الأربعاء، 7 يونيو 2017

قضي نهارك مع كتب ابن المبارك

بسم الله الرحمن الرحيم ....

هذه لفتة لطلاب علم الأثر خاصة ، وعشاق علم السلف ، فيها إحالة إلى كتب أثرية نافعة للغاية ، أصابها الزمن بالخمول ، فركدت كالماء ، وصار الرأي هو الجاري والله المستعان .
( إذا جاءك العلم من كتب ابن المبارك فحسبك به ولا تبالي ) هذا معنىما قالهالإمام أحمد رحمه الله عن كتب أمير المؤمنين ابن المبارك رحمه الله ، فعلى طلبة الحديث والأثر الإعتناء بها جيدا ، ووضعها موضع الثقة في النقولات والإعتماد ، كما فعل السلف ، ولهذا اعتنوا بها غاية الإعتناء ، وحفظوا وكتبوها وطلبوها بل ورحلوا إليها عبر القارات ، وحسبك هذا فضلا ومكانة بها ، وهذه بعض ما قيل فيها وبعض اعتناء السلف من أهل الحديث بها :

جاء في تاريخ بغداد (11/388) وتاريخ بن عساكر(32/442) عن عثمان بن سعيد الدارمي، قَالَ: سمعت نعيم بن حماد، يَقُول: سمعت يَحْيَى بن آدم، يَقُول: كنت إذا طلبت الدقيق من المسائل، فلم أجده في كتب ابن المبارك، آيست منه.

وفي تاريخ بغداد ترجمة البخاري (2/322) وتاريخ ابن عساكر (52/57) : فقال له بعض أصحابه: ابن كم كنت إذ رددت عليه؟ فقال: ابن إحدى عشرة فلما طعنت في ست عشرة سنة، حفظت كتب ابن المبارك ووكيع وعرفت كلام هؤلاء. 

وفي تاريخ بن عساكر (62/165) قال أبو زكريا قلت لنعيم بن حماد وكان لي أخا وصديقا كنا جميعا بالبصرة فلما قدمت مصر بلغني أن نعيما يأخذ كتب ابن المبارك من غلام يكون بعسقلان قال أبو زكريا وقد رأيت هذا الغلام وكان خاله سمع هذه الكتب من ابن المبارك فجاءني نعيم يوما بمصر فقلت له بلغني أنك تأخذ كتب ابن المبارك من غلام جمعه خاله من ابن المبارك فتحدث بها فقال لي يا أبا زكريا من كنت أظن أنه يتوهم علي شيئا من ذلك ما كنت أحسب أنك تتوهم على شيئا من هذا إنما كتابي أصابه ما قد درس بعضه فأنا أنظر في كتاب هذا فإذا أشكل علي حرف نظرت في كتابه ثم أنظر في كتابي فأعرفها فأما إذا كتبت منه شيئا لا أعرفه أو أصلح منه كتابي فمعاذ الله 

وفيه أيضا (13/294) :عن العباس بْن مصعب قَالَ: كان علي بْن الحسن بْن شقيق جامعا، وكان فِي الزمان الأول يعد من أحفظهم لكتب ابن المبارك، وقد شارك ابن المبارك فِي كثير من رجاله، مثل شريك، وإبراهيم بْن طهمان، وحماد بْن زيد، وقيس بْن الربيع، وكان من أروى الناس عَن ابن عيينة، وكان أول أمره المنازعة مع أهل الكتاب، حتى كتب التوراة والإنجيل، والأربعة والعشرين كتابا من كتب ابن المبارك .

في طبقات الحنابلة (1/77) والمقصد الأرشد لابن مفلح (164) ترجمة أَحْمَد بْن المستنير : حدث عَنْ إمامنا أَحْمَد بأشياء: منها قَالَ: سئل أَحْمَد لو أن رجلا كتب كتب وكيع كان يتفقه بها قَالَ: لا قال: فلو كتب كتب ابن المبارك كان يتفقه بها قَالَ : نعم.

وفي طبقات الحنابلة (1/220) قال : عُمَر بْن مدرك أَبُو حفص القاص نقل عَنْ إمامنا أشياء : قَالَ أَبُو بَكْرٍ الخلال سمعته يقول قدمت من خراسان فقال: لي أحمد بن حنبل أبطأت فِي رحلتك قلت: أقمت عَلَى كتب ابن المبارك فقال: حسبك بها ولا تبالي أن تسمع غيرها.

وفي تاريخ بن عساكر (7/238) : أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري يقول سمعت إبراهيم بن أبي طالب يقول سمعت سليمان بن مطر وأبا النضر الزاهد يقولان ويزيد أحدهما عن الاخر قالا لما جمع إبراهيم بن نصر المسند أراد أن ينظر في كتب ابن المبارك فعزم رأينا ورأيه على أن يذهب إلى الحسن بن عيسى قال فدخلنا عليه الخان فقلنا إن أبا إسحاق جمع المسند فأحب أن ينظر في كتب أبي عبد الرحمن قال فسكت ساعة ثم رفع رأسه فقال لا يجوز أن أحدث ويحيى بن يحيى حي .

وفي تاريخ الإسلام لذاك الذهبي (4/882) : عن نُعَيم بن حمّاد: سمعتُ ابنَ المبارك يقول: قال لي أبي: لئن وجدت كتبك خرقتها، قلت: وما عليّ من ذلك وهو في صدري.

وفي تاريخ الإسلام (5/605) : قال أحمد بن عبدة الآمُلي: تصدّق عَبْدان في حياته بألف ألف درهم، وكَتب كُتب ابن المبارك بقلم واحد.

وروى الهروي في ذم الكلام (408) عن عَاصِمَ بْنَ عِصْمَةَ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ أَبِي سُلَيْمَانَ الْجَوْزَجَانِيِّ فَجَاءَهُ كِتَابُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍذُكِرَ فِيهِ لَوْ تَرَكْتَ رِوَايَةَ كُتُبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَتَيْنَاكَ فَسَمِعْنَا كُتُبَ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ .

في تاريخ بغداد (10 / 164) قَالَ ابْنُ مَعِيْنٍ : كَانَ عَبْدُ اللهِ -رَحِمَهُ اللهُ- كَيِّساً، مُسْتَثْبِتاً، ثِقَةً، وَكَانَ عَالِماً، صَحِيْحَ الحَدِيْثِ، وَكَانَتْ كُتُبُهُ الَّتِي يُحَدِّثُ بِهَا عِشْرِيْنَ أَلْفاً أَوْ وَاحِداً وَعِشْرِيْنَ أَلْفاً .

رَاوِية كتب ابن المبارك :

نذكر هنا روايين اشتهرا برواية كتب بن المبارك :

1ـــ علي بن الحسن بن شقيق بن دينار بن مشعب العبدي أبو عبد الرحمن المروزي مولى عبد القيس.
جاء في كتاب إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي (9/294) : وقال ابن سعد : توفي بمرو وكذا قاله السمعاني زاد : في شعبان سنة خمس عشرة ، يكنى أبا الحسن ، وهو رواية كتب ابن المبارك وصاحبه .

2ــ مُحَمَّد بن عبد الله بن سَالم الْمروزِي وجاء في نزهة الألباب في الألقاب للعسقلاني (1405) قال : زَنْجوَيْه هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن سَالم الْمروزِي راوية كتب ابْن الْمُبَارك.

بعض كتب ابن المبارك مما وصلنا :

للأسف فقد أكثرها وقد كانت أربع وعشرين كتابا يتداولها أهل الحديث ، ولم يصلنا منها إلا القليل ، ولكن فيه فوائد عزيزة ، نذكر منها :

كتاب الجهاد (مطبوع) وهو مهم للغاية فيه
فكرة الكتاب تدور على ذكر ما للجهاد والمجاهدين من الفضل، وما أعده الله عزو وجل للمجاهدين في سبيله من الأجر، خاصة من قتل في سبيل الله في ساحة الوغى، والمؤلف يحشد في ذلك من الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة ما يحضره بهذا الصدد، ولاسيما ما تعلق منها بتفسير الآيات التي وردت بشأن الجهاد، وقد أورد تبعًا لمنهجه هذا أحاديث في المغازي النبوية ، كبدر وأحد وحنين وغيرها وفيه آثار نافعة للغاية .

كتاب الزهد والرقائق ومعه زوائد نعيم بن حماد . (مطبوع) وهو مهم جدا . وفي تاريخ بغداد (10 / 167) : قَالَ نُعَيْمُ بنُ حَمَّادٍ : كَانَ ابْنُ المُبَارَكِ إِذَا قَرَأَ كِتَابَ (الرِّقَاقِ) يَصِيْرُ كَأَنَّهُ ثَوْرٌ مَنْحُوْرٌ ، أَوْ بَقَرَةٌ مَنْحُوْرَةٌ مِنَ البُكَاءِ ، لاَ يَجْتَرِئُ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ دَفَعَهُ . اشتمل هذا الكتاب على (1599) حديثًا مسندًا ما بين مرفوع وموقوف ومقطوع، نسقت جميعها تحت عدد من الأبواب ، ابتدأها المؤلف بـ " باب التحضيض على طاعة الله عز وجل "، وختمها بجملة أحاديث في الحض على الاستعداد لليوم الآخر، ولم يعنون لها ، وقد غلب على مادة الكتاب صحة الأسانيد ، وإن كان موضوعه من فضائل الأعمال، وهذا هو اللائق بمثل ابن المبارك الذي عرف بتحريه للأحاديث الصحيحة واشتهر عنه قوله: " في صحيح الحديث شغل عن سقيمه " نقل ذلك عنه غير واحد .

مسند عبد الله بن المبارك (مطبوع)
أخرج عدد من الحفاظ الكثير من أحاديث الكتاب في كتبهم من طريق المؤلف.
وعلى الرغم من أن إطلاق كلمة المسند يستفاد منه أن الكتاب مرتب على أسماء الصحابة ، لكن كتاب ابن المبارك قد أتى ترتيبه على الأبواب ، ومن ثم نجد ابن النديم يذكره باسم «السنن الواردة في الفقه» وقد روعي فيه الترتيب الموضوعي الجيد الذي يسر للمحقق أن يصنع فهرسًا لموضوعات الكتاب مع أنه لم يضف العناوين في ثنايا الكتاب.
وقد ابتدأ المؤلف كتابه بالأحاديث المتعلقة بالأدب والبر والصلة، ثم أحاديث العلم ,.. وهكذا, ثم ختم الكتاب بباب الفتن.
وبلغت أحاديث الكتاب (272) حديثًا ، الكثير منها قوي الإسناد ، وهذا يظهر ما للمؤلف رحمه الله من العناية بانتقاء أحاديثه .
البر والصلة مطبوع ضمن مسنده .(مطبوع) هو على نفس وتيرة المسند .

الأربعون حديثا ، (طبع ضمن كتاب الإمام عبد الله بن المبارك لمعاصر )

منتهى الطلب من أشعار العرب (مطبوع)

كتبه أبو عبيد مروان الجزائري ......

حسن الكلام في هم يوسف عليه السلام

               حسن الكلام على هم يوسف عليه السلام

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله والصلاة على أشرف الأنبياء والمرسلين وآله وصحبه أجمعين أما بعد :


هذه مسألة كبيرة ، اعترك فيها المتقدمون والمتأخرون ، وانقسم الناس فيها بين مؤيد ومعارض ، وبين متوقف فيها لا يدري أيهما على علم بالفرائض ؟

وهي تفسير هم يوسف عليه السلام ، وهل كان هم حقيقي كما فسره ابن عباس والتابعون وعامة المفسرين المتقدمين ، أم هم خطرات كما جنح إليه المتأخرون .
وقبل أن نباشر البحث في هذا المقال ، يجب على المخالف لما ورد من آثار في تفسير هذه الآيات أن يعرف موقعه من أهل العلم ، وهو أنه يعتبر مخالفا لإجماع السلف وعامة المفسرين المتقدمين ، واختار مذهب المتأخرين ، فإن كان يعلم هذا ، فذاك وشأنه ، فقد اختار عن علم وهو حجيج نفسه ، وإن قال : لا علم لي بهذا ، وأنا في نظري لم أخالف السلف أبدا فإن كنت خالفتهم فبين لي بالحجة وموضع المخالفة من قولي بارك الله فيك وسأقبل الحق بإذن الله ، فعند هذا نقول لهذا المنصف من المخالفين المتواضعين للحق : أبشر يا أخي فهاك البيان الشافي في هذه المسألة .

مقدمــة :


اتفق جميع من يهتم بالحديث ومعرفة الصحيح والضعيف ، أن الآثار الواردة عن ابن عباس والتابعين في تفسير هم يوسف عليه السلام صحيحة الأسانيد لا غبار عليها بل بعضها رويت بأسانيد عالية جدا كما عند سعيد بن منصور وعبد الرزاق في تفسيرهما ، ولهذا صحح الكثير من المتقدمين ، فعليك أيها المعترض ألا تفتح بابا للنقاش في هذا الباب أصلا ، فهو جزء متفق عليه .


ملخص ما ورد في الآثار :


والقصة باختصار هي أن يوسف عليه السلام لما راودته امرأة العزيز واشتدت مراودتها طرأ عليه بعض الهم مما يعتري البشر ، فحل التكة من السراويل حتى موضع التبان ولم تنكشف عورته ، وجلس بين رجليها وقبل أن يفعل أي شيء ، ظهرت له صورة أبيه يعقوب عاضا على أصابعه وهو يناديه : يا يوسف يا يوسف فولي هاربا نحو الباب وتبعته من خلفه فمزقت قميصه من دبره حتى جاء السيد وذكروا بقية القصة ، ولها ألفاظ كثيرة مروية عن ابن عباس والتابعين من بعده تراجع في كتب الآثار التي سيأتي ذكرها .
فصل : بيان إجماع المتقدمين على قبول الآثار والقول بها .

الأول : أبو جعفر النحاس .

قال في تفسيره (3/411) : قال أبو جعفر الذي عليه أهل الحديث والمتقدمون أنه هم بها حتى مثل له يعقوب صلى الله عليه وسلم حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال نا داود بن عمرو الضبي عن نافع وهو ابن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة قال سئل ابن عباس رحمه الله ما بلغ من هموم يوسف فقال جلس يحل هميانا له فنودي يا يوسف لا تك كالطائر يزني وعليه الريش فيقعد بلا ريش فلم يتعظ على النداء فراى برهان ربه ففر وفرق وفي رواية ابن جريج عن ابن أبي مليكة قال سألت ابن عباس عما بلغ من منة هموم أبو يوسف فذكر نحوه إلا انه قال جلس بين رجليها ورأى يعقوب صلى الله عليه وسلم وروى الأعمش عن مجاهد قال حل سراويله فتمثل له يعقوب فقال له يا يوسف فولى هاربا وروى سفيان عن أبي حصين عن سعيد بن جبير قال مثل له يعقوب فضرب صدره فخرجت شهوته من أنامله وروى إسماعيل بن إبراهيم عن يونس عن الحسن قال رأى صورة يعقوب يقول له يوسف يوسف قال أبو صالح رأى صورة يعقوب في سقف البيت يقول يا يوسف يا يوسف وقال الضحاك نحوا من هذا ) اهــ

الثاني : أبو عبيد القاسم بن سلام

قال أبو عبيد القاسم بن سلام : ( وقد زعم بعض من يتكلم في القرآن برأيه أن يوسف صلى الله عليه وسلم لم يهم بها يذهب إلى أن الكلام انقطع عند قوله ولقد همت به قال ثم استأنف فقال وهم بها لولا ان رأى برهان ربه بمعنى لولا ان رأى برهان ربه لهم بها واحتج بقوله ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وبقوله واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وابن عباس ومن دونه لا يختلفون في أنه هم بها وهم أعلم بالله وبتأويل كتابه وأشد تعظيما للأنبياء من أن يتكلموا فيهم بغير علم ) اهـــ

قال أبو جعفر النحاس معلقا : وكلام ابي عبيد هذا كلام حسن بين لمن لم يمل إلى الهوى والذي ذكر من احتجاجهم بقول ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب لا يلزم لأنه لم يواقع المعصية وأيضا فإنه قد صح في الحديث أن جبريل صلى الله عليه وسلم قال له حين قال ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ولا حين هممت فقال وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء وكذلك احتجاجهم بقوله واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر لا يلزم لأنه يجوز أن يكون هذا بعد الهموم وقال الحسن إن الله جل وعز لم يذكر معاصي الأنبياء ليعيرهم بها ولكنه ذكرها لئلا تيأسوا من التوبة وقيل معنى وهم أنه شئ يخطر على القلب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من هم بسيئة ثم لم يعملها لم تكتب عليه فهذا مما يخطر بالقلب ولو هم بها على أنه يواقعها لكان ذلك عظيما وفي الحديث إني لأستغفر الله جل وعز في اليوم والليلة مائة مرة قال أبو جعفر وقد بينا قول من يرجع إلى قوله من أهل الحديث والروايات وأهل اللغة المحققون على قولهم قال أبو إسحاق يبعد أن يقال ضربتك لولا زيد وهممت بك لولا زيد وإنما الكلام لولا زيد لهممت بك فلو كان ولقد همت به ولهم بها لولا أن رأى برهان ربه لجاز على بعد وإنما المعنى لولا أن رأى برهان ربه لأمضى ما هم به ) 

ونقل الواحدي في تفسير الوسيط (2/609) عن أبي عبيد القاسم بن سلام قال : وقال أبو عبيد : يذهب الحسن إلى أن الحجة من الله على أنبيائه أوكد ، وهي لهم ألزم، فإذا كان يقبل التوبة منهم فهي إلى قبولها منكم أسرع ، وقوله : {لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] قال ابن عباس وعامة المفسرين : مثل له يعقوب فرأى صورته عاضا على إصبعيه يقول : أتعمل عمل الفجار وأنت مكتوب في الأنبياء ؟ فاستحيا منه قال الحسن : مثل له جبريل في صورة يعقوب ، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : مثل له يعقوب فضرب في صدره فخرجت شهوته من أنامله ، وقال السدي : رأى يعقوب قائما في البيت يقول: يا يوسف لا تواقعها فإنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق، ومثلك إن واقعتها مثله إذا مات فوقع بالأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ، ومثلك إذا لم تواقعها كمثل الثور الصعب الذي لم يعمل عليه، ومثلك إن واقعتها مثل الثور حين يموت، فيدخل النمل في أصل قرنيه فلا يستطيع أن يدفع عن نفسه ) اهـــ .

الثالث : أبو جعفر الطبري :

قال في تفسيره (16/34) : ومعنى (الهم بالشيء) في كلام العرب  حديث المرء نفسه بمواقعتِه ، ما لم يُواقِع فأما ما كان من هم يوسف بالمرأة وهمها به ، فإن أهل العلم قالوا في ذلك ما أنا ذاكره ثم ذكر آثار السلف في ذلك وقال بعد الإنتهاء من ذكرها : وأما آخرون ممن خالف أقوال السلف وتأوَّلوا القرآن بآرائهم ، فإنهم قالوا في ذلك أقوالا مختلفة .. ثم ذكر بعد تأويلاتهم البعيدة للآية وقال بعد أن أجاب عليها : هذا مع خلافهما جميع أهل العلم بتأويل القرآن، الذين عنهم يؤخذ تأويله. ) اهــ

(قلت) هذا واضح من كلامه أن السلف لم يختلفوا في تفسيرها ، بل نسب المخالف أنهم من أهل الرأي لا من السلف ، ولو علم مخالفا لذكره كما هي عادته في نقل كلام المخالف من السلف .

الرابع : الواحدي .

قال في تفسيره الوسيط (2/608) : وأما هم يوسف فذكر ابن عباس، وجلة أهل التفسير: أنه حل الهميان وجلس منها مجلس الخاتن ، وسئل ابن عباس: ما بلغ من هم يوسف ؟ قال: استلقت المرأة وقعد بين رجليها ينزع ثيابه.
وهذا قول سعيد بن جبير، والضحاك، والسدي، ومجاهد، وابن أبي بزة، والأعمش، والحسن، هذا قول المتقدمين ، وذكر المتأخرون فرقا .. ثم ذكر كلام بعض أهل اللغة المتأخرين ) اهـ

الخامس : ابن الأنباري :

حكاه الواحدي في الوسيط (2/609) قال ابن الأنباري : والذي نذهب إليه في هذه الآية ما يروى عن الصحابة والتابعين من إثبات الهم ليوسف غير عائبين له ، بل نقول : إن انصرافه بعد إثبات الهم ونهيه نفسه عن هواها تعظيما لله ومعرفة بحقه أدل على وفور الثواب وتكامل الأجر ، والذين أثبتوا الهم ليوسف من علي، وابن عباس، ووهب، وابن سيرين، وغيرهم كانوا أعرف بحقوق الأنبياء وارتفاع منازلهم عند الله من الذين نفوا الهم عنه ، وقد قال الحسن: إن الله لم يقصص عليكم ذنوب الأنبياء تعييرا لهم، ولكنه قصها عليكم لئلا تقنطوا من رحمته ) اهـ

السادس : السمعاني

قال في تفسيره (3/21) : فَاعْلَم أَنه قد ثَبت عَن عبد الله بن عَبَّاس أَنه سُئِلَ عَن قَوْله {وهم بهَا} قَالَ: جلس مِنْهَا مجْلِس الخاتن وَحل هِمْيَانه. رَوَاهُ ابْن أبي مليكَة، وَعَطَاء وَغَيرهمَا. وَعَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: حل سراويله وَجعل يعالج ثِيَابه. وَهَذَا قَول أَكثر الْمُتَقَدِّمين مِنْهُم : سعيد بن جُبَير، وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَالضَّحَّاك وَغَيرهم .
وقَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام : وَقد أنكر قوم هَذَا القَوْل !! وَالْقَوْل مَا قَالَه متقدموا هَذِه الْأمة وهم كَانُوا أعلم بِاللَّه أَن يَقُولُوا فِي الْأَنْبِيَاء من غير علم ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي ، وَزعم بعض الْمُتَأَخِّرين أَن الْهم (كَانَ مِنْهَا) : هُوَ الْعَزِيمَة على الْمعْصِيَة، وَأما الْهم مِنْهُ: كَانَ خاطر الْقلب وَشدَّة الْمحبَّة بالشهوة ) اهـــ                                                     
نقل الواحدي عنه في الوسيط (2/609) قال الزجاج : والذي عليه المفسرون أنه هم بها وأنه جلس منها مجلس الرجل من امرأته إلا أن الله تفضل بأن أراه البرهان، ألا ترى أنه قال: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي} [يوسف: 53] الآية ) اهـــ

السابع : الزجاج :

قال في تفسيره معاني القرآن (3/101) : أكثَرُ المفسِّرِين أنه هَمَّ بها حتى رأى صورة يعقوب عليه السلام، وهو يقول له : يا يوسف أَتَهُمُّ بِفِعْلِ السفَهاءِ وأنت مكتوب فِي ديوانِ الأنبياء، وقيل إنه رأى في البيت مكتوباً: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32). وهذا مذهب أهل التَفْسِير، ولسنا نشكُّ أنه قد رأى برهاناً قطعه عَما هَمَّ به .

وقال قوم ــ [أي من المتأخرين]: المعنى (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) وذَهَبُوا إلى أن المعنى لَوْلاَ أن رَأَى برهان رَبِّهِ لَهَمَّ بِهَا ، والذي عليه المفسرون أنه هَمَّ بها وأنه جَلَسَ منها مجلس الرجُلِ من المرأة إلا أَن اللَّه تفضل بأن أراه البُرهانَ ، أَلَا تَراه قال : (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) والمعنى لَوْلاَ أنْ رأى بُرْهَان رَبِّهِ لأمْضَى ما هَمَّ به ) اهــ

الثامن : ذاك البغوي

قال في تفسيره (2/284) : وَأَمَّا هَمُّهُ: فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: حَلَّ الْهِمْيَانَ وَجَلَسَ مِنْهَا مَجْلِسَ الخاتن ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: حَلَّ سَرَاوِيلَهُ وَجَعَلَ يُعَالِجُ ثِيَابَهُ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِثْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ .. ثم نقل كلام أبي عبيد ونقله للإجماع وإنكاره على من خالفهم ثم قال : وقال بعض المتأخرين : وذكر كلام بعض اللغوين وأنكره ) .

التاسع : ذاك القرطبي                                                                                 
قال في أحكام القرآن (9/166) بعد ما حكى كلام ابن عباس وغيره من التابعين :  وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَهَبَ مُعْظَمُ الْمُفَسِّرِينَ وَعَامَّتُهُمْ ، فِيمَا ذَكَرَ الْقُشَيْرِيُّ أَبُو نَصْرٍ، وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَالنَّحَّاسُ والماوردي وغيرهم ) اهـــ                                                                                                                                                 العاشر : ذاك الثعلبي                                                                                   
قال في تفسيره (5/210) بعد ذكره للآثار الواردة عن ابن عباس والتابعين قال : فهذه أقاويل المفسّرين من السلف الصالحين ، وقالت جماعة من المتأخرين: لا يليق هذا بالأنبياء : فأوّلوا الآية بضروب من التأويل .. ) اهـــ

الحادي عشر : ذاك ابن الجوزي

قال في زاد المسير (2/427 ـــ 428) : واختلفوا في همِّه بها على خمسة أقوال أحدها: أنه كان من جنس همّها، ولولا أن الله تعالى عصمه لفعل، وإِلى هذا المعنى ذهب الحسن، وسعيد بن جبير، والضحاك، والسدي، وهو قول عامة المفسرين المتقدمين واختاره من المتأخرين جماعة منهم ابن جرير، وابن الأنباري. وقال ابن قتيبة: لا يجوز في اللغة: هممت بفلان، وهمّ بي، وأنت تريد اختلاف الهمَّين. واحتجَ منْ نصر هذا القول بأنه مذهب الأكثرين من السلف والعلماء الأكابر، ويدل عليه ما سنذكره من أمر البرهان الذي رآه. قالوا : ورجوعه عما همّ به من ذلك خوفاً من الله تعالى يمحو عنه سيّئ الهمِّ، ويوجب له علوَّ المنازل ) اهـــ

(قلت) كل هؤلاء نقلوا الإجماع بعبارات مختلفة ، وينسبون المخالف لمذهب المتأخرين وأهل الرأي فتنبه لهذه الفائدة .


فصل في من خرج تلك الآثار من المفسرين وفسر بها الهَمّ مع قبولها دون استنكار :


اتفق المفسرون المتقدمون ممن يعتني بالحديث والأثر على قبول آثار ابن عباس والتابعين وروايتها وتفسير الهم بها ، وعدم ذكر القول الآخر إلا بالذم من بعضهم أو بالسكوت عنه وعدم الإلتفات إليه من بعضهم ، وهاهي قائمة هؤلاء المفسرين الأوائل :

سفيان الثوري في تفسيره
قال مقاتل بن حيان في تفسيره
وعبد الرزاق الصنعاني في تفسيره
أبو جعفر النحاس في تفسيره
وحكاه الفراء في تفسيره
الزجاج في تفسيره
سعيد بن منصور في تفسيره
عبد الله بن وهب المصري في جامع التفسير .
بن جرير الطبري في تفسيره
ابن أبي حاتم في تفسيره
ابن أبي زمنين في تفسيره
أبو القاسم الأصبهاني في إعراب القرآن
السمعاني في تفسيره
ابن المنذر في تفسيره
البغوي في تفسيره
وابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن .
أبو عمرو الداني في كتاب الوقف والإبتداء .
الماوردي الشافعي في تفسيره النكت والعيون .

فصل في من أصحاب السنن والمصنفات والمسانيد والتواريخ دون انتقاد :


ومن ذلك ممن رواها بالإقرار والإمرار دون نقد أو استنكار :

عبد الرزاق بن همام الصنعاني في مصنفه
أبو الشيخ في العظمة
الخرائطي في اعتلال القلوب .
الحاكم في المستدرك .
أبو نعيم في الحلية .                                                         البيهقي في الزهد الكبير                                                     المقدسي في المختارة .                                                     ابن جرير الطبري في تاريخه                                             والرافعي القزويني في أخبار قزوين وذكر أنه سمع تلك الآثار بمجمع الناس في المسجد .

فصل : القاعدة السلفية الأثرية في تلقي الأخبار بالقبول :

وهي أنه إذا تداول السلف وأهل الحديث الأخبار في العقائد والغيبيات دون إنكار لشيء من أسانيدها أو في متونها ، ونشروها في الناس وحدثوا بها ، ومضى عليها الزمن وأهل الحديث يتحدثون بها ويذكرونها في المجالس والكتب والمساجد ، فهذا يعتبر تلقيا بالقبول لها ، ويعتبر كل من في أسانيد تلك الأخبار قابلا لها قائل بها بلا شك كما قال غير واحد من أهل الحديث كالإمام أحمد وغيره كما سأذكره في كلامهم :                                                                                                                     روى الخلال في السنة وهو يتكلم عن أثر مجاهد في الإجلاس : قيل ﻟﻠﺠﺮﻳﺮﻱ : ﺇﺫا ﻛﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﻛﺮﺳﻲ اﻟﺮﺏ ﻓﻬﻮ ﻣﻌﻪ ؟ ﻗﺎﻝ : ﻭﻳﺤﻜﻢ ﻫﺬا ﺃﻗﺮ ﻟﻌﻴﻨﻲ ﻓﻲ اﻟﺪﻧﻴﺎ، ﻭﻗﺪ ﺃﺗﻰ ﻋﻠﻲ ﻧﻴﻒ ﻭﺛﻤﺎﻧﻮﻥ ﺳﻨﺔ ﻣﺎ ﻋﻠﻤﺖ ﺃﻥ ﺃﺣﺪا ﺭﺩ ﺣﺪﻳﺚ ﻣﺠﺎﻫﺪ ﺇﻻ ﺟﻬﻤﻲ ، ﻭﻗﺪ ﺟﺎءﺕ ﺑﻪ اﻷﺋﻤﺔ ﻓﻲ اﻷﻣﺼﺎﺭ، ﻭﺗﻠﻘﺘﻪ اﻟﻌﻠﻤﺎء ﺑﺎﻟﻘﺒﻮﻝ ﻣﻨﺬ ﻧﻴﻒ ﻭﺧﻤﺴﻴﻦ ﻭﻣﺎﺋﺔ ﺳﻨﺔ ).                                                                                     ﻭﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﺑﻜﺮ ﻳﺤﻴﻰ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﻃﺎﻟﺐ : ﺭﻭاﻩ اﻟﺨﻠﻖ ﻋﻦ اﺑﻦ ﻓﻀﻴﻞ ﻋﻦ ﻟﻴﺚ ﻋﻦ ﻣﺠﺎﻫﺪ ﻭاﺣﺘﻤﻠﻪ اﻟﻤﺤﺪﺛﻮﻥ اﻟﺜﻘﺎﺕ ، ﻭﺣﺪﺛﻮا ﺑﻪ ﻋﻠﻰ ﺭءﻭﺱ اﻷﺷﻬﺎﺩ ، ﻻ ﻳﺪﻓﻌﻮﻥ ﺫﻟﻚ ، ﻳﺘﻠﻘﻮﻧﻪ ﺑﺎﻟﻘﺒﻮﻝ ﻭاﻟﺴﺮﻭﺭ ﺑﺬﻟﻚ ، ﻭﺃﻧﺎ ﻓﻴﻤﺎ ﺃﺭﻯ ﺃﻧﻲ ﺃﻋﻘﻞ ﻣﻨﺬ ﺳﺒﻌﻴﻦ ﺳﻨﺔ ، ﻭاﻟﻠﻪ ﻣﺎ ﺃﻋﺮﻑ ﺃﺣﺪا ﺭﺩﻩ ) اهـ

وأثبتوا حديث أبي رزين العقيلي بنفس القاعدة والآلية ، قال الحافظ ابن منده :" روى هذا الحديث محمد بن إسحاق الصنعاني وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهما وقد رواه بالعراق بمجمع العلماء وأهل الدين وجماعة من الأئمة منهم أبو زرعة الرازي وأبو حاتم وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل ولم ينكره أحد ولم يتكلم في إسناده بل رووه على سبيل القبول والتسليم ولا ينكر هذا الحديث إلا جاحد أو جاهل أو مخالف للكتاب والسنة ) اهـــ                                                                                                          
قال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة (رقم1097) : كتب إلي إبراهيم بن حمزة الزبيري كتبت إليك بهذا الحديث وقد عرفته وسمعت على من كتبت به إليك فحدث بذلك عني " .                                                                                              وقال ابن القيم في زاد المعاد (2/88( : هذا حديث كبير جليل تنادي جلالته وفخامته وعظمته على أنه خرج من مشكاة النبوة لا يعرف إلا من حديث عبد الرحمان بن المغيرة بن عبد الرحمان المدني رواه عنه إبراهيم بن حمزة الزبيري وهما من كبار علماء المدينة ثقتان محتجان بهما في الصحيح احتج بهما إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري ، رواه أئمة أهل السنة في كتبهم في كتبهم وتلقوه بالقبول بالقبول بالتسليم والإنقياد ولم يطعن أحد منهم فيه ولا أحد من رواته )  اهـــ                                

وبنفس القاعدة أثبتوا بها حديث ( رأيت ربي في أحسن صورة ) قال اﻟﻤﺮﻭﺫﻱ ﺣﺪﺛﻨﻲ ﻋﺒﺪ اﻟﺼﻤﺪ ﺑﻦ ﻳﺤﻴﻰ اﻟﺪﻫﻘﺎﻥ ﺳﻤﻌﺖ ﺷﺎﺫاﻥ ﻳﻘﻮﻝ ﺃﺭﺳﻠﺖ ﺇﻟﻰ ﺃﺑﻲ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺃﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﺣﻨﺒﻞ ﺃﺳﺘﺄﺫﻧﻪ ﻓﻲ ﺃﻥ ﺃﺣﺪﺙ ﺑﺤﺪﻳﺚ ﻗﺘﺎﺩﺓ ﻋﻦ ﻋﻜﺮﻣﺔ ﻋﻦ اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﻗﺎﻝ ﺭﺃﻳﺖ ﺭﺑﻲ ﻗﺎﻝ ﺣﺪﺙ ﺑﻪ ﻓﻘﺪ ﺣﺪﺙ ﺑﻪ اﻟﻌﻠﻤﺎء ) اهـــ وقد علق أبو يعلى نقلا عن أبي بكر عبد العزيز أنه قال : ﻭﻇﺎﻫﺮ ﺭﻭاﻳﺔ ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ ﺑﻦ ﻫﺎﻧﺊ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺻﺤﺘﻪ ﻷﻥ ﺃﺣﻤﺪ ﻗﺎﻝ ﻷﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﻋﻴﺴﻰ ﻓﻲ ﻣﻨﺰﻝ ﻋﻤﻪ ﺣﺪﺛﻬﻢ ﺑﻪ ﻭﻻ ﻳﺠﻮﺯ ﺃﻥ ﻳﺄﻣﺮﻩ ﺃﻥ ﻳﺤﺪﺛﻬﻢ ﺑﺤﺪﻳﺚ ﻳﻌﺘﻘﺪ ﺿﻌﻔﻪ ﻻﺳﻴﻤﺎ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﺼﻔﺎﺕ ) اهـــ

ثم قال أبو يعلى : ولأنه إجماع أهل الأعصار ، وذلك أن عصراً بعد عصر من لدن التابعين ومن بعدهم ، يخبر أنه رأى ربه ، ولا ينقل عن أحد من أهل العصر الإنكار عليه ، فدل سكوتهم على جواز ذلك ".

وقال الطبراني : "حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤية صحيح ، ومن زعم أني رجعت عن هذا الحديث بعد ما حدثت به فقد كذب ، وهذا حديث رواه جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وجماعة من التابعين ، عن ابن عباس ، وجماعة من تابعي التابعين عن عكرمة ، وجماعة من الثقات عن حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أسماءهم بطولها ) اهــــ      

وقال الأثرم : "سألت أبا عبدالله أحمد بن حنبل ، عن حديث حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيت ربي) الحديث ؟ فقال أحمد بن حنبل: هذا حديث رواه الكبر عن الكبر عن الصحابة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن شك في ذلك أو في شيء منه ، فهو جهمي لا تقبل شهادته ، ولا يسلم عليه ، ولا يعاد في مرضه".                                                                                          
وبنفس القاعدة أثبتوا بها حديث خلق آدم على صورة الرحمن ، قال ابن تيمية في كتاب بيان تلبيس الجهمية (6/466) وهو يتكلم عن هذا الحديث : ﻓﺎﺗﻔﺎﻕ اﻟﺴﻠﻒ ﻋﻠﻰ ﺭﻭاﻳﺔ ﻫﺬا اﻟﺨﺒﺮ ﻭﻧﺤﻮﻩ ﻣﺜﻞ ﻋﻄﺎء ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺭﺑﺎﺡ ﻭﺣﺒﻴﺐ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺛﺎﺑﺖ ﻭاﻷﻋﻤﺶ ﻭاﻟﺜﻮﺭﻱ ﻭﺃﺻﺤﺎﺑﻬﻢ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﻧﻜﻴﺮ ﺳﻤﻊ ﻣﻦ ﺃﺣﺪ ﻟﻤﺜﻞ ﺫﻟﻚ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ اﻟﻌﺼﺮ ﻣﻊ ﺃﻥ ﻫﺬﻩ اﻟﺮﻭاﻳﺎﺕ اﻟﻤﺘﻨﻮﻋﺔ ﻓﻲ ﻣﻈﻨﺔ اﻻﺷﺘﻬﺎﺭ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻋﻠﻤﺎء اﻷﻣﺔ ﻟﻢ ﺗﻨﻜﺮ ﺇﻃﻼﻕ اﻟﻘﻮﻝ ﺑﺄﻥ اﻟﻠﻪ ﺧﻠﻖ ﺁﺩﻡ ﻋﻠﻰ ﺻﻮﺭﺓ اﻟﺮﺣﻤﻦ ) اهـــ                                                                 
وروى الآجري أيضا (726) حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ كُرْدِيٍّ قَالَ: نا أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَرُدُّهَا الْجَهْمِيَّةُ فِي الصِّفَاتِ وَالْإِسْرَاءِ وَالرُّؤْيَةِ وَقِصَّةِ الْعَرْشِ؟ فَصَحَّحَهَا وَقَالَ: «قَدْ تَلَقَّتْهَا الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ تُسَلَّمُ الْأَخْبَارُ كَمَا جَاءَتْ»

(قلت) فلاحظ كيف يحتج أهل الحديث من المتقدمين برواة الأخبار وتحديثهم دون إنكار , وأنهم لو كان عندهم شيء يخالف ، لما حدثوا بها خاصة في الغيبيات والعقائد .                        

فصل : من روى هذه الآثار ونشرها في المجالس والكتب والمساجد دون استنكار :

أولا : من الصحابة :                                                                                   
عبد الله بن عباس حبر هذه الأمة وترجمانها رضي الله عنه .         ونسبه ابن الأنباري لعلي بن أبي طالب ولم أقف على أثره فلعله فيما فقدناه من كتب ، وروي عنه رواية شبه موافقة لكنها موضوعة رواها أحد الكذابين وأنكروها عليه كما سيأتي .

ثانيا : من التابعين ممن روى وقالوا ما قال ابن عباس رضي الله عنه :

فهؤلاء من حدث بأثر ابن عباس وأفتى به وفسر به الآيات ، وبلغه لمن بعده ، دون استحياء ولا استنكاف عن التحديث به ، وتعدادهم حسب ما وصلنا من الأسانيد أربعة عشر تابعي وهم :
مجاهد بن جبر العالم المفسر الكبير الذي لا أحد في التابعين مثله في التفسير والذي قال عنه الثوري إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به .
سعيد بن جبير سيد التابعين ومن أعلمهم .
عكرمة بن خالد المخزومي المفسر الكبير
الحسن بن أبي الحسن البصري الإمام الورع الزاهد الفقيه .
حُمَيْد بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عوف المدني العالم الكبير .
عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ بن جبير بن مطعم القرشي النَّوْفلي المكي قاضي مكة
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ مولى آل قارظ التابعي الجليل .
وهب بن منبه الحبر الجليل .
عبد الله بن عبيد الله ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ التابعي الجليل .
سليمان بن يسار الهلالي التابعي أحد الفقهاء السبعة ومفتي المدينة
قتادة بن دعامة السدوسي العالم المفسر .
الضحاك بن مزاحم المفسر العالم الكبير .
محمد بن كعب القرظي التابعي الحبر .
محمد ابن شهاب الزُّهْري سيد المحدثين في زمن التابعين .


فصل : من رواها من الأئمة بعد التابعين  ونشرها دون إنكار لها 


وهذه قائمة فيها ما يقارب مئة إمام محدث من المتقدمين كلهم حدثوا بآثار السلف في تفسير هَمِّ يوسف عليه السلام ونشروها بين الناس دون نقد أو إمساك عنها ، ولم نجد من خالفهم من أئمة الحديث ، وقد ذكر كل هؤلاء في أسانيد الآثار عن ابن عباس والتابعين من بعده ، وقد استخرجتها منها مع صعوبة في تبيان اسم الراوي وتحديده ، فذكرت المشاهير وتركت غيرهم طلبا للإختصار :
القاسم بن أبي بزة المكي القارئ المحدث الجليل .
محمد بن إسحاق بن يسار المؤرخ الكبير .
مقاتل بن حيان المفسر الكبير .
سليمان بن مهران الأعمش الإمام الكبير .
أبو يسار عبد الله بن أبي نجيح الحافظ المكي الثقة .
وكيع بن الجراح الرؤاسي الإمام الفقيه المحدث الكبير .
جابر الجعفي المحدث الحافظ المكثر.
نافع بن عمر بن عبد الله بن جميل الجمحي المكي المحدث الثبت الثقة .
سُفْيَانُ بن سعيد الثوري الإمام الجهبذ
النضر بن إسماعيل بن حازم البَجَلي أبو المغيرة الكوفي
أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن المدني الحافظ
شريك بن عبد الله النخعي القاضي الكبير .
ليث بن أبي سليم المحدث المكثر.
معمر بن راشد المحدث الكبير شيخ عبد الرزاق .
عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي العالم الجليل .
يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الأيلي المحدث الثقة الجبل.
أبو عمرو الأوزاعي إمام الشام وعالمها
حجاج بن محمد المصيصي الأعور محدث بغداد العالم الثقة .
أبو الحسن علي بن بذيمة الجزري الكوفي الثقة .
الْقَاسِمُ بْنُ الْحَكَمِ الْعُرَنِيِّ الحافظ
أبو إلياس ابن بنت وهب بن منبه .
سَالِمُ بْنُ مَيْمُونٍ السمعي الحافظ
أبو روق عطية بن الحارث الهمداني الحافظ
قرة بن خالد السدوسي الثقة الفاضل
مُحَمَّد بن الْقَاسِم أَبُو إِبْرَاهِيم الْأَسدي
جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ الحافظ الثقة .
أَبُو الْهَيْثَمِ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْبَصْرِيُّ الحافظ
عبد الرزاق بن الهمام الصنعاني صاحب المصنف .
عمرو بن محمد العنقزي الحافظ
بشر بن عمارة الخثعمي المكتب
أبو زكريا يحيى بن آدم بن سليمان الأموي الحافظ
إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الحافظ الكبير
أبو عبد الله سلمة بن الفضل الأبرش الأزرق الأنصاري
طلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي المحدث الحافظ
عبد الله بن إدريس بن يزيد الأودي الكوفي محدث ثقة .
أبو الأحوص مالك بن سعير الكوفي المحدث الحافظ
أبو عبد الله محمد بن ثور الصنعاني العابد الثقة .
أبو عامر قَبيصَة بن عقبة بن محمد السوائي الحافظ المتقن .
يحي بن سعيد القطان الإمام المحدث الكبير .
يحيى بن يمان العجلي الكوفي المحدث العابد الصدوق  .
أبو عمرو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي السُلَمِيّ
المحدث الكبير مسعر بن كدام .
جرير بن عبد الحميد المحدث الثقة .
خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ شيخ سعيد بن منصور
يونس بن عبيد البصري العالم المحدث الثقة .
منصور بن المعتمر العالم المحدث الثقة
جرير بن حازم بن زيد الأزدي البصري الحافظ الجليل  
سَعِيدٌ بن منصور صاحب السنن الحافظ الثقة
حَسَّان بْنُ إِبْرَاهِيمَ الكِرْمَاني القاضي الكبير .
عبد الله بن وهب المصري إمام وفقيه مصر .
شبل بن عباد المكي القارئ الكبير .
أسباط بن محمد أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ أَبِي نَصْرٍ القُرَشِيُّ الكُوْفِيُّ.             
السدي إسماعيل بن عبد الرحمن المفسر المشهور .
أبو كريب مُحَمَّد بْن العلاء الهمداني الحافظ الثقة
إسماعيل بن علية الحافظ الثقة .
منجاب بن الحارث التميمي
الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ الحافظ
وسفيان بن وكيع الحافظ بن الحافظ
يُونُسُ بْنُ رَاشِدٍ الْحَرَّانِيُّ
خصيف بْن عَبْد الرَّحْمَن أَبُو عون تلميذ مجاهد وابن جبير .
وسهل بن موسى الرازي محدث الري .
سفيان ابن عيينة العالم الجليل .
عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم بن عدي الحافظ من أتباع التابعين
وزهير بن محمد التميمي محدث خراسان .
الوليد بن مسلم الدمشقي المحدث الكبير .
أبو معاوية الضرير محمد بن خازم التميمي الحافظ الثبت .
الحسين بن علي بن مهران الأصبهاني الحافظ
عَامر بن الْفُرَات أَبُو عَمْرو الذهلي محدث الشام .
عبد الرحمن بن سلمة الرازي كاتب سلمة الفضل الحافظ
سلمة بن الفضل الأبرش الحافظ الكبير .
وهب بن جرير بن حازم بن زيد الأزدي البصري الحافظ الجليل
أبي حفص عمرو بن علي الفلاس المحدث الكبير.
محمد عبد الله بن يزيد المقرئ الحافظ .
الحافظ أبو سعيد الأشج .
أبو بَكْرِ ابنُ أبي داود الأَزْدي صاحب الحائية الشهيرة.
أبو زرعة الرازي الحافظ الجليل صاحب أبي حاتم الرازي .
محمد بن نمير الحافظ الكبير
عبد الرحمن بن أبي حاتم المحدث الحافظ
أبو جعفر ابن جرير الطبري المفسر الكبير
أبو الشيخ الإصبهاني المحدث صاحب التصانيف
الحاكم النيسابوري الحافظ
أبو نعيم الأصبهاني المحدث الحافظ
والحافظ بن المنذر النيسابوري
والعالم اللغوي الكبير مسلم بن قتيبة
وابن أبي زمنين المالكي صاحب السنة الشهير .
وغيرهم كثير جدا قد تركتهم واكتفيت بذكر المشاهير الأعلام النبلاء ممن روى آثار هم يوسف وحل السراويل والتكة والجلوس والبرهان وأنه رآى صورة يعقوب ينهاه ، وقد حدثوا بها ونشروها في المساجد والمجامع والمكاتيب وأفتوا بها ودونوها في كتبهم لا يذكرون غيرها في التفسير ، ولو كان فيها شيء لأمسكوا عن التحديث بها ، وبينوا ما فيها من نكارة ، ولكن تابعوا السلف وسلموا للآثار الصحيحة التي ليست لها معارض .

فصل : أثر علي بن أبي طالب في تفسير هم يوسف عليه السلام :

فإن قيل : كل هؤلاء لهم معارض قوي جدا ينقض به الإجماع وهو أثر علي بن أبي طالب !!                                                   فنقول : ذكر ابن الأنباري كما سبق وسيأتي ، أن علي بن أبي طالب ممن وافق ابن عباس في تفسيره لآيات هم يوسف عليه السلام ، ولكن مع هذا يدعي المخالفون أن المسألة خلافية بين الصحابة ، وقالوا إن ابن عباس رضي الله عنه ومن بعدهم من التابعين والأئمة خالفهم علي بن أبي طالب في تفسير الهم فدعنا ننظر هل هذا صحيح أم مجرد ادعاء ؟
وهاهو الأثر قد وجدناه ، ولم يروه غير أبي نعيم تفرد به ، فدعنا ننظر فيه :                  

روى أبو نعيم في الحلية (3/181) قال : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادِ بْنِ سُفْيَانَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْهَمْدَانِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَنْصُورٍ الْحَارِثِيُّ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الْعَلَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى: وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: " كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ خَالِي مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةُ الرَّأْيِ إِذْ جَاءَهُ الْحَاجِبُ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، فَدَخَلَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ وَجَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَطَاءٍ وَالْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ فَتَحَدَّثُوا، فَأَقْبَلَ مُحَمَّدٌ عَلَى جَابِرٍ فَقَالَ: مَا يَرْوِي فُقَهَاءُ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] مَا الْبُرْهَانُ ؟ قَالَ : رَأَى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَاضًّا عَلَى إِبْهَامِهِ، فَقَالَ: لَا. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ هَمَّ أَنْ يَحُلَّ التِّكَةَ فَقَامَتْ إِلَى صَنَمٍ مُكَلَّلٍ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ فَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ أَبْيَضَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ تَصْنَعِينَ؟ فَقَالَتُ: اسْتَحْيِ مِنْ إِلَهِي أَنْ يَرَانِي عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، فَقَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: تَسْتَحِينَ مِنْ صَنَمٍ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَلَا أَسْتَحْيِ أَنَا مِنْ إِلَهِي الَّذِي هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ، ثُمَّ قَالَ : وَاللهِ لَا تَنَالِينَهَا مِنِّي أَبَدًا ، فَهُوَ الْبُرْهَانُ الَّذِي رَأَى ."
الحكم على الأثر :

(قلت) سنده مظلم جدا : فيه ضعفاء ووضاعين كذبة ، وإليك بيان أسماءهم :                     

الأول : منصور الحارثي قال باْن عَدِيّ : عَبْد الرَّحْمَن بْن منصور الحارثي يلقب كربزان ، حدث بأشياء لا يتابعه عليها أحد ) نقله الخطيب في تاريخه (11/561)
الثاني : أحمد بن عيسى العلوي حدث عن ابن أبي فديك بموضوعات كثيرة هذا منها ، ولهذا  قال الدارقطني في الضعفاء (52) وأشار  إلى أن هذه النسخة مكذوبة فقال : أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمد أبو طاهر عن ابن أبي فديك وابنه وأبوه عيسى يعرف بمبارك وجده عبد الله بن صالح حدث عنه أبو أسامة ، كذاب ) اهـ
وأنظر (ميزان 1/126) (لسان 1/241)
ولهذا قال ابن منده في الكنى (4105)  أَبُو طَاهِر: أَحْمد بن عِيسَى الْعلوِي ، حدث عَن: مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن أبي فديك بِغَرَائِب ) .قلت وهذا منها حدث به عن ابن أبي فديك .

الثالث : قوله : (حَدَّثَنِي أَبِي) وهو عيسى بن عبد الله العلوي ترجمه الذهبي في «الميزان» فقال:
عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب العلوي، عن آبائه وعنه ولده أحمد. قال الدارقطني: متروك الحديث ، وقال ابن حبان: يروي عن آبائه أشياء موضوعة.
ولهذا قال أبو الفضل المقدسي في تذكرة الحفاظ (1/141) : عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيٍّ.
وَعِيسَى هَذَا عِنْدَهُ نُسْخَةٌ مَوْضُوعَةٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ.
وقال أيضا (1/338) : وَعِيسَى لَهُ نُسْخَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَنْ آبَائِهِ.
وجمع ابن عدي في الكامل (6/425) مناكيره وقال : ولعيسى بْن عَبد اللَّهِ هَذَا غَيْرَ مَا ذَكَرْتُ وَعَامَّةُ مَا يرويه، لاَ يُتَابَعُ عَليه.) قلت نعم وأين يجد المتابع  وهي مكذوبة .
ومن العجائب أن أبا نعيم تفرد بهذا الخبر المكذوي في حليته وهو الذي قال في كتابه الضعفاء (175) : عِيسَى بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عمر بن عَليّ بن أبي طَالب روى عَن أَبِيه عَن آبَائِهِ أَحَادِيث مَنَاكِير لَا يكْتب حَدِيثه لَا شَيْء.
الرابع : ابن أبي فديك : في مسائل أبي داود [210] قَالَ سَمِعت أَحْمد قَالَ ابْن أبي فديك لَا يُبَالِي أَي شَيْء روى ) وَقَال أيضا: كان كثير الحديث وليس بحجة (طبقاته: 5 / 437) . وَقَال يعقوب بن سفيان: ضعيف (المعرفة والتاريخ: 3 / 53)
الخلاصة : أنه مكذوب موضوع لا يحل الإحتجاج به أبدا

فائدة :

ظاهر الآثار أن يوسف عليه السلام لم يكشف عن عورته كم يفهم من أنكرها !! لأنه حلة التكة فقط وفي رواية (نزع حتى التبان) وهو سراويل صغير مقدار شبر يستر العورة المغلظة، وليس بشيء فتبين أنه لم تظهر عورته إنما كان مستورا ، ولو افترضنا أنه كشفت عورته فآدم وموسى عليهما السلام كشفت عورتهما بلا إشكال عند الجميع .
ولم يذكر في الأثر أنه رأى عورة المرأة وإنما أقصى ما ثبت أنه جلس أمام رجليها ، و جلس منها مجلس الخاتن قوله " مجلس الخاتن" لا كما يفهم المخالف أنه (الختان) أي العورة المغلظة عند المرأة !! إنما هو الذي يختن الفتى أو الفتاة فيجلس قريب من المختون جلسة تسمى مجلس الخاتن .
فائدة :
روى الحاكم في المستدرك (3323) والبيهقي في الزهد (361) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا   قَالَ : " عَثَرَ يُوسُفُ ثَلَاثَ عَثَرَاتٍ ، حِينَ هَمَّ بِهَا فَسُجِنَ وَقَوْلُهُ لِلرَّجُلِ {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} [يوسف: 42] فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، وَقَوْلُهُ لَهُمْ {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} [يوسف: 70] قال الحاكم : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ »
(قلت) هذا الأثر يدل على حقيقة الهمِّ وأنه كان عثرة غفرت .

فائدة :

من الذي عناه أبو عبيد والنحاس والطبري وبن قتيبة في ردهم عليه ونسبته للرأي ومخالفة السلف وأنه حرف معنى الهمّ في الآية وقال فيه تقديم وتأخير؟
قد تبين بعد التنقيب ، أنهم جماعة من اللغوين المتأخرين الذين لا عناية لهم بالحديث والأثر وهم : ثلاثة : الأول أبو عبيدة معمر بن المثنى المفسر اللغوي في كتابه غريب القرآن ، والثاني قطرب ذكر كلامه السمعاني وقال أنكر سائر النحاة قوله ، والثالث ثعلب وقد ذكر كلامه أبو حيان التوحيدي وحكى عن بعض مشايخه أنه قال عنه : هذا القول لعب بالقرآن !! وقد ذكر ابن منظور نص كلام أبي عبيدة في لسان العرب ، وحكاه أيضا أبو عمرو الداني كلامه في إعراب القرآن وقال بأن جماهير أهل العلم على خلافه ثم حكى كلام بن عباس ومن معه .

مسألة :

نهى الله تعالى الصحابة عن الكلام في الأنبياء بما لا يليق وحذرهم العقوبة ، ونهاهم عن التشبه باليهود الذين يتهمون الأنبياء بالسوء فقال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ( الأحزاب 69) ونزلت بسب اتهام بني إسرائيل لموسى عليه السلام في قضايا العورات ، فهذا النهي مستقر في أذهان السلف من الصحابة والتابعين ، فكيف يعقل بعد كل هذا ويجتمعون على أذية النبي يوسف عليه السلام ؟؟ هل أنحن أورع من ابن عباس ؟؟ أو من ابن سيرين الذي يضرب به المثل في الورع ؟؟ أو من بعدهم جميعا ؟؟
قال أبو عبيد القاسم بن سلام : وابن عباس ومن دونه لا يختلفون في أنه هم بها وهم أعلم بالله وبتأويل كتابه وأشد تعظيما للأنبياء من أن يتكلموا فيهم بغير علم ) اهـــ
قال ابن الأنباري : والذين أثبتوا الهم ليوسف من علي وابن عباس ووهب وابن سيرين وغيرهم كانوا أعرف بحقوق الأنبياء وارتفاع منازلهم عند الله من الذين نفوا الهم عنه ) اهـــ

فصل : حوار هادئ مع معترض :


قال المعترض : بارك الله فيك قد أبَنتَ لي موضع الخلاف مني للسلف ، وأن القضية عليها إجماع المتقدمين من السلف والمفسرين الأوائل ، لكن بقيت عندي إشكالات لو أجَبتَ عليها كان أشفى لنفسي وليطمئن قلبي في هذه المسألة وهي :

الأولى : إن ابن عباس رضي الله عنه تفرد بهذا القول ويمكن يخطأ كما سبق وأن وقع له ذلك في الفقه والحديث ونحوه ، فاحتمال خطأه هنا وارد فلماذا لما نفيت هذا الإحتمال ؟
قلت : الجواب على هذا أن يقال : كيف عرفتم بأن لابن عباس أخطاء ؟ أكيد بخلاف السلف له فلأنه خولف وانتقد فيها ورد عليه من هو أعلم منه أو مثله أو حتى من هو دونه من تلاميذه علمتم أنه أخطأ ، ولهذا نقول : هاتوا المخالف من السلف لابن عباس فيما فسره حتى نعلم أنه أخطأ ؟ والواقع أن الأمة اتبعته في تفسيره ونقصد بالأمة هم التابعون وأتباعهم ومن بعدهم من أهل الحديث لم يشذ عنهم واحد فيما علمنا وتتبعناه من الأسانيد والأثر ، فالعرض الصحيح لهذه المسألة أن تقول : أن ابن عباس قال قولا لا يعلم له مخالف من السلف ، بل اتبعوه ووافقوه وأنكروا على أهل الرأي ممن عارضوه ، فقولك أيها المعترض : أن ابن عباس تفرد بها ثم تسكت ! إنما هو مغالطة للقارئ وليس هو واقع هذه المسألة ، وليس هذا هو الطرح الصحيح للقضية .
وباختصار أقول لك : هل ضل السلف المتقدمون كلهم في اتباع ابن عباس رضي الله عنه في تفسير هم يوسف عليه السلام ؟؟؟
قال المعترض طيب لي سؤال آخر : قد تكون هذه الآثار مما تلقاه ابن عباس عن بني إسرائيل !!
قلت الجواب : هذا سؤال جيد ، وهو محور البحث ، وهو أقوى ما اعترض به المخالفون والجواب عنه سيكون هو النقطة الفاصلة فأقول :                                                 
قال ابن القيم في إعلام الموقعين : ﻓﺘﻠﻚ اﻟﻔﺘﻮﻯ اﻟﺘﻲ ﻳﻔﺘﻲ ﺑﻬﺎ ﺃﺣﺪﻫﻢ ( الصحابي ) ﻻ ﺗﺨﺮﺝ ﻋﻦ ﺳﺘﺔ ﺃﻭﺟﻪ :                                                                                 
ﺃﺣﺪﻫﺎ : ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺳﻤﻌﻬﺎ ﻣﻦ اﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ .
اﻟﺜﺎﻧﻲ: ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺳﻤﻌﻬﺎ ﻣﻤﻦ ﺳﻤﻌﻬﺎ ﻣﻨﻪ .                                                          
اﻟﺜﺎﻟﺚ : ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻓﻬﻤﻬﺎ ﻣﻦ ﺁﻳﺔ ﻣﻦ ﻛﺘﺎﺏ اﻟﻠﻪ ﻓﻬﻤﺎ ﺧﻔﻲ ﻋﻠﻴﻨﺎ.
اﻟﺮاﺑﻊ: ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻗﺪ اﺗﻔﻖ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﻠﺆﻫﻢ، ﻭﻟﻢ ﻳﻨﻘﻞ ﺇﻟﻴﻨﺎ ﺇﻻ ﻗﻮﻝ اﻟﻤﻔﺘﻲ ﺑﻬﺎ ﻭﺣﺪﻩ.
اﻟﺨﺎﻣﺲ : ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻟﻜﻤﺎﻝ ﻋﻠﻤﻪ ﺑﺎﻟﻠﻐﺔ ﻭﺩﻻﻟﺔ اﻟﻠﻔﻆ ﻋﻠﻰ اﻟﻮﺟﻪ اﻟﺬﻱ اﻧﻔﺮﺩ ﺑﻪ ﻋﻨﺎ، ﺃﻭ ﻟﻘﺮاﺋﻦ ﺣﺎﻟﻴﺔ اﻗﺘﺮﻧﺖ ﺑﺎﻟﺨﻄﺎﺏ، ﺃﻭ ﻟﻤﺠﻤﻮﻉ ﺃﻣﻮﺭ ﻓﻬﻤﻮﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﻃﻮﻝ اﻟﺰﻣﺎﻥ ﻣﻦ ﺭﺅﻳﺔ اﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻭﻣﺸﺎﻫﺪﺓ ﺃﻓﻌﺎﻟﻪ، ﻭﺃﺣﻮاﻟﻪ ﻭﺳﻴﺮﺗﻪ ﻭﺳﻤﺎﻉ ﻛﻼﻣﻪ ﻭاﻟﻌﻠﻢ ﺑﻤﻘﺎﺻﺪﻩ ﻭﺷﻬﻮﺩ ﺗﻨﺰﻳﻞ اﻟﻮﺣﻲ ﻭﻣﺸﺎﻫﺪﺓ ﺗﺄﻭﻳﻠﻪ ﺑﺎﻟﻔﻌﻞ، ﻓﻴﻜﻮﻥ ﻓﻬﻢ ﻣﺎ ﻻ ﻧﻔﻬﻤﻪ ﻧﺤﻦ، ﻭﻋﻠﻰ ﻫﺬﻩ اﻟﺘﻘﺎﺩﻳﺮ اﻟﺨﻤﺴﺔ ﺗﻜﻮﻥ ﻓﺘﻮاﻩ ﺣﺠﺔ ﻳﺠﺐ اﺗﺒﺎﻋﻬﺎ .
اﻟﺴﺎﺩﺱ: ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻓﻬﻢ ﻣﺎ ﻟﻢ ﻳﺮﺩﻩ اﻟﺮﺳﻮﻝ - ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ - ﻭﺃﺧﻄﺄ ﻓﻲ ﻓﻬﻤﻪ  ﻭاﻟﻤﺮاﺩ ﻏﻴﺮ ﻣﺎ ﻓﻬﻤﻪ.
ﻭﻋﻠﻰ ﻫﺬا اﻟﺘﻘﺪﻳﺮ ﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﻗﻮﻟﻪ ﺣﺠﺔ ، ﻭﻣﻌﻠﻮﻡ ﻗﻄﻌﺎ ﺃﻥ ﻭﻗﻮﻉ اﺣﺘﻤﺎﻝ ﻣﻦ ﺧﻤﺴﺔ ﺃﻏﻠﺐ ﻋﻠﻰ اﻟﻈﻦ ﻣﻦ ﻭﻗﻮﻉ اﺣﺘﻤﺎﻝ ﻭاﺣﺪ ﻣﻌﻴﻦ ، ﻫﺬا ﻣﺎ ﻻ ﻳﺸﻚ ﻓﻴﻪ ﻋﺎﻗﻞ، ﻭﺫﻟﻚ ﻳﻔﻴﺪ ﻇﻨﺎ ﻏﺎﻟﺒﺎ ﻗﻮﻳﺎ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ اﻟﺼﻮاﺏ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ ﺩﻭﻥ ﻣﺎ ﺧﺎﻟﻔﻪ ﻣﻦ ﺃﻗﻮاﻝ ﻣﻦ ﺑﻌﺪﻩ، ﻭﻟﻴﺲ اﻟﻤﻄﻠﻮﺏ ﺇﻻ اﻟﻈﻦ اﻟﻐﺎﻟﺐ، ﻭاﻟﻌﻤﻞ ﺑﻪ ﻣﺘﻌﻴﻦ، ﻭﻳﻜﻔﻲ اﻟﻌﺎﺭﻑ ﻫﺬا اﻟﻮﺟﻪ ) انتهـــى كلامه .
(قلت) : فاحتمال أن يكون الصحابي تلقى الخبر عن بني إسرائيل هو الإحتمال الأبعد فكيف يترك الأقرب ويأخذ بالأبعد ؟
وأنا أضيف شيئين مهمين يزيد من ذاك الإحتمال بعدا زيادة على ما قاله ابن القيم وفاته وهما :
الأول : كثيرا ما يجتنب الصحابة رفع الحديث مخافة الخطأ عليه صلى الله عليه وسلم ،وكثير من الآثار لها حكم الرفع في الحقيقة ، ليس فقط لأنها غير محل للإجتهاد ، بل لكثير من الأشياء منها ما أشار إليها ابن القيم ، فرد الآثار دون اعتبار هذا الفهم الصحيح جهل بل قدح في السلف بأنهم نشروا الكذب والمناكير من الأخبار في الناس دون تبيان لذلك أو ورع !!
الثاني : كثير من السنن والآثار لها حكم الرفع بسبب سكوت الوحي عنها وأن السلف كانوا يتداولونها في زمن نزول الوحي ، فيفهمون من ذلك أنه كالإقرار لهم ، فيروونها بالجزم دون رفعها ومصداق ذلك قول جابر رضي الله (كنا نعزل والقرآن ينزل ) فاحتج بسكوت الوحي على أنه إقرار لما فعله وقاله ، فليس بمستنكر إذن أن يرويه حتى بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وينشره في المجالس والحلق دون إنكار أحد عليه ، فعدم قوله فيما يرويه بهذا النحو (قال النبي) لا يعني أنه من كيسه ، بل ذاك احتمال بعيد جدا أعتبره كواحد من عشرة (١/١٠) ، فتَعَجُّل الخلف بإنكار الآثار وردها بحجة أنها من الإسرائيليات ، يدل على جهلهم بسيرة الصحابة .
فإن قلت : لعله أخذها من بني إسرائيل ورواها ولم يبين ممن رواها ؟
فأقول لك : لنا مع هذه الشبهة وقفات :

الوقفة الأولى :                                                                                           
وهي أن بن عباس نفسه حذر من رواية الإسرائيليات فقد ثبت فيما أخرج البخاري في صحيحه (7363) عن ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ وَكِتَابُكُمْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْدَثُ تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ ، وَقَدْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا كِتَابَ اللَّهِ وَغَيَّرُوهُ وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ الْكِتَابَ وَقَالُوا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ، أَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنْ الْعِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ لَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا يَسْأَلُكُمْ عَنْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ )                                                   

(قلت) هذا واضح في أن ابن عباس رضي الله عنه كان غنيا عن الأخذ منهم .

يقول ابن تيمية في أحد الآثار المروية عن ابن عباس في بيان تلبيس الجهمية (6/451) : وأيضاً فعلم ذلك لا يؤخذ بالرأي ، وإنما يقال توقيفا ، ولا يجوز أن يكون مستند ابن عباس أخبار أهل الكتاب ، الذي هو أحد الناهين لنا عن سؤالهم ، ومع نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تصديقهم ، أو تكذيبه ) اهـــ
مع العلم أن اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ هو من عن ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ قوله : « ﻣﻦ ﻗﺎﻝ ﻓﻲ اﻟﻘﺮﺁﻥ ﺑﺮﺃﻳﻪ ﻓﻠﻴﺘﺒﻮﺃ ﻣﻘﻌﺪﻩ ﻣﻦ اﻟﻨﺎﺭ » ؟؟ فكيف يجتمع قوله وروايته مع ما تدعونه عليه ؟؟

الوقفة الثانية :                                                                                           
يجب أن تعرف مصادر التلقي عند ابن عباس رضي الله عنه وهي 
أولا : النبي صلى الله عليه وسلم فقد لازمه ملازمة تامة منذ أن هاجر إلى أن توفي عليه الصلاة والسلام ، إضافة إلى أنه من أهل البيت يعرف أخبار النبي صلى الله عليه وسلم من آل بيته، وهذا مع دعوته له بالفقه والتأويل والتفسير فاستجاب الله لذلك بشهادة السلف كلهم .                                                                                                 
ثانيا : كبار علماء الصحابة وهم عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وهم أئمة التفسير بلا منازع ، وبالخصوص عمر وعلي وأبي .                                                                                                                                          قال معمر : عامة علم ابن عباس من ثلاثة : من ( عمر وعلي وأبي بن كعب ) ..          

رواه البيهقي في كتاب المدخل إلى السنن (١٢٨) و ﺃﺧﺮﺟﻪ اﺑﻦ ﻋﺴﺎﻛﺮ (7/307)          

وروى زهير بن حرب في العلم : قال ﺃﺑﻮ ﺳﻠﻤﺔ ﻋﻦ اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﻗﺎﻝ: « ﻭﺟﺪﺕ ﻋﺎﻣﺔ ﻋﻠﻢ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻋﻨﺪ ﻫﺬا اﻟﺤﻲ ﻣﻦ اﻷﻧﺼﺎﺭ ﺇﻥ ﻛﻨﺖ ﻷﻗﻴﻞ ﻋﻨﺪ ﺑﺎﺏ ﺃﺣﺪﻫﻢ ﻭﻟﻮ ﺷﺌﺖ ﺃﻥ ﻳﺆﺫﻥ ﻟﻲ ﻋﻠﻴﻪ ﻷﺫﻥ ﻭﻟﻜﻦ ﺃﺑﺘﻐﻲ ﺑﺬﻟﻚ ﻃﻴﺐ ﻧﻔﺴﻪ .                                
وروى الدارمي بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه قال : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لرجل من الأنصار : يا فلان هلم نسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم اليوم كثير ...) الحديث .

الوقفة الثالثة :

وهي أن نقول : كيف يروي الصحابي أخبار منكرة عمن قبلنا من الإسرائيليات ، وفيها أشياء خطيرة في المعتقد أو في الأنبياء دون بيان للناس ما فيها من الضلال ؟ أو على الأقل يبين أنها عن بني إسرائيل ويفصل كلامه , كيف يتسبب في ضلال من بعده في اتهام نبي الله يوسف عليه السلام ويتبعه من بعده في ذلك دون تنبيه ؟؟
قال القاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات  [ 1/222 ]  وهو يتكلم عن أثر رواه بن عمرو رضي الله عنه وادعى بعضهم أن خبر إسرائيلي فقال : لا يجوز أن يظن به ذَلِكَ لأن فيه إلباس فِي شرعنا ، وهو أنه يروي لهم ما يظنوه شرعا لنا ويكون شرعا لغيرنا ، ويجب أن ننزه الصحابة عن ذَلِكَ ) اهــــ وجاء في مجموع الفتاوى [ 13/345] : وَمَا نُقِلَ فِي ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ نَقْلًا صَحِيحًا فَالنَّفْسُ إلَيْهِ أَسْكَنُ مِمَّا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ لِأَنَّ احْتِمَالَ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ أَقْوَى ، وَلِأَنَّ نَقْلَ الصَّحَابَةِ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَقَلُّ مِنْ نَقْلِ التَّابِعِينَ وَمَعَ جَزْمِ الصَّاحِبِ فِيمَا يَقُولُهُ فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّهُ أَخَذَهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقَدْ نُهُوا عَنْ تَصْدِيقِهِمْ؟ )

الوقفة الرابعة :

سبق وأن نقلنا عن ابن عباس شدة نهيه عن رواية الإسرائيليات والأخذ عنهم فكيف يقال بعد ذلك أنه ، يفعل ما لا يقول ؟ ومما يزيل هذه الشبهة نهائيا هذه الحجة :

وهي أن ابن عباس لم يسأل كعبا إلا عن أربع آيات فقط والباقي تلقاه عن الصحابة والدليل :
ما رواه عَبْدُ الرَّزَّاقِ في تفسيره (2596) عَنْ إِسْرَائِيلُ  عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَرْبَعُ آيَاتٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَمْ أَدْرِ مَا هُنَّ حَتَّى سَأَلْتُ عَنْهُنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ: قَوْمُ تُبَّعٍ فِي الْقُرْآنِ وَلَمْ يُذْكَرْ تُبَّعٌ قَالَ : إِنَّ تُبَّعًا كَانَ مَلِكًا وَكَانَ قَوْمُهُ كُهَّانًا , وَكَانَ فِي قَوْمِهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَكَانَ الْكُهَّانُ يَبْغُونَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ , وَيَقْتُلُونَ تَابِعَتَهُمْ , فَقَالَ أَصْحَابُ الْكِتَابِ لِتُبَّعٍ: إِنَّهُمْ يَكْذِبُونَ عَلَيْنَا قَالَ: فَإِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَقَرِّبُوا قُرْبَانًا فَأَيُّكُمْ كَانَ أَفْضَلَ أَكَلَتِ النَّارُ قُرْبَانَهُ , قَالَ: فَقَرَّبَ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْكُهَّانُ , فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ : فَتَبِعَهُمْ تُبَّعٌ فَأَسْلَمَ , فَلِهَذَا ذَكَرَ اللَّهُ قَوْمَهُ فِي الْقُرْآنِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ وَسَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ} قَالَ « شَيْطَانٌ أَخَذَ خَاتَمَ سُلَيْمَانَ الَّذِي فِيهِ مُلْكُهُ فَقَذَفَ بِهِ فِي الْبَحْرِ فَوَقَعَ فِي بَطْنِ سَمَكَةٍ فَانْطَلَقَ سُلَيْمَانُ يَطُوفُ إِذْ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ بِتِلْكَ السَّمَكَةِ , فَاشْتَرَاهَا فَأَكَلَهَا , فَإِذَا فِيهَا خَاتَمُهُ فَرَجَعَ إِلَيْهِ مُلْكُهُ »

(قلت) فهذا يدلك على أن باقي علمه في التفسير عن كبار الصحابة الذين ذكرناهم وهم بالأخص عمر بن الخطاب وأبي بن كعب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم ، كما نص على ذلك معمر .

تنبيه أول :

وأنبهك أيها المعترض أنه إذا روى الصحابي عمن يتلقى مرويات بني إسرائيل مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه فإنه يبين ذلك فيقول مثلا سألت كعبا عن كذا وكذا فقال كذا ، أو يقول قال وهب بن منبه كذا وكذا ، أو يقول وجدت في كتاب دانيال كذا ، أو يقول قال فلان النصراني أو اليهودي كذا ، ونحو هذه العبارات ، ومحال أن يروي عن بني إسرائيل خبرا في الله وملائكته ورسله فيه مناكير ويسكت ويلبس ولا يفصل ، ولا يبين ممن أخذه أو ما فيه من المخالفات ، فهذا باطل قطعا ، ومن تتبع الأحاديث والآثار وجدهم يفصلون مروياتهم عن مرويات بني إسرائيل إذا حدث ورووا بعض ذلك ، على قلته وندرته عندهم فتنبه لهذا .

تنبيه ثاني :                                                                                             
وأنبهك أيضا أنني لم أجد في السلف الأوائل في القرون الثلاث الأول من رد أثرا عن صحابي بحجة أنه من الإسرائيليات ، بل إن هذه الطريقة في رد أقوال الصحابة لا تجدها إلا عند المتأخرين وبالخصوص الأشعرية المفسرين منهم ، فهم من اخترع قضية الإسرائيليات ورد الآثار بها ، بل أغلب ما يزعم المتأخرون أنه من الإسرائيليات ويردونها ، تجد السلف يقبلونه ويرونه مقرين له في كتبهم آخذين به .
فإن قلت : طيب ألا يصح أن أقول أن كل هذا يعارض ظاهر القرآن ؟؟
أقول : أولا : السلف أعلم مني ومنك بظاهر القرآن وباللغة وبكل شيء ، هذه مقدمة بديهية لا جدال فيه وهي تمهد الجواب عن سؤالك .
ثانيا : بل ظاهر القرآن يؤيد الآثار ، ألم يقل الله ( ولقد همت به وهم بها )                     
فإن قلتَ : هذا هم خطرات ، لا هم فعل .                                 قلنا : الآن أنت من خرجت عن الظاهر لا نحن !! فالظاهر أنه هَمٌّ من جنس همِّها .
فإن قلتَ : هذا يتعارض مع قوله ( كذلك نصرف عنه السوء والفحشاء ) ؟
قلنا : إذ تنازلنا معكم سنقول أنه قد تعارض ظاهر آية مع مثلها ، فجاء الترجيح من عند السلف هذا من جهة ، ومن جهة أخرى : قد فسر السلف السوء بالثناء القبيح الذي سيقع لو زنا ، والفحشاء بالزنى ، وبهذا التفسير لا تعارض بين الآيتين أبدا ، لأن الله حقا صرف عنه ذلك كله .
فإنت قلتَ : كيف تعتقدون هذا والنبي معصوم عن الكبائر ؟
قلنا : أولا وقع هذا ليوسف عليه السلام قبل النبوة ولا خلاف أن الأنبياء ليسوا بمعصومين من الزلات قبل النبوة ، ثانيا : من قال لكم أنه وقع في الكبيرة ؟ ، فإنه قد هَمَّ ولم يقع في شيء من ذلك بل عصمه الله ، فأين الكبيرة التي تتدعيها ؟ فهذا أقل أحواله أن من الصغائر .
فإن قلتَ : قوله تعالى ( ولا تقربوا الزنا ) أليست حجة في نفي ما ادعيتم ؟
قلنا : وأي حجّة في هذه الآية ولم يقرب يوسف عليه السلام ذلك وحشاه بل صرف الله عنه ذلك .
فإن قلتَ : إن مقدمات الزنا من النظر ونحوه منه ؟
قلنا : إذن ماذا تقول في خطيئة داود عليه السلام وقد ثبت في الآثار أنه نظرَ إلى امرأة أوريا وهي تغتسل عارية ؟؟ فجوابك عن هذه ، هو جوابي عن تلك .
فإن قلتَ : لو كان هم يوسف يعتبر ذنبا فأين توبته في القرآن ، فإن كل نبي أذنب وذكر الله ذنبه في القرآن ذكر توبته فيه ؟؟ .                                                               
قلنا : وهل هذه القاعدة التي اخترعتها ، تكفي لرد أقوال الصحابة كلهم هكذا ؟؟ ثم على فرض صحة هذه القاعدة التي اخترعها بن تيمية ورد بها آثار السلف في هم يوسف ولم أر من سبقه إليها  ولكن أخبرني : ماذا تقول في أنبياء ذكر الله توبتهم ولم ينصَّ على تعيين ذنوبهم ؟ مثل داود عليه السلام فقد ذكر الله توبته واستغفاره ، ولم ينص على تعييين ذنبه إلا أقوال الصحابة والتابعين ؟ فهذه قضية عكسية ، وهذا على فرض صحة دعواك ، وإلا فقد ذكر الله توبة يوسف عليه السلام وطلبه المغفرة من ربه في قوله تعالى { وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ }[يوسف 53]

روى عَبْدُ الرَّزَّاقِ في تفسيره (1319) عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى{ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} [يوسف: 52] قَالَ : «هُوَ قَوْلُ يُوسُفَ» قَالَ : " بَلَغَنَا أَنَّ الْمَلِكَ حِينَ قَالَ هَذَا قَالَ : اذْكُرْ هَمَّكَ قَالَ{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ}[يوسف 53]

وروى الطبري في تفسيره (13/212) : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا جَمَعَ الْمَلِكُ النِّسْوَةَ ، قَالَ أَنْتُنَّ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ؟ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَغَمَزَهُ جَبْرَائِيلُ فَقَالَ : وَلَا حِينَ هَمَمْتَ بِهَا ؟ فَقَالَ يُوسُفُ: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53]

(قلت) فثبت بهذا أن يوسف عليه السلام أقر بذنبه وأشار إلى طلب المغفرة بقوله ( إن ربي غفور رحيم ) وقد أجمع المتقدمون أن هذا الكلام من قول يوسف ولم يذكر الطبري غير هذا القول عن السلف ولكن لما جاء المتأخرون ، ورفضوا الآثار وسبُّوا من رواها وقفوا على هذه الآية ، التي اعترضت أدلتهم التي نصت أن يوسف هَمَّ بهَمٍّ ليس بالخطرات ، فراحوا يحرفونها بأن قالوا : إن القائل ( وما أبرئ نفسي ) ليس يوسف ، إنما هو امرأة العزيز !! وخالفوا ابن عباس والسلف مرة ثانية ، وإلى الله المصير .

هذا جوابي على إشكالاتك ، فأرجوا أن تكون مقنعة لك ، وإن لم تكن كذلك أو لم تفهم مذهب السلف ، فما ضرك أن تقول بقولهم وتعتنق مذهبهم حجة لك عند الله ، فإنك إن أخطأت في قولك واخترت مخالفتهم ، فإنه ستكون لا حجة لك في مخالفتهم عند الله غير الرأي والظن الخطأ ، ووإنك إن اخترت مذهبهم وافترضنا أنه غلط ، فأنت معذور في اتباعك السلف ، فالأمر كما قال البربهاري رحمه الله : قلدهم واسترح .

وإلى هنا انتهى البحث بحمد لله ، وكتبه أبو عبيد الجزائري ،       والله أسأل القبول والإخلاص فيه ، وأن ينفع به إخواننا ، فإن كان خطأ فمن نفسي ومن الشيطان ، وإن كان صوابا فبتوفيق من الرحمن .

نبوة إخوة يوسف عليهم السلام

الإغتباط بنبوة بني يعقوب الأسباط والرد على أهل الرأي والإختلاط

 بسم الله الرحمن الرحيم .

...وكعادتهم في الجهل بمذاهب المتقدمين ، أو بتحريفها وتأويلها إن وقفوا عليها مستهزئين ، إلا من رحم ربك ، فهاهي أحد تحريفاتهم  في جحود نبوة إحدى عشر نبي بأكملهم !! وهم الأسباط إخوة يوسف عليهم السلام ، الذين أتم الله عليهم نعمته بالنبوة بعد الإبتلاء والتوبة ، وقد نص على نبوتهم عامة السلف ، ولا نعلم مخالفا في زمنهم أنكر نبوتهم ، حتى جاءت تقعيدات الأشعرية الهالكة في النبوات وتخليطاتهم في قضايا العصمة ، التي تبناها المتأخرون على أساس أنه مذهب أهل السنة !! فأنكروا نبوة إخوة يوسف عليهم السلام بالرأي والظنون الفاسدة ، وحرفوا الآثار الصريحة الواردة في إثبات ذلك بكلام يشبه الكذب ، ستراها بأم عينك دون واسطة ، وعندها ستوقن أنه لا يجب عليك أن تثق بأحد من المتأخرين في دينك بعد اليوم ، وعليك أن ترجع للمصادر وكتب الأثر وتقرأ بنفسك ، وتراجع كل معلوماتك التي أخذتها عنهم ، لا بارك الله في علومهم ، فقد ضيعوا أمة محمد في هوة سحيقة ، ولقنوهم التسليم والإنقياد لآراءهم لا للأحاديث والآثار ، وجعلوا في قلوبهم الرعب إن خالفوهم ، فاستكان لهم أكثر الخلق ولله الأمر من قبل ومن بعد .

شبهة المتأخرين :
ادعى المتأخرون خاصة ممن كتب في التفسير من الجهمية والأشعرية والمعتزلة ومن تأثر بأقوالهم في إنكار نبوتهم ، كابن حزم والقرطبي وابن تيمية وابن كثير والسيوطي وأغلب المعاصرين !! ، أنه لا يوجد أي دليل ولا عن أحد من الصحابة والتابعين من قال بنبوة إخوة يوسف عليه السلام ، وأن غاية ما يوجد ، أنهم قالوا بأن الأسباط هم بني يعقوب ، ولم يقصدوا بني يعقوب أولاده من صلبه الذين هم إخوة يوسف المذكورين في سورة يوسف ، قالوا : إنما المقصود بالأسباط هم الأمم في بني إسرائيل هذا ملخص ما قالوه ، وألف فيها ابن تيمية رسالة في إنكار نبوتهم وملأها بالرأي والظنون ، ثم تناقض فأثبت نبوتهم في كتاب منهاج السنة ، كعادته في التناقض ، فإنه لا يكاد يثبت على قول !! ، وألف ذاك السيوطي الجهمي رسالة اسمها ( دفع التعسف عن إخوة يوسف ) وملأها باللغو والتحريف والجمع بلا تحقيق كعادة حاطب الليل !! وجازف ابن كثير وادعى كعادته في رد مئات الآثار بحجة أنها من الإسرائيليات !! ولقد حرصت أن أجد واحد من المعاصرين الذين يسمونهم (علماء) ! يثبت نبوتهم ويدافع عنهم ، فتعبت ولم أقف من ذلك على شيء !!                           وسنجيب عن هذه الشبهات التي انطلت على أمة المتأخرين بالحجج والآثار ونحيي نبوة قد غيبها الجهل بأقوال السلف ، وبالله نستعين .



الفصل الأول : كلام السلف في نبوة إخوة يوسف عليه السلام

المعول عليه في هذا الباب هم الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أهل الحديث ، وقد قال بنبوة إخوة يوسف عليهم السلام ونص على أنهم هم الأسباط المذكورين مع الأنبياء في القرآن :                

عبد الله بن مسعود رضي الله عنه و عبد الله بن عباس رضي الله عنه وسعيد بن جبير ، والحسن البصري ، وعطاء بن أبي رباح ، وأبو عمران الجوني ، والربيع بن أنس وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، والضحاك ، والسدي ، وأبو العالية ، وابن جريج ، والوليد بن مسلم ، وابن إسحاق ، ومقاتل بن سليمان ، وسفيان بن عيينة , وأبو مصعب القاسم بن أبي بكر القرشي فقيه المدينة ، وصلى وسلم عليهم الشافعي ، ومن المفسرين من صرح بنبوتهم كثير منهم : الطبري والزجاج وابن أبي زمنين وابن طاهر المقدسي وذاك البغوي والسمعاني وذاك الثعلبي ومكي بن أبي طالب وذاك البيهقي والواحدي والقصاب وذاك الأصفهاني وغيرهم كثير من المفسرين والمؤرخين والمحدثين ممن رووا هذه الآثار دون رد أو استنكار ، وقد تلقاها السلف بالقبول والتسليم ولم يردها أحد ، كما ستراه هنا في هذا المقال ، بل هذا قول حتى أهل الكتاب باتفاقهم كما سيأتي ذكره ، فعلى هذا يكون قد اتفق السلف وأهل الكتاب على نبوة إخوة يوسف عليهم السلام ، فهل على من اتبع الأثر من حرج ؟ ، أم الفضيحة فيمن خالف الآثار واتكأ على الرأي ؟؟                                                                 

قال السجزي في رسالته لأهل زبيد (ص295) : وأهل الأثر لا فضيحة عليهم عند محصل لأنهم لم يحدثوا شيئاً وإنما تبعوا الأثر ، ومن ادعى في الأثر فضيحة بعد الحكم بصحته ، لم يكن مسلما ) 
وقد أثبتنا كما أثبت جميع أهل الحديث أن الله يجلس نبيه معه على العرش بأثر واحد عن تابعي فقط وهو مجاهد ، فكيف لا نثبت نبوة إخوة يوسف بعشرات الآثار ؟؟
                          
فصل : ذكر آثار السلف في الباب :

عبد الله بن مسعود رضي الله عنه :

روى الحاكم في المستدرك (4080) أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّفَّارُ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ، ثنا عَمْرُو بْنُ طَلْحَةَ، ثنا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : " وَأَمَّا الْأَسْبَاطُ فَهُمْ بَنُو يَعْقُوبَ : يُوسُفُ وَبِنْيَامِينَ وَرُوبِيلُ وَيَهُوذَا وَشَمْعُونُ وَلَاوِي وَدَانُ وَفَهَاتُ، فَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا نَشَرَ اللَّهُ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا لَا يَعْلَمُ أَنْسَابَهُمْ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا} [الأعراف: 160]
قال الحاكم « هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ »
(قلت) فهذا نص واضح منه في تفسير الأسباط وأنهم إخوة يوسف وقد سماهم واحدا واحدا خلافا لمن يدعي أن الأسباط هم الأمم !!                          
وروى الحاكم (4091) وابن أبي حاتم في تفسيره (11957) وشرطه الصحة أو الحسن من طريق أبي نُعَيْمٍ، ثنا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : « إِنَّمَا اشْتُرِيَ يُوسُفُ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا ، وَكَانَ أَهْلُهُ حِينَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ بِمِصْرَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا رِجَالُهُمْ أَنْبِيَاءُ وَنِسَاؤُهُمْ صِدِّيقَاتٌ وَاللَّهِ مَا خَرَجُوا مَعَ مُوسَى حَتَّى بَلَغُوا سِتَّمِائَةَ أَلْفٍ وَسَبْعِينَ أَلْفًا » قال الحاكم : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ .


عبد الله بن عباس رضي الله عنه :

ـــ روى الطبري (2/121) حدثنا القاسم بن الحسن قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج قال ابن جريج : قال ابن عباس : ( الأسباط ) بنو يعقوب كانوا اثني عشر رجلا كل واحد منهم ولد سبطا ، أمة من الناس. (قلت) وهذا عند تفسير آية الأسباط الأنبياء وسنده صحيح متفق عليه ، والذي لا يعرف الأسانيد قد يظن أن هذا السند منقطع ، فابن جريج لم يلق بن عباس فهو متأخر ، لكن تفسير ابن جريج إذا روى عنه الحجاج كما في هذا السند فهو صحيح عن ابن عباس عند أهل الحديث وله عنه وسائط ثقات وتثبت ، ولهذا قال الخليلي في الإرشاد : ﻭﺭﻭﻯ اﻟﺤﺠﺎﺝ ﺑﻦ ﻣﺤﻤﺪ ﻋﻦ اﺑﻦ ﺟﺮﻳﺞ ﻧﺤﻮ ﺟﺰء , ﻭﺫﻟﻚ ﺻﺤﻴﺢ , ﻣﺘﻔﻖ ﻋﻠﻴﻪ ) اهـ.       وقد صرح بن عباس في هذا الأثر أن إخوة يوسف هم الأسباط المذكورين في الآية ، وأنهم أنجبوا الأمم الإثنا عشر والتي صارت أيضا تسمى باسم الأسباط على أسماءهم .
روى الواحدي في الوسيط (1/217) : قال ابن عباس: وذلك أن الله تعالى لم يقبض نبيا حتى يخيره بين الموت والحياة ، فلما خير يعقوب قال : أنظرني حتى أسأل ولدي وأوصيهم.
فجمع ولده ، وهم اثنا عشر رجلا وهم الأسباط وجميع أولادهم ، فقال لهم : قد حضرت وفاتي وأنا أريد أن أسألكم : ما تعبدون من بعدي ؟ قالوا : نعبد إلهك الذي لا إله غيره، {وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا} [البقرة: 133] فطابت نفسه .

سعيد بن جبير :

روى الطبري في تفسيره عند قوله تعالى ( فتصدق علينا ) وذكر الإشكال المشهور في هذه الآية عند السلف : هل تجوز الصدقة للأنبياء ؟ فكيف طلبوا إخوة يوسف الصدقة ؟                          ثم روى جواب سعيد بن جبير على هذه الإشكال :                     برقم (19785) حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قا: حدثني حجاج عن أبي بكر عن سعيد بن جبير قال ما سأل نبيٌّ قطٌّ الصَّدقَة ، ولكنهم قالوا: (جئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا ) لا تنقصنا من السعر.                                                  وروى ابن أبي حاتم في تفسيره (11932) عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ قَالَ : سَأَلْتُ الْحَسَنَ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا قَالَ بِنُقْصَانِ دَرَاهِمِنَا ، فَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَقَالَ : الأَنْبِيَاءُ لَا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ ، كَانَتْ نُفَايَةً لَا تَجُوزُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ : تَجُوزُ عَنَّا .

الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح :

روى ابن أبي زمنين في تفسيره (2/316) : وَقَالَ الْحَسَنُ : يَعْنِي: عَوَاقِبَ الأُمُورِ الَّتِي لَا تُعْلَمُ إِلا بِوَحْيِ نُبُوَّةٍ {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آل يَعْقُوب} وَكَانَ اللَّهُ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ سَيُعْطِي ولد يَعْقُوب كلهم النُّبُوَّة ) روى أبو نعيم في صفة النفاق (56) والطبري في تفسيره (16999) واللالكائي (1880) وأبو نعيم في صفة النفاق (56) وأبو علي بن شاذان في جزءه (76) وابن عدي في الكامل (7/325) من طريق شَبَابَةُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُحْرِمِ قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ وَإنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ: مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ "قَالَ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَيَّ دَيْنٌ فَلَقِيَنِي وَلَيْسَ عِنْدِي مَا أَقْضِي، فَخَشِيتُ أَنْ يَحْبِسَنِي وَيُهْلِكَ عِيَالِي، فَوَعَدْتُهُ أَنْ أَقْضِيَهُ رَأْسَ الْهِلالِ فَلَمْ أَفْعَلْ، أَمُنَافِقٌ أَنَا؟ قَالَ هَكَذَا جَاءَ الْحَدِيثُ ثُمَّ قَالَ الْحَسَنُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، أَنَّ أَبَاهُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَعَدَ رَجُلا أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ، فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ، قَالَ: زَوِّجُوهُ لا أَلْقَى اللَّهَ بِثُلُثِ النِّفَاقِ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، وَهَلْ يَكُونُ ثُلُثَا الرَّجُلِ مُؤْمِنًا وَثُلُثُهُ مُنَافِقًا ؟ فَقَالَ: هَكَذَا جَاءَ الْحَدِيثُ.      قَالَ: فَحَجَجْتُ فَلَقِيتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا سَمِعْتُ مِنَ الْحَسَنِ وَمَا قُلْتُ لَهُ وَمَا رَدَّ عَلَيَّ، قَالَ: فَقَالَ عَطَاءٌ: أَعَجَزْتَ أَنْ تَكُونَ، قُلْتَ لَهُ أَخْبِرْنِي عَنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ أَلَمْ يَعِدُوا أَبَاهُمْ فَأَخْلَفُوهُ، وَحَدَّثُوهُ فَكَذَبُوهُ، وَائْتَمَنَهُمْ فَخَانُوهُ، أَمُنَافِقُونَ كَانُوا؟ أَلَمْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ؟ وَأَبُوهُمْ نَبِيٌّ، وَجَدُّهُمْ نَبِيٌّ؟ ! قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَخْبَرْنِي بِأَصْلِ الْحَدِيثِ، فَقَالَ حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّمَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُنَافِقِينَ خَاصَّةً، الَّذِينَ حَدَّثُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَذَبُوهُ، وَوَعَدُوهُ أَنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ إِلَى الْغَزْوِ فَأَخْلَفُوهُ، وَائْتَمَنَهُمْ عَلَى سِرِّهِ فَخَانُوهُ ، َكَانَ أَبُو سُفْيَانَ قَدْ خَرَجَ ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بِمَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَيْهِ، وَأَنْ يَكْتُمُوا ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ: أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُكُمْ فَخُذُوا حِذْرَكُمْ ، فَنَزَلَتْ: {لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} [الأنفال: 27] وَنَزَلَتْ : {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ} [التوبة: 75] إِلَى قَوْلِهِ : {يَكْذِبُونَ} [البقرة: 10] فَإِذَا أَتَيْتَ الْحَسَنَ فَأَقْرِئْهُ السَّلامَ ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّ أَصْلَ الْحَدِيثِ هَكَذَا ، وَهَذَا فِي الْمُنَافِقِينَ خَاصَّةً، قَالَ: فَأَتَيْتُ الْحَسَنَ فَأَقْرَأْتُهُ مِنْهُ السَّلامَ ، وَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ لِي عَطَاءٌ، قَالَ: فَأَخَذَ الْحَسَنُ بِيَدِي فَاسْتَلَّهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، أَعَجَزْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَ هَذَا الرَّجُلِ، سَمِعَ مِنِّي حَدِيثًا فَلَمْ يَقْبَلْهُ حَتَّى اسْتَنْبَطَ أَصْلَهُ، صَدَقَ عَطَاءٌ، هَكَذَا أَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَهَذَا فِي الْمُنَافِقِينَ خَاصَّةً ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا } [النساء: 88]
(قلت) هذا الأثر سنده ضعيف لأن محمد بن عمر المحرم ويقال هو: محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي ضعيف وأشار إليه البخاري في التاريخ الكبير (1\1 \248) في ترجمة " محمد المحرم " قال: " عن عطاء ، والحسن منكر الحديث  : إذا وعد أخلف ، سمع منه شبابة "، يعني يشير إلى هذا الخبر .                                                                                          (قلت) لكن محمد بن عمر يحكي القصة مباشرة عن شيخه الحسن فاحتمال صحتها وارد .

قتادة السدوسي :

روى الطبري في  (2104)- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قال: الأسباط ، يوسفُ وإخوته بنو يَعقوب. ولد اثني عشر رجلا فولد كل وحل منهم أمَّة من الناس، فسموا : أسباطا.
ورى الطبري (2105) حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط عن السدي : أما الأسباط فهم بنو يعقوب : يوسُف ، وبنيامين ، ورُوبيل ، ويهوذا ، وشَمعون ، ولاوِي ودَان ، وقهاث ) .
وروى الطبري (2104)- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قال: الأسباط، يوسفُ وإخوته ، بنو يَعقوب. ولد اثني عشر رجلا فولد كل وحل منهم أمَّة من الناس فسموا : "أسباطا".

الربيع بن أنس :

وروى الطبري برقم (2106) حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه عن الربيع قال : "الأسباط" يوسف وإخوته بنو يعقوب ، اثنا عشر رجلا فولد لكل رجل منهم أمّة من الناس ، فسموا "الأسباط".

محمد بن إسحاق :

ورى الطبري برقم (2107) حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة قال : حدثني محمد بن إسحاق قال : نكح يَعقوب بن إسحاق -وهو إسرائيل- ابنة خاله"ليا" ابنة"ليان بن توبيل بن إلياس"،  فولدت له"روبيل بن يعقوب"،  وكان أكبر ولده، و"شمعون بن يعقوب"، و"لاوي بن يعقوب" و"يهوذا بن يعقوب" و"ريالون بن يعقوب"، و"يشجر بن يعقوب"،  و"دينة بنت يعقوب"، ثم توفيت"ليا بنت ليان". فخلف يعقوب على أختها"راحيل بنت ليان بن توبيل بن إلياس"  فولدت له"يوسف بن يعقوب" و"بنيامين" -وهو بالعربية أسد- وولد له من سُرِّيتين له: اسم إحداهما"زلفة"، واسم الأخرى"بلهية"،  أربعة نفر:"دان بن يعقوب"، و"نَفثالي بن يعقوب" و"جَاد بن يعقوب"، و"إشرب بن يعقوب" فكان بنو يعقوب اثني عشرَ رجلا نشر الله منهم اثنَى عشر سبطًا، لا يُحصى عددَهم ولا يعلم أنسابَهم إلا الله، يقول الله تعالى: ( وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ) . [سورة الأعراف: 160]
ورى حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ: " {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ} [البقرة: 136] إِلَى قَوْلِهِ {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 133] أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُؤْمِنُوا وَيُصَدِّقُوا بِأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ كُلِّهِمْ، وَلَا يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ " وَأَمَّا الْأَسْبَاطُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ فَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنْ وَلَدِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَدَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ، فَسُمُّوا أَسْبَاطًا .

الضحاك بن مزاحم :

روى ابن المنذر (670) - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاق قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بْن عمران، قَالَ: حَدَّثَنَا عبيد بْن سليمان عَنْ الضحاك فِي قوله عَزَّ وَجَلَّ: {وَالأَسْبَاطِ} الآيَة، قَالَ " أما الأسباط فهم بنو يعقوب، كانوا اثني عشر سبطا كُلّ واحد منهم سبط ولد سبطا مِنَ النَّاسِ

أبو العالية الرياحي :

رورى ابن أبي حاتم 1300 - حَدَّثَنَا عِصَامُ بْنُ رَوَّادٍ الْعَسْقَلانِيُّ ثنا آدَمُ ثنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ : الأَسْبَاطُ هُمْ يُوسُفُ وَأُخْوَتُهُ بَنُو يَعْقُوبَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلا وَلَدَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ فَسُمُّوا الأَسْبَاطَ. قال ابن أبي حاتم معلقا : وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ نَحْوُ ذَلِكَ .

إسماعيل السدي :

وروى بن أبي حاتم في تفسيره أيضا (1301) حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ثنا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : وَأَمَّا الأَسْبَاطُ فَهُمْ بَنُو يَعْقُوبَ، يُوسُفُ وَبِنْيَامِينُ، وَيَهُوذَى، وَشَمْعُونُ، وَلاوِي، وَجَانُ، وَفِهَابُ .
وروى ابن المنذر في تفسيره (669) حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عمرو، عَنْ أسباط، عَنْ السدي قوله : {آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ الآيَة، حَتَّى بلغ وَالأَسْبَاطِ} قَالَ " الأسباط ولد يعقوب يوسف، وروبيل، ويهوذا، وشمعون، وبنيامين، ولاوى، ودان، وقهاث ".


عبد الرحمن بن زيد بن أسم :

وروى الطبري في تفسير (18787) وابن أبي حاتم (12174) قال ابن زيد في قوله ( يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبًا ) الآية قال : أبواه وإخوته قال : فنعاه إخوته ، وكانوا أنبياء فقالوا : ما رضي أن يسجد له إخوته حتى سجد له أبواه ! حين بلغهم ).

أبو عمران الجوني :

روى الطبري في تفسيره (19949) - حدثني المثنى قال : حدثنا الحارث قال : حدثنا عبد العزيز قال : حدثنا جعفر بن سليمان ، عن أبي عمران الجوني قال : والله لو كان قتلُ يوسف مضى لأدخلهم الله النارَ كُلَّهم ، ولكن الله جل ثناؤه أمسك نفس يوسف ليبلغ فيه أمره، ورحمة لهم ، ثم يقول : والله ما قصَّ الله نبأهم يُعيّرهم بذلك إنهم لأنبياء من أهل الجنة ولكن الله قصَّ علينا نبأهم لئلا يقنط عبده .

عبد الملك بن جريج :

روى ابن الجوزي في زاد المسير (2/467) : عند قوله (تعالى تصدق علينا ) عن ابن جريج قال : وذلك أنهم كانوا أنبياء ، والصَّدَقَةُ لا تحل للأنبياء .

سفيان بن عيينة :

روى الطبري في تفسيره (16/242) الثعلبي في تفسيره (5/252) : قال عبد الجبار بن العلاء : سئل سفيان بن عيينة : هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء سوى نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم؟ قال سفيان: ألم تسمع قوله: فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا ؟؟ ) اهـــ.
وهنا وقفة : في الصدقة للأنبياء :
قال السمعاني فائدة في تفسيره (3/61) : فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالُوا: وَتصدق علينا، وَالصَّدَقَة لَا تحل للأنبياء ؟ الْجَواب : أَن سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة قَالَ: قد كَانَت حَلَالا لَهُم ، ولأنا بَينا أَن المُرَاد مِنْهُ التَّجَوُّز والمحاباة ، وَهَذَا جَائِز بالِاتِّفَاقِ ) اهـــ
وقال الطبري : واختلفوا في الصدقة ، هل كانت حلالا للأنبياء قبل نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم، أو كانت حرامًا ؟ فقال بعضهم: لم تكن حلالا لأحدٍ من الأنبياء عليهم السلام.
ثم نقل جواب سعيد بن جبير وجواب بن عيينة وقد سبقا .

مقاتل بن سليمان :

قال في تفسيره (1/141) : وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وهم بنو يَعْقُوب يُوسُف وإخوته فنزل عَلَى هَؤُلاءِ صحف إِبْرَاهِيم ) اهـــ .

أبو عمرو بن العلاء اللغوي الكبير :
                                     
روى السمعاني في تفسيره (3/12) : حكي عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء أَنه سُئِلَ عَن قَوْله : {نلعب} فَقيل لَهُ : كَيفَ قَالُوا : " نلعب " وَقد كَانُوا أَنْبيَاء ؟ فَقَالَ : هَذَا قبل أَن نبأهم الله تَعَالَى ) اهــ

أبو مصعب القاسم بن أبي بكر القرشي القاضي :

روى الطبري في تفسيره (16/242) : قال القاسم: يذهب ابن عيينة إلى أنهم لم يقولوا ذلك إلا والصدقة لهم حلالٌ ، وهم أنبياء ، فإن الصدقة إنما حُرِّمت على محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم ).

ابن أبي زمنين :

قال في تفسيره (2/338) : قَوْله: {إِذْ أَنْتُم جاهلون} أَيْ: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْكُمْ بِجَهَالَةٍ ، وَلَمْ يَكُونُوا حِينَ أَلْقَوْهُ فِي الْجب أَنْبيَاء ) اهـــ .
مكي بن أبي طالب :
قال في الهداية (1/466) : قوله {قولوا آمَنَّا بالله وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا} إلى قوله {عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} معناه: قولوا أيها المؤمنون لهؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لكم كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا: " آمنا بالله "، أي: صدقنا به، وصدقنا بما أنزل إلينا وهو القرآن، وبما أنزل إلى إبراهيم وإلى إسماعيل وإلى إسحاق وإلى يعقوب وإلى الأسباط، وهم اثنا عشر ولداً ليعقوب أنبياء كلهم ، ولد كل واحد منهم أمة من الناس فسموا الأسباط.

أبو أحمد القصاب :

قال في نكت القرآن (1/609) قال : قوله إخبارا عن إخوة يوسف: ( إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8)
مع كل ما ذكرهم به من الغدر بأخيهم وإلقائه في الجب ، وكذبهم بعد رجوعهم إلى أبيهم رد على الشراة ، فيما يزعمون أن الذنوب كفر ، إذ ليس يقدرون أن يكفروهم وهم أنبياء ، وقد فعلوا تلك الأفاعيل كلها ؟ ) اهــ

البيهقي :

قال ذاك الأشعري في السنن الكبرى (7/95) وأحكام القرآن للشافعي رواية البيهقي (2/136) : وَقَالَ فِي قِصَّةِ إِخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} [يوسف: 81] اهـــ (قلت) وهو هنا ينقل كلام الشافعي وقد صلى وسلم عليهم .

الراغب الأصفهاني :

قال ذاك في تفسيره (1/144) : لم يخل أحدا من الأنبياء من كتاب، إما كتاب خص هو به، وإما كتاب من كان فبله أمر بالاعتماد عليه  كالأسباط الذين كانوا أنبياء ، وكتابهم كان التوراة ) اهــ             (قلت) هذا خطأ واضح لأن التوراة نزلت بعد الأسباط ، ومقاتل يقول أنهم أنزل عليهم صحف إبراهيم وهو الأقرب  .


فصل في وجوب الإيمان برسالتهم :

القول في تأويل قوله تعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا}
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: ( فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به )، فإن صدّق اليهودُ والنصارَى بالله، ومَا أنزل إليكم، وما أنزل إلى إبراهيمَ وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ، ومَا أوتي مُوسى وعيسى، وما أوتي النبيون من ربهم، وأقروا بذلك، مثلَ ما صدّقتم أنتم به أيّها المؤمنون وأقررتم، فقد وُفِّقوا ورَشِدوا، ولزموا طريق الحق، واهتدوا، وهم حينئذ منكم وأنتم منهم، بدخولهم في ملتكم بإقرارهم بذلك.
فدلّ تعالى ذكره بهذه الآية، على أنه لم يقبل من أحد عَملا إلا بالإيمان بهذه المعاني التي عدَّها قَبلها : ثم روى (2108) عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله: فإن آمنوا بمثل مَا آمنتم به فقد اهتدوا" ونحو هذا، قال: أخبر الله سبحانه أنّ الإيمان هو العروة الوثقى، وَأنه لا يقبل عملا إلا به، ولا تحرُم الجنة إلا على مَن تركه.
قال الطبري : وقوله:"قل آمنا بالله"، يعني به: قل لهم، يا محمد،: صدقنا بالله أنه ربنا وإلهنا، لا إله غيره، ولا نعبد أحدًا سواه "وما أنزل علينا"، يقول: وقل: وصدَّقنا أيضًا بما أنزل علينا من وَحيه وتنزيله، فأقررنا به "وما أنزل على إبراهيم"، يقول: وصدقنا أيضًا بما أنزل على إبراهيم خليل الله، وعلى ابنيه إسماعيل وإسحاق، وابن ابنه يعقوب وبما أنزل على"الأسباط"، وهم ولد يعقوب الاثنا عشر، وقد بينا أسماءَهم بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. "وما أوتي موسى وعيسى"، يقول: وصدّقنا أيضًا مع ذلك بالذي أنزل الله على موسى وعيسى من الكتب والوَحْي، وبما أنزل على النبيين من عنده.
والذي آتى الله موسى وعيسى ، مما أمرَ الله عز وجل محمدًا بتصديقهما فيه، والإيمان به ، التوراة التي آتاها موسى، والإنجيل الذي أتاه عيسى.
"لا نفرق بين أحد منهم"، يقول: لا نصدّق بعضهم ونكذّب بعضَهم،ولا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم، كما كفرت اليهود والنصارى ببعض أنبياء الله وصدّقت بعضًا، ولكنا نؤمن بجميعهم، ونصدّقهم "ونحن له مسلمون". يعني: ونحن ندين لله بالإسلام لا ندين غيره، بل نتبرأ إليه من كل دين سواه، ومن كل ملة غيره.
تنبيه :
نقول لمن يحتج بابن تيمية كعادته في تعصب المعاصرين له بشدة أن له قول ثاني يقول فيه بنبوتهم فلما لا تقلدوه في هذا وهو موافق للسلف وأخذتم بالثاني المخالف لهم ؟ :

قال ابن تيمية في منهاج السنة (10/310) : الوجه الثاني العصمة قبل البعثة غير واجبة :
ثُمَّ يُقَالُ: ثَانِيًا : قَدِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ فِيمَا يُبَلِّغُونَهُ عَنِ اللَّهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقِرَّهُمْ عَلَى الْخَطَأِ فِي شَيْءٍ مِمَّا يُبَلِّغُونَهُ عَنْهُ ، وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنَ الْبَعْثَةِ.
وَأَمَّا وُجُوبُ كَوْنِهِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ نَبِيًّا لَا يُخْطِئُ، أَوْ لَا يُذْنِبُ فَلَيْسَ فِي النُّبُوَّةِ مَا يَسْتَلْزِمُ هَذَا وَقَوْلُ الْقَائِلِ: لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ تَحْصُلْ ثِقَةٌ فِيمَا يُبَلِّغُونَهُ عَنِ اللَّهِ كَذِبٌ صَرِيحٌ فَإِنَّ مَنْ آمَنَ وَتَابَ حَتَّى ظَهَرَ فَضْلُهُ وَصَلَاحُهُ وَنَبَّأَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا نَبَّأَ إِخْوَةَ يُوسُفَ وَنَبَّأَ لُوطًا وَشُعَيْبًا وَغَيْرَهُمَا وَأَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّتِهِ فَإِنَّهُ يُوثَقُ فِيمَا يُبَلِّغُهُ كَمَا يُوثَقُ بِمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَقَدْ تَكُونُ الثِّقَةُ بِهِ أَعْظُمَ إِذَا كَانَ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ قَدْ صَارَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُبَدِّلُ السَّيِّئَاتِ بِالْحَسَنَاتِ لِلتَّائِبِ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ عَهْدِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَبْلَ أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُمْ مَا يَدَّعُونَهُ مِنَ الْأَحْدَاثِ كَانُوا مِنْ خِيَارِ الْخَلْقِ وَكَانُوا أَفْضَلَ مِنْ أَوْلَادِهِمُ الَّذِينَ وُلِدُوا بَعْدَ الْإِسْلَامِ.) اهـــ


شبهات وجوابها :

أحدث المشَغّبون على مذهب السلف ضجة كبيرة حول معنى الأسباط أن المقصود بهم الأمم لا إخوة يوسف عليهم السلام ، وراحوا ينقلون بعض الأقوال في تفسير قوله تعالى : {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} .

فالجواب :
نعم هذه الآية التي جاء فيها ذكر الأسباط هم الأمم والقبائل في بني إسرائيل وكانت القصة عنهم وكيف أنهم تاهوا في التيه وما حدث لهم زمن موسى عليه السلام ، ولهذا لا إشكال أن السلف في هذا الموضع قالوا أن الأسباط هنا هم أمم بني إسرائيل الإثنا عشر ، لكن الأسباط المذكورين في قوله تعالى ( قولوا آمنا .. والأسباط ) فأجمع السلف أن المقصود بهم هنا بني يعقوب لصلبه في زمن يعقوب عليه السلام يعني قبل موسى بدهور ، وبل حتى دلالة السياق واضحة فقد سبقها قوله تعالى ( وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (134) وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فلاحظ دلالة السياق ، فقد كان الحديث عن أسباط إخوة يوسف عليهم السلام ، ولهذا أجمع السلف والمفسرون أن من جمعهم يعقوب في وصيته تلك قبل موته أنهم الأسباط إخوة يوسف ، وصرحوا بذلك .
روى الخرائطي في مكارم الأخلاق (371) - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْجُنَيْدِ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : " قَالَ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ لِإِخْوَتِهِ الْأَسْبَاطِ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ : يَا إِخْوَتَاهْ ، إِنِّي لَمْ أَنْتَصِفْ لِنَفْسِي مِنْ مَظْلِمَةٍ ظُلِمْتُهَا فِي الدُّنْيَا ، وَإِنِّي كُنْتُ أُظْهِرُ الْحَسَنَةَ وَأَدْفِنُ السَّيِّئَةَ ، فَذَلِكَ زَادِي مِنَ الدُّنْيَا ، يَا إِخْوَتِي إِنِّي شَارَكْتَ آبَائِي فِي صَالِحِ أَعْمَالِهِمْ، فَأَشْرَكُونِي فِي قُبُورِهِمْ . "
قال مقاتل بن سليمان : ثُمّ وصى بها يَعْقُوب بنيه يُوسُف وإخوته اثني عشر ذكرا بنيه وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ أَي فَقَالَ يَعْقُوب لبنيه الاثني عشر إِنَّ اللَّهَ- عَزَّ وَجَلّ- اصْطَفى يعني اختار لَكُمُ الدِّينَ يعني دين الْإِسْلام فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ، يعني مخلصون بالتوحيد أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ وذلك أن اليهود قالوا للنبي- صلى الله عليه وسلم-: يا محمد، ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه بدين اليهودية فأنزل الله- عز وجل- أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ.
قَالَ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- إن اليهود لَمْ يشهدوا وصية يَعْقُوب لبنيه إِذْ قالَ لِبَنِيهِ يوسف وإخوته ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي أَي بعد موتي ، قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) اهـــ                                                               (قلت) ثم قال الله في آخر الأيات (تلك أمة قد خلت) روى ابن أبي حاتم (1287) حَدَّثَنَا عِصَامُ بْنُ رَوَّادٍ ثنا آدَمُ ثنا أَبُو جَعْفَرٍ عَنِ الرَّبِيعِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : ( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ) يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ نَحْوُ ذَلِكَ .                             فهؤلاء هم الأسباط إخوة يوسف الذين جمعهم يعقوب عليه السلام قبله موته ووصاهم بالوصية المشهورة التي سألت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عما فيها ، فنزلت عليه هاته الآيات ، ذكرهم في اللآية التي قبل ذكر وجوب الإيمان بالرسل ثم أعاد ذكرهم في تعداد الرسل فدلالة السياق واضحة ولهذا لم يختلف السلف في أنهم إخوة يوسف .                                                          وأيضا : إن السلف قالوا أن أبناء يعقوب الإثنا عشر الذين هم إخوة يوسف الذين ذكرهم الله في سورة يوسف ، وأنهم كانوا هم أنفسهم يلقبون بالأسباط بسبب أن كل واحد منهم أنجب أمة لوحده ، فسميت مجموع هذه الأمم بعدهم بالأسباط على اسمهم السابق ، فهم اثنا عشر سبط على عدد الإخوة ، فهناك سبط بنيمين وسبط روبيل وسبط شمعون وهكذا ، فجاء المتأخرون فخلطوا في القصة ولم يفصلوا هذه من هذه ، وبسببها أنكروا نبوة أخوة يوسف بهذا التخليط !! فتأمل قول ابن مسعود في الأسباط إخوة يوسف : كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا ، نشَرَ اللَّهُ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا لَا يَعْلَمُ أَنْسَابَهُمْ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا} [الأعراف: 160] فتأمل كيف فصل بين هؤلاء وهؤلاء .                                                                                      وروى الطبري (2/121) قال ابن عباس: ( الأسباط ) بنو يعقوب كانوا اثني عشر رجلا كل واحد منهم ولد سبطا ، أمة من الناس ) .
قال الطبري : وأما "الأسباط" الذين ذكرهم ، فهم اثنا عشر رَجلا من ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، وَلَد كل رجل منهم أمّة من الناس ، فسموا ( أسباطًا ) .
قال البغوي في تفسيره (1/172) : وَالْأَسْباطِ، يَعْنِي : أَوْلَادَ يَعْقُوبَ وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ سِبْطًا وَاحِدُهُمْ : سِبْطٌ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُ وُلِدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ ، وَسِبْطُ الرَّجُلِ حَافِدُهُ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : سِبْطَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) .
(قلت) فافهم هذا وتأمله جيدا ، فأبناء يعقوب من صلبه الذين هم إخوة يوسف الإثنا عشر كانوا أيضا يلقبون بالأسباط ، فلما ولد كل واحد منهم أمة ، سميت كل أمة باسم الجد الأكبر أي بالسبط وصار عدد الأمم على عدد الإخوة أي اثنا عشر أمة ، فيقال مثلا سبط بنيامين ، وسبط يوسف وهكذا ، وهذا سبب تسمية الأمم في زمن موسى بالأسباط
قال ابن الجوزي في المنتظم (1/309) : قَالَ علماء السير : ... كان بنو يَعْقُوب اثني عشر ولدا ، وَكَانَ أحب الخلق إِلَيْهِ يُوسُف ، وَهَؤُلاءِ الأسباط ) اهـــ .
وقال مكي بن أبي طالب في كتابه الهداية (1/459) عند قوله تعالى ( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه .. ) الآية قال : خيّر يعقوب عليه السلام قال : أنظرني حتى أسأل ولدي ، وأوصيهم ففعل الله ذلك ، فجمع يعقوب ولده وهم إثنا عشر - وهم الأسباط وجمع أولادهم فقال لهم : إنه قد حضرتْ وفاتي ، وأنا أريد أن أسألكم وأوصيكم : فما تعبدون من بعدي ؟ فأجابوه بما حكى الله تعالى عنهم ، فدعا لهم ثم قبضه الله صلوات الله عليه وعليهم أجمعين وعلى محمد ) اهـــ .
(قلت) ومما يبين ضعف قول المخالفين أنه محال أن يكون معنى قوله تعالى ( إذ قال لبنيه ) أنهم الأمم كلهم حضروا في مجلسه ووصاهم ، فهذا باطل ومخالف لتفسير السلف الواضح .
فهذا التفصيل ذكره السلف كلهم على هذا التفريق الذي لم يفهمه أغلب المتأخرين الذي يعشقون رد الآثار بالرأي والظنون ، فراحوا ينقلون خلافا هل الأسباط هم إخوة يوسف أن هم الأمم !! بل ينفون ذلك كليا ، وهكذا يعمه البصر ويهلك الأتباع .

فصل في قوله تعالى : ( ويتم نعمته عليه وعلى إخوتك كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق )

في تنوير المقباس (1/194) : قال ابن عباس : {وَكَذَلِكَ} هَكَذَا {يَجْتَبِيكَ} يصطفيك {رَبُّكَ} بِالنُّبُوَّةِ {وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيث} من تَعْبِير الرُّؤْيَا {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} بِالنُّبُوَّةِ وَالْإِسْلَام أَي يُمِيتك على ذَلِك  {وعَلى آلِ يَعْقُوبَ} بك وَيتم نعْمَته على أَوْلَاد يَعْقُوب بك {كَمَآ أَتَمَّهَآ} نعْمَته بِالنُّبُوَّةِ وَالْإِسْلَام {على أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ} من قبلك {إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ} بنعمته ) اهـــ                                          
روى ابن أبي زمنين في تفسيره (2/316) : وَقَالَ الْحَسَنُ : يَعْنِي : عَوَاقِبَ الأُمُورِ الَّتِي لَا تُعْلَمُ إِلا بِوَحْيِ نُبُوَّةٍ {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آل يَعْقُوب}وَكَانَ اللَّهُ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ سَيُعْطِي ولد يَعْقُوب كلهم النُّبُوَّة) اهـ                                                                               وقال بن طاهر المقدسي في البدء والتاريخ (3/4) : ذكر عدد الأنبياء جملة : قال الله تعالى مِنْهُمْ من قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ من لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ) فممن سماه لنا القرآن قوله .. ثم ذكر الأسباط وقال وهم : اثنا عشر رجلا روبيل وشمعون ولاوى ويهودا ويستاخر وذان ونفتالى وجاد واسترقفا وزبالون ويوسف وابن يامن كلهم أنبياء ) اهـ  
قال الزجاج في معاني القرآن (3/92) : فتأول الشمس والقَمَرَ أبَويه ، فالقمرُ الأبُ والشمسُ الأم والأخذ عَشرَ كَوْكَباً إخْوَتُه ، فتأوَّل له أنه يكون نَبِيًّا ، وأن إخوته يكونون أنبياء لأنه أعْلَمَهُ أن اللَّه يُتمُّ نعمتَه عَلَيْه وَعَلَى إخْوَته كما أتَمَّها على أبَويهِ إبراهيمَ وإسحاقَ، فإتمام النعمَةِ عَلَيْهِم أن يكونوا أنْبِيَاء إذ قال: (كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ).                                              قال البغوي في تفسيره (2/486) : وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ يعني : النبوّة وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ أَيْ عَلَى أَوْلَادِهِ فَإِنَّ أَوْلَادَهُ كُلَّهُمْ كَانُوا أَنْبِيَاءَ ، كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ فَجَعَلَهُمَا نَبِيَّيْنَ ) اهـــ                                                                                   قال ذاك الماوردي في تفسيره (3/8) : {وعلى آل يعقوب} بأن جعل فيهم النبوة.                                                          قال الواحدي في الوسيط (2/601) : {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} [يوسف: 6] بالنبوة {وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ} [يوسف: 6] يعني: المختصين بالنبوة منهم كَمَا أَتَمَّهَا بالنبوة عَلَى أَبَوَيْكَ {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ} [يوسف: 6] حيث يضع النبوة حَكِيمٌ في خلقه ) اهــ                            قال السمعاني في تفسيره (3/8) : وَقَوله: {وَيتم نعْمَته عَلَيْك} يَعْنِي: يجعلك نَبيا، وَذَلِكَ تَمام النِّعْمَة على الْأَنْبِيَاء {وعَلى آل يَعْقُوب} وعَلى أَوْلَاد يَعْقُوب فَإِن أَوْلَاد يَعْقُوب كلهم كَانُوا أَنْبيَاء وَقَوله: {كَمَا أتمهَا على أَبوك من قبل إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق} يَعْنِي: كَمَا جَعلهمَا نبيين من قبل كَذَلِك يجعلك نَبيا.                                                                                                                  قال ذاك القرطبي الأشعري في أحكام القرآن (9/29) : وَأَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ : وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ أَنَّهُ سَيُعْطِي بَنِي يَعْقُوبَ كُلَّهُمُ النُّبُوَّةَ ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ ) اهـــ .                                       (قلت) يقول هذا ثم ينقض قوله بنفي النبوة عنهم !! إنكم لفي قول مختلف !!
وقال في (8/214) : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إِنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَاهَدُوا أَبَاهُمْ فَأَخْلَفُوهُ وَحَدَّثُوهُ فَكَذَبُوهُ ، وَائْتَمَنَهُمْ عَلَى يُوسُفَ فَخَانُوهُ وَمَا كَانُوا مُنَافِقِينَ. قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: قَدْ فَعَلَ هَذِهِ الْخِلَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ وَلَمْ يَكُونُوا مُنَافِقِينَ بَلْ كَانُوا أَنْبِيَاءَ ) اهــ                                                                                       قال ذاك ابن رشد في البيان والتحصيل (17/284) : {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} [يوسف: 6] بالنبوءة {وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ} [يوسف: 6] أعلمه أنه سيعطي أولاد يعقوب النبوءة كلهم.

فصل في أسماء إخوة يوسف عليهم السلام :

روى الواحدي في الوسيط (1/121) قال الحسن البصري : علموا أولادكم وأهاليكم وخدمكم أسماء الأنبياء الذين ذكرهم الله فِي كتابه حتى يؤمنوا بهم ويصدقوهم بما جاءوا به .                                                                                                         روى سعيد بن منصور في تفسيره (221) عَن الضَّحَّاك قَالَ : علمُوا نساءكم وَأَوْلَادكُمْ وخدمكم أَسمَاء الْأَنْبِيَاء الْمُسلمين فِي الْكتاب ليؤمنوا بهم فَإِن الله أَمر بذلك فَقَالَ {قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا} إِلَى قَوْله {وَنحن لَهُ مُسلمُونَ} .
قال الواحدي في الوسيط : يجب على الإنسان أن يعلم صبيانه ونساءه أسماء الأنبياء، ويأمرهم بالإيمان بجميعهم، إذ لا يبعد أن يظنوا أنهم كلفوا الإيمان بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقط ، فيلقنوا قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} [البقرة: 136] الآية.

سرد أسماءهم :

ورد بعض الخلاف في ضبط أسمائهم : قال مقاتل بن سليمان (2/320) : إخوة يوسف وهو : روبيل أكبرهم سنا ، ويهوذا أكبرهم في العقل وهو الذي قال الله « قالَ كَبِيرُهُمْ في العقل ولم يكن كبيرهم في السن، وشمعون، ولاوى، ونفتولن ، وربولن ، وآشر ، واستاخر، وجاب ، ودان ، ويوسف ، وبنيامين ) اهـــ .
وقال ابن حبيب في المحبر (1/386) : أسماء ولد يعقوب : شمعون ، وروبيل ، ويهوذا ، ولاوى ، ويسّاخر ، وزَبْلون ، ودِنيا ( وأمهم إلية بنت أحبن بن بتويل بن ناحور ) ، وجاذ وأشّير ( وأمهما بلَها ، أمة راحيل) ويوسف وبنيامين ( وأمهما راحيل ، اخت اُلية ) ودان ونفثالى ( وأمهما زلفا أمة إلية ) .
فمن ولد لاوي بن يعقوب : (موسى) و (هارون) النبيان صلى الله عليهما ابنا عمران بن قاهث بن لاوى بن يعقوب ، و(زكريا) ابن بِشَوي وابنه (يحيي) من ولد هارون بن عمران.  و(قارون) بن يصهر بن قاهث بن لاوى ، و( السامرىّ ) واسمه ميخا بن رعويل ابن قاهث بن لاوى ، وأم موسى (يوخابذ ) بنت لاوي ، وهي عمة أبيه.
ومن ولد يهوذا : (سليمان) بن داود بن إيشي بن عُوبَذ بن باعذ بن شلمون بن نَحشون بن عَميَّنا دَب بن آرم بن حضرون بن فارص بن يهوذا.
ومن بني لاوي أيضا ( قريظة ، والنضير ، وهدل) بنو النحام ابن ينحوم بن عوف بن قيس بن فنحاص بن العازر بن الكاهن بن هارون بن عمران بن قاهث بن لاوى ومن ولد يوسف النبي عليه السلام: (إليسع) بن عدى ابن شُوتَلَح بن إفرايم بن يوسف بن يعقوب.و(يوشع) بن نون ابن إفرايم بن يوسف. وهو فتى موسى .
وكان (يونس) بن متَّى من ولد بنيامين بن يعقوب.
وكان من ولد العيص بن إسحاق (أيوب) بن زارح بن أموص بن ليفزر بن العيص بن إسحاق. و (الخضر) خضرون بن عميايل بن فلان بن العيص. و (إلياس) بن تشبين بن العازر بن الكاهن بن هارون.
وكان اسم مؤمن آل فرعون حزبيل أو خزبيل. وهو أخو آسية، امرأة فرعون. وقال هشام: حزبيل زوج الماشطة. وكان فرعون قد جعله على نصف الناس ) اهـــ .
وقال ابن قتيبة في المعارف (1/40) والطبري في التاريخ (1/318) ناقلا عن وهب بن منبه قال : قال: ويعقوب هو إسرائيل، الّذي ولد الأسباط كلهم ... ثم قال : ولدت له «لايا» أربعة من الأسباط : روبيل ويهوذا ، وشمعون ، ولاوى ، وولدت له «راحيل» : يوسف وأخاه بنيامين وأخوات لهما  ...
ثم قال وهب : فخرج يعقوب هاربا منه إلى خاله لابان ببابل ، فوصله لابان وزوجه ابنتيه ليا وراحيل ، وانصرف بهما وبجاريتيهما وأولاده الأسباط الاثني عشر وأختهم دينا إلى الشام إلى منزل آبائه .. ) اهــ
قال أبو الحسن المسعودي ت346 في كتابه التنبيه والإشراف (1/170) : وكان دخول إسرائيل الى مضر وولده الأسباط وأولادهم وهم سبعون نفسا حين قصدوا يوسف )
(قلت) فكل هذا يؤكد أن إخوة يوسف كانوا يلقبون بالأسباط ، بل هذا ليس لقب هو معناه الولد في لغتهم ، فسبط الرجل هو ولده ، وهذا الشيء معروف عند أهل التواريخ المتقدمين . [ وراجع للمزيد أكثر : تاريخ الطبري (1/318) ، وطبقات بن سعد (1/ 27) وابن طاهر المقدسي في التاريخ (3/4) ابن الجوزي في المنتظم (1/309) ]

فائدة في معنى الأسباط :

قال الزجاج في معاني القرآن (2/383) : فأما الأَسباط فهو مُشْتَق من السَّبَطِ، والسُّبَطُ ضرب من الشَجر تُعْلفُة الِإبِلُ ، ويقال للشجرة لها قبائلُ .
فكذلك الأسباطُ من السَّبَط. كأنه جعَلَ إِسحاق بمنزلة شجرة ، وجعِلَ إسماعيلُ بمنزلة شجرة وكذلك يَفْعَلُ النسابُونَ في النسب يجعلون الوالد بمنزلة الشَّجَرَةِ ، ويجعلون الأولاد بمنزلة أغصانها ، ويقال : طُوبِىَ لِطرْحِ فلانٍ ، وفلان من شجرةٍ صَالِحَةٍ - فهذا - واللَّه أعلم - معنى الأسبَاطِ والسِّبْطِ ) اهــ.
ونقل ذاك الثعلبي في تفسيره (1/283) : وعن أبي سعيد الضرير: إنّ أصل السّبط في اللغة شجرة ملتفة كثيرة الأغصان فسمّي الأسباط بها لكثرتهم ، فكما إنّ الأغصان من شجرة واحدة كذلك الأسباط كانوا من يعقوب ، وكان في الأسباط أنبياء ، وكذلك قال وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ وقيل: هم بنو يعقوب من صلبه صاروا كلّهم أنبياء ) اهـــ

فائدة : قول أهل الكتاب في نبوة إخوة يوسف عليهم السلام :
قال ابن الجوزي في المنتظم (1/309) : وأهل الكتاب يقولون : كَانُوا أنبياء ، ومختلف فِي ألفاظ أسمائهم .. ) اهـــ (قلت) وهو ما ذكره بن وهب كما عن الطبري في تاريخه .
احترام :
مما يدل على نبوتهم أيضا أن القرآن لم يتوسع في ذمهم ولا استعمل فيهم الأوصاف القبيحة ولا أي شيء من هذا القبيل ، بل ليس فيه إلا سرد لأحداث القصة كما وقعت ، خلافا للمتأخرين الذين توسعوا في وصفهم بالأوصاف التي لا تنبغي في أنبياء ، بحجة أنهم يعتقدون أنهم غير أنبياء ، فيا جماعة على الأقل هم آل يعقوب وأهل بيته  !! .
استغراب :
قولهم الأسباط هم الأمم في الآية لا أبناء يعقوب !! فيه إشكال كبير وهو :
أن هذا يعني أن الأمم الإثنا عشر من الأسباط كلهم كانوا أنبياء على ظاهر الآية وهذا محال فقد كان فيه من جميع أنواع الناس كما يظهر في سيرتهم لمن قرأها ، ففيهم من عبد العجل وتاب ، ومنهم طلب عبادة الأصنام ، ومنهم ومنهم ، فأنتم كمن فر من الرمضاء إلى النار .
وأيضا فما معنى ذكرهم في عدد الأنبياء في الآية وليسوا بأنبياء على قولكم ؟

نكتة :
شبه الله الأنبياء بالكواكب التي تنير للناس وستنيرون بها ، وَأَيْضًا فإنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَكَانَ تَأْوِيله أَحَد عَشَر نَفْسا لَهُم فَضْل وَكَمَال وَيَسْتَضِيءُ بِعِلْمِهِم وَدِينِهِم أَهْل الْأَرْض، لِأَنَّه لَا شَيْء أَضْوَأ مِنَ الْكَوَاكب وَبِهَا يهْتَدى وَذَلِكَ يَقتضِي أَنْ يَكون جُمْلَة أَوْلَاد يَعْقُوب أَنْبِيَاء وَرُسُلًا.
فصل : قضية ذنوب الأنبياء والعصمة والتخليط العجيب :
ادعى كثير من المتأخرين أن أهل السنة والجماعة اتفقوا على عصمة الأنبياء من الكبائر دون الصغار قبل وبعد النبوة ، ومن ثم رتبوا على هذا الإجماع المزعوم قواعد في النفي والإثبات ، فصار كلما وقفوا على آثار وأحاديث فيها ذنب لنبي ، قلبوا النظر فيها فإن اشتبه عندهم أن ذنبه ذاك كبير جحدوا أو حرفوا !! والذي غر المعاصرين أكثر في هذا الإجماع المزعوم ، عندما نقله ابن تيمية في النبوات وغيره من كتبه !! وآه من إجماعات بن تيمية لو يتصدى لنقدها فتى حازم ، لوجد الأعاجيب والأساطير ، ولكن المتأخرين يتجرؤون فقط على إجماعات بن رشد وابن عبد البر بالتعيير ، ويرهبون من ابن تيمية وكأنه مالك الصغير !!
فنحن بإذن الله نقول كما قال السلف هي ذنوب كانت قبل النبوة وكانوا صغارا لا يعرفون عاقبة الأشياء كما المفسرون ألا ترى أنهم قالوا نرتع نلعب ؟ ونص عليه السلف :                             فقد روى الواحدي في التفسير الوسيط (2/630) عن ابن عباس في قوله تعالى ( إذ أنتم جاهلون ) : قال إذ أنتم صبيان .                                                                                             وروى ابن أبي حاتم في تفسيره (11939) عَنِ ابْنِ أَبِي الْجِلْدِ قَالَ: قَالَ لَهُ أَخُوهُ : يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ : لَقَدْ ذَهَبَ لِي أَخٌ مَا رَأَيْتُ أَشْبَهَ بِهِ أَحَدٌ مِنْكَ لَكَأَنَّهُ الشَّمْسُ فَقَالَ لَهُ يُوسُفُ: أَسْأَلُ إِلَهَ يَعْقُوبَ أَنْ يَرْحَمَ صِبَاكَ وَأَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ أَخَاكَ ) أي غفر الله لك على ما فعلته في صباك.
روى السمعاني في تفسيره (3/12) : حكي عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء أَنه سُئِلَ عَن قَوْله {نلعب} فَقيل لَهُ : كَيفَ قَالُوا : " نلعب " وَقد كَانُوا أَنْبيَاء ؟ فَقَالَ : هَذَا قبل أَن نبأهم الله تَعَالَى ) اهــ
ونعتقد كما قال الحسن البصري وأبو عمران الجوني أن الله لم يذكر ذنبوب الأنبياء ليعيرهم بها إنما ذكرها لكي لا يقنط عباده ويعتبروا بحسن توبة الأنبياء وأوبتهم إلى الله ، فهم قدوتنا ومثلنا الأعلى ، ولسنا أورع ولا أعلم من السلف حتى نتعجرف عليهم ونرد عليهم ما أثبتوه .
وإلا فقد نقل السجزي عكس الإجماع الذي نقله بن تيمية فقال في رسالته لأهل زبيد (ص300) : عند أهل السنة : أن وجود الكبائر منهم عليهم السلام قبل أن يوحى إليهم جائز، فأما بعد الوحي فهم معصومون من ارتكاب الكبائر ) اهـــ.
(قلت) فليت شعري من نصدق وقد نقل عكس الإجماع المدعى على أهل السنة !!
وعلى كل حال فالحق أبلج والصبح تلجلج ، ولا عذر لمن وقف على كلام السلف ثم خالفه عن عمد ، والله يعلم المفسد من المصلح وإليه المصير ، وصلى الله وسلم على نبينا وعلى يوسف وإخوته عليهم السلام والحمد لله رب العالمين .


وإلى هنا انتهى البحث كتبه ( أبو عبيد الجزائري )