منكر عنده !!
( الجيل الثالث والتجهم الصريح ) : ثم أخذوا يألفون في رد الحديث ما فعل ذاك الجهمي (حسن السقاف) ، عفوا ( السخّاف) فألف رسالة سماها " أقوال الحفاظ المأثورة لبيان وضع حديث: (رأيت ربي في أحسن صورة) "! وهو كذاب يفتري على الأئمة المتقدمين ، فهل رأيت كيف أن الحديث أقض مضاجعهم !!
ومن الجهالات في هذا الجيل ، صنيع ذاك المدخلي الجهمي العنيد في كتابه ( عون الباري ببيان ما تضمنه شرح السنة للإمام البربهاري ) يقول عن هذا الحديث (ص312) : " هذا الحديث جاء من عدة طرق حكم عليها بعض الأئمة بالإضطراب ..) ثم راح يعدد بعضهم ممن سبق ذكرهم وتغافل عن تصحيح الكبار من المتقدمين الذين يضرب كلام مخالفهم عرض الحائط أيا كان .
[ وَانْظُر بسط الْكَلَام فِي شرح هَذَا الحَدِيث وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من فَوَائِد فِي كتاب : "اخْتِيَار الأولى فِي شرح حَدِيث اختصام الْمَلأ الْأَعْلَى" لِابْنِ رَجَب ]
تم بحمد الله ترقيم هذه الأوراق يوم 24 رجب 1438 الموافق ل : 21 أفريل 2017 م ، كتبه أبو عبيد الجزائري
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :
أحاديث الصور في الصفات والأسماء ، يرفضها التجهم والإرجاء وتزعج أهلها الخبثاء ، وذلك لزيغ في قلوبهم والغباء ، ومن هذه الأحاديث العظيمة حديث : ( رأيت ربي في أحسن صورة ) مع أنه رؤيا منام !! وهذا نصه :
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : أَبْطَأَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَطْلُعَ ، ثُمَّ خَرَجَ ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ، فَصَلَّى بِنَا صَلَاةً تَجَوَّزَ فِيهَا ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : «عَلَى مَصَافِّكُمْ» ، فَثَبَتَ الْقَوْمُ عَلَى مَصَافِّهِمْ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ : " أُنَبِّئُكُمْ بِالَّذِي بَطَّأَنِي عَنْكُمُ الْغَدَاةَ ، إِنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَتَوَضَّأْتُ ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَا قَضَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِي ، وَإِنِّي رَأَيْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فِي مَنَامِي ، فَرَأَيْتُهُ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ ، فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَبِّي ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ فِيهِ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ قُلْتُ : لَا أَدْرِي رَبِّي، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّي، قَالَ: فِيمَا يَخْتَصِمُ فِيهِ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي رَبِّ ، فَوَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ ، فَوَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ، فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ ، فَعَرَفْتُهُ ، ثُمَّ قَالَ لِي : يَا مُحَمَّدُ ، قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَبِّي ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ قُلْتُ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي السَّبَرَاتِ ، وَمَشْيٌ عَلَى الْأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ ، وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَانْتِظَارُ الصَّلَوَاتِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ ، قَالَ: فِيمَ ؟ قَالَ لِي : سَلْ يَا مُحَمَّدُ ، قَالَ: قُلْتُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ ، وَإِذَا أَرَدْتَ بِقَوْمٍ فِتْنَةً فَتَوَفَّنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ ، أَسْأَلُكُ اللَّهُمَّ أَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي وَتَتُوبَ عَلَيَّ ، وَأَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ ."
هذا أحد الأحاديث التي أهلك الجهمية قديما ، بداية مع المريسي زعيمهم ، ثم جاءت المرجئة والأشعرية وأهل البدع عموما من بعدهم إلى اليوم فهلكوا فيه مرة أخرى ، ونحن سنعيد إحياءه في كل مرة لما قاله غلام الخلال : " إنما نروي هذا الحديث وإن كان في إسناده شيء ، تصحيحاً لغيره ، ولأن الجهمية تنكره" ) فإرغاما وإغاضة لمن ضعفه وحرفه من أهل الضلال ، سنحييه بتخريج مختصر ، يُفرح أهل الأثر ، ويُغضب أهل الرأي والبطر ، وسنكشف عن مواقف الزائغين فيه من الجهمية والمرجئة وأهل البدع ببيان مختصر مفيد فأقول :
وقد روي عن عدة من الصحابة فروي عن : ثوبان ، وأنس ، وأبي أمامة ، وعبد الله بن عباس وأبي عبيدة بن الجراح ، وأبي رافع ، وجابر بن سمرة ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الرحمن بن عائش ، ومعاذ ، وأبي هريرة ، وأم الطفيل ، وعمران بن حصين ، وغيرهم وطرقه كثيرة استوعبها الدارقطني في كتابة الرؤية ، وجمعها أيضا ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية وبين الكلام فيها .
وتخريجه باختصار :
[ رواه أحمد (23210 و 22109 و 16621 و3484) والترمذي (3235) وابن خزيمة (321) والدارقطني في الرؤية (255 ـــ 259) وعبد الله في السنة (1098) وابن منده في الرد على الجهمية (72 ـــ 75) وغيرهم كثير لا تتسع له هذه الأوراق اليسيرة .
من صححه من المتقدمين :
وقد صحح الحديث مثلا : عبد الرحمن بن مهدي وعلي بن المديني وأحمد والبخاري وأبو زرعة والترمذي وابن عدي والطبراني وابن منده وأبو سعيد الدارمي وأبو بكر بن صدقة والخلال والأثرم وعبد الله بن أحمد وغيرهم ، وناهيك بهذه الأسماء العظيمة القدر .
قَالَ الترمذي في سننه : " هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح ، سَأَلت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: هَذَا صَحِيح ، وَقَالَ: هَذَا أصح من حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم بِسَنَدِهِ عَن عبد الرَّحْمَن بن العائش الْحَضْرَمِيّ ) ".
وقال في علله الكبير (661) : سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَائِشٍ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدِيثُ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ جَهْضَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ هَذَا )
قَالَ ابْن مَنْدَه فِي الرد على الجهمية ص (91) : رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن عشرَة مِنَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم، ونقلها عَنْهُم أَئِمَّة الْبِلَاد ، من أهل الشرق والغرب )". وقال علي بن أحمد بن مهران المديني : "حضرت أبا عبدالله بن مهدي ، وحضر عند جماعة ، فتذاكروا حديث عكرمة ، وأنكره بعضهم، وكنت قد حفظته ، فحدثت به بطوله، فقام إلي أبو عبدالله وقبل رأسي ودعا لي".
(قلت) وهذا التحديث الذي جاء في موقف الإنكار يدل دلالة واضحة على صحته عندهما .
وقال عبدالله بن أحمد بن حنبل ، قال: رأيت أبي يصحح هذه الأحاديث ، ويذهب إليها ، وجمعها ، وحدثناها. وقال عبدالوهاب الوراق : سمعت أسود بن سالم ، يقول في هذه الأحاديث التي جاءت في الرؤية ، قال: نحلف عليها بالطلاق والعتاق ، أنها حق ) ". وقال أبو بكر المروذي : قرأت على أبي عبدالله : حدثكم شاذان ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه : ( رأيت ربي عز وجل شاب أمرد جعد قطط عليه حلة حمراء ) قلت لأبي عبدالله : إنهم يقولون: ما رواه إلا شاذان ! فغضب وقال: من قال هذا ؟ ثم قال: أخبرني عفان : حدثنا عبدالصمد بن كيسان ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عكرمة، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رأيت ربي عز وجل) فقلت : يا أبا عبدالله إنهم يقولون : ما روى قتادة عن عكرمة شيئاً فقال: من قال هذا ؟ أخرج خمسة ستة أحاديث ، أو سبعة ، عن قتادة، عن عكرمة ) ".
وقال : " قرئ على أبي عبدالله : شاذان ثنا حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس: ( إن محمداً رأى ربه ) قلت: إنهم يقولون : ما رواه غير شاذان ؟ فقال : بلى قد كتبته ، عن عفان ) .
وقرئ على أبي عبدالله : عفان ثنا عبدالصمد بن كيسان : ثنا حماد بن سلمة عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأيت ربي). قلت: إنهم يقولون: إن قتادة لم يسمع من عكرمة قال : هذا لا يدري الذي قال وغضب ، وأخرج إلي كتابه فيه أحاديث مما سمع قتادة من عكرمة ، فإذا ستة أحاديث : سمعت عكرمة ، وقال أبو عبدالله : قد ذهب من يحسن هذا ، وعجب من قوم يتكلمون بغير علم، وعجب من قول من قال : لم يسمع. وقال: سبحان الله ، فهو قدم إلى البصرة فاجتمع عليه الخلق )".
روى الخلال في المنتخب (173) : وقال مهنا بن يحيى الشامي : سألته - يعني أحمد - عن حديث أم الطفيل امرأة أبي بن كعب ، أنها قالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أنه رأى ربه في المنام في صورة شاب موفر رجلاه في خضر عليه نعلان من ذهب ، على وجهه فراش من ذهب. فحول وجهه عني، وقال: هذا حديث منكر، وقال: لا نعرف هذا رجل مجهول يعني مروان بن عثمان".
قال أبو يعلى: "يجوز أنه لم يقع لأحمد معرفة مروان بن عثمان في حال ما سأله مهنا، ثم وقع له معرفة نسبه فيما بعد". وقال ابن تيمية : وأما حديث أم الطفيل ، فإنكار أحمد له لكونه لم يعرف بعض رواته ، لا يمنع أن يكون عرفه بعد ذلك ، ومع هذا فأمره بالتحديث به ، لكون معناه موافقاً لسائر الأحاديث ، كحديث معاذ وابن عباس وغيرهما ".
وقال أبو بكر عبدالعزيز : "حديث أم الطفيل فيه وهاء ، ونحن قائلون به ، وظاهر رواية إبراهيم بن هانئ تدل على صحته ، لأن أحمد قال لأحمد بن عيسى في منزل عمه : حدثهم به ، ولا يجوز أن يأمره أن يحدثهم بحديث يعتقد ضعفه لا سيما فيما يتعلق بالصفات"
قال ابن تيمية : " قول أبي بكر عبدالعزيز : فيه وهاء ونحن قائلون به ، أي لأجل ما ثبت من موافقته لغيره الذي هو ثابت ، لا أنه يقال بالواهي من غير حجة ، فإن ضعف إسناد الحديث لا يمنع أن يكون متنه ومعناه حقاً ، ولا يمنع أيضاً أن يكون له من الشواهد والمتابعات ما يبين صحته ، ومعنى الضعيف عندهم أنا لم نعلم أنه رواية عدل ، أو لم نعلم أنه ضابط، فعدم علمنا بأحد هذين ، يمنع الحكم بصحته ، لا يعنون بضعفه : أنا نعلم أنه باطل ، فإن هذا هو الموضوع ، وهو الذي يعلمون أنه كذب مختلق ، فإذا كان الضعيف في اصطلاحهم عائداً إلى عدم العلم ، فإنه يطلب له اليقين والتثبيت ، فإذا جاء من الشواهد بالأخبار الأخرى وغيرها ما يوافقه ، صار ذلك موجباً للعلم بأن روايه صدق فيه وحفظه ) اهـ
وقال أبو يعلى : "ولأنه إجماع أهل الأعصار ، وذلك أن عصراً بعد عصر من لدن التابعين ومن بعدهم ، يخبر أنه رأى ربه ، ولا ينقل عن أحد من أهل العصر الإنكار عليه ، فدل سكوتهم على جواز ذلك". وقال أبو زرعة الدمشقي : "حدثنا أحمد بن صالح قال : حدثنا ابن وهب أخبره ، أن مروان بن عثمان أخبره عن عمارة بن عامر، عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب ، أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يذكر أنه رأى ربه عز وجل في النوم في صورة شاب ذي وفرة قدماه في أخضر عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب ، وكل هؤلاء لهم أنساب قوية بالمدينة ، فأما مروان بن عثمان ، فهو مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى الأنصاري ، وأما عمارة فهو ابن عامر بن عمرو بن حزم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعمرو بن الحرث وسعيد بن أبي هلال ، فلا يشك فيهما ، وحسبك بعبدالله بن وهب محدثاً في دينه وفضله".
قال أبو يعلى : ظاهر الكلام من أبي زرعة ، إثباتاً لرجال حديث أم الطفيل ، وتعريفاً لهم ، وبياناً عن عدالتهم ، وهو ظاهر ما عليه أصحابنا ، لأن أبا بكر الخلال ذكر حديث أم الطفيل في سننه ولم يتعرض للطعن عليه ".
وقال الطبراني : "حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤية صحيح ، ومن زعم أني رجعت عن هذا الحديث بعد ما حدثت به فقد كذب ، وهذا حديث رواه جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وجماعة من التابعين ، عن ابن عباس ، وجماعة من تابعي التابعين عن عكرمة ، وجماعة من الثقات عن حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أسماءهم بطولها ) اهــــ
قال ابن منده : "سمعت مشايخنا ممن يعتمد عليهم ، يقولون : أملى أبو القاسم الطبراني حديث عكرمة في الرؤية عن قتادة ، عن عكرمة، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأيت ربي تبارك وتعالى) فأنكر عليه ابن طباطبا العلوي ، ورماه بداوة كانت بين يديه ، فلما رأى الطبراني ذلك واجهه بكلام اختصرته ، وقال في أثناء كلامه: ما تسكتون وتشتغلون بما أنتم فيه حتى لا يذكر ما جرى يوم الحرة ، فلما سمع ذلك ابن طباطبا قام واعتذر إليه ، وندم ) ".
قال ابن عدي في الكامل (8/61) : وهذا لَهُ طرق قوله رأيت ربي فِي أحسن صوره واختلفوا فِي أسانيدها فرأيت أَحْمَد بْن حنبل صحح هَذِهِ الرواية الَّتِي رواها مُوسَى بْن خلف ، عَن يَحْيى بْن أَبِي كثير حديث معاذ بْن جبل قَالَ هذا أصحها ) اهـــ . فقال ابن عبد البر في "التمهيد" (24/325) : " معناه عند أهل العلم : في منامه ، وهو حديث حسن، رواه الثقات ".
وقد أطال بن تيمية في جمع طرقه في كتاب بيان تلبيس الجهمية (7/325) وقال في الأخير : فهذه الروايات يصدق بعضها بعضا إذ قد رواه عن كل شخص أكثر من واحد ) اهـــ
وقال أيضا : ( وهذه الطرق مع ما فيها من الإضطراب لمن يتدبر الحديث ، ويحسن معرفته يدل دلالة واضحة على أن الحديث محفوظ ، صحيح الأصل ، لا ريب في ذلك بل يوجب له القطع بذلك ) اهـــ
حكم من أنكر هذا الحديث :
قال ابن صدقة الحافظ : من لم يؤمن بحديث عكرمة ، فهو زنديق".
وقال الخلال : "إنما نروي هذا الحديث ، وإن كان في إسناده شيء ، تصحيحاً لغيره ، ولأن الجهمية تنكره"
وقال الأثرم : "سألت أبا عبدالله أحمد بن حنبل ، عن حديث حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيت ربي) الحديث ؟ فقال أحمد بن حنبل: هذا حديث رواه الكبر عن الكبر عن الصحابة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن شك في ذلك أو في شيء منه ، فهو جهمي لا تقبل شهادته ، ولا يسلم عليه ، ولا يعاد في مرضه".
وقال البربهاري هنا في كتابنا عن حديث الصورة وغيره : ( فإن الإيمان بهذا واجب ، فمن فسر شيئاً من هذا بهواه ، أو رده فهو جهمي ).
وقال أبو زرعة الرازي : "حديث عكرمة عن ابن عباس في الرؤية ، صحيح ، رواه شاذان ، وعبد الصمد بن كيسان ، وإبراهيم بن أبي سويد، لا ينكره إلا معتزلي".
(قلت) هنا وقفة ، وهي أن أبا زرعة ربما يقصد من رد أصل الحديث ( رأيت ربي في أحسن صورة ) ، فإن المعتزلة لا يؤمنون بأن الله يرى في المنام ، وإلا فمن صحح أحاديث الرؤيا في الآخرة وحديث معاذ هذا ونحوه ، وضعف الزيادة التي في بعض روايات بن عباس وأم الطفيل فقط والتي ثبت فيها الخلاف ، مع تصحيح باقي طرقه فليس بمعتزلي ، كما فعل الدارمي ، وقبله بن معين وأحمد الذي اختلفت عنه الرواية في ذلك ، فتوقف مرة في رواية أم الطفيل ، وأمر بالتحديث به مرة أخرى لكنه صحح رواية بن عباس وفيه نفس الألفاظ كما سبق .
ولفظ الرواية المختلف فيه : عَنْ أُمِّ الطُّفَيْلِ امْرَأَةِ أُبَيٍّ، أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ: " أَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ تَعَالَى فِي الْمَنَامِ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ شَابًّا مُوفَرًا ، رِجْلاهُ فِي خُفٍّ عَلَيْهِ نَعْلانِ مِنْ ذَهَبٍ، عَلَى وَجْهِهِ فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ ) ونحوه هذا رواية بن عباس .
وفي تاريخ بغداد (15/419) : أَخْبَرَنَا علي بن الحسين صاحب العباسي، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَن بن عُمَر الخلال قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الفارسي قَالَ : حَدَّثَنَا بكر بن سهل قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الخالق بن منصور قال : ورأيت يحيى بن معين كأنه يهجن نعيم بن حماد في حديث أم الطفيل حديث الرؤية ، ويقول : ما كان ينبغي له أن يحدث بمثل هذا الحديث ) .
(قلت) الرواية وإن كانت ضعيفة فقد رواها أكثر السلف ، وصححه بعضهم كأبي زرعة وأحمد في بعض رواياته وقبلهم من بعدهم من الأئمة ، على أنها رؤيا منام ، لا رؤيا حقيقة وهذا لا إشكال في إثباته كما سبق في كلام أهل العلم في هذا .
[ أنظر النقولات السابقة في : الكامل لا بن عدي (3/49) وطبقات الحنابلة (2/46) والمنتخب من علل الخلال (183) وإبطال التأويلات (146) بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية ]
تنـــــــــــــــــــبيه :
قال الدارمي في الرد على المريسي : ( وَإِنَّمَا هَذِهِ الرُّؤْيَةُ كَانَتْ فِي الْمَنَامِ ، وَفِي الْمَنَام يُمكن رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ حَال وَفِي كل صُورَة ، رَوَى مُعَاذُ بْنُ جَبِلٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ وَضَعْتُ جَنْبِي ، فَأَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ" ، فَحِينَ وُجِدَ هَذَا لِمُعَاذٍ كَذَلِكَ صُرِفَتِ الرِّوَايَاتُ الَّتِي فِيهَا إِلَى مَا قَالَ مُعَاذٌ ، فَهَذَا تَأْوِيلُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، لَا مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ مِنَ الْجُنُونِ وَالْخُرَافَاتِ ، فَزَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُورَةً فِي الْيَقَظَةِ كَلَّمَتْهُ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا رَبِّ غَيْرَ أَنِّي أَظُنُّكَ لَوْ دَرَيْتَ أَنَّهُ يُخْرِجُكَ تَأْوِيلُكَ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الضَّلَالَاتِ لَأَمْسَكْتَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْهَا ، غَيْرَ أَنَّكَ تَكَلَّمْتَ عَلَى حَدِّ الْحِوَارِ آمِنًا مِنَ الْجَوَابِ غَارًّا أَنْ يُنْتَقَدَ عَلَيْكَ ) اهـــ .
وقال ابن تيمية في بيان التلبيس (7/237) : هذه الرؤيا كانت في المنام ولم يكن ذلك ليلة المعراج كما يظنه كثير من الناس ) اهــ
بداية الإنحراف في الجيل الأول :
دائما في مثل هاته القضايا الخطيرة تجد أحدا من أهل الحديث يشذ بقول مجهول !! وقد شذ ابن خزيمة كعادته مع أحاديث الصور من بين كل السلف ، فأعل الحديث !! وأعل الدارقطني في علله طرق رواية معاذ الذي صححها كل من قبله من الأئمة الكبار كالبخاري وأحمد والترمذي وغيرهم ، ولم يبين موقفه من باقي الطرق ، وظاهر صنيعه في كتاب الرؤية أنه يمشيها ، فإنه قد استوعب جمع الروايات في كتاب الرؤية دون نقدها ، فمن احتج بالدارقطني بسبب أنه أعل رواية معاذ فقط فهو متهور .
( الجيل الثاني والخطوة المشؤومة ) : ثم قفزوا من السند إلى المتن ، فأراد المتأخرون من الأشعرية أن يضعفوا متنه أيضا فما فعلوا شيئا ، إنما فقط أبانوا عوار تجهم مناهجهم وجهالاتهم ، كالبيهقي وابن الجوزي والعسقلاني فقالوا متنه منكر !! وليس فيه شيء منكر ، إنما النكارة في معتقداتهم الجهمية الفاسدة ، وهم قصدوا بالمنكر ألفاظ الصفات التي فيه والتي قد أظلمت قلوبهم بها مثل ( أتاني ربي في أحسن صورة ) وهم ينكرون أن لله صورة ، وفيه (الإتيان) وهم ينكرونه ، ومثل ( فوضع كفيه على كتفيه ) فيه تحقيق صفة اليد وهم ينكرونها ، فماذا تنتظر من جهمي وأشعري أن يقول في هذا الحديث ؟ أكيد الحديث منكر عنده !!
( الجيل الثالث والتجهم الصريح ) : ثم أخذوا يألفون في رد الحديث ما فعل ذاك الجهمي (حسن السقاف) ، عفوا ( السخّاف) فألف رسالة سماها " أقوال الحفاظ المأثورة لبيان وضع حديث: (رأيت ربي في أحسن صورة) "! وهو كذاب يفتري على الأئمة المتقدمين ، فهل رأيت كيف أن الحديث أقض مضاجعهم !!
ومن الجهالات في هذا الجيل ، صنيع ذاك المدخلي الجهمي العنيد في كتابه ( عون الباري ببيان ما تضمنه شرح السنة للإمام البربهاري ) يقول عن هذا الحديث (ص312) : " هذا الحديث جاء من عدة طرق حكم عليها بعض الأئمة بالإضطراب ..) ثم راح يعدد بعضهم ممن سبق ذكرهم وتغافل عن تصحيح الكبار من المتقدمين الذين يضرب كلام مخالفهم عرض الحائط أيا كان .
[ وَانْظُر بسط الْكَلَام فِي شرح هَذَا الحَدِيث وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من فَوَائِد فِي كتاب : "اخْتِيَار الأولى فِي شرح حَدِيث اختصام الْمَلأ الْأَعْلَى" لِابْنِ رَجَب ]
تم بحمد الله ترقيم هذه الأوراق يوم 24 رجب 1438 الموافق ل : 21 أفريل 2017 م ، كتبه أبو عبيد الجزائري
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق