فصل : ذكر ماهية الحجة في عرف الشرع الحكيم
المتبادر للأفهام عند الإطلاق أن الحجة معناها الدليل والبرهان ، وهذا هو الذي يذكره أكثر أهل اللغة في معاجمهم، ولكن الذي فاتهم هو أن الحجة تأتي في القرآن بمعنى الخصام واللجاجة، وهذا الذي لا يتفطن له الكثير، فالقرآن إنما يسمي الدليل إذا عبر عنه بالسلطان كما ورد ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه ، وأما الحجة والمحاجة والحجاج هي في القرآن بمعنى الجدال
والخصومة و اللجاج، وقد تواردت الآيات على هذا المعنى.
ــ فمن ذلك : قوله تعالى :" ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك " {البقرة 258} أي: جادله وخاصمه في التوحيد . {أنظر: معالم التنزيل للبغوي (1/315) }
ــ ومن ذلك قوله تعالى : قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا {البقرة 139} قال ابن عباس: أي أتخاصموننا في الله .
( أخرجه ابن جرير في تفسيره (1/571) وابن أبي خاتم في تفسيره (1/ 404 رقم 1325)
ــ ومن ذلك قوله : لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا ظلموا منهم " {البقرة 150}
قال ابن جرير رحمه الله في هذه الآية :" فإن قال قائل: فأيّةُ حُجة كانت لأهل الكتاب بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحوَ بيت المقدس، على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ؟
قيل: قد ذكرنا فيما مضى ما روي في ذلك. قيل: إنهم كانوا يقولون: ما درَى مُحمد وأصحابهُ أين قبلتهم حتى هديناهم نحن! وقولهم: يُخالفنا مُحمد في ديننا ويتبع قبلتنا! فهي الحجة التي كانوا يحتجُّون بها عَلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، على وجه الخصومة منهم لهم، والتمويه منهم بها على الجهالّ وأهل الغباء من المشركين.
وقد بينا فيما مضى أن معنى حِجاج القوم إيَّاه، الذي ذكره الله تعالى ذكره في كتابه، إنّما هي الخصومات والجدال. فقطع الله جل ثناؤه ذلك من حجتهم وَحسمه، بتحويل قبلة نبيّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، من قبلة اليهود إلى قبلة خليله إبراهيم عليه السلام. وذلك هو معنى قول الله جل ثناؤه:"لئلا يكون للناس عليكم حجة"، يعني ب"الناس"، الذين كانوا يحتجون عليهم بما وصفت. اهـ { جامع البيان (3/200) }
وقال ذاك الخطيب البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه (2/232) في هذه الآية موضحا معنى الحجة في القرآن الكريم :" وقد ورد القرآن بتسمية ما ليس بحجة في الحقيقة حجة ، قال الله تعالى : لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقال تعالى : (لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم ) فأما الآية الأولى فإن تقديرها : بعثت الرسل ، وأزحت العلل ، حتى لا يقولوا يوم القيامة : إنا كنا عن هذا غافلين ، ولا يقولوا : لولا أرسلت إلينا رسولا ، فأزاح الله العلل بالرسل ، حتى لا يكون لهم حجة فيما ارتكبوه من المخالفة ، ويجب أن تعلم أن الله تعالى لو ابتدأ الخلق بالعذاب لم يخرج بذلك عن الحكمة ، ولا كانت عليه حجة وله أن يفعل ذلك ، لأنه قسم من أقسام التصرف في ملكه ، فبان أن ما يقولونه ليس بحجة ، إذ ليس ذلك من شرط عذابه ، وإنما سماه حجة ؛ لأنه يصدر من قائله مصدر الحجاج والاستدلال ، وأما الآية الأخرى فإنها نزلت في اليهود ، وذلك أنهم قالوا : لو لم يعلم محمد أن ديننا حق ما صلى إلى بيت المقدس ، فأنزل الله تعالى : لئلا يكون للناس عليكم حجة يعني اليهود في قولهم هذا ، وإن لم يكن حجة في الحقيقة ، وليس تفرق العرب بين ما يؤدي إلى العلم أو الظن أن تسميه حجة ودليلا وبرهانا . اهـ
ـ ومنه قوله: فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن" {آل عمران 20}
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن حاجَّك: يا محمد، النفرُ من نصارى أهل نجران في أمر عيسى صلوات الله عليه، فخاصموك فيه بالباطل، فقل: انقدت لله وحده بلساني وقلبي وجميع جوارحي.{ التفسير (6/280)
وقال ابن كثير في هذه الآية :" قال تعالى: { فَإِنْ حَاجُّوكَ } أي: جادلوك في التوحيد ." { أنظر تفسيره (2/26) }
ـ ومن ذلك قوله :" ها أنتم حاججتم فيما لكم به علم فلما تحاجون فيما ليس لكم به علم " { آل عمران 66}
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"ها أنتم"، القومَ الذين [قالوا في إبراهيم ما قالوا "حاججتم"]، خاصمتم وجادلتم "فيما لكم به علم"، من أمر دينكم الذي وجدتموه في كتبكم، وأتتكم به رسل الله من عنده، وفي غير ذلك مما أوتيتموه وثبتت عندكم صحته "فلم تحاجون"، يقول: فلم تجادلون وتخاصمون"فيما ليس لكم به علم"، يعني: في الذي لا علم لكم به من أمر إبراهيم ودينه، ولم تجدوه في كتب الله، ولا أتتكم به أنبياؤكم، ولا شاهدتموه فتعلموه ؟ . اهـ { أنظر تفسير ابن جرير (6/492) }
ـ ومن ذلك قوله أيضا : وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان" { الأنعام 80}
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وجادل إبراهيم قومه في توحيد الله وبراءته من الأصنام،وكان جدالهم إياه قولُهم: أن آلهتهم التي يعبدونها خير من إلهه. قال إبراهيم: "أتحاجوني في الله"، يقول: أتجادلونني في توحيدي الله وإخلاصي العمل له دون ما سواه من آلهة "وقد هدان"، يقول: وقد وفقني ربي لمعرفة وحدانيته، وبصّرني طريق الحقّ حتى أيقنتُ أن لا شيء يستحق أن يعبد سواه . اهـ { جامع البيان (11/488) }
وقال ابن كثير": يقول تعالى: وجادله قومه فيما ذهب إليه من التوحيد، وناظروه بشبه من القول، قال { قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ } أي: تجادلونني في أمر الله وأنه لا إله إلا هو، وقد بصرني وهداني إلى الحق وأنا على بينة منه؟ فكيف ألتفت إلى أقوالكم الفاسدة وشبهكم الباطلة ؟! . اهـ { (3/239) }
ــ ومن ذلك قوله تعالى :" وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّار ." { غافر 47 }
قال بن جرير : ( وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ ) يقول: وإذ يتخاصمون في النار. ( جامع البيان {20 /398} )
ـ ومن ذلك قوله :" فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (الشورى 15)
قال بن جرير في هذه الآية: قوله:( لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ) يقول: لا خصومة بيننا وبينكم. ثم روى عن مجاهد، في قوله:( لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم ) قال: لا خصومة.
وروى عن ابن زيد، في قول الله عز وجل:( لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ) لا خصومة بيننا وبينكم . اهـ { أنظر جامع البيان (21/518) }
ـ ومن ذلك قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ { الشورى 16}
قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: والذين يخاصمون في دين الله الذي ابتعث به نبيه محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من بعد ما استجاب له الناس، فدخلوا فيه من الذين أورثوا الكتاب( حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ) يقول: خصومتهم التي يخاصمون فيه باطلة ذاهبة عند ربهم( وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ) يقول: وعليهم من الله غضب، ولهم في الآخرة عذاب شديد، وهو عذاب النار.
وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من اليهود خاصموا أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في دينهم، وطمعوا أن يصدوهم عنه، ويردوهم عن الإسلام إلى الكفر. اهـ { أنظر جامع البيان (21/518) }
{قلت} : وقد ذكر بعض أهل اللغة هذا الوجه من معنى الحجة كما جاء في القاموس المحيط للفيروز آبادي( ص 167) قال : المحجاج الجدل ..والتحاج، التخاصم , اهـ
وقال في مختار الصحاح ( ص 116 ) : في المثل لج فحج ، فهو رجل محجاج بالكسر أي : جدل، والتحاج التخاصم , اهـ
وجاء في المعجم الوسيط{ (1/ 156) مادة حج }:" المحاجة أي :المجادلة . اهـ
ــ ومما جاء من الأحاديث في هذا الباب ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إحتج آدم وموسى عليهما السلام" ...." أي تجادلا وتخاصما فكانت الغلبة والحجة لآدم عليه السلام فقال : فحج آدم موسى" .{ الحديث : رواه البخاري (3409) ومسلم (2652) }
وهنا ضابط مهم :
وهو أنه قد تأتي الحجة في القرآن بمعنى الدليل والبرهان لكن مقيدة و مضافة إلى الله تعالى، وذلك كقوله عز وجل : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه " {الأنعام83} وكما في قوله أيضا : ولله الحجة البالغة { الأنعام 149} فإذا جاءت مضافة إلى الله تعالى لا يمكن أن تفسر بمعنى الجدال ، وبهذا تنضبط القاعدة في هذا الباب ويطرد الأصل ، فتأمل هذا التفصيل واعتبر به .
ولابن القيم في كتابه مفتاح دار السعادة ( ص :181 ــ 182) كلام حول هذا المعنى حيث قال: " الحجة هي اسم لما يحتج به من حق وباطل، قال تعالى :" لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا " {البقرة 150} فإنهم يحتجون عليكم بحجة باطلة " فلا تخشوهم واخشوني" وقال تعالى:" وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين" { الجاثية25} والحجة المضافة إلى الله هي الحق وقد تكون الحجة بمعنى الخصومة ، ومنه قوله تعالى: "لا حجة بيننا وبينكم " {الشورى 150} أي قد وضح الأمر واستبان وظهر فلا خصومة بيننا بعد ظهوره ولا مجادلة، فإن الجدال شريعة موضوعة للتعاون على إظهار الحق ، فإذا ظهر الحق ولم يبق به خفاء، فلا فائدة في الخصومة والجدال على بصيرة و مخاصمة المنكر ومجادلته عناء لا غنى فيه ، فهذا معنى الآية . اهـ
{قلت} : فإذا تبين هذا الأصل، تبين لك أن إقامة الحجة إنما هي لأجل إبطال اللجج والخصومة والجدال يوم القيامة على كل من خالف الحق وارتكب الشرك ، و حتى لا يقول كل من أشرك به : إني كنت غافلا ، أو يقول لما لم ترسل إلي رسولا قبل أن تعذبني ؟؟ فأزاح الله عزوجل هذه العلل وهذه الخصومات ببعثة الرسل إنزال الكتب ولله الحجة البالغة على الخلق أجمعين .
المتبادر للأفهام عند الإطلاق أن الحجة معناها الدليل والبرهان ، وهذا هو الذي يذكره أكثر أهل اللغة في معاجمهم، ولكن الذي فاتهم هو أن الحجة تأتي في القرآن بمعنى الخصام واللجاجة، وهذا الذي لا يتفطن له الكثير، فالقرآن إنما يسمي الدليل إذا عبر عنه بالسلطان كما ورد ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه ، وأما الحجة والمحاجة والحجاج هي في القرآن بمعنى الجدال
والخصومة و اللجاج، وقد تواردت الآيات على هذا المعنى.
ــ فمن ذلك : قوله تعالى :" ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك " {البقرة 258} أي: جادله وخاصمه في التوحيد . {أنظر: معالم التنزيل للبغوي (1/315) }
ــ ومن ذلك قوله تعالى : قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا {البقرة 139} قال ابن عباس: أي أتخاصموننا في الله .
( أخرجه ابن جرير في تفسيره (1/571) وابن أبي خاتم في تفسيره (1/ 404 رقم 1325)
ــ ومن ذلك قوله : لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا ظلموا منهم " {البقرة 150}
قال ابن جرير رحمه الله في هذه الآية :" فإن قال قائل: فأيّةُ حُجة كانت لأهل الكتاب بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحوَ بيت المقدس، على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ؟
قيل: قد ذكرنا فيما مضى ما روي في ذلك. قيل: إنهم كانوا يقولون: ما درَى مُحمد وأصحابهُ أين قبلتهم حتى هديناهم نحن! وقولهم: يُخالفنا مُحمد في ديننا ويتبع قبلتنا! فهي الحجة التي كانوا يحتجُّون بها عَلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، على وجه الخصومة منهم لهم، والتمويه منهم بها على الجهالّ وأهل الغباء من المشركين.
وقد بينا فيما مضى أن معنى حِجاج القوم إيَّاه، الذي ذكره الله تعالى ذكره في كتابه، إنّما هي الخصومات والجدال. فقطع الله جل ثناؤه ذلك من حجتهم وَحسمه، بتحويل قبلة نبيّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، من قبلة اليهود إلى قبلة خليله إبراهيم عليه السلام. وذلك هو معنى قول الله جل ثناؤه:"لئلا يكون للناس عليكم حجة"، يعني ب"الناس"، الذين كانوا يحتجون عليهم بما وصفت. اهـ { جامع البيان (3/200) }
وقال ذاك الخطيب البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه (2/232) في هذه الآية موضحا معنى الحجة في القرآن الكريم :" وقد ورد القرآن بتسمية ما ليس بحجة في الحقيقة حجة ، قال الله تعالى : لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقال تعالى : (لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم ) فأما الآية الأولى فإن تقديرها : بعثت الرسل ، وأزحت العلل ، حتى لا يقولوا يوم القيامة : إنا كنا عن هذا غافلين ، ولا يقولوا : لولا أرسلت إلينا رسولا ، فأزاح الله العلل بالرسل ، حتى لا يكون لهم حجة فيما ارتكبوه من المخالفة ، ويجب أن تعلم أن الله تعالى لو ابتدأ الخلق بالعذاب لم يخرج بذلك عن الحكمة ، ولا كانت عليه حجة وله أن يفعل ذلك ، لأنه قسم من أقسام التصرف في ملكه ، فبان أن ما يقولونه ليس بحجة ، إذ ليس ذلك من شرط عذابه ، وإنما سماه حجة ؛ لأنه يصدر من قائله مصدر الحجاج والاستدلال ، وأما الآية الأخرى فإنها نزلت في اليهود ، وذلك أنهم قالوا : لو لم يعلم محمد أن ديننا حق ما صلى إلى بيت المقدس ، فأنزل الله تعالى : لئلا يكون للناس عليكم حجة يعني اليهود في قولهم هذا ، وإن لم يكن حجة في الحقيقة ، وليس تفرق العرب بين ما يؤدي إلى العلم أو الظن أن تسميه حجة ودليلا وبرهانا . اهـ
ـ ومنه قوله: فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن" {آل عمران 20}
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن حاجَّك: يا محمد، النفرُ من نصارى أهل نجران في أمر عيسى صلوات الله عليه، فخاصموك فيه بالباطل، فقل: انقدت لله وحده بلساني وقلبي وجميع جوارحي.{ التفسير (6/280)
وقال ابن كثير في هذه الآية :" قال تعالى: { فَإِنْ حَاجُّوكَ } أي: جادلوك في التوحيد ." { أنظر تفسيره (2/26) }
ـ ومن ذلك قوله :" ها أنتم حاججتم فيما لكم به علم فلما تحاجون فيما ليس لكم به علم " { آل عمران 66}
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"ها أنتم"، القومَ الذين [قالوا في إبراهيم ما قالوا "حاججتم"]، خاصمتم وجادلتم "فيما لكم به علم"، من أمر دينكم الذي وجدتموه في كتبكم، وأتتكم به رسل الله من عنده، وفي غير ذلك مما أوتيتموه وثبتت عندكم صحته "فلم تحاجون"، يقول: فلم تجادلون وتخاصمون"فيما ليس لكم به علم"، يعني: في الذي لا علم لكم به من أمر إبراهيم ودينه، ولم تجدوه في كتب الله، ولا أتتكم به أنبياؤكم، ولا شاهدتموه فتعلموه ؟ . اهـ { أنظر تفسير ابن جرير (6/492) }
ـ ومن ذلك قوله أيضا : وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان" { الأنعام 80}
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وجادل إبراهيم قومه في توحيد الله وبراءته من الأصنام،وكان جدالهم إياه قولُهم: أن آلهتهم التي يعبدونها خير من إلهه. قال إبراهيم: "أتحاجوني في الله"، يقول: أتجادلونني في توحيدي الله وإخلاصي العمل له دون ما سواه من آلهة "وقد هدان"، يقول: وقد وفقني ربي لمعرفة وحدانيته، وبصّرني طريق الحقّ حتى أيقنتُ أن لا شيء يستحق أن يعبد سواه . اهـ { جامع البيان (11/488) }
وقال ابن كثير": يقول تعالى: وجادله قومه فيما ذهب إليه من التوحيد، وناظروه بشبه من القول، قال { قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ } أي: تجادلونني في أمر الله وأنه لا إله إلا هو، وقد بصرني وهداني إلى الحق وأنا على بينة منه؟ فكيف ألتفت إلى أقوالكم الفاسدة وشبهكم الباطلة ؟! . اهـ { (3/239) }
ــ ومن ذلك قوله تعالى :" وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّار ." { غافر 47 }
قال بن جرير : ( وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ ) يقول: وإذ يتخاصمون في النار. ( جامع البيان {20 /398} )
ـ ومن ذلك قوله :" فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (الشورى 15)
قال بن جرير في هذه الآية: قوله:( لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ) يقول: لا خصومة بيننا وبينكم. ثم روى عن مجاهد، في قوله:( لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم ) قال: لا خصومة.
وروى عن ابن زيد، في قول الله عز وجل:( لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ) لا خصومة بيننا وبينكم . اهـ { أنظر جامع البيان (21/518) }
ـ ومن ذلك قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ { الشورى 16}
قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: والذين يخاصمون في دين الله الذي ابتعث به نبيه محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من بعد ما استجاب له الناس، فدخلوا فيه من الذين أورثوا الكتاب( حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ ) يقول: خصومتهم التي يخاصمون فيه باطلة ذاهبة عند ربهم( وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ) يقول: وعليهم من الله غضب، ولهم في الآخرة عذاب شديد، وهو عذاب النار.
وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من اليهود خاصموا أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في دينهم، وطمعوا أن يصدوهم عنه، ويردوهم عن الإسلام إلى الكفر. اهـ { أنظر جامع البيان (21/518) }
{قلت} : وقد ذكر بعض أهل اللغة هذا الوجه من معنى الحجة كما جاء في القاموس المحيط للفيروز آبادي( ص 167) قال : المحجاج الجدل ..والتحاج، التخاصم , اهـ
وقال في مختار الصحاح ( ص 116 ) : في المثل لج فحج ، فهو رجل محجاج بالكسر أي : جدل، والتحاج التخاصم , اهـ
وجاء في المعجم الوسيط{ (1/ 156) مادة حج }:" المحاجة أي :المجادلة . اهـ
ــ ومما جاء من الأحاديث في هذا الباب ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إحتج آدم وموسى عليهما السلام" ...." أي تجادلا وتخاصما فكانت الغلبة والحجة لآدم عليه السلام فقال : فحج آدم موسى" .{ الحديث : رواه البخاري (3409) ومسلم (2652) }
وهنا ضابط مهم :
وهو أنه قد تأتي الحجة في القرآن بمعنى الدليل والبرهان لكن مقيدة و مضافة إلى الله تعالى، وذلك كقوله عز وجل : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه " {الأنعام83} وكما في قوله أيضا : ولله الحجة البالغة { الأنعام 149} فإذا جاءت مضافة إلى الله تعالى لا يمكن أن تفسر بمعنى الجدال ، وبهذا تنضبط القاعدة في هذا الباب ويطرد الأصل ، فتأمل هذا التفصيل واعتبر به .
ولابن القيم في كتابه مفتاح دار السعادة ( ص :181 ــ 182) كلام حول هذا المعنى حيث قال: " الحجة هي اسم لما يحتج به من حق وباطل، قال تعالى :" لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا " {البقرة 150} فإنهم يحتجون عليكم بحجة باطلة " فلا تخشوهم واخشوني" وقال تعالى:" وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين" { الجاثية25} والحجة المضافة إلى الله هي الحق وقد تكون الحجة بمعنى الخصومة ، ومنه قوله تعالى: "لا حجة بيننا وبينكم " {الشورى 150} أي قد وضح الأمر واستبان وظهر فلا خصومة بيننا بعد ظهوره ولا مجادلة، فإن الجدال شريعة موضوعة للتعاون على إظهار الحق ، فإذا ظهر الحق ولم يبق به خفاء، فلا فائدة في الخصومة والجدال على بصيرة و مخاصمة المنكر ومجادلته عناء لا غنى فيه ، فهذا معنى الآية . اهـ
{قلت} : فإذا تبين هذا الأصل، تبين لك أن إقامة الحجة إنما هي لأجل إبطال اللجج والخصومة والجدال يوم القيامة على كل من خالف الحق وارتكب الشرك ، و حتى لا يقول كل من أشرك به : إني كنت غافلا ، أو يقول لما لم ترسل إلي رسولا قبل أن تعذبني ؟؟ فأزاح الله عزوجل هذه العلل وهذه الخصومات ببعثة الرسل إنزال الكتب ولله الحجة البالغة على الخلق أجمعين .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق