الجمعة، 11 أغسطس 2017

الإقتصاد في الحب والبغض

بسم الله الرحمن الرحيم ..

هذه قاعدة جليلة في الحب والبغض والإقتصاد فيهما ، وما يتفرع عنها من قضايا مهمة تتعلق بالغلو والتفريط والمبالغة والتقصير في التعامل مع الخلق عموما مهما كان جنسه ودينه فالعدل والميزان ليس خصوص فيه في هاته الأشياء ، وسأذكر في هذا الكتاب طرفا من التفريعات والأمثلة المتعلقة بهذه القاعدة دون إسهاب في التمثيل لأن قضاياه لا تعد ولا تحصى ، وإنما يكفي اللبيب بعض الإشارة حتى يلحق بالأصول فروعها .

جاء في حديث الذي رواه البخاري في صحيحه (6463) أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( القصد القصد تبلغوا ) روى مالك في الموطأ (2008) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : الْقَصْدُ ، وَالتُّؤَدَةُ وَحُسْنُ السَّمْتِ ، جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ . وروى ابن أبي شيبة (29348) كَانَ مِنْ دُعَاءِ عَمَّارٍ: « .. وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ ، وَأَسْأَلُكَ الْعَدْلَ فِي الرِّضَاءِ وَالْغَضَبِ... »

روى ابن أبي شيبة في المصنف (34498 ) واللالكائي في السنة (2679) عَنْ عَلِيٍّ: خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ النَّمَطُ الْأَوْسَطُ ، يَلْحَقُ بِهِمُ التَّالِي ، وَيَرْجِعُ إِلَيْهِمُ الْغَالِي . وروى البيهقي في الشعب (6176) عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ : خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا "

ورد عن الإمام أحمد رحمه الله قاعدة جليلة في الحب والبغض وتفسير الغلو ، مبنية على العدل والإنصاف والقصد في التعامل مع الخلق في حبهم وبغضهم .

ففي مسائل صالح قال (252) قال : وَسَأَلته عَن حَدِيث ابْن عَبَّاس إيَّاكُمْ والغلو فَإِنَّمَا أهلك من كَانَ قبلكُمْ الغلو قَالَ أبي : ( لَا تغلوا فِي شَيْء حَتَّى الْحبّ والبغض ) .

وهذه القاعدة النفيسة أصلها في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة والتابعين والسلف عموما ، ولها فروع وأبواب تنبني عليها مهمة في معرفة القصد والميزان الذي به قامت السموات والأرض سيأتي ذكرها في هذا الكتاب بإذن الله . فمن الإعتداء في الحب والبغض الزائد ، أن تنسب لعدوك ما لم يقله ، أو أن ترد حقا جاء به البغيض ، أو تغلو في بغضه فتزيد ما لا يحل لك في عقوبته ، أو أن تنكر عليه مباحا فعله ، أو أن تزيد في وصف غلطه فوق ما هو عليه ، فتجعل زلته بدعة أو بدعته كفرا ونحو ذلك ، وعكسه أن تغلوا فيمن تحبه بأن تصفه فوق وصفه ، أو ترفعه فوق منزلته ، فتعبده ، أو تدعي له العصمة ، أو تطيعه في معصية الله ، أو تتبعه في غلطه ، وتغض عنه الطرف إذا زل أو ضل ، أو تنقص من قدر بدعنه أو زلته على ماهي عليه ، أو تسكت عن ظلمه ، أو تعاقب من أساء إليه أكثر مما يستحق ، كأن تبدع من خالفه بغير بدعة ، أو تكفره بغير مكفر ، أو تجَهّله وتحتقره بما لا ينبغي ذلك فقط لأنه خالفك . فما أجمل التواضع بالمرء خلقا .

فقد روى ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول (88) عن إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْعَثِ، قَالَ : سَأَلْتُ الْفُضَيْلَ عَنِ التَّوَاضُعِ قَالَ : « التَّوَاضُعُ أَنْ تَخْضَعَ، لِلْحَقِّ وَتَنْقَادَ لَهُ، وَلَوْ سَمِعْتَهُ مِنْ صَبِيٍّ قَبِلْتَهُ مِنْهُ ، وَلَوْ سَمِعْتَهُ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ قَبِلْتَهَ مِنْهُ » . ولحالات الإعتداء على العدو والبغيض والمخالف ، الناتجة عن الخلل في الحب والبغض صور كثيرة ، نسأل الله أن يجنبنا ذلك فإن الله لا يحب المعتدين .

فصل : أصل القصد في الحب والبغض في كتاب الله :

قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) قال الطبري : يعني بذلك جل ثناؤه : يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله محمد، ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيامُ لله شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم ، ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم فتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم لعدواتهم لكم، ولا تقصِّروا فيما حددت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم لكم ، ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدِّي، واعملوا فيه بأمري .

وأما قوله : ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا" فإنه يقول : ولا يحملنكم عداوةُ قوم على ألا تعدلوا في حكمكم فيهم وسيرتكم بينهم، فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم وبينهم من العداوة ) اهــ .
وقال أيضا : ( وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ) وقال تعالى ( عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم ) وقال تعالى ( وإذا قلتم فاعدلوا لو كان ذا قربى ) قال الطبري : يعني تعالى ذكره بقوله: ( وإذا قلتم فاعدلوا ) وإذا حكمتم بين الناس فتكلمتم فقولوا الحق بينهم، واعدلوا وأنصفوا ولا تجوروا ، ولو كان الذي يتوجه الحق عليه والحكم، ذا قرابة لكم، ولا تحملنكم قرابة قريب أو صداقة صديق حكمتم بينه وبين غيره، أن تقولوا غير الحق فيما احتكم إليكم فيه .

وقال الشافعي في تفسيره (2/729) : والذي أحفظ عن كل من سمعت منه من أهل العلم في هذه الآيات ، أنه في الشاهد ، وقد لزمته الشهادة ، وأن فرضاً عليه أن يقوم بها على والديه وولده ، والقريب والبعيد ، وللبغيض (القريب والبعيد) ، ولا يكتم عن أحدٍ ، ولا يحابي بها ، ولا يمنعها أحداً .

فصل: ما ورد من أحاديث وآثار في بيان القصد في الحب والبغض

وروى الْحَاكِم في مستدركه (3148) بسند ضعيف عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ : الشّرك فِي هَذِه الْأمة أخْفى من دَبِيب النَّمْل على الصَّفَا فِي اللَّيْلَة الظلماء وَأَدْنَاهُ أَن تحب على شَيْء من الْجور أَو تبغض على شَيْء من الْعدْل وَهل الدّين إِلَّا الْحبّ والبغض.

روى معمر في جامعه (20269) وابن وهب في جامعه (213) والبخاري في الأدب المفرد (1322) والبيهقي في الشعب (6173) والخرائطي في اعتلال القلوب (370) بسند صحيح عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: يا أسلم لَا يَكُنْ حُبُّكَ كَلَفًا، وَلَا بُغْضُكَ تَلَفًا، فَقُلْتُ: كَيْفَ ذَاكَ ؟ قَالَ: إِذَا أَحْبَبْتَ كَلِفْتَ كَلَفَ الصَّبِيِّ، وَإِذَا أَبْغَضْتَ أَحْبَبْتَ لِصَاحِبِكَ التَّلَفَ. في رواية ابن وهب زاد : إِلَّا أَنَّ هِشَامًا قَالَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ يَوْمًا لَأَسْلَمَ وَهُوَ يُعَاتِبَهُ: وَلَا يَكُونَنَّ بُغْضُكَ عَدَاوَةً .

(قلت) قوله ( لا يكن حبك كلفا ) الكلف هو أن يتعلق المرء بالشيء ويغرق في حبه كما يكلف الصبي مع لعبته ، فيرتكب أي شيء من أجله ، فبعض الناس تجده إذا أحب شخصا ، ربما يكلف في حبه حتى يهلك فيه ، كأن يحب شيخا ويتعصب له ولا يراجعه في شيء لا في شرك ولا في بدعة حتى يهلك في اتباعه كلفا به كما هو حال المرجئة اليوم مع مشايخهم ، والعكس قوله ( ولا بغضك تلفا ) هو أن تبغض الرجل بغضا ترجوا معه أن يهلك أو يُقتل بغيضك ، ونحو ذلك ، مع أنه قد لا يكون يستحق ذلك ، وبعض الناس إذا أبغض فاسقا أو مبتدعا ، يتعدى مرحلة الوسط ويغلو في بغضه إلى أن يصل لدرجة أنه لو تاب ذاك الرجل وحسن حاله لن يعود إليه ولن يقبل توبته من شدة بغضه السابق ، ويأنف ويتكبر عليه وهذا من شؤم الغلو في البغض !! واقرأ هذا الأثر الذي يفسر كل ما سبق :

روى ابن أبي شيبة (35876) والبخاري في الأدب المفرد (1321) بسند حسن وبه طرق صحيحة عن عَلِيٌّ لِابْنِ الْكَوَّاءِ : « تَدْرِي مَا قَالَ الْأَوَّلُ ؟ أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا » وقد روي مرفوعا عن عدة من الصحابة ولا تصح طرقه إلا موقوفا عن علي كما قال الترمذي في سننه والدارقطني علله وأقره هذا ذاك البيهقي في السنن الكبرى والبغوي في شرح السنة وابن طاهر المقدسي في تذكر الحفاظ .

فصل في ما روي من الشعر في الباب : 

 وروى البيهقي في الشعب (6178) بسنده عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: يَتَمَثَّلُ بِشَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ : [ البحر الطويل ]

فَكُنْ مَعْدِنًا لِلْحِلْمِ وَاصْفَحْ عَنِ الْأَذَى ... فَإِنَّكَ رَائِي مَا عَلِمْتَ وَسَامِعُ
فَأَحْبِبْ إِذَا أَحْبَبْتَ حُبًّا مُقَــــارِبًا ... فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَتَى أَنْتَ فَارِغُ
وَأَبْغَضْ إِذَا أَبْغَضْتَ بُغْضًا مُبَاعِدًا ..فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَتَى الْوُدُّ رَاجِعُ"

وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ:

لَا تَأْمَنَنَّ مِنْ مُبْغِضٍ قُرْبَ دَارِهِ ... وَلَا مِنْ مُحِبٍّ أَنْ يَمَلَّ فَيَبْعُدَا

وَقَالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:

وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ بُغْضًا رُوَيْدَا ... إذَا أَنْتَ حَاوَلْتَ أَنْ تَحْكُمَا
وَأَحْبِبْ حَبِيبَكَ حُبًّا رُوَيْدَا ... فَلَيْسَ يَعُـولُكَ أَنْ تَصْـرِمَا

قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ

قُلْ لِمَنْ يَعْجَبُ مِنْ حُسْنِ ... رجــــــــــوعِي وَمَقَالِي
رُبَّ صَـــــــدٍّ بَـعْــــدَ وُدٍّ ... وَهــــــــــــوًى بَعْدَ تَقَالِي
قَـــــــــدْ رَأَيْنـا ذَا كَــثِيرًا ... جَـــارِيًا بَـــــيْنَ الــرِّجَالِ

مبحث : في ما يتفرع عن القصد في الحب والبغض :

يدخل تحت هذه القاعدة أبواب كثيرة وفروع لا تحصى ، وسأذكر من ذلك طرفا يغني طالب العلم عما يطيل ويسهب في ذلك ، ويكون له بلغة بإذن الله فأقول :

فصل : القصد في حب النبي صلى الله عليه وسلم :

والأصل في هذا قوله تعالى في الحب الزائد (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ )
وقوله في الجفاء والتقصير ( لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)
وقوله { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } وهذا أول شيء ينبغي البدء به ، لأن الإخلال بهذه المحبة أوقعت أناسا في الشرك والردة والعياذ بالله ، فمن بين من أحب النبي صلى الله عليه وسلم وغلى في حبه حتى عبده من دون الله كما فعلت الصوفية القبورية المشركة ، ومن بين من قصر في حقه وجفا سنته وتركها حتى ضل وهلك في جفاءه ، كما هم عليه المنافقون وأهل البدع عامة .

ومن أمثلة هذه المسألة :

الحديث الذي رواه البخاري عن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ "
قَوْله : « لَا تطروني » الإطراء : مُجَاوزَة الْحَد فِي الْمَدْح وَالْكذب فِيهِ ، وَذَلِكَ أَن النَّصَارَى أفرطوا فِي مدح عِيسَى وإطرائه بِالْبَاطِلِ ، وجعلوه ولدا ، فَمَنعهُمْ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أَن يطروه بِالْبَاطِلِ .

وروى أحمد في مسنده (13596) وغيره بسند صحيح عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا خَيْرَنَا، وَابْنَ خَيْرِنَا، وَيَا سَيِّدَنَا ، وَابْنَ سَيِّدِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ ، أَنْزِلُونِي حَيْثُ أَنْزَلَنِي اللَّهُ ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ »

وروى البخاري في الأدب المفرد (211) وأبو داود (4806) وغيرهم بسند صحيح عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ فَأَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ ثُمَّ قُلْنَا : أَنْتَ وَالدُّنَا وَأَنْتَ سَيِّدُنَا وَأَنْتَ أَطْوَلُنَا عَلَيْنَا طَوْلًا وَأَنْتَ الْجَفْنَةُ الْفَرَّاءُ، قَالَ: «قُولُوا بِقَوْلِكُمْ وَلَا يسْتَجْرِكُمُ الشَّيْطَانُ»

وفي رواية البيهقي في المدخل (538) عَنْ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَبِي الْعَلَاءِ قَالَ : وَفَدَ أَبِي فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَنْتَ سَيِّدُنَا وَذُو الطَّوْلِ عَلَيْنَا فَقَالَ مَهْ مَهْ قُولُوا بِقَوْلِكُمْ وَلَا يسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ ، السَّيِّدُ اللَّهُ السَّيِّدُ اللَّهُ السَّيِّدُ اللَّهُ »

وروى اللالكائي في السنة (2676) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَا يَنْبَغِي الصَّلَاةُ مِنْ أَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) .


فصل : القصد في حب أهل البيت :

وهذا مما هلك فيه بعض الناس لما خرجوا عن القصد في الحب والبغض ، فالشيعة غلت في حبهم حتى أشركوا بالله وكفروا ، وقصرت النواصب بالجفاء ، حتى هلكوا في بغضهم وكفروا وضلوا والعياذ بالله منهما ، والقصد بين هذا وذاك .

وروى الخلال في السنة (798) قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: « يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ ، أحِبُّونَا حُبَّ الْإِسْلَامِ ، فَوَاللَّهِ إِنْ زَالَ بِنَا حُبُّكُمْ حَتَّى صَارَ عَلَيْنَا شَيْنًا »

وروى اللالكائي (2684) بسنده عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : مَنْ زَعَمَ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ أَوْ غَيْرِهِ أَنَّ طَاعَتَهُ مُفْتَرَضَةٌ عَلَى الْعِبَادِ ، فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْنَا ، وَنَحْنُ مِنْهُمْ بَرَاءٌ فَأُحَذِّرُ ذَلِكَ إِلَّا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِأُولِي الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ .

وروى اللالكائي في السنة (2690) عن الْفُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ لِرَجُلٍ يَغْلُو فِيهِمْ : وَيْحَكَ ، أَحِبُّونَا لِلَّهِ ، فَإِنْ أَطَعْنَا اللَّهَ فَأَحِبُّونَا ، وَإِنْ عَصَيْنَا اللَّهَ فَأَبْغِضَونَا ، وَلَوْ كَانَ اللَّهُ نَافِعًا أَحَدًا بِقَرَابَةٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَيْرِ طَاعَةٍ لَنَفَعَ بِذَلِكَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ ، قُولُوا فِينَا الْحَقَّ فَإِنَّهُ أَبْلَغُ فِيمَا تُرِيدُونَ ، وَنَحْنُ نَرْضَى مِنْكُمْ .

روى الإمام أحمد في المسند (1376) والفضائل (1087) وأخرجه النسائي في خصائص علي (103) وأبو يعلى (534) وابن أبي عاصم (1004) والحاكم (3/123) بسند فيه ضعف عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « يَا عَلِيُّ ، فِيكَ مَثَلٌ مِنْ عِيسَى، أَبْغَضَتْهُ يَهُودُ حَتَّى بَهَتُوا أُمَّهُ، وَأَحَبَّتْهُ النَّصَارَى حَتَّى أَنْزَلُوهُ الْمَنْزِلَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ» وَقَالَ عَلِيٌّ: يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلَانِ: مُحِبٌّ يُقَرِّظُنِي بِمَا لَيْسَ فِيَّ، وَمُبْغِضٌ يَحْمِلُهُ شَنَآنِي عَلَى أَنْ يَبْهَتَنِي ، أَلا إِنِّي لَسْتُ بِنَبِيٍّ وَلا يُوحَى إِلَيَّ، وَلَكِنِّي أَعْمَلُ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا اسْتَطَعْتُ، فَمَا أَمَرْتُكُمْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ فَحَقٌّ عَلَيْكُمْ طَاعَتِي فِيمَا أَحْبَبْتُمْ وَكَرِهْتُمْ

روى ابن أبي شيبة (32133) وأحمد في الفضائل (952) وابن أبي عاصم في السنة (984) والسنة للخلال (362) وغيرهم عَنْ أَبِي السَّوَّارِ الْعَدَوِيِّ قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ « لَيُحِبُّنِي قَوْمٌ حَتَّى يَدْخُلُوا النَّارَ فِي حُبِّي وَلَيُبْغِضُنِي قَوْمٌ حَتَّى يَدْخُلُوا النَّارَ فِي بُغْضِي » روى ابن أبي شيبة (32138) حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ زِيَادٍ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: صَعِدَ عَلِيٌّ الْمِنْبَرَ فَقَالَ : " اللَّهُمَّ الْعَنْ كُلَّ مُبْغِضٍ لَنَا , قَالَ : وَكُلَّ مُحِبٍّ لَنَا غَالٍ "

وروى الخلال في السنة (796) عن عَلْقَمَةُ قال : «لَقَدْ هَلَكَ قَوْمٌ قَبْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِرَأْيِهِمْ فِي عَلِيٍّ كَمَا هَلَكَتِ النَّصَارَى فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ » وفي لفظ عبد الله في السنة (1260) : لقد غلت هذه الشيعة في علي .. )

وروى ابن أبي شيبة (32134) واحمد في الفضائل (951) والخرائطي في اعتلال القلوب (372) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلَانِ : مُحِبٌّ مُطْرٍ ، وَمُبْغِضٌ مُفْتَرٍ "

روى أحمد في فضائل الصحابة (484) واللالكائي في السنة (2678) عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ : ضَرَبَ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ هَذَا الْمِنْبَرَ فَقَالَ: خَطَبَنَا عَلِيٌّ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَذَكَرَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَذْكُرَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ أُنَاسًا يُفَضِّلُونِي عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَلَوْ كُنْتُ تَقَدَّمْتُ فِي ذَلِكَ لَعَاقَبْتُ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْعُقُوبَةَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ، فَمَنْ قَالَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مُفْتَرٍ، عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُفْتَرِي، إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، وَإِنَّا أَحْدَثْنَا بَعْدَهُمْ أَحْدَاثًا يَقْضِي اللَّهُ فِيهَا مَا أَحَبَّ، ثُمَّ قَالَ: أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا. وفي لفظ بن شبة في تاريخ المدينة : عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِرَارًا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ» ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تُصِيبَنِي وَعُثْمَانَ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرَرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الحجر: 47] " قَالَ: فَرَأَيْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي دَارِهِ يَوْمَ أُصِيبَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: مَا وَرَاءَكَ؟ فَقُلْتُ: قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ» ، ثُمَّ قَالَ: «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا »

القصد في حب الصحابة رضي الله عنهم :

ومن القصد في حبّ الصحابة والكلام فيهم ، أن لا توغل في تعظيمهم حتى تقع في والإثم ، أو ألا تقصر وتجفوا عنهم ، حتى لا تقع في نوع من التشيع ، كالذين تكلموا في ما نهينا عنه مما شجر بين الصحابة ، فوقعوا في بعض الصحابة كطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص وعثمان رضوان الله عليهم ، بحجة الترجمة وسرد الأحداث ، فأوغروا قلوب العوام على الصحابة ، وضلوا وأضلوا ، فلعن الله من سبهم أو تبرأ منهم .

فمن الحب الزائد :

ما روى البيهقي في المدخل (541) عَنْ أَيُّوبَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عُمَرَ : يَا خَيْرَ النَّاسِ وَابْنَ خَيْرِ النَّاسِ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : مَا أَنَا بِخَيْرِ النَّاسِ وَلَا أَبِي خَيْرُ النَّاسِ وَلَكِنِّي عَبْدُ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَرْجُو اللَّهَ وَأَخَافُهُ وَاللَّهِ لَنْ تَزَالُوا بِالرَّجُلِ حَتَّى تُهْلِكُوهُ .

وروى البيهقي أيضا (542) عَنْ أَبِي الْوَازِعِ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ : لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَبْقَاكَ اللَّهُ لَهُمْ قَالَ : فَغَضِبَ ثُمَّ قَالَ : إِنِّي لَأَحْسِبُكَ عِرَاقِيًّا وَمَا يُدْرِيكَ مَا يُغْلِقُ عَلَيْهِ ابْنُ أُمِّكَ بَابَهُ ) .

(قلت) وقد أفرط الحجاج في حب عثمان رضي الله عنه حتى ادعى الرجعة له والعصمة وأشياء قبيحة قالها ، ومن أمثلة الغلو في عثمان الدولة الأموية كلها .

ومن أمثلة القصد مع المخالف :

ما روى عبد الله في السنة (1262) ونعيم في الفتن (309) : قال علي رضي الله عنه : إن معاوية سيظهر عليكم قالوا : أفلا نقاتله ؟ قال: لا .

(قلت) وهذا هو القصد الجميل والإنصاف في المخالفة من علي رضي الله عنه . وقد أحسن تبويب اللالكائي في السنة ( سِيَاقُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْغُلُوِّ فِي الْحُبِّ وَالْبُغْضِ فِي تَفْضِيلِ الصَّحَابَةِ وَالِاسْتِغْرَاقِ فِي الْإِطْرَاءِ وَالذَّمِّ لَهُمْ لِلِاغْتِرَاءِ ) .

القصد في حب وبغض الأصحاب والإخوان :

لقد هلك بعض الناس في حب أصحابهم وإخوانهم حتى هلكوا معهم ، ولهذا قال تعالى ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) فغير المتقين كانت محبهتم عن غلو ولهذا سيقول كل واحد منهم يوم القيامة ( يا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ) لأنه أحبه حتى أطاعه في معصية الله ، وعَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ " {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} قَالَ : هُوَ الْوَصْلُ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا " ، والمرء على دين خليله ، فعلى من أحب صاحبا أن لا يغلوا في حبه حتى يجعل دينه على دينه ، ولا ينصب له العداوة الزائدة إن زل أو عثر . والأصل في هذا قول الله تعالى ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) وقد سبق قول عمر وعلي رضي الله عنهما في بغض وحب الحبيب والصاحب ، ونزيد على ذلك للفائدة :
ما روى معمر بن راشد في جامعه (20270) والخرائطي في كتاب اعتلال القلوب (367) والبيهقي في الشعب (6174) عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : تَنَقُّوا الْإِخْوَانَ وَالْأَصْحَابَ وَالْمَجَالِسَ، وَأَحِبُّوا هَوْنًا ، وَأَبْغِضُوا هَوْنًا ، فَقَدْ أَفْرَطَ أَقْوَامٌ فِي حُبِّ أَقْوَامٍ فَهَلَكُوا ، وَأَفْرَطَ أَقْوَامٌ فِي بُغْضِ أَقْوَامٍ فَهَلَكُوا ، فَلَا تُفْرِطْ فِي حُبِّكَ ، وَلَا تُفْرِطْ فِي بُغْضِكَ ، وَإِنْ رَأَيْتَ دُونَ أَخِيكَ سِتْرًا فَلَا تَكْشِفْهُ »
روى السلمي في آداب الصحبة (184) قِيلَ لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ: مَا بَلَغَ بِكَ مِنَ الشَّرَفِ مَا تَرَى ؟ قَالَ: مَا خَاصَمْتُ رَجُلًا قَطُّ إِلَّا جَعَلْتُ لِلصُّلْحِ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَوْضِعًا. أَوْ قَالَ: مَوْعِدًا . قال ذاك السلمي عن آداب الصحبة : وَمِنْ آدَابِهَا: مَعْرِفَةُ الرِّجَالِ وَمُعَاشَرَتِهِمْ عَلَى حَسَبِ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ وَيَسْتَأْهِلُونَهُ ، وَمِنْ آدَابِهَا : أَنْ لَا تُغْرِقَ فِي الْخُصُومَةِ وَتَتْرُكَ لِلصَّفْحِ مَوْضِعًا .

وروى والبيهقي في الشعب (6175) عن مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى الصُّولِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ يَقُولُ : يُقَالُ : إِذَا سَمِعْتَ كَلِمَةً مِنْ حَاسِدٍ فَكُنْ كَأَنَّكَ لَسْتَ بِالشَّاهِدِ ، وَلَا تَزْهَدَنَّ فِي مَعْرُوفٍ، فَإِنَّ الدَّهْرَ ذُو صُرُوفٍ وَإِذَا أَحْبَبْتَ فَلَا تُفْرِطْ فِي حُبِّكَ وَإِذَا أَبْغَضْتَ فَلَا تُشْطِطْ ."

وروى البيهقي (6177) بالسند عَنِ الْقَاسِمِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: " لَا تَعْجَلُوا بِحَمْدِ النَّاسِ وَلَا بِذَمِّهِمْ، فَلَعَلَّ مَا يَسُرُّكُمْ مِنْهُ الْيَوْمَ يَسُوُءُكُمْ غَدًا، وَمَا يَسُرُّكُمُ الْيَوْمَ يَسُوُءُكُمْ غَدًا فَإِنَّ النَّاسَ يُحْبَرُونَ .. )

جاء في كتاب أدب الدنيا والدين (ص177) وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّى الْإِفْرَاطَ فِي مَحَبَّتِهِ، فَإِنَّ الْإِفْرَاطَ دَاعٍ إلَى التَّقْصِيرِ، وَلَئِنْ تَكُونَ الْحَالُ بَيْنَهُمَا نَامِيَةً أَوْلَى مِنْ أَنْ تَكُونَ مُتَنَاهِيَةً ).

القصد في حب العشيرة والقبيلة :

وقد يغلو الرجل في حب عشيرته ويطغى ويتعصب لها في الحق والباطل حتى قال قائلهم :

وما أنا إلا من غــزيّة إن غوت      غويت وإن ترشد غزية أرشدُ

أو يقصر ويجفوا عشيرته لأنها قصرت في حقه فيصفها بأقبح ما هي عليه ونحو ذلك من الجفاء والبغض الزائد ، مثل ما قال قريط بن أنيف العنبري يهجو قومه :

لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللّقيطة من ذهل بن شيبانا
إذن لقام بنصري معشر خشن ...     عـند الكريهة إن ذو لـوثة لانا
قوم إذا الشرّ أبدى ناجذيه لهم ...       طاروا إلـيه زرافات ووحدانا
لكنّ قومي وإن كانوا ذوي عدد ..ليسوا من الشرّ في شيء وإن هانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كأنّ ربّك لــم يخلق لخشيته ...     سواهمُ من جميع الناس إنسانا

ومن أقبح الغلو في هذا العصبية للقبيلة أو العشيرة بغير حق في ظلمها وباطلها .

روى أَبُو دَاوُد (بَابٌ فِي الْعَصَبِيَّةِ) (5117) وأحمد (1 / 436) والترمذي (رقم 2258) وصححه عن سِمَاكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا قَالَ : مَنْ نَصَرَ قَوْمَهُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ فَهُوَ كَالْبَعِيرِ الَّذِي رَدِيَ فَهُوَ يَنْزِعُ بِذَنَبِهِ »

ثم روى بسند فيه ضعف (5119) عَنْ بِنْتِ وَاثِلَةَ سَمِعَتْ أَبَاهَا يَقُولُ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْعَصَبِيَّةُ قَالَ «أَنْ تُعِينَ قَوْمَكَ عَلَى الظُّلْمِ » .

وَروى أَحْمَدَ (16989) عن واثلة قال : « قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ قَالَ لَا وَلَكِنْ مِنْ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يَنْصُرَ الرَّجُلُ قَوْمَهُ عَلَى الظُّلْمِ » .

وَروى أبو داود (5121) والبيهقي في الآداب (170) وفي سنده ضعف عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ مَرْفُوعًا « لَيْسَ مِنَّا منْ دَعَا إلَى عَصَبِيَّةٍ ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَصَبِيَّةً ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ »

وَرَوَى ابن أبي شيبة (545) وأحمد (22515) وأَبُو دَاوُد (5123) وغيرهم وفي سنده ضعف مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ دَاوُد بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُقْبَةَ عَنْ أَبِي عُقْبَةَ وَكَانَ مَوْلًى مِنْ أَهْلِ فَارِسَ قَالَ «شَهِدْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ أُحُدًا فَضَرَبْتُ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَقُلْتُ : خُذْهَا وَأَنَا الْغُلَامُ الْفَارِسِيُّ ، فَالْتَفَتَ إلَيَّ وَقَالَ فَهَلَّا قُلْتَ وَأَنَا الْغُلَامُ الْأَنْصَارِيُّ ».

وَروى مُسْلِمٍ (1850) مِنْ حَدِيثِ جُنْدُبٍ « مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَدْعُو عَصَبِيَّةً أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً فَقِتْلَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ » . (قلت) وهكذا كل من اجتنب القصد في حب قبيلته وعشيرته وقع في العصبية أو في الجفاء والبغض المقيت الغالي .

القصد في حب وبغض المشايخ والعلماء :

وهذا الباب من أخطر الأبواب أيضا ، وقد أدى بضلال كثير من الناس في هذه الأمة ، حتى كان أكثر شيء يخافه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ، وقد دخله الغلو والجفاء فمن الجفاء والغلو في البغض : جفاء الخوارج مع علماء الصحابة وعدم أخذ العلم منهم ، وجفاء أهل الرأي وأبو حنيفة وأصحابه عن أخذ العلم من الصحابة و التابعين حتى ضلوا ، ثم جفت الظاهرية عن أخذ العلم من السلف واكتفوا بأفهاهم السخيفة حتى تجهموا وضلوا ، واليوم جفا أكثر المتأخرون والمعاصرون عن علم السلف وآثارهم ، حتى صار أعلى سند لهم في العلم بن تيمية فما تحته !!

وقد رويت عدة أحاديث وآثار عن السلف ، أنه في آخر الزمان يكون أكثر العلماء فجار وفساق ودعاة إلى الضلال والنار ، فاحذر يا طالب النجاة ، ودائما اجعل بينك وبين الشيخ مسافة ولو كان سنيا أثريا ، وترقب ولا تكن كالمريد مع شيخه عند الصوفية ، بل استمع واستفد وانتقي العلم ، وإذا شككت فقف وراجع الأثر ولا تتعجل بالقبول ولا بالرد ولا تدخل في أي شيء حتى تراجع سلفك : قال البربهاري رحمه الله : فانظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة فلا تعجلن ، ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر هل تكلم به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد من العلماء ؟ فإن وجدت فيه أثرا عنهم فتمسك به ، ولا تجاوزه لشيء ، ولا تختر عليه شيئا فتسقط في النار ) اهـــ .

ولا تغتر بقولهم ( من كان شيخه كتابه كثر غلطه ) ونحو هذه العبارات الزائفة ، فإنها اليوم لا تنفعك حجة عند الله ، فاليوم كثر علماء السوء ، وأقلهم وأحسنهم من قلّت زلاته وهفواته وسلم من البدع والإرجاء ، وكفى بذلك فضلا له في هذه الغربة السحيقة , ولكن ذلك ليس حجة لك في تقليده في زلاته ، فقد يكون معذورا ولا تعذر أنت . وحب المشايخ في هذا الزمن أورد بأكثر الناس في البدع والضلالات ، ويا ليتهم اكتفوا بالحب بل مزجوه بالتعصب المقيت ، فلما تزوج الغلو بالتعصب أنجبها الضلال . وبعض المشايخ والعلماء الفجار يكون أحق باسم قطاع الطرق يصدون الناس عن الحق كما روى البيهقي في المدخل (545) والشعب (1750) عن بِشْرَ بْنَ الْحَارِثِ يَقُولُ أَوْحَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : يَا دَاوُدُ لَا تَتَّخِذْ بَيْنِي وَبَيْنِكَ عَالِمًا مَفْتُونًا فَيَصُدَّكَ بِسُكْرِهِ عَنْ طَرِيقِ مَحَبَّتِي ، أُولَئِكَ قُطَّاعُ طَرِيقِ عِبَادِي .

وروى ابن عبد البر في الجامع (1167) قَالَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ : « اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ظُهُورَ الْبَغِيِّ وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَحُولُ بَيْنَ الْحَقِّ وَأَهْلِهِ مِنَ الطَّمَعِ »

روى ابن المبارك في الزهد (2/18) والبيهقي في المدخل (544) وابن عبد البر في الجامع (1161) عن سُفْيَانَ الثوري قَالَ : كان يُقَالُ « تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْعَابِدِ الْجَاهِلِ ، وَفِتْنَةِ الْعَالِمِ الْفَاجِرِ، فَإِنَّ فِتنَتَهُمَا فِتْنَةٌ لِكُلِّ مَفْتُونٍ»

روى الدارمي في سننه (375) عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: كَانَ يُقَالُ : " الْعُلَمَاءُ ثَلَاثَةٌ : عَالِمٌ بِاللَّهِ يَخْشَى اللَّهَ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَعَالِمٌ بِاللَّهِ عَالِمٌ بِأَمْرِ اللَّهِ يَخْشَى اللَّهَ ، فَذَاكَ الْعَالِمُ الْكَامِلُ، وَعَالِمٌ بِأَمْرِ اللَّهِ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِاللَّهِ لَا يَخْشَى اللَّهَ، فَذَلِكَ الْعَالِمُ الْفَاجِرُ "

وروى البيهقي في المدخل (543) قَالَ الشَّعْبِيُّ : اتَّقُوا الْفَاجِرَ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْجَاهِلَ مِنَ الْمُتَعَبِّدِينَ فَإِنَّهُمَا آفَةٌ لِكُلِّ مَفْتُونٍ.

وروى ابن عبد البر في الجامع (1163) قال : وَرُوِّينَا عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: «شَكَتُ النَّوَاوِيسُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا تَجِدُ مِنْ نَتَنِ جِيَفِ الْكُفَّارِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهَا : بُطُونُ عُلَمَاءِ السُّوءِ أَنْتَنُ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ "

(قلت) وقد أنجب الغلو في حب المشايخ التعصب والتقليد الأعمى ، بحيث صار الشيخ هو المصدر التشريعي الأول عند طلابه بفهمه يفهمون ، وبعقله يفكرون ، وبرأيه يحكمون لا يجرؤون على تخطئته ولا على مراجعته في شيء ، من خالف شيخهم ضللوه، وإن كانت المخالفة في أبسط المسائل العلمية ، فتراهم يسعون في طرده وعقوبته ولعلهم يشيطون بدمه للسلطان ، كما قال الثوري لعطاء بن مسلم : يَا عَطَاءُ احْذَرِ النَّاسَ وَاحْذَرْنِي فَلَوْ خَالَفْتُ رَجُلًا فِي رُمَّانَةٍ فَقَالَ : حَامِضَةٌ , وَقُلْتُ : حُلْوَةٌ , أَوْ قَالَ: حُلْوَةٌ , وَقُلْتُ : حَامِضَةٌ , لَخَشِيتُ أَنْ يَشِيطَ بِدَمِي . [ الحلية لأبي نعيم (7/8) ]

وروى أبو نعيم في الحلية (7/19) عن سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ « مَا خَالَفْتُ رَجُلًا فِي هَوَاهُ إِلَّا وَجَدْتُهُ يَغْلِي عَلَيَّ , ذَهَبَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْوَرَعِ »

ومن البغض الزائد للشيخ أنه إن زل زلة لا تورده بدعة تجد بعض الطلبة يهجرونه ويتركونه بغضا زائدا ولا ينتظرون فيئته ورجوعه وتوبته ، وقد رويت بعض الأثار في النهي عن هذا الغلو الزائد :

من ذلك ما رواه أبو داود في المراسيل الحسنة (533) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي ثَلَاثٌ: مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، وَرِجَالٌ يَتَأَوَّلُونَ الْقُرْآنَ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وَزَلَّةُ عَالِمٍ " ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمَخْرَجِ مِنْ ذَلِكَ، إِذَا فُتِحَتْ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، فَاشْكُرُوا اللَّهَ، وَخُذُوا مَا تَعْرِفُونَ مِنَ التَّأْوِيلِ، وَمَا شَكَكْتُمْ فِيهِ فَرَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ، وَانْتَظِرُوا بِالْعَالِمِ فَيْئَتَهُ ، وَلَا تَلَقَّفُوا عَلَيْهِ عَثْرَةً »

وروى ابن المبارك في الزهد (1449) أثرا طويلا جاء فيه قال تميم الداري رضي الله عنه : « الْعَالِمُ يَزِلُّ بِالنَّاسِ فَيُؤْخَذُ بِهِ ، فَعَسَى أَنْ يَتُوبَ مِنْهُ الْعَالِمُ ، وَالنَّاسُ يَأْخُذُونَ بِهِ»

وروى الدارمي (183) واللالكائي في السنة (183) عن مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ : كَيْفَ أَنْتُمْ بِثَلَاثٍ ؟ بِزَلَّةِ عَالِمٍ ، وَجِدَالِ الْمُنَافِقِ بِالْقُرْآنِ ، وَدُنْيَا تَقْطَعُ أَعْنَاقَكُمْ ؟ فَأَمَّا زَلَّةُ الْعَالِمِ فَإِنِ اهْتَدَى فَلَا تُقَلِّدُوهُ دِينَكُمْ ، وَإِنِ افْتُتِنَ فَلَا تَقْطَعُوا عَنْهُ أَنْاتَكُمْ .. )

وروى البيهقي في سننه بسند ضعيف (20917) عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اتَّقُوا زَلَّةَ الْعَالِمِ وَانْتَظِرُوا فَيْئَتَهُ ".

وجاء في مسائل الكوسج (9/4842) : ﻗﺎﻝ ﺇﺳﺤﺎﻕ بن راهوية رحمه الله : ﻭﺃﻣﺎ اﻟﻌﺎﻟﻢ يفتي ﺑﺎﻟﺸﻲء ﻳﻜﻮﻥ ﻣﺨﺎﻟﻔﺎ ﻟﻤﺎ ﺟﺎء ﻣﻦ ﺃﺻﺤﺎﺏ اﻟﻨﺒﻲ - ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﺃﻭ اﻟﺘﺎﺑﻌﻴﻦ ﺑﺈﺣﺴﺎﻥ ، ﻟﻤﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﻗﺪ ﻋﺰﺏ ﻋﻨﻪ ﻣﻌﺮﻓﺔ اﻟﻌﻠﻢ اﻟﺬﻱ ﻗﺪ ﺟﺎء ﻓﻴﻪ ، ﻓﺈﻥ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺘﻌﻠﻤﻴﻦ ﺃﻥ ﻳﻬﺠﺮﻭا ﺫﻟﻚ اﻟﻘﻮﻝ ﺑﻌﻴﻨﻪ ﻣﻦ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﺬﻱ ﺧﻔﻲ ﻋﻠﻴﻪ ﺳﻨﺘﻪ ، ﻭﻻ ﻳﺪﺧﻞ ﻋﻠﻰ اﻟﺮاﺩ ﺫﻟﻚ ﺑﻌﺾ ﻣﺎ ﺭﺩ ﻋﻠﻰ ﻣﻦ ﻫﻮ ﺃﻋﻠﻢ ﻣﻨﻪ ﻟﻴﺘﺒﻊ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻣﺎ ﺃﻣﺮ ، ﻟﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ - ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ : ﺇﻥ ﻣﻤﺎ ﺃﺗﺨﻮﻑ ﻋﻠﻰ ﺃﻣﺘﻲ اﺗﺒﺎﻉ ﺯﻟﺔ اﻟﻌﺎﻟﻢ" ﺛﻢ ﻓﺴﺮ اﻟﻨﺠﺎﺓ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﻓﻘﺎﻝ : ﺃﻣﺎ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺇﺫا ﺯﻝ ﻓﻼ ﺗﺘﺒﻌﻮا ﺯﻟﺘﻪ" ﻓﻬﺬا ﺗﺼﺪﻳﻖ ﻣﺎ ﻭﺻﻔﻨﺎ .

القصد في بغض الجن :

أغلب العوام يعتقد في قلبه بغض الجنّ بإطلاق ، وهذا من الغلو في البغض والإعتداء ، ولا يستحضر في نفسه أن منهم مسلمين ومؤمنين يجب عليه حبهم في الله وإن لم يعرفهم قال تعالى على لسان الجن ( وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ) فترى بعض الناس يؤذي ويعتدي على الجن ويلعنهم جميعا ، بحكم أنهم أعداء مطلقا ، فلو سمع مثلا أن جنا في مكان مهجور مثلا قد يسعى في طردهم منه بأي وسيلة مع أنهم قد يكونون مسلمين وفي مكان منعزل ولا يؤذون أحدا !! ولو كانوا على سطح بيته جنّ ، فربما طردهم أو هدم البيت لأجلهم ، وقد يكونون مؤمنين يدفعون عنه شر الشياطين .

روى ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان (4) عَنْ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلا وَفِي سَقْفِ بَيْتِهِمْ مِنَ الْجِنِّ مِنَ المسلمين ، إذا وضع غذائهم نَزَلُوا فَتَغَدَّوْا مَعَهُمْ ، وَإِذَا وَضَعُوا عَشَاءَهُمْ نَزَلُوا فَتَعَشَّوْا مَعَهُمْ ، يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِمْ عَنْهُمْ .

وهناك من الجن الصالحين من يدفعون عن النساء المصالحات شر الشياطين عنهم .

روى ابن أبي الدنيا في المكائد (6) عَنْ حَسَنِ بْنِ حَسَنٍ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوَّذِ بْنِ عَفْرَاءَ أَسْأَلُهَا عَنْ بَعْضِ الشَّيْءِ ، فَقَالَتْ : بَيْنَمَا أَنَا فِي مَجْلِسِي إِذِ انْشَقَّ سَقْفُ بَيْتِي، فَهَبَطَ عَلَيَّ مِنْهُ أَسْوَدُ ، مِثْلُ الْجَمَلِ ، أَوْ مِثْلُ الْحِمَارِ ، لَمْ أَرَ مِثْلَ سَوَادِهِ ، وَخَلْقِهِ، وَفَظَاعَتِهِ قَالَتْ : فَدَنَا مِنِّي يُرِيدُنِي، وَتَبِعَتْهُ صَحِيفَةٌ صَغِيرَةٌ فَفَتَحْتُهَا فَقَرَأْتُهَا فَإِذَا فِيهَا: مِنْ رَبِّ عكب إِلَى عكب ، أَمَّا بَعْدُ فَلا سَبِيلَ لَكَ إِلَى الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ بِنْتِ الصَّالِحِينَ ، قَالَ: فَرَجَعَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ قَالَ حَسَنُ بْنُ حَسَنٍ : فَأَرَتْنِي الْكِتَابَ وَكَانَ عِنْدَهُمْ.

(قلت) ومن البغض الزائد الذي يجرُّ للإعتداء أنه بعض الناس إذا دخل بيته جنّي في صورة حية مثلا سعى في قتله في أول لحظة دون الإستئذان المطلوب منه كما في السنة .

جاء في كتاب آكام المرجان في أحكام الجان (ص104) : قَالَ أَبُو الْعَبَّاس قتل الْجِنّ بِغَيْر حق لَا يجوز كَمَا لَا يجوز قتل الْإِنْس بِلَا حق وَالظُّلم محرم فِي كل حَال فَلَا يحل لأحد أَن يظلم أحدا وَلَو كَافِرًا قَالَ تَعَالَى {وَلَا يجرمنكم شنآن قوم على أَلا تعدلوا اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى} وَالْجِنّ يتصورون فِي صور شَتَّى فَإِذا كَانَت حيات الْبيُوت قد تكون جنيا فتؤذن ثَلَاثًا فَإِن ذهبت فِيهَا وَإِلَّا قتلت فَإِنَّهَا إِن كَانَت حَيَّة أَصْلِيَّة فقد قتلت وَإِن كَانَت جنية فقد أصرت على الْعدوان بظهورها للإنس فِي صُورَة حَيَّة تفزعهم بذلك والعادي هُوَ الصَّائِل الَّذِي يجوز دَفعه بِمَا يدْفع ضَرَره وَلَو كَانَ قتلا فَأَما قَتلهمْ بِدُونِ سَبَب يُبِيح ذَلِك فَلَا يجوز وَالله تَعَالَى أعلم ) اهـــ

القصد في حب وبغض الأباء والأمهات :

قال تعالى ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم ... ) هذا في الحب والغلو فيه الذي يصد عن الولاء والبراء . وقال تعالى أيضا ( أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ) وهذا في النهي عن البغض الزائد لهما ، فقد أمر الله ببغض الكفار ومعاداتهم ولو كانوا آباءنا وفي نفس الوقت أمر بالإحسان والقصد والإعتدال معهم ، فلا إفراط ولا تفريط في الحب والبغض . وقد يظهر لك أنه توجد معارضة بين الآيتين , ووجه الجمع بينهما أن المصاحبة بالمعروف أعمّ من الموادة ، لأن الإنسان يمكنه إسداء المعروف لمن يوده ومن لا يوده والنهي عن الأخص لا يستلزم النهي عن الأعم ، فكأن الله حذَّر من الموادة المشعرة بالمحبة والموالاة بالباطن لجميع الكفار ، ويدخل في ذلك الآباء وغيرهم ، وأمر الإنسان بأن لا يفعل لوالديه إلا المعروف ، وفعل المعروف لا يستلزم المودة ، لأن المودة من أفعال القلوب لا من أفعال الجوارح ، ومن أمثلة هذا الباب : ما روى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : قدمت على أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستفتيت رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم، قلت: إن أمي قَدمت وهي راغبة ، أفأصل أمي ؟ قال: نعم ، صلي أمك ، ومثل قوله تعالى ( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) والغلو في الحب هو من أمات أبا طالب على الشرك فإنه لما حضرته الوفاة وقال له النبي صلى الله عليه وسلم قل الشهادة رفض أن يخالف أباه عبد المطلب ، بل حب الآباء هو من أورد الأولين والآخرين الكفر فقد اجتمع كل المشركين على قولهم ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون )

القصد في حب وبغض الأزواج :

ومن الخروج عن القصد في هذا الباب ، أنه إذا أبغض الزوج زوجته وكرهها ، لم يسرح بإحسان ، وربما انتقم منها فوق ما يقتضي بغضه لها ، وقد روى مسلم (1469) عن أبي هريرة قال الرسول صلى الله عليه وسلم ( لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ ) والعكس من ذلك ، إذا أحبها قد يغلو في حبها فيعصى الله لأجلها ، فيترك ما أمره الله به من كالهجرة مثلا وقد حدث هذا مع بعض الصحابة الذين تركوا الهجرة بسبب الأزواج ، فلما فاتهم السبق ، أرادوا أن يعاقبوا زوجاتهم بعد ذلك فأنزل الله تعالى : ( وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم ) ، وقد يضرب الزوج زوجته يريد أن يعاقبها ، يتجاوز حد القصد من التأديب إلى التعذيب ، فتجده يضرب ولا يجتنب المقاتل وفيه نهي شديد ، ويضرب ويقبح الوجه الذي كرمه الله عزوجل ونهينا عن كل ذلك أشد النهي ، وكل هذا من الإعتداء الناتج عن البغض الزائد ، وصور الخروج عن حد القصد في التعامل مع الزوجات كثيرة لا يمكن حصرها واكتفينا بالمثال فقط .
وتجد الزوح أحيانا إذا كره زوجته ، لا يمر بالمراحل المأمور بها من النصح والتذكير ثم الهجر في الفراش ، ثم التحكيم ، بل ينتقل مباشرة للطلاق فيعتدي ويغلو في بغضه ، فيضر زوجته ويضيع أولاده ولله الأمر من قبل ومن بعد .

روى ابن أبي الدنيا في العيال (121) والبغوي في شرح السنة (9/11) : عَن الْحَسَن أَتَاهُ رجل فَقَالَ : إِن لي بِنْتا أحبها وَقد خطبهَا غيرُ وَاحِد ، فَمن تُشِير عَليّ أَن أزوجها ؟ قَالَ : زوّجها رجلا يَتَّقِي اللَّه ، فَإِنَّهُ إِن أَحبها أكرمها وَإِن أبغضها لم يظلمها .

(قلت) وهكذا المؤمن لا يحمله كرهه لزوجته على ظلمها لأنه أسس عشرته على القصد في الحب والبغض ، بل قد يمسكها ويصبر عليها ويحتسب الأجر .

القصد في حب وبغض الأبناء :

قال تعالى ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) وقال في المقابل ( المال والبنون زينة ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( اضربوهم لعشر ) لأجل الصلاة ، فلا إفراط في حبهم لدرجة أن يتبع الأب فتنتهم ويترك الأمر ويركب النهي ، ولا يزيد في عقوبتهم فوق التأديب إذا لم يستحقوا ذلك ، فعن بعض الصحابة أنه كان إذا أراد أن يضرب ولده وهو في الحرم أخرجه إلى الحل مخافة أن يزيد في عقوبة فيتضاعف عليه الإثم .

روى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (1/93) قال سفيان الثوري : يؤمر بالرحل يوم القيامة إلى النار فيقال هذا عياله أكلوا حسناته . وقد يكون بعض الآباء يغلو في حبه لبعض ولده ، فيخصه بالمعاملة الزائدة على حساب بقية أولاده ، كأن يخصه بعطية ما ، وجاء فيها الحديث المشهور على أنها ظلم وجور ، ولهذا تجد السلف كانوا يترقبون ويدققون في العدل بين الأولاد حتى في التقبيل ، وهذا هو القصد المطلوب .

القصد في حب وبغض المال :

قال تعالى ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) وفي المقابل قال ( المال والبنون زينة ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( نعم المال الصالح للرجل الصالح ) فالقصد والإعتدال أن يكون المال في يدك لا في قلبك ، فإنه إن دخل قلبك طغى قال تعالى ( إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ) أي إذا رأى نفسه أن صار غنيا .

وعَنْ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي زَرِيبَةِ غَنَمٍ أَفْسَدَ بِهِ مِنْ حِرْصِ الرَّجُلِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ » فالغلو في حب المال يصيره ذئبا جائعا أطلق عليك .

وروى ابن أبي الدنيا في إصلاح المال (36) عن عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ شُمَيْطِ بْنِ عَجْلَانَ قَالَ: قَالَ لِي أَبِي : الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ أَزِمَّةُ الْمُنَافِقِينَ بِهَا يُقَادُونَ إِلَى النَّارِ . فالغلو في حب المال هلكة ، وهذا لا يعني التقصير في جمعه وطلبه خاصة هذا الزمن .

روى ابن أبي الدنيا في إصلاح المال (55) قال سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ : « لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُرِيدُ جَمْعَ الْمَالِ مِنْ حِلِّهِ يَكُفُّ بِهِ وَجْهَهُ عَنِ النَّاسِ وَيَصِلُ بِهِ رَحِمَهُ وَيُعْطِي مِنْهُ حَقَّهُ» وروى أيضا (58) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ : « نِعْمَ الْعَوْنُ عَلَى الدِّينِ الْغِنَى »

جاء في تهذيب الكمال (11/168) عن سفيان الثوري يَقُولُ : كان المال فيما مضى يكره ، فأما اليوم فهو ترس المؤمن ) ، ونظر رجل إِلَى سفيان الثوري فَقَالَ : يا أَبَا عَبد اللَّهِ تمسك هذه الدنانير ؟ قال : أسكت فلولا هذه الدنانير لتمندل بنا هؤلاء الملوك.

القصد في حب وبغض الدنيا :

في الحديث : (حب الدنيا رأس كل خطيئة ) وفي المقابل ( الدنيا مزرعة للآخرة) وقال تعالى ( ولا تنس نصيبك من الدنيا ) فالقصد بين هذا وذاك ، فالغلو في حب الدنيا يورد المهالك والتلف ، والجفاء عنها كليا تضييع لأمور المعيشة ، وكفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول .

وقد روى ابن أبي الدنيا في إصلاح المال (20) عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ الدُّنْيَا فَقَالَ : أَلْزِقُوهَا بِأَكْبَادِكُمْ , فَوَاللَّهِ لَا تَصِلُونَ إِلَى الْآخِرَةِ بِدِينَارٍ وَلَا دِرْهَمٍ , وَلَتَتْرُكُنَّهَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ وَفِي بَطْنِهَا كَمَا تَرَكَهَا مَنْ قَبْلَكُمْ , فَتَنَاحَرُوا عَلَيْهَا تَنَاحُرَكُمْ , وَتَذَابَحُوا تَذَابُحَكُمْ , وَلَتُذْهِبَ دِينَكُمْ وَدُنْيَاكُمْ .

وروى في كتاب ذم الدنيا (10) عن أبي أمامة الباهلي قال : لما بعث محمد صلى الله عليه وسلم أتت إبليس جنوده وقالوا : قد بعث نبي وأخرجت أمته قال : يحبون الدنيا ؟ قالوا : نعم قال: لئن كانوا يحبونها ما أبالي أن لا يعبدوا الأوثان ، وأنا أغدو عليهم وأروح بثلاث : أخذ المال من غير حقه ، وإنفاقه في غير حقه ، وإمساكه عن حقه، والشر كله لهذا تبع .

القصد في بغض الكفار وأهل الكتاب والمعاهدين :

ليس الكافر الكتابي كالكافر المرتد ، ولا هو كأهل الأوثان والقبوريين ، ولا حتى مثل تارك الصلاة في حجم الكفر وغلظه ، فأكبر البغض للكفار الوثنيين والمرتدين ، ولا الحربي من الكفار كالمعاهد ، والتسوية بينهم في كل شيء غلط محض وظلم واعتداء ، فليس هذا من العدل والإنصاف ، فقد فرق الشرع بينهم في أشياء كثيرة معروفة في كتب الفقه والعقائد ، ونحن صحيح مأمورين ببغض الكفار جميعا والبراءة منهم ومن شركهم وتكفيرهم ، لكن هذا لا علاقة له بالتعدي عليهم وظلمهم بشيء زائد بحجة هذا البغض والبراءة ، السنة في هذا الباب بين غلو الخوارج ، وتمييع المرجئة ، فقد يكون الكافر جارك ويكون له حق الجوار ، وقد تقبل هديته ، وقد تهديه كما فعل عمر رضي الله عنه مع أخ له بمكة للمصلحة ، وبعض الناس يحمله بغض اليهود أن يزيد في ظلمه وعقوبته ، بل حتى في ظلمه بلا سبب ، فقط لأنه يهودي !! وبعضهم يحرم البيع والشراء مع اليهود ويحلها مع النصارى ، وبعض الناس يميل بحبه للنصارى ويكره اليهود وكلاهما كافر عند الله !! من الزيادة في العقوبة :

ما روى البخاري (6256) ومسلم (2165) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالُوا : السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ قَالَ: وَعَلَيْكُمْ ، قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللعنة ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا عَائِشَةُ « لَا تَكُونِي فَاحِشَةً » فَقَالَتْ : مَا سَمِعْتَ مَا قَالُوا ؟ فَقَالَ : " أَوَلَيْسَ قَدْ رَدَدْتُ عَلَيْهِمِ الَّذِي قَالُوا ، قُلْتُ : وَعَلَيْكُمْ "

(قلت) فزادت عائشة في العقوبة اللعنة واكتفى النبي صلى الله عليه وسلم برد ما قالوا دون زيادة التي لا داعي لها ، والرفق يخدم مصلحة الدعوة .

ومن البغض الزائد الذي يتحول إلى ظلم ومعصية ، ما روى أبو داود (3052) بسند صحيح أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ ، أَخْبَرَهُ عَنْ عِدَّةٍ ، مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنْ آبَائِهِمْ دِنْيَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : « أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا ، أَوِ انْتَقَصَهُ ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ »

(قلت) والمقصود أن هذا باب كبير ينبغي التفقه فيه .
وروى أبو نعيم في أخبار أصبهان (2/31) وفي سنده ضعف عن صفوة بن حبيب قال عمر بن الخطاب في شان النصارى : سموهم ولا تكنوهم ، أذلوهم ولا تظلموهم ، وإذا جمعكم وإياهم طريق فألجؤوهم إلى أضيقها ) (قلت) وكل هذا من القصد في البغض ، والكلام في هذا الباب يطول والناس فيه بين من ميع الدين وترك البراءة من الشرك وأهله والبغض الواجب عليه تجاه الكفار ، وبين من على في بغضه وزاد ما لا يحل له في العقوبة والإعتداء والظلم والله المستعان .

فائدة : تبويبات حسنة في كتب الحديث في هذا الباب :

هذه فائدة في بعض العناوين والتبويبات لأهل الحديث على الآثار السابقة :

بوب الترمذي في سننه حيث قال : (بَابُ مَا جَاءَ فِي الاِقْتِصَادِ فِي الحُبِّ وَالبُغْضِ). وأقل منه ما بوبه ذاك البغوي في شرح السنة ( باب القصد في الحب والبغض ) .

وأقل منه ما بوبه معمر بن راشد في جامعه ( باب في الحب والبغض ) .
وأجمل عبارة منهم جميعا تبويب الخرائطي في كتابه اعتلال القلوب قال : ( بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الِاقْتِصَادِ فِي الْحُبِّ وَيُكْرَهُ مِنَ الْإِفْرَاطِ فِيهِ ) وكان تبويب اللالكائي في السنة بقوله ( سِيَاقُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْغُلُوِّ فِي الْحُبِّ وَالْبُغْضِ فِي تَفْضِيلِ الصَّحَابَةِ وَالِاسْتِغْرَاقِ فِي الْإِطْرَاءِ وَالذَّمِّ لَهُمْ لِلِاغْتِرَاءِ ) .



إلى هنا انتهى هذا المخلص المختصر في بيان القصد في الحب والبغض والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، فاللهم اجعله خالصا لوجهك الكريم وانفع به .

كتبه أبو عبيد الجزائري .... بتاريخ 26 شوال 1438 هـــ

ليست هناك تعليقات: