الاثنين، 11 سبتمبر 2017

ذم التشديد في نقد أسانيد أحكام التجويد

             ذم التشديد في نقد أسانيد أحكام التجويد


بسم الله الرحمن الرحيم

وتعنت بعض المتأخرين والمعاصرين في المطالبة بأسانيد أحكام التجويد ، مع أن أغلبها متواترة ومتلقاة أكثرها عبر السمع والمشافهة ، وكثير منها يدخل تحت لغة العرب ، فلا يحتاج معها إلى التشدد في الإسناد أو المطالبة به ، فأحكام التجويد كغيرها من العلوم ، منها حق وباطل ، لكن إنكارها بالجملة وتبديعها خطر على من نفاها . 
قال ابن مجاهد في كتاب السبعة في القراءات (ص49) : كَذَلِك مَا روى من الْآثَار فِي حُرُوف الْقُرْآن مِنْهَا المعرب السائر الْوَاضِح ، وَمِنْهَا المعرب الْوَاضِح غير السائر ، وَمِنْهَا اللُّغَة الشاذة القليلة ، وَمنها الضَّعِيف الْمَعْنى فِي الْإِعْرَاب غير أَنه قد قرىء بِهِ وَمِنْهَا مَا توهم فِيهِ فغلط بِهِ فَهُوَ لحن غير جَائِز عِنْد من لَا يبصر من الْعَرَبيَّة إِلَّا الْيَسِير وَمِنْهَا اللّحن الْخَفي الَّذِي لَا يعرفهُ إِلَّا الْعَالم النحرير وَبِكُل قد جَاءَت الْآثَار فِي الْقرَاءَات . وما يدل على أن القراءات وأحكام التجويد أكثرها سمعية بالمشافهة ، منها : 

 روى ابن مجاهد في السبعة (ص51) والخطيب في الجامع (1597) عَنْ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ : قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ سُنَّةٌ يَأْخُذُهَا الْآخَرُ عَنِ الْأَوَّلِ . وروى الخطيب (1598) عن قُطْرُبٍ أَنَّهُ قَالَ : « الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ لَا تُقْرَأُ إِلَّا بِمَا أُثِرَ عَنِ الْعُلَمَاءِ وَلَا تُقْرَأُ بِمَا يَجُوزُ فِي الْعَرَبِيَّةِ دُونَ الْأَثَرِ .

وروى ابن مجاهد في السبعة (ص51) قال الشعبي : القراءة سنة ، فاقرأوا كما قرأ أولوكم . 
 وأكثر من ذلك مارواه ابن مجاهد (ص52) ما قاله عروة بن الزبير : إنما قراءة القرآن سنة من السنن ، فاقرؤوه كما علمتموه .  
ولهذا كله تعلم أن التنطع والتدقيق في أسانيد القراءات وأحكام التجويد لا ينبغي ، فلو أخذنا مثلا حفص ، فإن فيه كلام شديد ، لكن هل يشك أحد في صحة قراءته ؟؟ ومثله عاصم بن أبي النجود ضعيف فهل نضعف قراءته ؟؟ وقد كثرت انتقادات المتأخرين والمعاصرين لأسانيد كتب القراءات ، وقد قبلها السلف ولم يتكلموا فيها : 

 وروى الخطيب في الجامع (1599) عن أَبي عَلِيٍّ الشَّقِيقِيُّ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ الْمُبَارَكِ : إِنَّ الْكِسَائِيَّ قَدْ وَضَعَ كِتَابًا فِي إِعْرَابِ الْقُرْآنِ مِثْلَ {الْحَمْدُ لِلَّهِ} وَالْحَمْدَ لِلَّهِ وَ (الْحَمْدِ لِلَّهِ) فَمَنْ رَفَعَ حُجَّتُهُ كَذَا وَمَنْ نَصَبَ حُجَّتُهُ كَذَا وَمَنْ خَفَضَ حُجَّتُهُ كَذَا فَكَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ ؟ فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ قَرَأَ بِهَا قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ مِنَ الْقُرَّاءِ فَالْتَمَسَ الْكِسَائِيُّ الْمَخْرَجَ لِقِرَاءَتِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَةً لَمْ يَقْرَأْ بِهَا أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ مِنَ الْقُرَّاءِ فَاحْتَمَلَهَا عَلَى الْخُرُوجِ عَلَى النَّحْوِ فَأَكْرَهُهُ ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ : ثُمَّ قَدِمْتُ بَعْدَ ذَلِكَ بَغْدَادَ وَالْكِسَائِيُّ حَيٌّ فَلَقِيتُ بِهَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ نَيْسَابُورَ يُقَالُ لَهُ : مَتٌّ أَخُو حَفْصِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِالنَّحْوِ وَالْعَرَبِيَّةِ فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِ ابْنِ الْمُبَارَكِ فَقَالَ : أَحْسَنَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَعْجَبَهُ قَوْلُهُ وَلَكِنْ أُخْبِرُكَ أَنَّ الْكِسَائِيَّ يَقُولُ: « إِنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ كُلَّهَا قِرَاءَةُ الْقُرَّاءِ مِنَ السَّلَفِ » 

وتأمل ماذا يوصي شعبة رجلا فيما روى الخطيب برقم (1600) عن الْأَصْمَعِيُّ قَالَ : قَالَ شُعْبَةُ لِعَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ الْجَهْضَمِيِّ : « خُذْ قِرَاءَةَ أَبِي عَمْرٍو فَإِنَّهَا تُوشِكُ أَنْ يَكُونَ لَهَا إِسْنَادٌ . (قلت) يعني أنها قراءة بلا إسناد ، وشعبة وهو مَنْ في التشدد يوصيه بها ولا يتحرج !! فأين من يرمي شعبة بالتنطع من المتأخرين ؟؟ فبالله عليكم من المتنطع الآن ؟؟

وتوجهوا بالطعن أيضا في أحكام التجويد بإطلاق وبدون تفصيل ، صحيح أن كل علم فيه الدخيل وما ليس منه ، لكن تجد أن أغلبه محفوظ متوارث بالقبول ، وأحكام التجويد الكثير منها داخل تحت لغة العرب ، ومتلقى بالسمع والمشافهة ، ومما يدل على ذلك : ما ثبت عن موسى بن يزيد الكندي –رضي الله عنه – قال كان ابن مسعود – رضي الله عنه – يقرئ رجلا فقرأ الرجل : ( إنما الصدقات للفقراء و المساكين ) مرسلة أي مقصورة ، فقال ابن مسعود : ما هكذا أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الرجل : و كيف أقرأكها يا أبا عبد الرحمن ؟ قال أقرأنيها هكذا :   ( إنما الصدقات للفقراء و المساكين ) و مدّها . 
[ رواه سعيد بن منصور في تفسيره (1023) وذكره ابن الجزري بسنده في النشر (1/315) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (7 / 155) من رواية الطبراني وقال: (رجاله ثقات) وقال في الإتقان (1/333) : وَهَذَا حديث حسن جَلِيلٌ حُجَّةٌ وَنَصٌّ فِي الْبَابِ رِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ.] 

عَنْ ابن مسعود قال : إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ الْقُرَّاءَ فَوَجَدْتُهُمْ مُتَقَارِبَيْنِ، فَاقْرَءُوا كَمَا عَلِمْتُمْ ، فَإِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِ أَحَدِكُمْ هَلُمَّ ، وَتَعَالَ . [ السبعة لابن مجاهد (1/47) وأبو عبيد في الفضائل (1/346) والمستغفري في فضائل القرآن (440) بسند صحيح ] 

ولهذا قَالَ الآجري في كتاب أخلاق أهل القرآن (ص139) : ثُمَّ يَنْبَغِي لِمَنْ لَقَّنَهُ الْأُسْتَاذُ أَنْ لَا يُجَاوِزَ مَا لَقَّنَهُ , إِذَا كَانَ مِمَّنْ قَدْ أَحَبَّ أَنْ يَتَلَقَّنَ عَلَيْهِ , وَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ غَيْرِهِ لَمْ يَتَلَقَّنْ مِنْهُ إِلَّا مَا لَقَّنَهُ الْأُسْتَاذُ , أَعْنِي بِغَيْرِ الْحَرْفِ الَّذِي قَدْ تَلَقَّنَهُ مِنَ الْأُسْتَاذِ , فَإِنَّهُ أَعْوَدُ عَلَيْهِ , وَأَصَحُّ لِقِرَاءَتِهِ , وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « اقْرَءُوا كَمَا عُلِّمْتُمْ »

وأغلب أحكام التجويد والقراءات ، إنما سطرها القراء في زمن اللسلف لا المتأخرون ، فمثلا يقول ابن الجزري في النشر (2/23) في الإدغام : وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْ أَكْثَرِ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ كَنَافِعٍ، وَابْنِ كَثِيرٍ، وَأَبِي عَمْرٍو، وَابْنِ عَامِرٍ ، وَعَاصِمٍ ، وَأَبِي جَعْفَرٍ ، وَيَعْقُوبَ ، وَغَيْرِهِمْ ) اهــ 

 وهؤلاء كانوا في زمن متقدم جدا أيام التابعين وأتباعهم ، فهم الإسناد وهم المتن ، فكيف يطعن في أحكام التجويد هكذا بلا تفصيل بحجة أنه لا إسناد لها أو أسانيدها ضعيفة !!

ومن الطرائف في هذا الباب : وفيه فائدة أنه لما طلب أصحاب الحديث من أبي بكر بن عياش وكان عسرا في التحديث ، أن يحدثهم بعشرة أحاديث فأبى وقال : ولا نصف حديث ، فقالوا رضينا بنصف فَقَالَ : اخْتَارُوا إِنْ شِئْتُمُ الْإِسْنَادَ ، وَإِنْ شِئْتُمُ الْحَدِيثَ قَالَ: فَقَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ : يَا أَبَا بَكْرٍ أَنْتَ عِنْدَنَا إِسْنَادٌ ، فَهَاتِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ " وأعطاهم المتن . [ رواه الخطيب في شرف أصحاب الحديث (ص137) ] 

 ومما يبين أيضا أن أمر القراءات والتجويد أصله السماع لا الإسناد ، ما قاله ابن مجاهد في كتاب السبعة (ص47) وَقد كَانَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء وَهُوَ إِمَام أهل عصره فِي اللُّغَة وَقد رَأس فِي الْقِرَاءَة والتابعون أَحيَاء وَقَرَأَ على جلة التَّابِعين مُجَاهِد وَسَعِيد بن جُبَير وَعِكْرِمَة وَيحيى ابْن يعمر وَكَانَ لَا يقْرَأ بِمَا لم يتقدمه فِيهِ أحد . ثم روى عن الْأَصْمَعِي قَالَ : قلت لأبي عَمْرو بن الْعَلَاء {وباركنا عَلَيْهِ} فِي مَوضِع {وَتَركنَا عَلَيْهِ} فِي مَوضِع أيعرف هَذَا فَقَالَ مَا يعرف إِلَّا أَن يسمع من الْمَشَايِخ الْأَوَّلين . 

(قلت) فتأمل كيف أنهم هم الإسناد في حد ذاته . 
ولقد ذكر ذاك الداني في كتابه ( التحديد في الإتقان والتجويد ) أحاديث وآثارا كثيرة تعتبر أصول في أحكام التجويد وبعضها فيها ضعف ، وبعضها صحيح مشهور ، ولكن ليست هي فقط من عليها المعول في إثبات أحكام التجويد ، إنما أيضا على السمع والمشافعة كما سبق ، وما دوَّنه القراء الكبار المتقدمين ، ولقد ثبتت أحاديث مرفوعة وآثار صحيحة فيها أصول أحكام التجويد نصت على ثبوت أصل المدود والوقف والإبتداء والمخارج وغير ذلك ، مما يدل على أن لأحكام التجويد أصل عند السلف ، ومن ذلك الحديث الوارد في القراءة بالتحقيق ، رواه ذاك الداني ثم علق عليه فقال : هذا الخبر الوارد بتوقيف قراءة التحقيق من الأخبار الغريبة والسنن العزيزة التي لا توجد روايته إلا عند المكثرين الباحثين ، ولا يكتب إلا عن الحفاظ الماهرين ، وهو أصل كبير في وجوب استعمال قراءة التحقيق وتعلم الاتقان والتجويد ، لاتصال سنده وعدالة نقلته ، ولا أعلمه يأتي متصلاً إلا من هذا الوجه ) اهـــ ومن الأصول حديث عن قتادة قال : سئل أنس -رضي الله عنه- كيف كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كانت مداً ، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ، يمد (بسم الله) ، ويمد (الرحمن) ، ويمد (الرحيم) .[ مسلم (307) ] 

قال الداني : وهذا حديث مخرج من الصحيح ، وهو أصل في تحقيق القراءة ، وتجويد الألفاظ ، وإخراج الحروف من مواضعها والنطق بها على مراتبها ، وإيفائها صيغتها ، وكل حق هو لها من تلخيصٍ وتبيينٍ ومد وتمكينٍ وإطباقٍ وتفش وصفيرٍ وغنةٍ وتكريرٍ واستطالة وغير ذلك على مقدار الصيغة وطبع الخلقة ، من غير زيادةٍ ولا نقصانٍ . 

 وذكر ذاك الذهبي في كتابه معرفة القراء (1/254) : قال ابن مجاهد ثنا مطين ثنا عقبة بن قبيصة ثنا أبي قال : كنا عند سفيان الثوري ، فجاء حمزة فكلمه ، فلما قام من عنده أقبل علينا سفيان ، فقال : هذا _ يعني حمزة _ ما قرأ حرفا من كتاب الله إلا بأثر .  

وذكر الداني من الأصول الثابتة في أحكام التجويد : ما روي عن عاصم بن بهدلة قال: قلت للطفيل بن أبي بن كعب -رضي الله عنهم- إلى أي معنى ذهب أبوك في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقرأ عليك القرآن قال: ليقرأ علي فآخذ ألفاظه. [ رواه ابن مجاهد في السبعة في القراءات (1/55) والداني (1/71) وفيه سنده نظر ] 
قال أبو عمرو: وهذا الحديث أيضاً أصل كبير في وجوب معرفة تجويد الألفاظ وكيفية النطق بالحروف على هيئتها وصيغتها، وأن ذلك لازم لكل قراء القرآن أن يطلبوه ويتعلموه وواجبٌ على جميع المتصدرين أن يأخذوه ويعلموه ، اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ما أمر به، واتباعاً له على ما أكده بفعله، ليكون سنة يتبعها القراء، ويقتدي بها العلماء .

تنبيـه : 

ورد عن حذيفة بن اليمان ، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يقول : اقرأوا القرآن بلحون العرب وأصواتها. ولا يصح هذا استدلالا لشدة ضعفه . 
[ سنده جد ضعيف فيه ثلاث علل : وقد رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (7223) والفسوي في المعرفة والتاريخ (2/ 480) والبيهقي في الشعب (2406) وأبو عبيد في فضائل القرآن (ص 165) ومحمد بن نصر في قيام الليل (ص 135) وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 111) من طريق بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ مَالِكٍ الْفَزَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخًا ، وَكَانَ قَدِيمًا يُكْنَى بِأَبِي مُحَمَّدٍ، يُحَدِّثُ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ .. وقد ضعفه الجوزقاني وابن الجوزي والهيثمي وغيرهم ] 

وقد ترك الكثير من المعاصرين القراءة بأحكام التجويد التي سطرها القراء جملة ، بحجة ألا دليل عليها !! وبعضهم صرح بأنها بدعة !! وقالوا نقرأ بطبعنا ونكتفي .                           

وفي هذا قال مكي بن أبي طالب في الرعاية : وليس قول المقرئ والقارئ : أنا أقرأ بطبعي، وأجد الصواب بعادتي في القراءة لهذه الحروف من غير أن أعرف شيئاً مما ذكرته بحجة ، بل ذلك نقص ظاهر فيهما ، لأن من كانت حجته هذه يصيب ولا يدري ويخطئ ولا يدري ، إذ علمه واعتماده على طبعه وعادة لسانه ، يمضي معه أينما مضى به من اللفظ، ويذهب معه أينما ذهب ، ولا يبني على أصل، ولا يقرأ على علم ، ولا يقرأ عن فهم ... فلا يرضين امرؤ لنفسه في كتاب الله جل ذكره ، وتجويد ألفاظه إلا بأعلى الأمور ، وأسلمها من الخطأ والزلل ) اهــ . 

وإنما كره السلف : التنطع في التجويد والتقعير والتشدق ، والمبالغة في الإدغام والمد ، والقراءة بالألحان المستحدثة ، وبعض الإمالات الشديدة التي ليس عليها دليل ، وهي نتيجة الغلو في تطبيق الأحكام ، ونحو هذا مما أشار إليه الإمام أحمد وابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن وغيره . وما يزيدك وضوحا أن بعض أحكام التجويد مما تدخل تحت لغة العرب ولا يحتاج لإسناد 

ما قاله ابن تيمية : ( وأما كيفيات الأداء مثل تليين الهمزة ، ومثل الإمالة والإدغام ، فهذه مما يسوغُ للصحابة أن يقرأوا فيها بلغاتهم ، لا يجب أن يكون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تلفَّظ بهذه الوجوه المتنوعة كلها ، بل القطع بانتفاء هذا أولى من القطع بثبوته ) اهـــ [ جامع المسائل 1-113 ] 

 ومن الأشياء التي لم تعجب أهل الحديث أمور نذكرها :            

قال عبد اللَّه في العلل (4507) : سألت أبي : أي القراءة أحب إليك ؟ قال: قراءة المدينة فإن لم تكن فقراءة عاصم قال : وأكره من قراءة حمزة الكسر الشديد والاضجاع . 

وقال أحمد بن يزيد الوراق : سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن الهمز الشديد ؟ فقال: لا يعجبني الهمز الشديد ، وقال: تعجبني القراءة السهلة. [ طبقات الحنابلة (1/ 213) ] 

وقال حرب : سألت أحمد عن الإدغام فكرهه ، وقال حرب : سألت أحمد عن قراءة حمزة فقال: لا تعجبني ، وكرهها كراهية شديدة .  

وقال حرب : سمعت أحمد يكره الإمالة مثل: {وَالضُّحَى} و {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} وقال: أكرهُ الخَفْضَ الشديد والإدغام. [ طبقات الحنابلة (1/ 390) والجامع لعلوم أحمد (13/433) ] 

قال ذاك الذهبي معلقا : يريد السكت و الإمالة ، و هكذا كره عبد الله بن إدريس الأودي و أبو بكر بن عياش ، وغير واحد قراءة حمزة ، و الآن فقد انعقد الإجماع على صحة قراءة حمزة ، و لله الحمد ، و إن كان غيرها أفصح منها و أولى ) اهــ 
 (قلت) فتبين أن كثير من أحكام التجويد لها آثار وأسانيد وسماعات ومنها ما يصح قطعا ولا يجوز التشكيك فيه ، ومنها ما هو محل نظر كالإدغام الكبير المبالغ فيه ، لا أصل الإدغام فهو ثابت قطعا وقد ثبت عن أحمد أنه لم ينكر أصل الإدغام كليا كما يظن البعض .                               
ففيما قال أبو حمدون المقرئ : قلت له : ما تكره من قراءة حمزة ؟ قال: الكسر والإدغام فقلت له: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } أين الألف واللام ؟ فقال : إن كان هكذا فلا بأس . [ طبقات الحنابلة (1/475) ] 
(قلت) وهذا رد قوي على من يقول الإدغام فيه أخفاء حرف من حروف القرآن والتي فيه عشر حسنات !! فيقال له مثل مال المقرئ ابن حمدون لأحمد . ومنها ماهو كروه ، كالإمالات الشديدة والهمز المحدث عند حمزة ، فقد قال حبيش بن سندي : سئل أبو عبد اللَّه عن قراءة حمزة فقال : نعم أكرهها أشد الكراهية قيل له : ما تكره منها ؟ قال: هي قراءة محدثة ما قرأ بها أحد إنما هي إيه وآه .[ طبقات الحنابلة (1/ 391 – 392) ] 

وفي ورواية الأزرق عن ورش أشياء تشبه قراءة حمزة كالإمالات الشديدة والمبالغة في المدود ، وإلا فأصل قراءة نافع وحفص ثابتة بإجماع وتواتر ، قال عبد الوهاب بن الحكم : قال أحمد بن حنبل : أحب القراءات إليَّ نافع ، فإن لم فعاصم .[ الطبقات (2/ 92) ] 

فلا يصح الإنكار بالجملة فهو خطر وجرأة عظيمة ، ولا يصح إثبات كل شي بلا تفصيل والوسط في هذا الباب أن يقال في أحكام التجويد ما قاله ابن قتيبة رحمه الله . 

ففي تأويل مشكل القرآن (ص58-61) بعد أن تعرض للحن اللاحنين من القراء المتأخرين قال : ( ثم خلف قوم من بعد من أهل الأمصار وأبناء العجم ليس لهم طبع اللغة ، ولا علم التكلف ، فهفوا في كثير من الحروف وزلوا وقرأوا بالشاذ وأخلّوا ، منهم رجلٌ - يعني حمزة الزيات المقرئ رحمه الله - ستر الله عليه عند العوام بالصلاح ، وقربه من القلوب الدينُ ، لم أر فيمن تتبعت وجوه قراءته أكثر تخليطاً ، ولا أشد اضطراباً منه ، لأنه يستعمل في الحرف ما يدعه في نظيره ، ثم يؤصل أصلاً ويخالف إلى غيره لغير ما عِلَّةٍ . ويختار في كثير من الحروف ما لا مخرج له إلا على طلب الحيلة الضعيفة ، هذا إلى نبذه في قراءته مذاهب العرب وأهل الحجاز ، بإفراطه في المد والهمز والإشباع ، وإفحاشه في الإضجاع والإدغام ، وحمله المتعلمين على المركب الصعب ، وتعسيره على الأمة ما يسره الله ، وتضييقه ما فسحه ، ومن العجب أنه يُقرئ الناس بهذه المذاهب ويكره الصلاة بها ! ففي أي موضع تستعمل هذه القراءة إن كانت الصلاة لا تجوز بها ؟! وكان ابن عيينة يرى لمن قرأ في صلاته بحرفه ، أو ائتم بقراءته أن يعيد ووافقه على ذلك كثير من خيار المسلمين منهم بشر بن الحارث وأحمد بن حنبل ، وقد شغف بقراءته عوام الناس وسوقهم ، وليس ذلك إلا لما يرونه من مشقتها وصعوبتها ، وطول اختلاف المتعلم إلى المقرئ فيها ، فإذا رأوه قد اختلف في أم الكتاب عشراً ، وفي مائة آية شهراً ، وفي السبع الطوال حولا ، ورأوه عند قراءته مائل الشدقين دارَّ الوريدين ، راشح الجبينين توهموا أن ذلك لفضيلة في القراءة وحذق بها ، وليس هكذا كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا خيار السلف ولا التابعين ، ولا القراء العالمين ، بل كانت قراءتهم سهلة رَسْلةً ، وهكذا نختار لقراء القرآن في أورادهم ومحاريبهم ، فأما الغلام الريض والمستأنف للتعلم ، فنختار له أن يؤخذ بالتحقيق عليه ، من غير إفحاش في مد أو همز أو إدغام ، لأن في ذلك تذليلاً للسان ، وإطلاقاً من الحبسة ، وحلاً للعقدة ) اهـــ .





انتهى هذا المقال وهو فصل اقتطعته من كتابي : ( الإحتجاج بالأثر بين المتقدمين والمتأخرين ) والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .... كتبه أبو عبيد مروان حاجو ...






ليست هناك تعليقات: