مسألة التعقيب في رمضان
بسم الله الرحمن الرحيم
التعقيب : هو أن يصلوا جماعة ويوتروا ثم يعودون آخر الليل ويصلون جماعة أخرى ، هذا ظاهر كلام الفقهاء ، ولكن مع ذلك ظاهر الآثار تحتمل أيضا أنه جماعة وراء جماعة ولا يشترط الوتر أولها ، ويدل عليه كلام الحسن البصري كما سيأتي ، والأحسن أن يصلوا في آخر الليل في بيوتهم كما قال أنس في روايته الثانية .
ما روي عن السلف في التعقيب :
روى مالك في الموطأ (241) عن ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ يُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ : " وَاللَّهِ إِنِّي لأَظُنُّنِي لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ، ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ قَارِئِهِمْ، فَقَالَ: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ فِيهَا ، يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلِهِ ".
وفي رواية بن شبة في تاريخ المدينة (2/713) : ويرقدون في آخره .
(قلت) فهذا يدل على أن الصحابة كانت لهم جماعة واحدة في رمضان يصلونها أول الليل ثم لا يعودون للمسجد في آخر الليل ويصلون مرة أخرى جماعة ، ولهذا كره الكثير من التابعين التعقيب لأجل هذه العلة ، وكأنهم رأوه محدثا .
روى ابن أبي شيبة (7732) عن عَبَّادُ بْنُ عَوَّامٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ: «أَنَّهُمَا كَانَا يَكْرَهَانِ التَّعْقِيبَ فِي رَمَضَانَ» وقد نقله المروزي كما مختصر قيام الليل (ص226) وروى ابن أبي شيبة (7734) عَنِ الْحَسَنِ : أَنَّهُ كَرِهَ التَّعْقِيبَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ قَالَ الْحَسَنُ: «لَا تُمِلُّوا النَّاسَ »
(قلت) والحسن هنا أشار لعلة ثانية وهي الإملال .
وروي عن أنس روايتين في التعقيب :
الأولى : ما رواه ابن أبي شيبة (7733) حَدَّثَنَا عَبَّادٌ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ إِنَّمَا يَرْجِعُونَ إِلَى خَيْرٍ يَرْجُونَهُ ، وَيَبْرَءُونَ مِنْ شَرٍّ يَخَافُونَهُ »
الثانية : ورواها الخطابي في غريب الحديث (2/512) مِنْ حَدِيثِ ابن المبارك أخبرنا هَارُونُ بْنُ مُوسَى عَنْ مَكْحُولٍ عن أَنَسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّعْقِيبِ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فِي الْبُيُوتِ .
(قلت) ولم أجد إسناد هذا الأثر عند غير الخطابي في كتب الحديث الأثر المطبوعة ، ولكن ذكره واحتج به أحمد وإسحاق كما في المسائل التي ستأتي فدل على ثبوته عندهما .
علق ذاك الخطابي : التعقيب أن يصلي عقب التراويح وكل من أتي بفعل في إثر آخر فقد عقب به كره أن يصلوا في المسجد وأحب أن يكون ذلك في البيوت .
قال المروزي في مختصر قيام الليل (245) بَابُ التَّعْقِيبِ وَهُوَ رُجُوعُ النَّاسِ إِلَى الْمَسْجِدِ بَعْدَ انْصِرَافِهِمْ عَنْهُ ، سَعِيدٌ عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ أَنَّهُمَا كَانَا يَكْرَهَانِ التَّعْقِيبَ فِي رَمَضَانَ قَالَ سَعِيدٌ : وَهُوَ رُجُوعُ النَّاسِ إِلَى الْمَسْجِدِ بَعْدَمَا يَنْصَرِفُونَ " قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ , عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالتَّعْقِيبِ فِي رَمَضَانَ , وَقَالَ: إِنَّمَا يَرْجِعُونَ إِلَى خَيْرٍ يَرْجُونَهُ أَوْ يَفِرُّونَ مِنْ شَرٍّ يَخَافُونَهُ « وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَعُودُوا إِلَى الْمَسْجِدِ فِي رَمَضَانَ مِنَ السَّحَرِ» وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ كَرِهَ التَّعْقِيبَ فِي رَمَضَانَ وَسُئِلَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنِ التَّعْقِيبِ فِي رَمَضَانَ ؟ فَقَالَ: عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : «فِي اخْتِلَافِ» ) اهـــ
قلت ما ذكره عن أحمد رواه أبو داود في المسائل : (91) سَمِعْتُ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنِ التَّعْقِيبِ فِي رَمَضَانَ ؟ قَالَ : عَنْ أَنَسٍ فِيهِ اخْتِلَافٌ.
وجاء في مسائل الكوسج (2/840) قال إسحاق بن راهوية : فأما أن يكون إمام يصلي بهم أول الليل تمام الترويحات ثم يرجع آخر الليل ، فيصلي بهم جماعة فإن ذلك مكروه ، ألا ترى إلى قول عمر رضي الله عنه حيث قال : التي تنامون عنها خير من التي تقومون فيها فكانوا يقومون أول الليل ، فرأى القيام آخر الليل أفضل ، فإنما كرهنا ذلك لما روى عن أنس بن مالك رضي الله عنه وسعيد بن جبير رحمه الله تعالى كراهية التعقيب ) اهــ
وجاء في المغني (2/125) : فَأَمَّا التَّعْقِيبُ ، وَهُوَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ نَافِلَةً أُخْرَى جَمَاعَةً، أَوْ يُصَلِّيَ التَّرَاوِيحَ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى. فَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: مَا يَرْجِعُونَ إلَّا لِخَيْرٍ يَرْجُونَهُ، أَوْ لِشَرٍّ يَحْذَرُونَهُ. وَكَانَ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا. وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ عَنْهُ الْكَرَاهَةَ، إلَّا أَنَّهُ قَوْلٌ قَدِيمٌ، وَالْعَمَلُ عَلَى مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصَّلَاةُ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ، أَوْ إلَى آخِرِهِ ، لَمْ تُكْرَهْ رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا رَجَعُوا قَبْلَ النَّوْمِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ، لِأَنَّهُ خَيْرٌ وَطَاعَةٌ ، فَلَمْ يُكْرَهْ ، كَمَا لَوْ أَخَّرَهُ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ.
(قلت) قوله عن الرواية الثانية لأحمد أنها قول قديم لا ينفع شيئا في تضعيفها ، ولهذا قد ذهب إليها عامة أصحاب أحمد .
كما قال ابن مفلح في الفروع (2/378) وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ نَقَلَهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ ، وَعَلَيْهِمَا أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ، قَالَ النَّاظِمُ يُكْرَهُ فِي الْأَظْهَرِ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ يُكْرَهُ التَّعْقِيبُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالتَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ وَالْمُحَرَّرِ وَشَرْحِ الْهِدَايَةِ وَالْإِفَادَاتِ وَالْمُنَوِّرِ وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الرعايتين والحاوي الصغير.
وقد علق عليها أيضا المرداوي في الإنصاف (2/183) بقوله : لَيْسَ هَذَا بِقَادِحٍ .
(قلت) وكيف تقدح وعليها أكثر آثار السلف والعمل عليها فإنهم كما قال إسحاق كانوا يصلون أول الليل ثم لا يرجعون جماعة ثانية في آخر الليل .
وجاء في فتح الباري لابن رجب (9/175) واختلفت الرواية عن أحمد في التعقيب في رمضان وهو: أن يقوموا في جماعة في المسجد ، ثم يخرجون منه ، ثم يعودون إليه فيصلون جماعة في آخر الليل ، وبهذا فسره أبو بكر عبد العزيز بن جعفر وغيره من أصحابنا. فنقل المروذي وغيره، عنه: لا بأس به، وقد روي عن أنس فيه ، ونقل عنه ابن الحكم قالَ: أكرهه أنس يروى عنه أنه كرهه، ويروى عن أبي مجلز وغيره أنهم كرهوه، ولكن يؤخرون القيام إلى آخر الليل، كما قال عمر ، قال أبو بكر عبد العزيز: قول محمد بن الحكم قول له قديم، والعمل على ما روى الجماعة، أنه لا بأس به. انتهى.
وقال الثوري : التعقيب محدث ، ومن أصحابنا من جزم بكراهيته ، إلا أن يكون بعد رقدة ، أو يؤخره إلى بعد نصف الليل، وشرطوا: أن يكون قد اوتروا جماعة في قيامهم الأول ، وهذا قول ابن حامد والقاضي وأصحابه. ولم يشترط أحمد ذلك ، وأكثر الفقهاء على أنه لا يكره بحالٍ ، وكره الحسن أن يأمر الإمام الناس بالتعقيب ، لما فيهِ من المشقة عليهم وقال: من كانَ فيهِ قوة فليجعلها على نفسه ، ولا يجعلها على الناس ، وهذه الكراهة لمعنى آخر غير الصلاة بعد الوتر ، ونقل ابن المنصور، عن إسحاق بن راهويه ، أنه إن أتم الإمام التراويح في أول الليل كره له أن يصلي بهم في آخره جماعة أخرى ، لما روي عن أنس وسعيد بن جبير من كراهته ، وإن لم يتم بهم في أول الليل وآخر تمامها إلى آخر الليل لم يكره ) اهـــ .
الخلاصة :
ترك التعقيب هو الأفضل والأحوط كما قال إسحاق ، وهو الذي عليه عمل الصحابة فإنهم ما صلوا في رمضان إلا جماعة واحدة أوله ، ثم بعد ذلك يصلون في البيوت أفرادا في آخر الليل ما شاؤوا ، ومن صلى جماعة في أول الليل ولم يوتروا ، ثم قاموا في آخره بعد ضجعة وصلوا جماعة ثانية ، فلا ينكر عليه ، إلا أنه ترك الأفضل فقط ، والله أعلم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق