بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد :
ـ لقد تكلم السلف عن قضية الوسائط صغيرها وكبيرها ومن ذلك سؤال الدعاء من الناس دون الله وبعضهم استنكر ذلك وآخرون ما استجاز لنفسه أن يدعو لغيره وجعل ذلك شبيها بمرتبة النبوة فيما نبه بعض السلف إلى قضية التوكل على الله وأن سؤال الناس حط من مرتبة تحقيق التوحيد ، أما يفعله الناس اليوم من سؤال بعضهم لبعض الدعاء والتوسع في ذلك حتى سئل الفاسق والمنافق الدعاء فهذا هو المنكر بعينه ويكون الأمر جد مؤسف عندما يفعله طالب علم يقرأ في كتاب الله تعالى قوله ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه) وقوله أيضا ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب إجيب دعوة الداعي إذا دعان ) ..
وفي اعقتادي أن سؤال الناس الدعاء يشبه مسألة الإسترقاء وما قيل فيها لأن الرقية هي في حقيقة أمرها عبارة عن دعاء تدعو به للمريض وتقرأه عليه ، فإذا سئل العبد الدعاء من غيره فكأنه سأل الرقية نفس ، وأنت تعرف ما قيل في الإسترقاء وأنه يحط من منزلة التوكل وما في ترك ذلك من الأجر الكبير ومن النزلة الرفيعة عند الله .
وإليك بعض الآثار التي تفيد اليقين في أن توكلك على الله وسؤالك إياك دون اللجوء إلى خلقه خير من سؤالك خلقه الدعاء لك :
قد روى ابن جرير رحمه الله في تهذيب الآثار وفي غيره أيضا أنّ حذيفة لما سئل من قبل بعضهم أن يدعو حذيفة لذاك فدعا له ، ثم سئل مرة فنفض يديه وقال: أنبياء نحن ؟
وقد التقى نبيان فسألا بعضهما الإستغفار فأبى كل واحد منها أن يفعل كما روى ابن جرير الطبري في تفسيره بإسناده عن الحسن رحمه الله قال: إن عيسى ويحيى التقيا فقال له عيسى: استغفر لي ، أنت خير مني. فقال الآخر: استغفر لي ، أنت خير مني . فقال عيسى: أنت خير مني ، سلمت على نفسي وسلم الله عليك .
(قلت) ولا يقول الذي يسأل الناس الدعاء لي فيهما أسوة لأنها نبيان والنبي يكون مجاب الدعوة وليس هذا للناس .. ولكن انظر إلى علة عدم إجابة بعضهما لبعض ..
وروى ابن المبارك في الزهد عن القاسم بن عبيد قال قلت لأنس ابن مالك يا أبا حمزة أدعو الله لنا قال الدعاء يرفعه العمل الصالح .. ) فلم يذكر أنه دعى له إنما نبهه على العمل الصالح ومن العمل الصالح دعاء الله وحده بل هو مخ العبادة .
وروى أبو نعيم في الحلية : عن زيد بن وهب قال جاء رجل إلى حذيفة فقال استغفر لي فقال لا غفر الله لك إني لو استغفرت لهذا الآتي بسيآته فقال استغفر لي حذيفة .
وروى ابن سعد في الطبقات : قال أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال حدثنا بن عون قال كنا عند إبراهيم فجاء رجل فقال يا أبا عمران ادع الله أن يشفيني فرأيت أنه كرهه كراهية شديدة حتى رأيتنا عرفنا كراهية ذلك في وجهه أو حتى عرفت كراهية ذلك في وجهه ثم قال جاء رجل إلى حذيفة فقال ادع الله أن يغفر لي قال لا غفر الله لك قال فتنحى الرجل ناحية .
وروى ابن جرير عن سعد بن أبي وقاس أنه أتاه رجل فقال : استغفر لي وكان سعد مجاب الدعوة فقال : غفر الله لك . فقام أخر وقال : استغفر لي فقال : لا غفر الله لك ولا لذاك أنبي أنا ؟؟؟
وقد أسند ابن جرير عن إبراهيم التيمي ، قال: " كانوا يجتمعون فيتذاكرون فلا يقول بعضهم لبعض استغفر لي " .
وأسند الخطيب في كتاب التلخيص عن عبيد الله بن أبي صالح قال: "دخل عليّ طاووس يعودني ، فقلت له : يا أبا عبد الرحمن ادع الله لي .
فقال : ادع لنفسك فإن الله عز وجل يجيب المضطر إذا دعاه .
وقد سئل ذا رجل النون الدعاء فعاتبه بالصبر فيما روى ابو نعيم في الحلية :
قال أحمد ثنا عثمان قال سمعت ذا النون يقول : اعتل رجل من إخواني فكتب إلي أن أدعو الله لي فكتبت إليه سألتني أن أدعو الله لك أن يزيل عنك النعم واعلم يا أخي أن العلة مجزلة يأنس بها أهل الصفا والهمم والضياء في الحياة ذكرك للشفاء ومن لم يعد البلاء نعمة فليس من الحكماء ومن لم يأمن التشفيق على نفسه فقد أمن أهل التهمة على أمره فليكن معك يا أخي حياء يمنعك عن الشكوى والسلام .. )
وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق : عن علي بن أبي فزارة حدثتني أمي وأفجلت وأقعدت من رجليها دهرا فقالت لي يوما يا بني لو أتيت هذا الرجل أحمد بن حنبل فسألته أن يدعو الله لي قال فعبرت إلى أحمد بن حنبل فدققت عليه الباب وكان في الدهليز فقال من هذا قلت له يا أبا عبد الله رجل من إخوانك قال وما حاجتك قلت إن أمي مريضة قد أقعدت من رجليها وهي تسألك أن تدعو الله لها قال فجعل يقول يا هذا فمن يدعو لنا نحن يا هذا من يدعو لنا نحن فقال ذلك مرارا فكأني استحييت فمضيت وقلت سلام عليكم فخرجت عجوز من منزله فقالت إني قد رأيته يحرك شفتيه بشئ وأرجو أني يكون يدعو الله لك قال فرجعت إلى أمي فدققت الباب فقالت من هذا فقلت أنا علي فقامت إلي ففتحت الباب فقلت لا إله إلا الله إيش القصة فقالت لا أدري إلا أني قد قمت على رجلي فتعجبت من ذلك وحمدت الله عز وجل وذلك مسافة الطريق ..
وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية : وَدُفِعَ إلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ كِتَابٌ مِنْ رَجُلٍ يَسْأَلُهُ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ فَقَالَ فَإِذَا دَعَوْنَا لِهَذَا فَنَحْنُ مَنْ يَدْعُو لَنَا ؟ .
قال بن تيمية في كتاب التوسل والوسيلة :
وأما سؤال المخلوق المخلوق أن يقضي حاجة نفسه أو يدعو له فلم يؤمر به ، بخلاف سؤال العلم فإن الله أمر بسؤال العلم كما في قوله تعالى : {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ...
قال : ولهذا لم يعرف قط أن الصديق ونحوه من أكابر الصحابة سألوه شيئاً من ذلك، ولا سألوه أن يدعو لهم وإن كانوا قد يطلبون منه أن يدعو للمسلمين، كما أشار عليه عمر في بعض مغازيه لما استأذنوه في نحر بعض ظهرهم فقال عمر: يا رسول الله ! كيف بنا إذا لقينا العدو غدًا رجالاً جياعاً ! ولكن إن رأيت أن تدعو الناس ببقايا أزوادهم فتجمعها ثم تدعو الله بالبركة فإن الله يبارك لنا في دعوتك. وفي رواية: فإن الله سيغيثنا بدعائك ، وإنما كان سأله ذلك بعض المسلمين كما سأله الأعمى أن يدعو الله له ليرد عليه بصره ، وكما سألته أم سُلَيم أن يدعو الله لخادمه أنس وكما سأله أبو هريرة أن يدعو الله أن يحببه وأمه إلى عباده المؤمنين ونحو ذلك ....
قال : ومن الجزاء أن يطلب الدعاء، قال تعالى عمن أثنى عليهم {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا} .
والدعاء جزاء كما في الحديث "من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه ، وكانت عائشة إذا أرسلت إلى قوم بصدقة تقول للرسول: اسمع ما يدعون به لنا حتى ندعو لهم بمثل ما دعوا لنا ويبقى أجرنا على الله.
ـ وقال بعض السلف إذا قال لك السائل: بارك الله فيك، فقل : وفيك بارك الله، فمن عمل خيراً مع المخلوقين سواء كان المخلوق نبياً أو رجلاً صالحاً أو ملكاً من الملوك أو غنياً من الأغنياء فهذا العامل للخير مأمور بأن يفعل ذلك خالصاً لله يبتغي به وجه الله، لا يطلب به من المخلوق جزاء ولا دعاء ولا غيره ، لا من نبي ولا رجل صالح ولا ملك من الملائكة ، فإن الله أمر العباد كلهم أن يعبدوه مخلصين له الدين .
وهذا هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل فلا يقبل من أحد ديناً غيره، قال تعالى { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الأخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ }.....
قال : وأما سؤال المخلوق غير هذا فلا يجب، بل ولا يستحب إلا في بعض المواضع، ويكون المسئول مأموراً بالإعطاء قبل السؤال، وإذا كان المؤمنون ليسوا مأمورين بسؤال المخلوقين فالرسول أولى بذلك صلى الله عليه وسلم، فإنه أجل قدراً وأغنى بالله من غيره.
فإن سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد :
ـ مفسدة الافتقار إلى غير الله وهي من نوع الشرك.
ـ ومفسدة إيذاء المسؤول وهي من نوع ظلم الخلق.
ـ وفيه ذل لغير الله وهو ظلم النفس.
فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة، وقد نزه الله رسوله عن ذلك كله. وحيث أمر الأمة بالدعاء له فذاك من باب أمرهم بما ينتفعون به كما يأمرهم بسائر الواجبات والمستحبات ، وإن كان هو ينتفع بدعائهم له فهو أيضاً ينتفع بما يأمرهم به من العبادات والأعمال الصالحة ....
قال : فالنبي صلى الله عليه وسلم - فيما يطلبه من أمته من الدعاء - طلبُه طلبُ أمر وترغيب ليس بطلب سؤال. فمن ذلك أمره لنا بالصلاة والسلام عليه، فهذا قد أمر الله به في القرآن بقوله {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
والأحاديث عنه في الصلاة والسلام معروفة .
ومن ذلك أمره بطلب الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ َ، فإنه من صلى عليَّ مرة صلى الله عليه عشرا ، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجوا أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة ".
فطلب النبي صلى الله عليه وسلم من عمر أن يدعو له كطلبه أن يصلي عليه ويسلم عليه وأن يسأل الله له الوسيلة والدرجة الرفيعة، وهو كطلبه أن يعمل سائر الصالحات، فمقصوده نفع المطلوب منه والإحسان إليه. وهو صلى الله عليه وسلم أيضاً ينتفع بتعليمهم الخير وأمرهم به، وينتفع أيضاً بالخير الذي يفعلونه من الأعمال الصالحة ومن دعائهم له.
ـ ومن هذا الباب قول القائل : إني أكثر الصلاة عليك ، فكم أجعل لك من صلاتي ؟ قال: "ما شئت" قال: الربع ؟ قال: "ما شئت ، وإن زدت فهو خير لك" قال: النصف ؟ قال: "ما شئت وإن زدت فهو خير لك" قال: الثلثين ؟ قال: "ما شئت ، وإذا زدت فهو خير لك" قال: أجعل لك صلاتي كلها ؟ قال: إذًا تُكفى همك ويُغفر لك ذنبك" رواه أحمد في مسنده والترمذي وغيرهما ...
قال : ومن قال لغيره من الناس: ادع لي - أو لنا - وقصده أن ينتفع ذلك المأمور بالدعاء وينتفع هو أيضاً بأمره وبفعل ذلك المأمور به كما يأمره بسائر فعل الخير فهو مقتد بالنبي صلى الله عليه وسلم مؤتم به، ليس هذا من السؤال المرجوح .
ـ وأما إن لم يكن مقصوده إلا طلب حاجته لم يقصد نفع ذلك والإحسان إليه، فهذا ليس من المقتدين بالرسول المؤتمين به في ذلك ، بل هذا هو من السؤال المرجوح الذي تَرْكه إلى الرغبة إلى الله وسؤاله أفضل من الرغبة إلى المخلوق وسؤاله . وهذا كله من سؤال الأحياء السؤال الجائز المشروع ... ) [ انتهى باختصار من كتاب التوسل والوسيلة ]
وقال ابن رجب في كتاب الحكم الجديرة بالإذاعة : وقد كان عمر وغيره من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم يكرهون أن يطلب الدعاء منهم ويقولون " أ أنبياء نحن ؟ " فدل على أن هذه المنزلة لا تنبغي إلا للأنبياء عليهم السلام ، وكذلك التبرك بالآثار فإنما كان يفعله الصحابة رضي الله عنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم ببعض ولا يفعله التابعون مع الصحابة ، مع علو قدرهم .
فدل على أن هذا لا يفعل إلا مع النبي صلى الله عليه وسلم مثل التبرك بوضوئه وفضلاته وشعره وشرب فضل شرابه وطعامه .
وفي الجملة فهذه الأشياء فتنة للمعظّم وللمعظّم لما يخشى عليه من الغلو المدخل في البدعة ، وربما يترقى إلى نوع من الشرك . كل هذا إنما جاء من التشبه بأهل الكتاب والمشركين الذي نهيت عنه هذه الأمة . وفي الحديث الذي في السنن : " ان من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم ، والسلطان المقسط ، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه " ، فالغلو من صفات النصارى ، والجفاء من صفات اليهود ، والقصد هو المأمور به .) اهـ
وقال مؤلف معجم المناهي اللفظية : وقد توسع الناس في طلب الدُّعاء من الغير، وبخاصة عند الوداع: ((ادعُ لنا))، ((دعواتك)) ، حتى ولو كان المخاطب به فاسقاً ماجناً . وقد جاء عن بعض السلف كراهته . قال ابن رجب - رحمه الله تعالى - : ( وكان كثير من السلف يكره أن يُطلب منه الدعاء ، ويقول لمن يسأله الدعاء : أي شيء أنا ؟ وممن روي عنه ذلك عمر بن الخطاب وحذيفة بن اليمان - رضي الله عنهما - وكذلك مالك بن دينار . وكان النخعي يكره أن يُسأل الدعاء . وكتب رجل إلى أحمد يسأله الدعاء ، فقال أحمد : إذا دعونا نحن لهذا ، فمن يدعو لنا ؟ )
شبهة و بيانها :
وقد اشتبه على البعض حديث عمر لما سأله النبي صلى الله الله أن لا ينساه في دعاءه ومع أن ابن تيمية كما مر بين أنه لا حجة فيه و أن معناه أن يخصه بصلاته وسلامه عليه في دعاءه فيكون على هذا الفهم خارج عن الموضوع تماما ، طبعا هذا على افتراض صحته لأن الحديث ضعيف ولا يصح أن يعترض به على قضية التوكل العميقة في نصوص الشرع وإليك بيان تضعيفه فأقول :
ـ الحديث مداره عن عاصم بن عبيد الله ، عن سالم ، عن أبيه قال : إن عمر رضي الله عنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن له ، وقال : « لا تنسنا من دعائك يا أخي »
الحكم : السند ضعيف لأجل عاصم بن عبيد الله العمري ضعيف تفرد به
[ رواه : الطيالسي في مسنده (1/4) وابن سعد في الطبقات (2/273) وأحمد في مسنده (190) وأبو داود (1498) عبد بن حميد في مسنده (1/241) والتِّرمِذي (3562) وابن ماجة (2894) ومسند أبي يعلى (5550) أخبار مكة للفاكهي (836) والبيهقي في السنن الكبرى (5/251) وابن عدي في الكامل (5/227) ورواه البزار وقال : ( وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن عمر بهذا الإسناد ، ورواه شعبة ، والثوري ، عن عاصم بن عبيد الله .. )
(قلت) ورواه أيضا عن عاصم مسلم بن قتيبة عند عبد حميد أيضا.
بل للحديث إسناد أخر تماما وهو :
رواه ابن سعد في الطبقات : قال أخبرنا سعيد بن محمد الثقفي عن المغيرة بن زياد الموصلي عن الوليد بن أبي هشام قال استأذن عمر بن الخطاب النبي صلى الله عليه و سلم في العمرة وقال إني أريد المشي فأذن له قال فلما ولى دعاه فقال يا أخي شبنا بشيء من دعائك ولا تنسنا .
(قلت) : وهذا السند مظلم سعيد بن محمد الثقفي واه والمغيرة بن زياد الموصلي أيضا ضعفوه ضف أنه مرسل .. فهذه ثلاث علل .
استغـراب :
ثم أنني استغربت أن كل نسخ السنن الترمذي فيها قال الترمذي ( حسن صحيح ) ؟؟
لأنني قبل أن أقف على تعليق الترمذي هذا وأنا أبحث في تخريجه كنت في ذهني أنه كالعادة سيقول ( حسن غريب) إذ هذا الذي يقتضيه الحال .
مع أنه لا يخفي على مثل الترمذي حال عاصم زيادة على تفرده بهذا الحديث ..؟؟
فوقع في الذهن أنه تحريف اجتمعت عليه النسخ وللتأكد أردت معرفة حال عاصم عند الترمذي وكيف كان يتعامل معه في سننه وفي علله الكبير فتبين لي أن الترمذي يصحح لعاصم حديثه ؟ فاستغربت جدا بعد تأكدي من تصحيحه فقلت في نفسي : هل الترمذي خالف من تقدمه أم أنا مخطأ ؟ سوف نرى :
حال عاصم بن عبيد الله عند أهل الحديث :
عاصم بن عبيد الله العمري هذا فيه كلام كثير :
قال عبد الله في العلل والمعرفة (2038) سئل أبي عن عاصم بن عبيد الله وعبد الله بن محمد بن عقيل فقال ما أقربهما وكان بن عيينة يقول كان الاشياخ يتقون حديث عاصم بن عبيد الله " .
وقال مرة : قال لي أبو عبد الله : عاصم بن عبيد الله ، كان الشيوخ يهابون حديثه .
وقال أبو حاتم في العلل : عاصم مضطرب الحديث .
وقال مرة ابن أبي حاتم في العلل ( 1276) وسألتُ أبِي عن : عاصِمِ بنِ عُبيدِ اللهِ.
قال : مُنكرُ الحدِيثِ ، يُقالُ : إِنّهُ ليس لهُ حدِيثٌ يُعتمدُ عليهِ.
قُلتُ : ما أنكرُوا عليهِ ؟ قال : روى عن عَبدِ اللهِ بنِ عامِرِ بنِ ربِيعة ، عن أبِيهِ : أنَّ رجُلاً تزوّج امرأةً على نعلينِ ، فأجازهُ النّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وهُو مُنكرٌ.
وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم : يروي بالسند عن مسلم بن الحجاج يقول قلت ليحيى بن معين عبد الله بن محمد بن عقيل احب اليك أو عاصم بن عبيد الله ؟ فقال: ما أحب واحدا منهما في الحديث .
قال : سئل أبو زرعة عن ابن عقيل فقال قال لي ابن نمير: عاصم بن عبيد الله احب اليك أم ابن عقيل ؟ فقلت: ابن عقيل يختلف عنه في الاسانيد وعاصم منكر الحديث في الاصل.
قال ابن سعد : وكان كثير الحديث لا يحتج به .
وذكره العقيلي في الضعفاء وضعفه بل وذكر حديثا تفرد به كمثال على مروياته وضعف اسناده من أجله .
استشكال :
إذن من أين أوتي الترمذي في تصحيحه حديث عاصم ؟
الجواب : هو هذا : قال ترمذي في علله الكبير : قال محمد [ يعني البخاري ] عاصم بن عبيد الله صدوق روى عنه مالك بن أنس حديثين مرسلين وروى عنه شعبة والثوري .
(قلت) هذه الرواية عليها ثلاثة ملاحظات :
الأولى : أن البخاري لم يقل ( ثقة ) بل ( صدوق ) وبينهما بون خاصة في قضية التفرد بالحديث دون متابع كحديثنا هذا .
الثانية : أن البخاري ذكره في الضعفاء الصغير (281) وقال منكر الحديث ؟؟
والمحقق للكتاب قال الصحيح أن قوله : منكر الحديث غير ثابتة في النسخ .
(قلت) المهم أن البخاري مجرد ذكره في الضعفاء فهذا تليين له .
فلا أدري كيف الجمع بين الروايتين فالتعارض شديد ..
الثالثة : أن مالك نفسه يضعف عاصم وأنكر على شعبة روايته عنه .
قال يحيى بن معين : بلغني عن مالك بن أنس أنه قال: عجبا من شعبة هذا الذى ينتقى الرجال وهو يحدث عن عاصم بن عبيد الله .
أما قضية رواية مالك لعاصم في موطئه فالجواب من جهتين :
الأولى : أنه لم يرو له إلا مرسلين فقط حسب قول البخاري فاجتنب مالك الرواية له في الأصول والأسانيد الموصولة .
(قلت) : وقد تأكدت من أن مالك لم يرو عن عاصم مسندا من كتاب الدارقطني ( أحاديث الموطأ ) فقد ذكر شيوخ مالك الذين روى عنهم في الموطأ وغيره ولم يسند عنهم ثم ذكر عاصما في القائمة معهم .
الثانية : ما قاله النسائي : لا نعلم مالكا روى عن إنسان ضعيف مشهور بالضعف إلا عاصم بن عبيد الله فإنه روى عنه حديثا وعن عمرو بن أبي عمرو وهو أصلح من عاصم وعن شريك بن أبي نمر وهو أصلح من عمرو .
(قلت) قد ذكرت عن البخاري والدارقطني أن مالك لم يرو لعاصم حديثا مسندا فلا وجه للإعتراض عليه في هذا الأمر والله أعلم .
وقـفـة :
ثم وقفت على الكلام لابن رجب رحمه الله وهو المختص في الترمذي قال في شرحه للعلل فتبين السبب وبطل العجب :
قال رحمه الله : وكذلك : عاصم بن عبيد الله العمري :
فإن الترمذي يصحح حديثه في غير موضع ، والأكثرون ذكروا أنه كان مغفلاً يغلب عليه الوهم والغلط .
قال شعبة : كان عاصم لو قلت له من بنى مسجد البصرة ؟ لقال : حدثني فلان عن فلان أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بناه .
وقال شعبة : أيضاً : كان عاصم لو قلت له رأيت رجلاً راكباً حماراً لقال : حدثني أبي .
وبهذا التحقيق تبين أن الحديث لا يصلح ليحتج به في قضية سؤال الناس الدعاء متنا وسندا لضعفه ... والحمد لله .
انتهى هذا المقال يوم 9/3/2016 والحمد لله الذي تتم به الصالحات وأسأل الله أن ينفع به ويجعله خالصا لوجه .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق