الأربعاء، 14 يونيو 2017

تاريخ أهل الزيغ والبهتان مع حديث خلق آدم على صورة الرحمن

تاريخ أهل الزيغ والبهتان مع حديث خلق آدم على صورة الرحمن


بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أما بعد :




عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ , فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» [ أخرجه البخاري (6227) ومسلم (6748) ]


كان فيما أخبر به عليه الصلاة والسلام أن الله خلق آدم على صورة الرحمن ، فأهل التوحيد والسنة استقبلوا هذا الحديث بمحبة وتسليم وانقياد،وأثبتوا معناه دون تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل وأجروه مجرى أحاديث الصفات ، وليس هو بأعجب من إثبات القدم والأصابع والساق وغير ذلك لرب العالمين على ما يليق بجلاله. وهذا الحديث كان ولا يزال فتنة للعلماء قبل طلبة العلم ، وقد كان قديما عند السلف لا يرده إلا جهمي أو ضعيف الرأي ، واليوم صار من أثبته يعتبرا مشبها كما يدعي زعيم الإرجاء !! ولقد زل فيه الكثير من أهل السنة قبل أهل التجهم والأشعرية ، وكان أهل الحديث والأثر من السلف يتداولون هذا الحديث في كتب العقائد والسنة دون تأويل أو تحريف ، حتى زل فيه من زل فاغتر بهم بعض من لا يفهم سبب تأويل الجهمية لهذا الحديث ، وإليك ما قاله السلف في هذا الحديث الخطير فنقول باختصار :                                                                                                                             

روى عبد الله في السنة (1053) حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : سَمِعْتُ الْحُمَيْدِيَّ، وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا الْحَدِيثِ يَقُولُ: هَذَا الْحَقُّ وَهَذَا الْحَقُّ وَيَتَكَلَّمُ بِهِ وَابْنُ عُيَيْنَةَ سَاكِتٌ، قَالَ أَبِي: مَا يُنْكِرُ قَوْلَهُ كَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ "وروى الخلال عن أبي بكر المروذي ،قال :سمعت أبا عبد الله يقول :لقد سمعت الحميدي بحضرة سفيان بن عيينة ،فذكر هذا الحديث "خلق الله آدم على صورته" فقال :من لا يقول بهذا فهو كذا وكذا ،يعني من الشتم ،وسفيان ساكت لا يرد عليه ) .اهــــ                                                                                                        
روى ابن بطة في الإبانة الكبرى (198) عن أبي طالب قال :سمعت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل-يقول :من قال :إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي ٌّ،وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه ) .اهـ وقال المروذي : أظن أني ذكرت لأبي عبد الله عن بعض المحدَّثين بالبصرةِ أنه قال:قول النبي :"خلق الله آدم على صورته" قال:صورة الطين قال : هذا جهميٌّ ، وقال : نسلَّم الخبر كما جاء ) اهــ ــ            

وروى ابن بطة برقم (197)عن إسحاق بْنُ مَنْصُورٍقَالَ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ:  «لَا تُقَبِّحُوا الْوُجُوهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»، أَلَيْسَ تَقُولُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ؟ قَالَ أَحْمَدُ: صَحِيحٌ، قَالَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ: صَحِيحٌ وَلَا يَدَعُهُ إِلَّا مُبْتَدِعٌ أَوْ ضَعِيفُ الرَّأْيِ ) اهـــ                                                                                                               روى الآجري في الشريعة (697) وَحَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ الطَّيَالِسِيُّ , حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ الْكَوْسَجُ قَالَ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ يَعْنِي ابْنَ حَنْبَلٍ: يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ , حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا , أَلَيْسَ تَقُولُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ؟ وَيَرَاهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ يَعْنِي رَبَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ؟ وَلَا تُقَبِّحُوا الْوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ وَاشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى وَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ , وَإِنَّ مُوسَى لَطَمَ مَلَكَ الْمَوْتِ قَالَ أَحْمَدُ : « كُلُّ هَذَا صَحِيحٌ » , قَالَ إِسْحَاقُ : « هَذَا صَحِيحٌ , وَلَا يَدْفَعُهُ إِلَّا مُبْتَدِعٌ أَوْ ضَعِيفُ الرَّأْيِ » 

وروى الآجري أيضا (726) حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ كُرْدِيٍّ قَالَ: نا أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَرُدُّهَا الْجَهْمِيَّةُ فِي الصِّفَاتِ وَالْإِسْرَاءِ وَالرُّؤْيَةِ وَقِصَّةِ الْعَرْشِ؟ فَصَحَّحَهَا وَقَالَ: «قَدْ تَلَقَّتْهَا الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ , تُسَلَّمُ الْأَخْبَارُ كَمَا جَاءَتْ»                                                 
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ: وَأَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَسْتَأْذِنَانِهِ أَنْ يُحَدِّثَا بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَرُدُّهَا الْجَهْمِيَّةُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: حَدِّثُوا بِهَا , قَدْ تَلَقَّتْهَا الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ , وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: تُسَلَّمُ الْأَخْبَارُ كَمَا جَاءَتْ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ , فَذَكَرَ مِثْلَ مَا قِيلَ فِيهِ , ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: نُؤْمِنُ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ الَّتِي جَاءَتْ كَمَا جَاءَتْ , وَنُؤْمِنُ بِهَا إِيمَانًا , وَلَا نَقُولُ: كَيْفَ؟ وَلَكِنْ نَنْتَهِي فِي ذَلِكَ إِلَى حَيْثُ انْتُهِيَ لَنَا , فَنَقُولُ مِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ كَمَا جَاءَتْ ) اهــــ .

وقال ابن بطة في الإبانة الكبرى (7/244) : بَابُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ بِلَا كَيْفٍ قَالَ الشَّيْخُ: وَكُلُّ مَا جَاءَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَصَحَّتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَرْضٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَبُولُهَا، وَالتَّصْدِيقُ بِهَا، وَالتَّسْلِيمُ لَهَا، وَتَرْكُ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهَا، وَوَاجِبٌ عَلَى مَنْ قَبِلَهَا، وَصَدَّقَ بِهَا أَنْ لَا يَضْرِبَ لَهَا الْمَقَايِيسَ، وَلَا يَتَحَمَّلَ لَهَا الْمَعَانِيَ وَالتَّفَاسِيرَ لَكِنْ تَمُرُّ عَلَى مَا جَاءَتْ وَلَا يُقَالُ فِيهَا: لِمَ؟ وَلَا كَيْفَ؟ إِيمَانًا بِهَا وَتَصْدِيقًا، وَنَقِفُ مِنْ لَفْظِهَا وَرِوَايَتِهَا حَيْثُ وَقَفَ أَئِمَّتُنَا وَشُيُوخُنَا، وَنَنْتَهِي مِنْهَا حَيْثُ انْتَهَى بِنَا، كَمَا قَالَ الْمُصْطَفَى نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَا مُعَارَضَةٍ، وَلَا تَكْذِيبٍ، وَلَا تَنْقِيرٍ، وَلَا تَفْتِيشٍ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَإِنَّ الَّذِينَ نَقَلُوهَا إِلَيْنَا هُمُ الَّذِينَ نَقَلُوا إِلَيْنَا الْقُرْآنَ وَأَصْلَ الشَّرِيعَةِ، فَالطَّعْنُ عَلَيْهِمْ، وَالرَّدُّ لِمَا نَقَلُوهُ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ طَعْنٌ فِي الدِّينِ، وَرَدٌّ لِشَرِيعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَالْمُنْتَقِمُ مِنْهُ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ) اهــ

قال الآجري في الشريعة (2/106) بعد روايته لحديث الصورة: هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يقال كيف؟ ولم؟ بل تستقبل بالتسليم والتصدق، وترك النظر، كما قال من تقدم من أئمة المسلمين) اهــــ                                                                                                               
ويقول ابن قتيبة: (والذي عندي - والله تعالى أعلم - أن الصورة ليست بأعجب من اليدين، والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد) [تأويل مختلف الحديث ص: 261]                                                                                                                   (قلت) ومما يخنق الجهمية أكثر ، هي آثار بن عباس التي طالما أزعجتهم فمما روي عنه في هذا الباب  :

ما رواه ابن بطة في الإبانة الكبرى (191) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: غَضِبَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْضِ مَا كَانُوا يَتْلُونَهُ مِنْهُ فَلَمَّا نَزَلَ الْحَجَرُ قَالَ: «اشْرَبُوا يَا حَمِيرُ» فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: " أَنْ يَا مُوسَى تَعَمِدُ إِلَى خَلْقٍ مِنْ خَلْقِي خَلَقْتُهُمْ عَلَى مِثْلِ صُورَتِي فَتَقُولُ لَهُمْ: يَا حَمِيرُ؟ " فَمَا بَرِحَ مُوسَى حَتَّى أَصَابَتْهُ عُقُوبَةٌ .                                                                         
روى أبو يعلى في إبطال التأويلات (69) وقد روي عن ابن عباس ما دل أن الهاء راجعة عَلَى الرحمن، ذكره إسحاق بن بشر القرشي فِي كتاب المبتدأ بإسناده، عن ابن عباس، أن ملك الروم كتب إلى معاوية يسأله عن مسائل منها: أخبرني عن أكرم رجل عَلَى الله، فانفذ بها معاوية إلى ابن عباس فقال: أكرم رجل عَلَى الله آدم خلقه بيده، ونحله صورته، ونفخ فيهمن روحه، واسجد له ملائكته، وأسكنه جنته .

الأجيال الثلاثة المتعاقبة على رد الحديث:


قبل أن تأتي فرقة من أهل الحديث يحرفون الحديث ويؤولونه على طريقة الجهمية ، وقع وهم صغير عند الإمام مالك في هذا الحديث ، فإنه لم يصله بسند صحيح عنده فلما وصله من طريق واحدة وهي رواية بن عجلان وكان لا يرضى به مع أنه ثقة حافظ ، توقف في صحة الحديث ورده متوهما أن ابن عجلان تفرد به !! فصار أول من يقع عنده إشكال في سند هذا الحديث ، قبل أن تنبت فئمة تثبته وتحرفه وإليك حقيقة ما جرى :

حديث بن عجلان الذي في الصحيحين الذي اتفق الحفاظ على صحته ، وظن مالك أن ابن عجلان تفرد به ، وغلط رحمه الله كما سيأتي ، لكن لم يضعف الحديث من باب التأويل والتحريف الذي سلكته الجهمية في رد الحديث ، إنما رده من باب ضعف السند عنده فقط ، فهو معذور ، وإلا لو صح عنده لما تأخر في قبوله ، فلا حجة في هذا للجهمية والمرجئة اليوم ، أما جواب عن تضعيف الإمام مالك رحمه الله الذي لا شك في وهمه وغلطه باتفاق الحفاظ لأنه تفرد بتضعيف حديث الصحيحين فنقول :                       

أما عن توثيق كلام مالك عنه :

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ العُقَيْلِيُّ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللهِ بنِ ذَكْوَانَ في الضعفاء(3/219 ـــ 220) ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه (28/61) وابن عدي كما في السير (7/173) : قال حَدَّثَنَا مِقْدَامُ بنُ دَاوُدَ, حَدَّثَنَا الحَارِثُ بنُ مِسْكِيْنٍ, وَابْنُ أَبِي الغَمْرِ, قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ القَاسِمِ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكاً عَمَّنْ يُحَدِّثُ بِالحَدِيْثِ الَّذِي قَالُوا: "إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُوْرَتِهِ"  فَأَنْكَر ذَلِكَ إِنْكَاراً شَدِيْداً, وَنَهَى أَنْ يَتَحَدَّثَ بِهِ أَحَدٌ فَقِيْلَ إِنَّ نَاساً مِنْ أَهْلِ العِلْمِ يَتَحَدَّثُوْنَ بِهِ قَالَ: مَنْ هُم? قِيْلَ: ابْنُ عَجْلاَنَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ ابْنُ عَجْلاَنَ هَذِهِ الأَشْيَاءَ وَلَمْ يَكُنْ عَالِماً, وَلَمْ يَزَلْ أَبُو الزِّنَادِ عَامِلاً لِهَؤُلاَءِ حَتَّى مَاتَ, وَكَانَ صَاحِبَ عُمَّالٍ يَتْبَعُهُم ) اهـ

وروى ابن أبي زمنين في أصول السنة (25) وَقَدْ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ لُبَابَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَد اَلْعتْبِي، عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عبد الرحمن بْنِ اَلْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ: ... وَكَانَ مَالِكٌ يُعَظِّمُ أَنْ يُحَدِّثَ أَحَدٌ بِهَذِهِ اَلْأَحَادِيثِ اَلَّتِي فِيهَا: أَنَّ اَللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ وَضَعَّفَهَا ) اهــــ .

(قلت) قد كفانا الجواب ذاك الذهبي عن جوابه فقال في السير (6/164) عند ترجمة أبي الزناد قال في جوابه عن مالك :قُلْتُ: الخَبَرُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ ابْنُ عَجْلاَنَ, بَلْ وَلاَ أَبُو الزِّنَادِ, فَقَدْ رَوَاهُ: شُعَيْبُ بنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، وَرَوَاهُ: قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي أَيُّوْبَ المَرَاغِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرَوَاهُ: ابْنُ لَهِيْعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ, وَأَبِي يُوْنُسَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ: مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَصحَّ أَيْضاً مِنْ حَدِيْثِ ابْنِ عُمَرَ وَقَدْ قَالَ إِسْحَاقُ بنُ رَاهُوَيْه عَالِمُ خُرَاسَانَ: صَحَّ هَذَا، عَنْ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَهَذَا الصَّحِيْحُ مُخَرَّجٌ فِي كِتَابَيْ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ ، فَنُؤْمِنُ بِهِ, وَنُفَوِّضُ, وَنُسِلِّمُ, وَلاَ نَخُوضُ فِيْمَا لاَ يَعْنِيْنَا, مَعَ عِلْمِنَا بِأَنَّ اللهَ لَيْسَ كَمِثلِهِ شَيْءٌ, وَهُوَ السَّمِيْعُ البَصِيْرُ ) اهــــ .

وقال أيضا في السير (7/173) ردا على مالك : (قُلْتُ) : أَنْكَرَ الإِمَامُ ذَلِكَ، لأَنَّهُ لَمْ يَثبُتْ عِنْدَهُ، وَلاَ اتَّصَلَ بِهِ، فَهُوَ مَعْذُورٌ، كَمَا أَنَّ صَاحِبَي "الصَّحِيْحَيْنِ" مَعْذُورَانِ فِي إِخرَاجِ ذَلِكَ –أَعْنِي: الحَدِيْثَ الأَوَّلِ وَالثَّانِي- لِثُبُوتِ سَنَدِهِمَا، وأما الحديث الثالث، فلا أعرفه بِهَذَا اللَّفْظِفَقَولُنَا فِي ذَلِكَ وَبَابِهِ: الإِقرَارُ وَالإِمْرَارُ وَتَفْويضُ مَعْنَاهُ إِلَى قَائِلِه الصَّادِقِ المَعْصُومِ ) .

الجيل الأول ممن تأول حديث الصورة : 

ومن أوائل من ضل في هذا الحديث أبو ثور وقد رموه السلف بالتجهم بعدما أوّله مع أن أبا ثور فقيه من كبار أصحاب الشافعي :روى أبو طالب قال : قال لي أحمد بن حنبل: صح الأمر على أبي ثور. من قال إن الله خلق اّدم على صورة اّدم فهو جهمي وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه ؟! وروى الخلال عن أبي طالب من وجهين قال : سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل يقول: من قال إن الله خلق اّدم على صورة اّدم فهو جهمي وأي صورة كانت لاّدم قبل أن يخلقه ؟! [ أنظر إبطال التأويلات (1/93) وميزان الإعتدال (1/603) ]                                                                                                                                                       وروى الخلال عن المروذي قال : أظن أني ذكرت لأبي عبدالله عن بعض المحدثين بالبصرة أنه قال: على صورته أي صورة الطين قال: هذا جهمي نسلم الخبر كما جاء.                                                                                                             وقال محمد بن جعفر سألت عبدالوهاب الوراق - من كبار أصحاب أحمد - عن أبي ثور فقال:أتدّين فيه بماحدثني أبو طالب عن أبي عبدالله أنه قال: يُجفى وُيجفى من أفتى برأيه. وقال عبدالوهاب غير مرة: أبو ثور جهمي ، وقال مرة: ما أدين فيه إلا بقول أحمد يُهجر أبو ثور ومن قال بقوله.                                                                            
وفي طبقات الحنابلة (1/236) : إِبْرَاهِيم بْن أبان الموصلي عنده عَنْ إمامنا مسائل: منها قَالَ: سمعت أبا عبد اللَّه وجاءه رجل فقال: إني سمعت أبا ثور يقول إن اللَّه خلق آدم عَلَى صورة نفسه فأطرق طويلا ثم ضرب بيده عَلَى وجهه ثم قَالَ: هذا كلام سوء هذا كلام جهم هذا جهمي لا تقربوه.                                                                         
وفي طبقات الحنابلة أيضا (2/90) قال عبد الوهاب الوراق : من لم يقل أن الله خلق آدم على صورة الرحمن فهو جهمي ) .
الجيل الثاني ممن تأول حديث الصورة : ثم أظهر ابن خزيمة تحريف حديث الصورة وهو دون أبي ثور في العلم والمنزلة وأنكر ذلك عليه علماء عصره وعدوا ذلك من زلاته الكبار وإن لم يبلغوا في الإنكار عُشر إنكار السلف لأنه ما يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه.وقد نقل بن تيمية في ( أجوبة الفتوة المصرية )عن الشيخ أبي الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي أنه قال في كتابه {الفصول في الأصول} قوله :"فأما تأويل من لم يُتابعه عليه الأئمة فغير مقبول ،وإن صدر ذلك التأويل عن إمام معروف غير مجهول ، نحو ما ينسب إلى أبي بكر محمد بن خزيمة تأويل الحديث "خلق آدم على صورته... ) اهــــ .

ونقل بن تيمية أيضاً عن الحافظ أبي موسى المديني فيما جمعه من مناقب الإمام الملقب بقوام السنة أبي القاسم إسماعيل بن محمد التيمي صاحب كتاب {الترغيب والترهيب }قال :سمعته يقول :أخطأ محمد بن إسحاق بن خزيمة في حديث الصورة ،ولا يطعن عليه بذلك ،بل لا يؤخذ عنه فحسب ،قال أبو موسى أشار بذلك إلى أنه قلَّ من إمام إلا وله زلة ، فإذا تُرك ذلك الإمام لأجل زلته تُرك الكثير من الأئمة وهذا لا ينبغي أن يفعل ) اهـ

(قلت) بلينبغي التشديد على ابن خزيمة فإنه فتق في السنة مدخلا ــــ وإن كان بلا قصد ــــ للتجهم لمن بعدهم ، فهو ارتكب ثلاث محذورات في هذا الحديث أكثر مما جاء به أبو ثور ، مع أن القصاب الذي نقل عنه ابن تيمية حاول أن يشكك في نسبته لابن خزيمة وأن مزور عليه ، لكن تتابع مدرسة ابن خزيمة على هذا يقوي احتمال نسبته إليه ، وعلى كل حال ، سواء ثبت عنه ذلك أم لا ، فهو كلام خطير من ثلاث أوجه هي :أولا : تضعيفه لحديث بن عمر الذي صححه السلف فهذه أول مخالفة .ثانيا : تحريف معناه على طريقة الجهمية . ثالثا : لم يكتفي بذلك كله حتى طعن فيمن أثبته وقال بما يقتضيه من الصفة ، أي أنه طعن في جميع السلف وهو لا يشعر .
( ثم انقطع الحبل ) وتتابع بعض من لم يعرف مذهب السلف وشدة تعاملهم مع من حرفه ،بسبب أنهم كانت بينهم فجوة .                 

فتأوله ابن منده في كتابه التوحيد ، وادعى خلاف السلف في تأويله ثم حرفه بكلام سيئ جدا على طريقة الجهمية في تحريفه ولم أر من تصدى للرد عليه وبيان أنه ضل في هذا الحديث !! .                                                                                             ثم وقع فيه أبو الشيخ الأصبهاني من أهل الحديث ، حيث نقل فتوة شاذة مقلوبة عن أحمد نسب إليه أنه حرف حديث الصورة !! ، حتى هجره بعض أهل الحديث بسبب نشره لتلك الرواية المكذوبة على أحمد ، وقد تصدى للرد عليه أبو طالب المكي ، فيما حكاه أبو يعلي الحنبلي .                                                                                              
قال أبو يعلى في إبطال التأويلات (76): وقد ذكر أَبُو مُحَمَّد بن حيان الأصبهاني فِي مجموع له فِي التفسير فِي سورة حم عسق بخط أَبِي مالك المكي، فقال صاحب الكتابة، عن حمدان بن الهيثم المديني، سمعت أَبَا مسعود يَقُول: قَالَ أَحْمَد بن حنبل: معنى قَالَ أَبُو طالب المكي: هَذَا توهم عن أَحْمَد إنما هَذَا قول أَبِي ثور فذكر ذَلِكَ لأحمد فأنكر عليه وَقَالَ: ويله وأي صورة كانت لآدم حتى خلقه عليها يَقُول: إن الله خلق عَلَى مثال، ويله فكيف يصنع بالحديث الآخر: " أن الله خلق آدم عَلَى صورة الرحمن " فهذا هو المحفوظ من قول أَحْمَد، وإنما التبس القولان فنسب ذَلِكَ إلى أَحْمَد لأن أَبَا ثور كان سئل عن قوله: خلق آدم عَلَى صورته " فقال: الهاء عائدة عَلَى آدم فإن قيل: الزيادة المذكورة فِي حديث ابن عمر: " خلق آدم عَلَى صورة الرحمن " غير صحيحة، وقد قَالَ أَحْمَد في رواية المروذي: الأعمش يَقُول: عن حبيب بن أَبِي ثابت، عن عطاء، عن ابن عمر: " إن الله خلق آدم عَلَى صورة الرحمن "، وأما الثوري فيوقفه يعني حديث ابن عمر، وقد رواه أَبُو الزناد، عن الأعرج عن أَبِي هُرَيْرَةَ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(عَلَى صورته) فيقول كما جاء فقد بين أَحْمَد أنبعضهموقفه وبعضهم وصله، قيل هَذِهِ الزيادة صحيحة ثابتة، حَدَّثَنَا بها أَبُو القسم عبد العزيز من الطريق الذي ذكرنا، وذكرها أَبُو الحسن الدارقطني فيما خرجه من أخبار الصفات، وذكرها أَبُو بكر أَحْمَد بن سلمان النجاد فِي السنة، وذكرها أَبُو عبد الله بن بطة فِي كتاب الإبانة، ولا يجوز أن يتطابق هَؤُلاءِ الحفاظ عَلَى نقل باطلة أو ضعيفة، والذي حكاه أَحْمَد عن الثوري وأنه وقفها لا يدل عَلَى ضعفها، لأنه لا يجوز أن لا تقع له هَذِهِ الزيادة وتقع لغيره، ومثل هَذَا لا ترد به الأخبار ) اهــــ           
وقال ذاك الذهبي في ميزان الإعتدال عند ترجمته (2287) : أتى بشئ منكر عن أحمد، عن أحمد بن حنبل في معنى قوله عليه السلام: ( إن الله خلق آدم على صورته )، زعم أنه قال صور الله صورة آدم قبل خلقه، ثم خلقه على تلك الصورة، فأما أن يكون خلق الله آدم على صورته فلا، فقد قال تعالى: (ليس كمثله شيء) ، قال يحيى بن مندة في مناقب أحمد: قال المظفر بن أحمد الخياط في كتاب السنة: وحمدان بن الهيثم يزعم أن أحمد قال: صور الله صورة آدم قبل خلقه، وأبو الشيخ فوثقه في كتاب الطبقات.
ويدل على بطلان روايته ما رواه حمدان بن علي الوراق الذي هو أشهر من حمدان بن الهيثم، وأقدم.
أنه سمع أحمد بن حنبل، وسأله رجل عن حديث خلق آدم على صورته على صورة آدم، فقال أحمد: فأين الذي يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم على صورة الرحمن.
ثم قال أحمد: وأى صورة لآدم قبل أن يخلق.
قال الطبراني : سمعت عبد الله بن أحمد يقول: قال رجل لأبي: إن فلانا يقول في حديث رسول الله: إن الله خلق آدم على صورته ، فقال: على صورة الرجل ، فقال أبي: كذب، هذا قول الجهمية ، وأي فائدة في هذا !! ) وقيل: إن أبا عمر بن عبد الوهاب هجر أبا الشيخ لمكان حكاية حمدان، وقال: إن أردت أن أسلم عليك فأخرج من كتابك حكاية حمدان بن الهيثم) انتهـــى من الميزان.

(قلت) ولا غرابة أن يقولوا هذا ، فإنهم خريجي مدرسة ابن خزيمة وهم تلاميذه ، فلابد أن يتأثروا به ، لأنه ألقى شبهات قوية عليهم في هذا الحديث ، ثم تصدى لنشر هذه الفضيحة البيهقي الأشعري ، وطورها بزخارفه وزاد في تحريفها ونشرها في كتابه : ( الأسماء والصفات ) على أنها مذهب لأهل السنة ، وهذا الجهمي خطير جدا، يدس السم باسم العسل ولا يتفطن له أغبياء السلفية المرجئة اليوم بل ويعظمونه ويعتقدون أنه من الأئمة الكبار !!

مناظرة : 

ثم جرت مناظرة مشهورة بين أبي إسحاق ابن شاقلا الحنبلي وأبي سليمان الدمشقي في هذا الحديث ،  فيما حكى أبو يعلى في إبطال التأويلات (79) قال : وقد ذكر أَبُو إسحاق بن شاقلا فِي جملة ما جرى له فِي مناظرته لأبي سُلَيْمَان الدمشقي عَلَى قول النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " خلق آدم عَلَى صورته " وأن الهاء غير راجعة عَلَى آدم، فقال أَبُو سُلَيْمَان: قد جاء فِي الحديث عن أَبِي هُرَيْرَةَ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أن الله خلق آدم عَلَى صورة آدم "، فقال أَبُو إسحاق: هَذَا كذب عَلَى رسول الله !! ، فقال الدمشقي: بلى قد جاء فِي الحديث: " طوله ستون ذراعا " فعلمت أنه آدم، فقال له أَبُو إسحاق: قد روى هَذَا وليس هو الذي ادعيت عَلَى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنك قلت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله خلق آدم عَلَى صورة آدم " ثم قَالَ أَبُو إسحاق: إن كانت هَذِهِ الزيادة محفوظة كان قوله: " خلق آدم عَلَى صورته " تم الكلام، ثم قَالَ: " طوله ستون ذراعا " إخبارا عن آدم بدلالة ما روي جرير عن الأعمش عن حبيب بن أَبِي ثابتعن عطاء عن ابن عمر عن رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تقبحوا الوجوه فإن الله خلق آدم عَلَى صورة الرحمن " قَالَ أَبُو إسحاق: هَذَا الحديث يذكر إسحاق بن راهويه أنه صحيح مرفوع وأما أَحْمَد فذكر أن الثوري وقفه عَلَى ابن عمر وكلاهما حجة لأنه إن كان مرفوعا فقد سقط العذر، وإن كان من قول ابن عمر فهو أولى ) اهـــ

(انفلات) ثم انفلت الحبل فصار من بعدهم يحكيه خلافا بين السلف ، بل أنه هو الحق ومذهب السلف شاذ !! وقد لخص ابن تيمية الكلام في هذا الجيل ، فقال كما في تلبيس الجهمية (3/376) :     ( لما انتشرت الجهمية في المئة الثالثة جعل طائفة الضمير عائدا إلى غير الله تعالى ) اهــــ


الجيل الثالث ممن تأول حديث الصورة

وفي عصرنا أظهر بعض المرجئة المعاصرين كالألباني وغيره تحريف حديث الصورة وكان التعامل مع هذا التحريف أضعف بكثير من التعامل مع ابن خزيمة فضلاً عن تعامل السلف مع أبي ثور حاشا ما كتبه الشيخ حمود التويجري وإخوانه من بقايا أهل التوحيد والسنة  ، فمن العجائب والعجائب جمة ، أن يقول ذاك الألباني في تعليقه على كتاب الأدب المفرد (1/372) : لقد أساء الشيخ التويجري رحمه الله إلى العقيدة والسنة الصحيحة معا بتأليفه الذي أسماه ( عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن ) .. الخ !! وقال : إن من أعاد الضمير على الله وقع في التشبيه !! وقال : إن من قال ( الضمير يعود على آدم هو جهمي ) فقوله من التشدد والتحمس والحرارة !! ثم وصف نقل بن تيمية إجماع السلف على عدم تأويل هذا الحديث : بأنه تناقض !! [ أنظر سلسلة الهدى والنور شريط 295) ] 

(قلت) يقول هذا وهو الذي أتى في تعليقه على السنة لابن أبي عاصم أتى بأعجب من هذا التناقض ، فإنه عندما روى ابن أبي عاصم في السنة (485)  ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى ثنا ابْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ عن ابن طاووس عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَ رَجُلٌ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَانْتَفَضَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا بَالُ هَؤُلاءِ يَجِدُّونَعِنْدَ محكمه ويهلكون عند متشابهه ) قال الألباني في تعليقه على هذا الموضع عند ابن ابي عاصم في تخريجه : ( ولم أقف على من نبه على المراد بهذا الحديث, ويغلب على الظن أنه حديث ( إن اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ) "

(قلت) يقول هذا وهو بنفسه قد انتفض منه ثم حرفه !! وقد رد عليه الشيخ التويجري وقصده بكتابه : ( عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن ) وأفحمه بالحجج الدامغة فلم يرتدع بل قرأ كتابه وأنكره !! ، وهلك في هذا الحديث عن بينة وجحود !! ثم بعد ذلك قذفه بشهاب آخر ردا عليه الشيخ عبد الله الدويش بكتاب سماه ( دفاع أهل السنة والإيمان عن حديث خلق آدم على صورة الرحمن ) حيث قال في مقدمة كتابه (ص5) عن تحريف الألباني للحديث : ( ولما تأملته وجدته عاريا عن التحقيق والبرهان ، بعيدا عن قول أهل السنة والجماعة ، موافقا لقول أهل الضلال الجهمية ، فنبهت عليه نصحا للأمة ، وخوفا من الإغترار به ...) إلخ  .                       
وعادة المتأخرين المعاصرين إذا فاجأتهم المسائل الكبار التي لم يتعودوا عليها ولا يريدون الانقياد لها رغم وضوحها أن يستقبلوها بالأمور التالية: أن يزعموا أن المسألة خلافية بين العلماء ولا يشدد فيها الإنكار ثم يؤول بهم الأمر إلى أن يكون مذهب الصحابة والتابعين هو الشاذ الضعيف ومذهب الأكثر هو التحريف كما صنع ابن حجر في شرحه للبخاري فقد قال: في المسألة ثلاثة أقوال: الأول: قول الأكثر أن الضمير يعود على المضروب أي خلق اّدم على صورة المضروب. القول الثاني: أن الضمير يعود إلى اّدم وهذا محتمل. القول الثالث: أعاد بعضهم الضمير على الله متمسكاً بما ورد في بعض طرقه ( أن الله خلق اّدم على صورة الرحمن) انتهى. واللفظ الأخير الذي وهنه ابن حجر صححه أحمد وإسحاق وغيرهم ممن لا يقترب ابن حجر من عشر معشارهم في العلم بالتصحيح والتضعيف. والعجيب من ابن حجر أنه لم يحك سوى ثلاثة أقوال فقط !! لأن عادته أن تصل الأقوال في بعض المسائل إلى أربعين قولاً فكل ماقيل من القرون الفاضلة إلى وقته ينصبه قولاً ولو كان من زبالات الأراء ونتائج الأذهان الكليلة، حتى يخرج القارئ من هذه الكتب وهولا يعرف شيئاً من الدين قد أُجمع عليه، حتى وصل الأمر إلى عصرنا فأصبح الشرك وتكفير المشرك من المسائل الخلافية، وترك الصلاة من المسائل الخلافية بل يقولون: الجمهور على عدم تكفير تاركها، وإجماع الصحابة والتابعين على كفره هو القول الشاذ الذي ينسب إلى بعضهم!!! والقول بأن العمل ليس من الإيمان بل هو من الكمال هذا يعد من أقوال أهل السنة في عصرنا وهكذا يهدم الدين ويضل الناس .وما أحسن قال محمد تقي الدين الهلالي عفا الله عنه : تضمن هذا الحديث الشريف ثلاث صفات لله عز وجل ، أولها: إتيان الله تعالى. وثانيها: الصورة. وثالثهما: رؤيتهم له بأبصارهم، وقد غص بذلك نفاة الصفات المعطلة الجهمية وتخطفتهم شياطينهم فأخذوا يهرفون ويهذرون بأنواع من التأويلات الباطلة التي تضحك الثكلى وتكشف عن تمكن البدعة من قلوبهم وسريانها في عروقهم ودمائهم وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين شبه البدعة بداء الكلب لا يترك عرقًا ومفصلًا إلا سرى فيه ) .

شبهة وجوابها :

وهي تتعلق بالحديث الذي هو شوكة في حلوق الجهمية والأشعرية ومن تأثر بهم حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه الذي رواه الأعمش وحدث به الأئمة وتناقلوه في كتب السنة والعقيدة إرغاما للجهمية وهو ما رواهابن أبى عاصم في السنة (2/229) وابن خزيمة في التوحيد (1/85) ح (41) وعبد الله في السنة (498) والآجري في الشريعة ص (315) والبيهقي في الأسماء والصفات ص (371) بسند صحيح عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُقَبِّحُوا الْوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ»

فقالوا : الحجة في تعليل الدارقطني وابن خزيمة لرواية عبد الله بن عمر التي فيها ( على صورة الرحمن ) فأعله ابن خزيمة في كتاب التوحيد بعنعنة حبيب بن أبي ثابت والأعمش لأنهما مدلسان !!  وأعله الدارقطني بالإرسال عن عطاء في علله (3077) !! والجواب من وجهين :                                                                                                                                         
الأول : بغض النظر عن ذكر طرق الحديث ونحو ذلك ، فنقول باختصار تلقى السلف حديث بن عمر بالقبول وحدثوا به الناس في المجالس ودونوه في كتب العقائد والرد على الجهمية وأنكروا على من رده أو حرفه ، قبل أن يخلق ابن خزيمة والدارقطني بقرون ، فإنهما متأخران جدا عن طبقة القرون الأولى وطبقة كبار الأئمة فالمتقدمين الذين صححوه دون خلاف ، رغم أن الدارقطني رحمه الله يصحح حديث الصورة الذي في الصحيحين ويثبته ولا يتاوله في كتابه الصفات ، ورى أيضا حديث ابن عمر في كتاب الصفات ولم يتكلم فيه ، بخلاف ابن خزيمة الذي زل فيه زلة عظيمة    

فممن صحح حديث بن عمر : أحمد وإسحاق وغيرهما وكفا بها حجة وعلما .               

وروى ابن بطة في الإبانة الكبرى (191) : عن الْمَرُّوذِيُّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: " كَيْفَ تَقُولُ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ؟» قَالَ: أَمَّا الْأَعْمَشُ فَيَقُولُ: عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ» فَنَقُولُ كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَذَكَرَ لَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ قَالَ: خَلَقَهُ عَلَى صُورَتِهِ، قَالَ: عَلَى صُورَةِ الطِّينِ، فَقَالَ: هَذَا كَلَامُ الْجَهْمِيَّةِ )                                                                   
قال حرب الكرماني في كتاب سمعت إسحاق بن راهوية يقول: "صح أن الله خلق آدم على صورة الرحمن". وقال إسحاق الكوسج: سمعت أحمد يقول: هو حديث صحيح. وقال الطبراني في كتاب "السنة": حدثنا عبد الله بن أحمد قال: قال رجل لأبي: إن رجلا قال: خلق الله آدم على صورته - أي صورة الرجل - فقال كذب هو قول الجهمية ) اهــــ [ الفتح (4/183) ]  

ونقل أبو يعلى في إبطال التأويلات (68) وقد روى أَبُو عبد الله بن منده بإسناده، عن إسحاق بن راهويهقَالَ: قد صح عن رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ: " إن آدم خلق عَلَى صورة الرحمن ".

وروى أيضا (73) وقد ذكر عبد الرحمن بن منده فِي كتاب الإسلام فقال: قَالَ أَبُو إسحاق إبراهيم بن أَحْمَد بن فراس فِي كتابه، عن حمدان بن علي قَالَ: سمعت أَحْمَد بن حنبل يَقُول وسأله رجل فقال: يا أَبَا عبد الله، الحديث الذي روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أن الله خلق آدم عَلَى صورته " عَلَى صورة آدم قَالَ: فقال أَحْمَد بن حنبل: فأين الذي يروى عن النبيصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أن الله تَعَالَى خلق آدم عَلَى صورة الرحمن عَزَّ وَجَلَّ " ثم قَالَ أَحْمَد: وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلق ) اهـــ                                                                                                    
قال أبو يعلى معلقا على كلام الإمام أحمد :وهذا من أَحْمَد دليل عَلَى صحته ) اهــــ         

قال الآجري في الشريعة (725) بعدما روى حديث بن عمر (.. فَإِنَّ ابْنَ آدَمَ خُلِقَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ»: هَذِهِ مِنَ السُّنَنِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْإِيمَانُ بِهَا , وَلَا يُقَالُ فِيهَا: كَيْفَ؟ وَلِمَ؟ بَلْ تُسْتَقْبَلُ بِالتَّسْلِيمِ وَالتَّصْدِيقِ , وَتَرْكِ النَّظَرِ , كَمَا قَالَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ) اهـ

الوجه الثاني : أننا إن تنزلنا معهم وضعفنا رواية بن عمر فتبقى رواية أبي هريرة في الصحيحين حجة عليه وقد أعاد السلف الضمير على الله بإجماع ، قال بن تيمية: هذا الحديث لم يكن بين السلف في القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة من عدة من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك. (بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية تحقيق: د. عبد الرحمن اليحيى (2/356)ومن للطائف ما يروى في هذا الباب ما ذكره أو يعلى في إبطال التأويلات(80) ورأيت فِي أخبار أَبِي الحسن بن بشار الشيخ الزاهد رواية أَبِي حفص عمر بن أَحْمَد بن إبراهيم البرمكي عن أبيهقَالَكنت أسمعالشيخ إذا دعا يَقُول فِي دعائه: اللهم صل عَلَى أبينا آدم الذي خلقته بيدك وأنحلته صورتك وأسجدت له ملائكتك، وزوجته حواء أمتك، فسبق عليه قضاؤك وقدرك فأكل من الشجرة وأهبطته إلى أرضك )

[ أنظر للمزيد : كتاب السنة لعبد الله (ص230) تحقيق آل حمدان وكتاب إثبات الحد للدشتي (45) تحقيق آل حمدان والرد على المبتدعة لابن البناء (74) تحقيق آل حمدان فيها تعليقات مفيدة حول هاته المسألة ، وكتاب الصفات للدارقطني (ص59) بتعليق الفقيهي ، وكتاب عقيدة أهل الإيمان في إثبات أن الله خلق آدم على صورة الرحمن للشيخ حمود التويجري ، وكتاب عبد الله الدويش الذي سماه : دفاع أهل السنة والإيمان عن حديث خلق آدم على صورة الرحمن  ]


انتهى هذا البحث المختصر بحمد لله بقلم أبي عبيد الجزائري

يوم الأربعاء 22 رجب 1438 الموافق ل : 19/4/2017 م

ليست هناك تعليقات: