حذر السلف من هجر الآثار وتركها ، ووصفوا من تركها ، بالهلاك ، والبدع ، والصغار ، وذكروا خطورة الطعن فيها ، وعصمة من تمسك بها من الضلال ، وهذا مبحث مهم جدا وفيه النهي عن تجاوز الآثار ، والنهي عن ردها بالرأي والفهم الخاص
فصل : ترك الآثار هلاك وسبب للبدع :
إذا ترك الناس الآثار استبدلوه بالرأي ، فهي معادلة حتمية ، وهي تشبه قوله تعالى ( قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون ) فإما الوحي وإما الفرية لا محالة ، ولهذا أرجع السلف أن سبب ظهور البدع والزندقة هو ترك استعمال الآثار في تعلم الدين وإليك بعض أقوالهم :
عَنْ عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : ( اتَّبِعُوا آثَارَنَا وَلَا تَبْتَدِعُوا فَقَدْ كُفِيتُمْ ) [ رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص17) والإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (1/ 86) والإمام المروزي في السنة (ص28)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (1/ 327)، وأورده البغوي في شرح السنة (1/ 214)، وذكره ذاك الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح. (1/ 186) ].
وروى في جامع البيان (2017) عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : « إِنَّمَا هَلَكْتُمْ حِينَ تَرَكْتُمُ الْآثَارَ، وَأَخَذْتُمْ بِالْمَقَايِيسِ »
روى اللالكائي (119) قَالَ حُذَيْفَةُ : « اتَّقُوا اللَّهَ يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ خُذُوا طَرِيقَ مَنْ قَبْلَكُمْ فَوَاللَّهِ لَئِنْ سَبَقْتُمْ لَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا , وَإِنْ تَرَكْتُمُوهُ يَمِينًا وَشِمَالًا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا »
وفي الجامع لابن عبد البر (2026) عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ « إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَشَعَّبَتْ بِهِمُ السُّبُلُ وَحَادُوا عَنِ الطَّرِيقِ فَتَرَكُوا الْآثَارَ وَقَالُوا فِي الدِّينِ بِرَأْيِهِمْ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا »
روى الدارمي في النقض على المريسي (2/669) والهروي في ذم الكلام (3/11) عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : مَا رَأْيُ امْرِئٍ فِي أَمْرٍ بَلَغَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا اتِّبَاعه ، ولو لم يَكُنْ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ فِيهِ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ كَانُوا أَوْلَى فِيهِ بِالْحَقِّ مِنَّا ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْنَى عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ بِاتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُمْ، فَقَالَ: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ} وَقُلْتُمْ أَنْتُمْ : بَلْ نَعْرِضُهَا عَلَى رَأْيِنَا فِي الْكِتَابِ ، فَمَا وَافَقَهُ مِنْهَا صَدَّقْنَاهُ وَمَا خَالَفَهُ تَرَكْنَاهُ ، وَتِلْكَ غَايَةُ كُلِّ مُحدِث فِي الْإِسْلَامِ : رَدُّ مَا خَالَفَ رَأْيَهُ من السّنة .
وفي تاريخ بغداد (8/611) قال أحمد عن الجهمية : .. إنما جاء بلاؤهم من هذه الكتب التي وضعوها، تركوا آثار رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه ، وأقبلوا عَلَى هذه الكتب )
روى الخلال في السنة (5/104) : عن أحمد بن حنبل حدثهم : سمع أبا نعيم الفضل بن دكين قال له رجل: يا أبا نعيم هذا بشر المريسي ؟ فقال : لعن الله أهل الزيغ والضلالة ، من بشر المريسي ؟ إنما يتكلم في هذا التافه من الناس ، لا يعرف ، نسأل الله لنا ولكم اليسر والعافية ، عليكم بالآثار ، والعلم ما كان عليه من مضى من السلف.
(قلت) لأن سبب ضلال الجهمية هو ترك الآثار واعتمادهم الفهم الخاص للنصوص .
ومثله ما روى الهروي عن ﺃبي ﺣﺎﺗﻢ اﻟﺴﺠﺴﺘﺎﻧﻲ ﻳﻘﻮﻝ ﺳﻤﻌﺖ اﻷﺻﻤﻌﻲ ﻳﻘﻮﻝ ﺳﻤﻌﺖ ﺷﻌﺒﺔ ﻳﻘﻮﻝ ﻛﺎﻥ ﺳﻔﻴﺎﻥ اﻟﺜﻮﺭﻱ ﻳﺒﻐﺾ ﺃﻫﻞ اﻷﻫﻮاء ﻭﻳﻨﻬﻰ ﻋﻦ ﻣﺠﺎﻟﺴﺘﻬﻢ ﺃﺷﺪ اﻟﻨﻬﻲ ﻭﻛﺎﻥ ﻳﻘﻮﻝ : ( ﻋﻠﻴﻜﻢ باﻷﺛﺮ ﻭﺇﻳﺎﻛﻢ ﻭاﻟﻜﻼﻡ ﻓﻲ ﺫاﺕ اﻟﻠﻪ ) .
ولابن المبارك في الزهد (١/٢٠٤) : هذا عمر رضي الله عنه يأمر يزيد بن ابي سفيان باتباع سنة النبي ومن مات معه من صحابته وهو من هو فيقول : والذي نفس عمر بيده لئن خالفتم عن سنتهم ليخالفن بكم عن طريقتم )
وقال ابن مسعود رضي الله عنه لأصحاب الحلقة البدعية محتجا عليهم بفهم الصحابة وآثارهم والذي نفس ابن مسعود بيده لئن أخذتم آثار القوم ليسبقنكم سبقا بعيدا ولئن صرتم يمينا وشمالا لتضلن ضلالا بعيدا ( [ البدع لابن وضاح (ص35) ]
وقال ابن عمر رضي الله عنه : اتبعوا ولا تبتدعوا فإنكم لن تضلوا ما اتبعتم الأثر فإن تتبعونا فقد سبقناكم سبقا بعيدا وإن تخالفونا فقد ضللتم ضلالا كبيرا ( [ السنة للمرزوي (١/٢٩( ]
روى ابن عبد البر في الجامع )2026) عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : « إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَشَعَّبَتْ بِهِمُ السُّبُلُ وَحَادُوا عَنِ الطَّرِيقِ ، فَتَرَكُوا الْآثَارَ وَقَالُوا فِي الدِّينِ بِرَأْيِهِمْ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا »
روى الدارمي في سننه (204) ﻋﻦ اﻟﺸﻌﺒﻲ ﻗﺎﻝ : ﺷﻬﺪﺕ ﺷﺮﻳﺤﺎ ﻭﺟﺎءﻩ ﺭﺟﻞ ﻣﻦ ﻣﺮاﺩ ﻓﻘﺎﻝ: ﻳﺎ ﺃﺑﺎ ﺃﻣﻴﺔ ، ﻣﺎ ﺩﻳﺔ اﻷﺻﺎﺑﻊ ؟ ﻗﺎﻝ : «ﻋﺸﺮ ﻋﺸﺮ» ﻗﺎﻝ: ﻳﺎ ﺳﺒﺤﺎﻥ اﻟﻠﻪ ، ﺃﺳﻮاء ﻫﺎﺗﺎﻥ ؟ ﺟﻤﻊ ﺑﻴﻦ اﻟﺨﻨﺼﺮ ﻭاﻹﺑﻬﺎﻡ ﻓﻘﺎﻝ ﺷﺮﻳﺢ : ﻳﺎ ﺳﺒﺤﺎﻥ اﻟﻠﻪ ، ﺃﺳﻮاء ﺃﺫﻧﻚ ﻭﻳﺪﻙ ؟ ﻓﺈﻥ اﻷﺫﻥ ﻳﻮاﺭﻳﻬﺎ اﻟﺸﻌﺮ ﻭاﻟﻜﻤﺔ ﻭاﻟﻌﻤﺎﻣﺔ ﻓﻴﻬﺎ ﻧﺼﻒ اﻟﺪﻳﺔ ، ﻭﻓﻲ اﻟﻴﺪ ﻧﺼﻒ اﻟﺪﻳﺔ ، ﻭﻳﺤﻚ: ﺇﻥ اﻟﺴﻨﺔ ﺳﺒﻘﺖ ﻗﻴﺎﺳﻜﻢ ﻓﺎﺗﺒﻊ ﻭﻻ ﺗﺒﺘﺪﻉ، ﻓﺈﻧﻚ ﻟﻦ ﺗﻀﻞ ﻣﺎ ﺃﺧﺬﺕ ﺑﺎﻷﺛﺮ. ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﺑﻜﺮ: ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻲ اﻟﺸﻌﺒﻲ: ﻳﺎ ﻫﺬﻟﻲ، ﻟﻮ ﺃﻥ ﺃﺣﻨﻔﻜﻢ ﻗﺘﻞ ﻭﻫﺬا اﻟﺼﺒﻲ ﻓﻲ ﻣﻬﺪﻩ، ﺃﻛﺎﻥ ﺩﻳﺘﻬﻤﺎ ﺳﻮاء ؟ ﻗﻠﺖ: ﻧﻌﻢ ﻗﺎﻝ: ﻓﺄﻳﻦ اﻟﻘﻴﺎﺱ ) .
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ : أَدْرَكْنَا أَهْلَ الْفَضْلِ وَالْفِقْهِ مِنْ خِيَارِ أَوَّلِيَّةِ النَّاسِ يَعِيبُونَ أَهْلَ الْجَدَلِ وَالتَّنْقِيبِ , وَالْأَخْذِ بِالرَّأْيِ أَشَدَّ الْعَيْبِ , وَيَنْهَوْنَنَا عَنْ لِقَائِهِمْ وَمَجَالَسَتِهِمْ , وَحَذَّرُونَا مُقَاربَتَهُمْ أَشَدَّ التَّحْذِيرِ , وَيُخْبِرُونَا أَنَّهُمْ عَلَى ضَلَالٍ , وَتَحْرِيفٍ لِتَأْوِيلِ كِتَابِ اللَّهِ , وَسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , حَتَّى كَرِهَ الْمَسَائِلَ وَالتَّنْقِيبَ عَنِ الْأُمُورِ , وَزَجَرَ عَنْ ذَلِكَ , وَحَذَّرَهُ الْمُسْلِمِينَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ , حَتَّى كَانَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَرَاهِيَةِ ذَلِكَ أَنْ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ , فَإِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِسُؤَالِهِمْ , وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ , فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ , وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأَتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ , فَأَيُّ امْرِئٍ أَكَبَّ عَلَى التَّنْقِيبِ لَمْ يَعْقِلْ مِنْ هَذَا. وَلَمْ يَبْلُغِ النَّاسُ يَوْمَ قِيلَ لَهُمْ هَذَا الْقَوْلُ مِنَ الْكَشْفِ عَنِ الْأُمُورِ جُزْءًا مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ مِمَّا بَلَغُوا الْيَوْمَ , فَهَلْ هَلَكَ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ وَخَالَفُوا الْحَقَّ إِلَّا بِأَخْذِهِمْ بِالْجَدَلِ , وَالتَّفْكِيرِ فِي دِينِهِمْ , فَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى دِينِ ضَلَالَةٍ وَشُبْهَةٍ جَدِيدَةٍ , لَا يُقِيمُونَ عَلَى دِينٍ , وَإِنْ أَعْجَبَهُمْ إِلَّا نَقَلَهُمُ الْجَدَلُ وَالتَّفْكِيرُ إِلَى دِينٍ سِوَاهُ , وَلَوْ لَزِمُوا السُّنَنَ , وَأَمْرَ الْمُسْلِمِينَ , وَتَرَكُوا الْجَدَلَ لَقَطَعُوا عَنْهُمُ الشَّكَّ , وَأَخَذُوا بِالْأَثَرِ الَّذِي حَضَّهُمْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ » (الإبانة الكبرى لابن بطة 2/ 532)
وأرجع الإمام مالك سبب الضلال لقلة الآثار فقال رحمه الله :
ففي ذم الكلام للهروي (869) عن اﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺃﻭﻳﺲ ﻗﺎﻝ ﺳﻤﻌﺖ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﺃﻧﺲ ﻳﻘﻮﻝ ( ﻣﺎ ﻗَﻠًََّﺖْ اﻵﺛﺎﺭ ﻓﻲ ﻗﻮﻡ ﺇﻻ ﻇﻬﺮﺕ ﻓﻴﻬﻢ اﻷﻫﻮاء ، ﻭﻻ ﻗﻠَّﺖْ اﻟﻌﻠﻤﺎء ﺇﻻ ﻇﻬﺮ ﻓﻲ اﻟﻨﺎﺱ اﻟﺠﻔﺎء )
ــ قال ابن القيم في إعلام الموقعين (1/64) :ﻗﺎﻝ الشافعي ﻓﻲ ﺭﻭاﻳﺔ اﻟﺮﺑﻴﻊ ﻋﻨﻪ: ﻭاﻟﺒﺪﻋﺔ ﻣﺎ ﺧﺎﻟﻒ ﻛﺘﺎﺑﺎ ﺃﻭ ﺳﻨﺔ ﺃﻭ ﺃﺛﺮا ﻋﻦ ﺑﻌﺾ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ - ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ - ﻓﺠﻌﻞ ﻣﺎ ﺧﺎﻟﻒ ﻗﻮﻝ اﻟﺼﺤﺎﺑﻲ ﺑﺪﻋﺔ ، ﻭﺳﻴﺄﺗﻲ ﺇﻥ ﺷﺎء اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺇﺷﺒﺎﻉ اﻟﻜﻼﻡ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ، ﻭﺫﻛﺮ ﻧﺼﻮﺹ اﻟﺸﺎﻓﻌﻲ ﻋﻨﺪ ﺫﻛﺮ ﺗﺤﺮﻳﻢ اﻟﻔﺘﻮﻯ ﺑﺨﻼﻑ ﻣﺎ ﺃﻓﺘﻰ ﺑﻪ اﻟﺼﺤﺎﺑﺔ، ﻭﻭﺟﻮﺏ اﺗﺒﺎﻋﻬﻢ ﻓﻲ ﻓﺘﺎﻭﻳﻬﻢ، ﻭﺃﻥ ﻻ ﻳﺨﺮﺝ ﻣﻦ ﺟﻤﻠﺔ ﺃﻗﻮاﻟﻬﻢ ، ﻭﺃﻥ اﻷﺋﻤﺔ ﻣﺘﻔﻘﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ. )
وفي طبقات الحنابلة (1/35) ترجمة الصطخري ينقل عن أحمد قال : وأصحاب الرأي وهم مبتدعة ضلال أعداء للسنة والأثر يبطلون الحديث ويردون عَلَى الرسول عليه الصلاة والسلام ويتخذون أبا حنيفة ومن قالب قوله إماما ويدينون بدينهم وأي ضلالة أبين ممن قَالَ بهذا وترك قول الرسول وأصحابه واتبع قول أبي حنيفة وأصحابه فكفى بهذا غياً مردياً وطغيانا ... قال : فمن قَالَ بشيء من هذه الأقاويل أو رآها أو صوبها أو رضيها أو أحبها فقد خالف السنة وخرج من الجماعة وترك الأثر وقال بالخلاف ودخل فِي البدعة وزال عَنِ الطريق وما توفيقي إلا بالله )
قال البربهاري رحمه الله في شرح السنة (ص95) : وهو يتكلم عن أسباب نشوء البدع والزندقة في الأمة : ﻭاﻋﻠﻢ – ﺭﺣﻤﻚ اﻟﻠﻪ - ﺃﻥ ﺃﻫﻞ اﻟﻌﻠﻢ ﻟﻢ ﻳﺰاﻟﻮا ﻳﺮﺩﻭﻥ ﻗﻮﻝ اﻟﺠﻬﻤﻴﺔ ﺣﺘﻰ ﻛﺎﻥ ﻓﻲ ﺧﻼﻓﺔ ﺑﻨﻲ ﻓﻼﻥ ﺗﻜﻠﻢ اﻟﺮﻭﻳﺒﻀﺔ ﻓﻲ ﺃﻣﺮ اﻟﻌﺎﻣﺔ ، ﻭﻃﻌﻨﻮا ﻋﻠﻰ ﺁﺛﺎﺭ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ، ﻭﺃﺧﺬﻭا ﺑﺎﻟﻘﻴﺎﺱ ﻭاﻟﺮﺃﻱ ، ﻭﻛﻔﺮﻭا ﻣﻦ ﺧﺎﻟﻔﻬﻢ، ﻓﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻬﻢ اﻟﺠﺎﻫﻞ ﻭاﻟﻤﻐﻔﻞ ﻭاﻟﺬﻱ ﻻ ﻋﻠﻢ ﻟﻪ، ﺣﺘﻰ ﻛﻔﺮﻭا ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻻ ﻳﻌﻠﻤﻮﻥ، ﻓﻬﻠﻜﺖ اﻷﻣﺔ ﻣﻦ ﻭﺟﻮﻩ، ﻭﻛﻔﺮﺕ ﻣﻦ ﻭﺟﻮﻩ، ﻭﺗﺰﻧﺪﻗﺖ ﻣﻦ ﻭﺟﻮﻩ، ﻭﺿﻠﺖ ﻣﻦ ﻭﺟﻮﻩ، ﻭﺗﻔﺮﻗﺖ ﻭاﺑﺘﺪﻋﺖ ﻣﻦ ﻭﺟﻮﻩ، ﺇﻻ ﻣﻦ ﺛﺒﺖ ﻋﻠﻰ ﻗﻮﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻭﺃﻣﺮﻩ ﻭﺃﻣﺮ ﺃﺻﺤﺎﺑﻪ، ﻭﻟﻢ ﻳﺨﻄﺊ ﺃﺣﺪا ﻣﻨﻬﻢ ، ﻭﻟﻢ ﻳﺠﺎﻭﺯ ﺃﻣﺮﻫﻢ ، ﻭﻭﺳﻌﻪ ﻣﺎ ﻭﺳﻌﻬﻢ ، ﻭﻟﻢ ﻳﺮﻏﺐ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻘﺘﻬﻢ ﻭﻣﺬﻫﺒﻬﻢ ، ﻭﻋﻠﻢ ﺃﻧﻬﻢ ﻛﺎﻧﻮا ﻋﻠﻰ اﻹﺳﻼﻡ اﻟﺼﺤﻴﺢ ﻭاﻹﻳﻤﺎﻥ اﻟﺼﺤﻴﺢ، ﻓﻘﻠﺪﻫﻢ ﺩﻳﻨﻪ ﻭاﺳﺘﺮاﺡ .
قال بعض الشعراء في الوافي بالوفيات :
عليك بأصحاب الحديث فإنهم على منهج للدين ما زال معلما
وما النورإلا في الحديث وأهله إذا ما دجى الليل البهيم وأظلما
وأعلى البرايا من إلى السنن اعتزى وأغوى البرايا من إلى البدع انتما
ومن ترك الآثار ضلل سعيه وهل يترك الآثار من كان مسلما
وذكر ابن عبد البر (1683) عن مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ بِبَغْدَادَ عَلَى بَابِ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَشِّيِّ قَالَ: قَالَ لِي غُلَامُ خَلِيلٍ: أَنْشَدَنِي بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ لِبَعْضِ شُعَرَائِهِمْ يَهْجُو أَبَا حَنِيفَةَ وَزُفَرَ بْنَ الْهُذَيْلِ :
إِنْ كُنْتِ كَاذِبَةً بِمَا حَدَّثْتِنِي ... فَعَلَيْكِ إِثْمُ أَبِي حَـــــنِيفَةَ أَوْ زُفَرِ
الْـــــوَاثِبِينَ عَلَى الْقِيَاسِ تَعَدِّيًا ... وَالنَّاكِبِينَ عَنِ الطَّرِيقَةِ وَالْأَثَــــــرِ
خَلَتِ الْبِلَادُ فَارْتَعُوا فِي رَحْبِهَا ... ظَهَرَ الْفَسَادُ وَلَا سَبِيلَ إِلَى الْغِيَرِ
فصل : من أخذ بالأثر فهو كبير ومن تركه فهو صغير :
رُوي مرفوعا وموقوفا « إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُلْتَمَسَ الْعِلْمُ عِنْدَ الْأَصَاغِرِ» [ رواه ابن المبارك في الزهد (61) والطبراني في المعجم الكبير (908) واللالكائي (106) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (6683) وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف لكن تابعه عبد الله بن عقبة عند الطبراني ، ولهذا حسنه عبد الغني المقدسي في نهاية المراد (66) ]
وورد هذا المعنى عن كثير من السلف نحوه ، ولم يتفطن المتأخرون للمقصود فراحوا يضيقون مفهوم ما ورد من الآثار في هذا الباب بكبار السن فقط ، بأهل الفرق الضالة الواضحة ، ونسوا أهل الرأي ومن هجر الآثار وهي الأخطر لخفاءها ، قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : الْأَصَاغِرُ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ ، لكن من هم وما صفتهم ؟؟ ومن الأكابر الذين حثنا السلف على اتباعهم بترك الأصاغر ؟؟ يجب أن تعلم أنه لا يعنى بالأكابر إلا الصحابة والتابعين كما سيأتي من كلام أهل الحديث لا كما يفسره المتأخرون من أن معناه المشايخ من الكبار في السن فقط !!
عن ابن مسعود قال : « لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَتَاهُمُ الْعِلْمُ مِنْ قِبَلِ كُبَرَائِهِمْ , فَإِذَا أَتَاهُمُ الْعِلْمُ مِنْ قِبَلِ أَصَاغِرِهِمْ هَلَكُوا » [ رواه اللالكائي في السنة (101) وابن عبد البر في الجامع (1057) ]
عَنْ هِلَالٍ الْوَزَّانِ قَالَ : حَدَّثَنَا شَيْخُنَا الْقَدِيمُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُكَيْمٍ وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ قَالَ : أَرْسَلَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ يَدْعُوهُ , فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ: كَيْفَ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ ؟ قَالَ : كَانَ عُمَرُ يَقُولُ : « إِنَّ أَصْدَقَ الْقِيلِ قِيلُ اللَّهِ , أَلَا وَإِنَّ أَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ , وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا , وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ ضَلَالَةٌ , أَلَا وَإِنَّ النَّاسَ بِخَيْرٍ مَا أَخَذُوا الْعِلْمَ عَنْ أَكَابِرِهِمْ ) .[ رواه اللالكائي (100) وابن عبد البر (1054) ]
ويفسر معنى الأكابر رواية ابن عبد البر في الجامع (1060) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَتَاهُمُ الْعِلْمُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ أَكَابِرِهِمْ ، فَإِذَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ مِنْ قِبَلِ أَصَاغِرِهِمْ فَذَلِكَ حِينَ هَلَكُوا »
ومما يوضح أكثر تفسير هذه الآثار كلها عند الإمام إبراهيم الحربي رحمه الله :
روى اللالكائي في السنة (103) عن إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيَّ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ «لَا يَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا أَتَاهُمُ الْعِلْمُ مِنْ قِبَلِ كُبَرَائِهِمْ » مَعْنَاهُ أَنَّ الصَّغِيرَ إِذَا أَخَذَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَهُوَ كَبِيرٌ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ إِنْ أَخَذَ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَتَرَكَ السُّنَنَ فَهُوَ صَغِيرٌ .
(قلت) العلة ليست في تقليد رأي أبي حنيفة ، إنما ضرب به مثلا لترك الآثار والإعتماد على الفهم الخاص ، فكل من ترك الآثار فهو صغير .
وروى ابن عبد البر في الجامع (1052) بعد ذكر الخبر المرفوع : قَالَ نُعَيْمٌ : قِيلَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ مَنِ الْأَصَاغِرُ ؟ قَالَ : الَّذِينَ يَقُولُونَ بِرَأْيِهِمْ ، فَأَمَّا صَغِيرٌ يَرْوِي عَنْ كَبِيرٍ فَلَيْسَ بِصَغِيرٍ .
وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي غريب الحديث (3/369) تَأْوِيلِ هَذَا الْخَبَرِ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ بِالْأَصَاغِرِ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ وَلَا يَذْهَبُ إِلَى السِّنِّ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَهَذَا وَجْهٌ ، وَالَّذِي أَرَى أَنَا فِي الْأَصَاغِرِ أَنْ يُؤْخَذَ الْعِلْمُ عَمَّنْ كَانَ بَعْدَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَاكَ أَخْذُ الْعِلْمِ عَنِ الْأَصَاغِرِ ، وَلَا أرى عبد الله أَرَادَ إلاَّ هَذَا..
قال ابن عبد البر : وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعِلْمَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَنِ الصَّحَابَةِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَهُوَ عِلْمٌ يَهْلِكُ بِهِ صَاحِبُهُ ، وَلَا يَكُونُ حَامِلُهُ إِمَامًا وَلَا أَمِينًا وَلَا مَرْضِيًّا ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَإِلَى هَذَا نَزَعَ أَبُو عُبَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَنَحْوُهُ مَا جَاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ « مَا حَدَّثُوكَ عَنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشُدَّ عَلَيْهِ يَدَكَ وَمَا حَدَّثُوكَ مِنْ رَأْيِهِمْ فَبُلْ عَلَيْهِ » وَمِثْلُهُ أَيْضًا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ لا : « الْعِلْمُ مَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا لَمْ يَجِئْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَلَيْسَ بِعِلْمٍ »
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق