الثلاثاء، 27 يونيو 2017

تفنيد الإدعاء بأن في الكعبة قبور للأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم .

هذا رد على الصوفية المشركين الذين يبنون القبور في المساجد ويحتجون بمثل بيت العنكبوت في روايات موضوعة ومكذوبة ومعضلة أن بعض القبور للأنبياء مدفونة عند الكعبة فأقول :


آفة هذه الأخبار ممن نقلها كابن اسحاق والزبير بن بكار والواقدي وكل من جاء بعدهم اعتمد عليهم ..


وإليك هاته الروايات المنكرة مع بيان حالها وكلام أهل العلم حول قضية قبور الأنبياء .


١) في (سيرة ابن هشام) (1/ 111) :" قال ابن اسحاق: وكان عمر اسماعيل فيما يذكرون مائة سنة وثلاثين سنة ثم مات رحمة الله وبركاته عليه ودفن في الحجر مع أمه هاجر رحمهم الله تعالى "

وذكر نحو ذلك ابن سعد في (طبقاته) (1/ 52) ، والذهبي في (تاريخ الإسلام) (1/ 20) وابن خلدون في (تاريخه) (2/ 44) .


(قلت) زيادة على أنه مرسل بل بينه وبين القصة آلاف السنين يقول أيضا كما ترى ( فيما يذكرون ) و ( زعموا ) ؛ وهذه الألفاظ لا يثبتُ بها شيءٌ ﻭﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺇﺳﺤﺎﻕ ﻛﺎﻥ ﻳﺄﺧﺬ ﻋﻦ ﺃﻫﻞ اﻟﻜﺘﺎﺏ، ﻭﻗﺎﻝ اﻟﺸﺎﻓﻌﻲ: ﻛﺘﺐ اﻟﻮاﻗﺪﻱ ﻛﺬﺏ، ﻭﻟﻴﺲ ﻓﻲ اﻟﻤﻐﺎﺯﻱ ﺃﺻﺢ ﻣﻦ ﻣﻐﺎﺯﻱ ﻣﻮﺳﻰ ﺑﻦ ﻋﻘﺒﺔ .


٢) وفي (أخبار مكة) للأزرقي (1/ 81):" وكان من حديث جرهم وبني إسماعيل أن إسماعيل لما توفي دفن مع أمه في الحجر وزعموا أن فيه دفنت حين ماتت ".

(قلت) قاله بدون إسناد ( ﺣﺪﺛﻨﻲ ﺑﻌﺾ ﺃﻫﻞ اﻟﻌﻠﻢ ﻗﺎﻝ ) أين السند لا يوجد ؟؟ ..


ولم أقف على رواية صحيحة عن النبي تثبتُ ذلك وهذه الآثار لا توجد في كتب الأمهات الحديثية ..


٣) وإنما أخرج ابن سعد في (الطبقات) (1/ 52) ثم تناقله أهل السير كابن الجوزي في (المنتظم) (1/ 306) وذكره السهيلي في الروض الآنف من رواية أبي الجهم بن حذيفة الصحابي قال :" أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام أن يبني البيت وهو يومئذ بن مائة سنة وإسماعيل يومئذ بن ثلاثين سنة فبناه معه وتوفي إسماعيل بعد أبيه فدفن داخل الحجر مما يلي الكعبة مع أمه هاجر ".

- (قلت) والغريب أن حتى ابن قتيبة نقل هاته الرواية في كتابه المعارف !!

ونقله عن ابن إسحاق الطبري في كتابيه التفسير والتاريخ بدون تعليق !!
ونقله الذهبي في تاريخه وفي سيره ولم يعلق كعادته !! أين التحقيق ؟؟

الرواية في إسنادها :

1 - موسى بن محمد بن إبراهيم :" منكر الحديث".

2 - محمد بن عمر الواقدي متروك ﻭﻗﺪ ﻗﺎﻝ اﻟﺸﺎﻓﻌﻲ ( ﻛﺘﺐ اﻟﻮاﻗﺪﻱ ﻛﺬﺏ ﻭﻟﻴﺲ ﻓﻲ اﻟﻤﻐﺎﺯﻱ ﺃﺻﺢ ﻣﻦ ﻣﻐﺎﺯﻱ ﻣﻮﺳﻰ ﺑﻦ ﻋﻘﺒﺔ )

قلت : فالأثر ضعيفٌ جِدًا بل منكر .


٤) وأخرج ابن سعد (1/ 52) ـــ ومن طريقه ابن الجوزي في (المنتظم) (1/ 306) وابن عساكر في تاريخ دمشق ـــ عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة قال:" ما يعلم موضع قبر نبي من الأنبياء إلا ثلاثة : قبر إسماعيل فإنه تحت الميزاب بين الركن والبيت ، وقبر هود فإنه في حقف من الرمل تحت جبل من جبال اليمن عليه شجرة تندى وموضعه أشد الأرض حرا ، وقبر رسول الله.

قلت: آفته الراوي نفسُه : إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة المتوفى (144هـ ) .

قال له الزهري : قاتلك الله يا بن أبي فروة ما أجرأك على الله ألا تسند احاديثك تحدث بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة ؟!
وقال بن سعد: كان كثير الحديث يروي أحاديث منكرة لا يحتجون بحديثه .
بل قال الإمام أحمد: لا تحل عندي الرواية عنه . لذلك قالوا عنه :" متروك".

(قلت) ثُمّ إن مثل هذا الأمر يحتاجُ إلى نقلِ المعصومِ الذي لا ينطِقُ عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى بأنّ إسماعيل دُفِنَ في الحِجرِ ، وأنّى لهم ذلك ، فإنّ بيننا وبين إسماعيل وأجيالٌ وأجيالٌ بل ألوفٌ من السنينَ ؛ فمن أين يُجزَمُ بمكانِ قبرِهِ أو محلِّ دفنِهِ ؟!!


٥) وﻗﺎﻝ اﻟﻔﺎﻛﻬﻲ ينقل عن اﻟﺰﺑﻴﺮ ﺑﻦ ﺑﻜﺎﺭ ﻋﻦ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ اﻟﻀﺤﺎﻙ ﻓﻲ ﺁﺧﺮﻳﻦ ﺃﻥ ﺯﻫﻴﺮ ﺑﻦ اﻟﺤﺎﺭﺙ ﺩﻓﻦ ﻓﻲ اﻟﺤﺠﺮ . ( قلت ) وهذا كذب لا سند له وخطام .

- ثم وجدت سنده موجود في كتاب جمهرة نسب قريش للزبير بن بكار يقول : ﺣﺪﺛﻨﺎ اﻟﺰﺑﻴﺮ ﻗﺎﻝ، ﻭﺃﺧﺒﺮﻧﻲ ﻏﻴﺮ ﻭاﺣﺪ ﻣﻦ ﻣﺸﻴﺨﺔ ﻗﺮﻳﺶ، ﻣﻨﻬﻢ: ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ اﻟﻀﺤﺎﻙ ﺑﻦ ﻋﺜﻤﺎﻥ، ﻭﻣﺼﻌﺐ ﺑﻦ ﻋﺜﻤﺎﻥ: ﺃﻥ ﺯﻫﻴﺮ ﺑﻦ اﻟﺤﺎﺭﺙ ﺑﻦ ﺃﺳﺪ، ﺩﻓﻦ ﻓﻲ اﻟﺤﺠﺮ.

(قلت) وهذا سند ضعيف معضل بأكثر من عشرة رواة لا حقيقة له 


٦) روى الفاكهي في أخبار مكة 1275 - ﺣﺪﺛﻨﺎ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺯﻧﺒﻮﺭ ﻗﺎﻝ: ﺛﻨﺎ ﺃﺑﻮ ﺑﻜﺮ ﺑﻦ ﻋﻴﺎﺵ ﻗﺎﻝ: ﺛﻨﺎ اﻟﻜﻠﺒﻲ، ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﺻﺎﻟﺢ، ﻋﻦ اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ ﻗﺎﻝ: " ﻓﻲ اﻟﻤﺴﺠﺪ اﻟﺤﺮاﻡ ﻗﺒﺮاﻥ، ﻟﻴﺲ ﻓﻴﻪ ﻏﻴﺮﻫﻤﺎ، ﻗﺒﺮ ﺇﺳﻤﺎﻋﻴﻞ ﻭﺷﻌﻴﺐ، ﻓﻘﺒﺮ ﺇﺳﻤﺎﻋﻴﻞ ﻓﻲ اﻟﺤﺠﺮ ﻣﻘﺎﺑﻞ اﻟﺮﻛﻦ اﻷﺳﻮﺩ .


(قلت) آفته الكلبي متهم منكر الحديث جدا .

ﻭﻗﺪ ﻗﺎﻝ اﻹﻣﺎﻡ ﺃﺣﻤﺪ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﻴﺮ اﻟﻜﻠﺒﻲ: ( ﻣﻦ ﺃﻭﻟﻪ ﺇﻟﻰ ﺁﺧﺮﻩ ﻛﺬﺏ، ﻗﻴﻞ ﻟﻪ ﻓﻴﺤﻞ اﻟﻨﻈﺮ ﻓﻴﻪ، ﻗﺎﻝ: ﻻ، )


٧) وروى الطبراني في المعجم الكبير ومن طريقه الضياء في المختارة :


(12288 ) - ﺣﺪﺛﻨﺎ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ اﻟﺤﻀﺮﻣﻲ، ﺛﻨﺎ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ ﺃﺑﺎﻥ، ﺛﻨﺎ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﻓﻀﻴﻞ، ﻋﻦ ﻋﻄﺎء ﺑﻦ اﻟﺴﺎﺋﺐ، ﻋﻦ ﺳﻌﻴﺪ ﺑﻦ ﺟﺒﻴﺮ، ﻋﻦ اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ، ﻗﺎﻝ: ﻣﺎ ﺭﺃﻳﺖ ﻗﻮﻣﺎ ﻛﺎﻧﻮا ﺧﻴﺮا ﻣﻦ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻣﺎ ﺳﺄﻟﻮﻩ ﺇﻻ ﻋﻦ ﺛﻼﺛﺔ ﻋﺸﺮ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺣﺘﻰ ﻗﺒﺾ، ﻛﻠﻬﻦ ﻓﻲ اﻟﻘﺮﺁﻥ، ﻣﻨﻬﻦ {ﻳﺴﺄﻟﻮﻧﻚ ﻋﻦ اﻟﺸﻬﺮ اﻟﺤﺮاﻡ} [ اﻟﺒﻘﺮﺓ: 217] ﻭ {ﻳﺴﺄﻟﻮﻧﻚ ﻋﻦ اﻟﺨﻤﺮ ﻭاﻟﻤﻴﺴﺮ} [ اﻟﺒﻘﺮﺓ: 219] {ﻭﻳﺴﺄﻟﻮﻧﻚ ﻋﻦ اﻟﻴﺘﺎﻣﻰ} [ اﻟﺒﻘﺮﺓ: 220] {ﻭﻳﺴﺄﻟﻮﻧﻚ ﻋﻦ اﻟﻤﺤﻴﺾ} [ اﻟﺒﻘﺮﺓ: 222] ﻭ {ﻳﺴﺄﻟﻮﻧﻚ ﻋﻦ اﻷﻧﻔﺎﻝ} [ اﻷﻧﻔﺎﻝ: 1] {ﻭﻳﺴﺄﻟﻮﻧﻚ ﻣﺎﺫا ﻳﻨﻔﻘﻮﻥ} [ اﻟﺒﻘﺮﺓ: 219] ﻣﺎ ﻛﺎﻧﻮا ﻳﺴﺄﻟﻮﻥ ﺇﻻ ﻋﻤﺎ ﻳﻨﻔﻌﻬﻢ ﻗﺎﻝ: «ﻭﺃﻭﻝ ﻣﻦ ﻃﺎﻑ ﺑﺎﻟﺒﻴﺖ اﻟﻤﻼﺋﻜﺔ، ﻭﺇﻥ ﻣﺎ ﺑﻴﻦ اﻟﺤﺠﺮ ﺇﻟﻰ اﻟﺮﻛﻦ اﻟﻴﻤﺎﻧﻲ ﻟﻘﺒﻮﺭا ﻣﻦ ﻗﺒﻮﺭ اﻷﻧﺒﻴﺎء، ﻭﻛﺎﻥ اﻟﻨﺒﻲ ﺇﺫا ﺁﺫاﻩ ﻗﻮﻣﻪ ﺧﺮﺝ ﻫﻮ ﻣﻦ ﺑﻴﻦ ﺃﻇﻬﺮﻫﻢ ﻓﻌﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﻓﻴﻬﺎ ﺣﺘﻰ ﻳﻤﻮﺕ»


في كتاب مجمع الزوائد : قال الهيثمي : ﺭﻭاﻩ اﻟﻄﺒﺮاﻧﻲ ﻓﻲ اﻟﻜﺒﻴﺮ، ﻭﻓﻴﻪ ﻋﻄﺎء ﺑﻦ اﻟﺴﺎﺋﺐ، ﻭﻫﻮ ﺛﻘﺔ ﻭﻟﻜﻨﻪ اﺧﺘﻠﻂ، ﻭﺑﻘﻴﺔ ﺭﺟﺎﻟﻪ ﺛﻘﺎﺕ.
(قلت) ﻭﻓﻴﻪ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ ﺃﺑﺎﻥ قال الهيثمي نفسه في موضع آخؤ (ﻟﻢ ﺃﻋﺮﻓﻪ) !!

قلت هو مجهول فصار السند ضعيف جدا .

أقول  ولمّا لم يصحّ شيءٌ من ذلك عن النبي المعصومِ ، وصحّ عنه أنه قال: " لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا " ، فإننا نجزم أن دفن الأمواتِ في المساجد لم يكن من سنّة الأنبياء ؛ لا إسماعيل ولا من قبله ولا من بعده ، فحاشا لإسماعيل أن يُدفَن في الحِجرِ وحاشا لِلــهِ أن يرضاهُ لنبيِّهِ ابن خليلِه ، وإنما هو من صنيعِ اليهود والنصارى الذي لُعِنُوا بسببه ، وحذّرنا النبيّ منه .

وقد روى عبد الرزاق وأحمد في مسنده ﻋﻦ اﺑﻦ ﺟﺮﻳﺞ ﻗﺎﻝ: ﺃﺧﺒﺮﻧﻲ ﺃﺑﻲ ﺃﻥ ﺃﺻﺤﺎﺏ اﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻟﻢ ﻳﺪﺭﻭا ﺃﻳﻦ ﻳﻘﺒﺮﻭﻥ اﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﺣﺘﻰ ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﺑﻜﺮ: ﺳﻤﻌﺖ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻳﻘﻮﻝ: « ﻟﻢ ﻳﻗﺒﺮ ﻧﺒﻲ ﺇﻻ ﺣﻴﺚ ﻳﻤﻮﺕ» ﻗﺎﻝ: ﻓﺄﺧﺮﻭا ﻓﺮاﺷﻪ ﻓﺤﻔﺮﻭا ﻟﻪ ﺗﺤﺖ ﻓﺮاﺷﻪ .

(قلت) فهذا يؤكد أنه لا يعلم قبور أغلب الأنبياء فكل واحد أين كان قبض روحه دفن .


ولهذا قال ابن عبد الهادي في الصارم المنكي :

(ﻭﻛﺬﻟﻚ اﻟﺸﺮﻙ ﺑﺄﻫﻞ اﻟﻘﺒﻮﺭ ﻟﻢ ﻳﻄﻤﻊ اﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﺃﻥ ﻳﻮﻗﻌﻬﻢ ﻓﻴﻪ، ﻓﻠﻢ ﻳﻜﻦ ﻋﻠﻰ ﻋﻬﺪﻫﻢ ﻓﻲ اﻹﺳﻼﻡ ﻗﺒﺮ ﻧﺒﻲ ﻳﺴﺎﻓﺮ ﺇﻟﻴﻪ، ﻭﻻ ﻳﻘﺼﺪ ﻟﻠﺪﻋﺎء ﻋﻨﺪﻩ، ﺃﻭ ﻟﻄﻠﺐ ﺑﺮﻛﺘﻪ، ﺃﻭ ﺷﻔﺎﻋﺘﻪ، ﺃﻭ ﻏﻴﺮ ﺫﻟﻚ، ﺑﻞ ﺃﻓﻀﻞ اﻟﺨﻠﻖ ﻣﺤﻤﺪ ﺧﺎﺗﻢ اﻟﺮﺳﻞ ﺻﻠﻮاﺕ اﻟﻠﻪ ﻭﺳﻼﻣﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﻗﺒﺮﻩ ﻋﻨﺪﻫﻢ ﻣﺤﺠﻮﺏ ﻻ ﻳﻘﺼﺪﻩ ﺃﺣﺪ ﻣﻨﻬﻢ ﻟﺸﻲء ﻣﻦ ﺫﻟﻚ، ﻭﻛﺬﻟﻚ ﻛﺎﻥ اﻟﺘﺎﺑﻌﻮﻥ ﻟﻬﻢ ﺑﺈﺣﺴﺎﻥ ﻭﻣﻦ ﺑﻌﺪﻫﻢ ﻣﻦ ﺃﺋﻤﺔ اﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ) .

(قلت) ولو كان عند الكعبة قبور فأين كلام السلف في كتب الفقه والعقيدة عن ذلك وكيف يجتنب وفقه معاملة ذلك كما تكلموا عن قبر النبي في المدينة وحجبوه عن الناس ؟؟


والذي يعرف أن أغلب الأنبياء قد دفنوا بالشام حتى أنه ﻛﺮﻩ ﺑﻌﺾ اﻟﺴﻠﻒ ﻧﺒﺶ اﻟﻘﺒﻮﺭ اﻟﻌﺎﺩﻳﺔ اﻟﻤﺠﻬﻮﻟﺔ؛ ﺧﺸﻴﺔ ﺃﻥ ﻳﺼﺎﺩﻑ ﻗﺒﺮ ﻧﺒﻲ ﺃﻭ ﺻﺎﻟﺢ، ﻭﺧﺼﻮﺻﺎ ﺑﺄﺭﺽ اﻟﺸﺎﻡ ﻛﺎﻷﺭﺩﻥ كما قال ابن رجب في الفتح الباري .

وهنا فصل الخطاب من الإمام مالك رحمه الله في هذا الموضوع :

قال ابن عبد البر في التمهيد : ﻭﻛﺎﻥ ﻣﺎﻟﻚ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻳﻘﻮﻝ ﻣﻦ ﻓﻀﻞ اﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﻜﺔ ﺇﻧﻲ ﻻ ﺃﻋﻠﻢ ﺑﻘﻌﺔ ﻓﻴﻬﺎ ﻗﺒﺮ ﻧﺒﻲ ﻣﻌﺮﻭﻑ ﻏﻴﺮﻫﺎ، ﻭﻫﺬا ﻭاﻟﻠﻪ ﺃﻋﻠﻢ ﻭﺟﻬﻪ ﻋﻨﺪﻱ ﻣﻦ ﻗﻮﻝ ﻣﺎﻟﻚ ﻓﺈﻧﻪ ﻳﺮﻳﺪ ﻣﺎ ﻻ ﻳﺸﻚ ﻓﻴﻪ ﻭﻣﺎ ﻳﻘﻄﻊ اﻟﻌﺬﺭ ﺧﺒﺮﻩ ﻭﺇﻻ ﻓﺈﻥ اﻟﻨﺎﺱ ﻳﺰﻋﻢ ﻣﻨﻬﻢ اﻟﻜﺜﻴﺮ ﺃﻥ ﻗﺒﺮ ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﺑﺒﻴﺖ اﻟﻤﻘﺪﺱ ﻭﺃﻥ ﻗﺒﺮ ﻣﻮﺳﻰ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻫﻨﺎﻙ .)

(قلت) فهذا الإمام مالك ينفي وجود أي قبر لنبي في مكة ويفضل المدينة بسبب أن فيها قبر نبي وهو أعلم الناس بالناس في زمنه.

وقد روى عياض القصة بأكملها في ترتيب المدارك فقال : ( ﻗﺎﻝ ﻣﺼﻌﺐ ﻟﻤﺎ ﻗﺪﻡ اﻟﻤﻬﺪﻱ اﻟﻤﺪﻳﻨﺔ اﺳﺘﻘﺒﻠﻪ ﻣﺎﻟﻚ ﻭﻏﻴﺮﻩ ﻣﻦ ﺃﺷﺮاﻓﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺃﻣﻴﺎﻝ، ﻓﻠﻤﺎ ﺃﺑﺼﺮ ﺑﻤﺎﻟﻚ اﻧﺤﺮﻑ اﻟﻤﻬﺪﻱ ﺇﻟﻴﻪ ﻓﻌﺎﻧﻘﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﺎﻳﺮﻩ.

ﻓﺎﻟﺘﻔﺖ ﻣﺎﻟﻚ ﺇﻟﻰ اﻟﻤﻬﺪﻱ ﻓﻘﺎﻝ: ﻳﺎ ﺃﻣﻴﺮ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﺇﻧﻚ ﺗﺪﺧﻞ اﻵﻥ ﺑﺎﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﻓﺘﻤﺮ ﺑﻘﻮﻡ ﻋﻦ ﻳﻤﻴﻨﻚ ﻭﻳﺴﺎﺭﻙ ﻭﻫﻢ ﺃﻭﻻﺩ اﻟﻤﻬﺎﺟﺮﻳﻦ ﻭاﻷﻧﺼﺎﺭ ﻓﺴﻠﻢ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻓﺈﻥ ﻣﺎ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻪ اﻷﺭﺽ ﻗﻮﻡ ﺧﻴﺮ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ اﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﻭﻻ ﺧﻴﺮ ﻣﻦ اﻟﻤﺪﻳﻨﺔ.

ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﻭﻣﻦ ﺃﻳﻦ ﻗﻠﺖ ﺫﻟﻚ ﻳﺎ ﺃﺑﺎ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ؟ ﻗﺎﻝ ﻷﻧﻪ ﻻ ﻳﻌﺮﻑ ﻗﺒﺮ ﻧﺒﻲ اﻟﻴﻮﻡ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻪ اﻷﺭﺽ ﻏﻴﺮ ﻗﺒﺮ ﻣﺤﻤﺪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ، ﻭﻣﻦ ﻗﺒﺮ ﻣﺤﻤﺪ ﻋﻨﺪﻫﻢ ﻓﻴﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻳﻌﻠﻢ ﻓﻀﻠﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﻏﻴﺮﻫﻢ ، ﻓﻔﻌﻞ اﻟﻤﻬﺪﻱ ﻣﺎ ﺃﻣﺮﻩ ﺑﻪ ﻣﺎﻟﻚ. )

وفي لفظ آخر : قاﻝ ﻣﺎﻟﻚ ﺛﻢ ﺩﺧﻠﺖ ﻋﻠﻰ ﻫﺎﺭﻭﻥ ﻓﺴﺄﻟﻨﻲ ﻋﻦ ﺃﻫﻞ اﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﻓﺤﺪﺛﺘﻪ ﺑﺄﺣﺎﺩﻳﺚ اﻟﻤﻬﺪﻱ ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻲ: ﻣﺎ ﻗﺎﻝ اﻟﻤﻬﺪﻱ؟ ﻓﺄﻋﻠﻤﺘﻪ ﺑﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻓﻘﺎﻝ ﺃﻧﺎ اﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﻫﺎﺭﻭﻥ اﻟﺰﻫﺮﻱ ﺳﻤﻌﺖ ﻣﺎﻟﻜﺎ ﻳﻘﻮﻝ: ﻟﻤﺎ ﻗﺪﻡ ﻫﺎﺭﻭﻥ ﻛﻨﺖ ﻣﻤﻦ ﻟﻘﻴﺘﻪ ﻓﻘﻠﺖ ﻳﺎ ﺃﻣﻴﺮ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﺇﻥ ﻷﻫﻞ اﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﺣﻘﺎ ﻓﺎﺳﺘﻮﺹ ﺑﻬﻢ ﺧﻴﺮا ﻓﻘﺎﻝ ﻭﻣﺎ ﺣﻘﻬﻢ؟ ﻓﻘﻠﺖ ﻫﻞ ﺗﻌﻠﻢ ﺃﻧﻪ ﻳﻌﺮﻑ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻪ اﻷﺭﺽ ﻗﺒﺮ ﻧﺒﻲ ﻏﻴﺮ ﻧﺒﻴﻚ ﻣﺤﻤﺪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ؟ ﻗﺎﻝ ﻻ. ﻗﻠﺖ ﻓﻠﻮ ﺃﻥ ﺃﻫﻞ اﻟﻤﺪﻳﻨﺔ )

(قلت) فاتفقا على لا يعلم قبر بمكة والمدينة إلا قبر النبي صلى الله عليه وسلم.

جاء في تاريخ دمشق :

- ﻗﺮﺃﺕ ﺑﺨﻂ ﺃﺑﻲ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ اﻷﻛﻔﺎﻧﻲ ﻭﺃﻧﺒﺄﻧﻴﻪ ﺷﻔﺎﻫﺎ ﻧﺎ اﻟﺸﻴﺦ اﻟﺤﺎﻓﻆ اﻟﺜﻘﺔ ﺃﺑﻮ ﻣﺤﻤﺪ ﻋﺒﺪ اﻟﻌﺰﻳﺰ ﺑﻦ ﺃﺣﻤﺪ اﻟﻜﺘﺎﻧﻲ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪـ ﻗﺎﻝ ﻟﻢ ﻳﺘﻔﻖ اﻟﻤﺼﺮاﻥ ﻋﻠﻰ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﻋﻴﻦ ﻗﺒﺮ ﻧﺒﻲ ﻭﺻﺤﺎﺑﻲ ﻏﻴﺮ ﻗﺒﺮ ﻧﺒﻲﻧﺎ ﻣﺤﻤﺪ (ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ) ﻭﻗﺒﺮ ﺻﺎﺣﺒﻴﻪ ﺃﺑﻲ ﺑﻜﺮ ﻭﻋﻤﺮ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ .

قال ابن تيمية في الإقتضاء : ﻭﻳﻠﺘﺤﻖ ﺑﻬﺬا اﻟﻀﺮﺏ -ﻟﻜﻨﻪ ﻟﻴﺲ ﻣﻨﻪ- ﻣﻮاﺿﻊ ﻳﺪﻋﻰ ﻟﻬﺎ ﺧﺼﺎﺋﺺ ﻻ ﺗﺜﺒﺖ، ﻣﺜﻞ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ اﻟﻘﺒﻮﺭ اﻟﺘﻲ ﻳﻘﺎﻝ ﺇﻧﻬﺎ ﻗﺒﺮ ﻧﺒﻲ، ﺃﻭ ﻗﺒﺮ ﺻﺎﻟﺢ، ﺃﻭ ﻣﻘﺎﻡ ﻧﺒﻲ، ﺃﻭ ﺻﺎﻟﺢ، ﻭﻧﺤﻮ ﺫﻟﻚ، ﻭﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﺫﻟﻚ ﺻﺪﻗﺎ، ﻭﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﻛﺬﺑﺎ. ﻭﺃﻛﺜﺮ اﻟﻤﺸﺎﻫﺪ اﻟﺘﻲ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻪ اﻷﺭﺽ ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﻀﺮﺏ. ﻓﺈﻥ اﻟﻘﺒﻮﺭ اﻟﺼﺤﻴﺤﺔ ﻭاﻟﻤﻘﺎﻣﺎﺕ اﻟﺼﺤﻴﺤﺔ ﻗﻠﻴﻠﺔ ﺟﺪا. ﻭﻛﺎﻥ ﻏﻴﺮ ﻭاﺣﺪ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ اﻟﻌﻠﻢ ﻳﻘﻮﻝ: ﻻ ﻳﺜﺒﺖ ﻣﻦ ﻗﺒﻮﺭ اﻷﻧﺒﻴﺎء ﺇﻻ ﻗﺒﺮ ﻧﺒﻲﻧﺎ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ. ﻭﻏﻴﺮﻩ ﻗﺪ ﻳﺜﺒﺖ ﻏﻴﺮ ﻫﺬا ﺃﻳﻀﺎ ﻣﺜﻞ : ﻗﺒﻞ ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ اﻟﺨﻠﻴﻞ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼﻡ ...) قال ( ..ﺛﻢ ﺫﻟﻚ ﻳﻔﻀﻲ ﺇﻟﻰ ﻣﺎ ﺃﻓﻀﺖ ﺇﻟﻴﻪ ﻣﻔﺎﺳﺪ اﻟﻘﺒﻮﺭ، ﻓﺈﻧﻪ ﻳﻘﺎﻝ: ﺇﻥ ﻫﺬا ﻣﻘﺎﻡ ﻧﺒﻲ، ﺃﻭ ﻗﺒﺮ ﻧﺒﻲ، ﺃﻭ ﻭﻟﻲ، ﺑﺨﺒﺮ ﻻ ﻳﻌﺮﻑ ﻗﺎﺋﻠﻪ، ﺃﻭ ﺑﻤﻨﺎﻡ ﻻ ﺗﻌﺮﻑ ﺣﻘﻴﻘﺘﻪ، ﺛﻢ ﻳﺘﺮﺗﺐ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ اﺗﺨﺎﺫﻩ ﻣﺴﺠﺪا، ﻓﻴﺼﻴﺮ ﻭﺛﻨﺎ ﻳﻌﺒﺪ ﻣﻦ ﺩﻭﻥ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ. ﺷﺮﻙ ﻣﺒﻨﻲ ﻋﻠﻰ ﺇﻓﻚ! )


وجاء في كتاب المصنوع في معرفة الموضوع

ﻭﻗﺎﻝ اﺑﻦ اﻟﺠﺰﺭﻱ ﻻ ﻳﺼﺢ ﺗﻌﻴﻴﻦ ﻗﺒﺮ ﻧﺒﻲ ﻏﻴﺮ ﻗﺒﺮ نبينا ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻧﻌﻢ ﺳﻴﺪﻧﺎ ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼﻡ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ اﻟﻘﺮﻳﺔ اﻟﻤﺴﻤﺎﺓ ﺑﺎﻟﺨﻠﻴﻞ ﻻ ﺑﺨﺼﻮﺹ ﺗﻠﻚ اﻟﺒﻘﻌﺔ ) .

ثم جاء ﻋﻦ ﻋﺎﺋﺸﺔ ﻗﺎﻟﺖ: ﺫﻛﺮ ﺃﺯﻭاﺝ اﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻛﻨﻴﺴﺔ ﺭﺃﻳﻨﻬﺎ ﺑﺄﺭﺽ اﻟﺤﺒﺸﺔ ﻳﻘﺎﻝ ﻟﻬﺎ: ﻣﺎﺭﻳﺔ، ﻓﺬﻛﺮﻥ ﺗﻤﺎﺛﻴﻞ ﺭﺃﻳﻨﻬﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﻓﻘﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ: ﺃﻭﻟﺌﻚ ﺷﺮاﺭ اﻟﺨﻠﻖ ﻋﻨﺪ اﻟﻠﻪ، اﻟﺬﻳﻦ ﺇﺫا ﻣﺎﺕ ﻓﻴﻬﻢ اﻟﻤﻴﺖ ﺑﻨﻮا ﻋﻠﻴﻪ ﻣﺴﺠﺪا ﺛﻢ ﺟﻌﻠﻮا ﻓﻴﻪ ﺗﻠﻚ اﻟﺼﻮﺭ .

(قلت) فهذا يدل على أنه قديما في الغالب كلما مات نبي اتخذوا عليه مسجدا خاصة بني اسرائيل فهذا يؤكد أنهم بغير الكعبة مدفونين وإلا فكيف يكون هذا العدد مدفون في الكعبة ولا يعلم به النبي صلى الله عليه وسلم .


ولهذا جاء في كتاب تذكرة الموضوعات الفتني قال : ﻓﻲ اﻟﻤﺨﺘﺼﺮ «ﻗﺒﺮ ﺇﺳﻤﺎﻋﻴﻞ ﻓﻲ اﻟﺤﺠﺮ» ﺳﻨﺪﻩ ﺿﻌﻴﻒ .
(قلت) بل منكر إن لم يكن موضوع .


قال ابن تيمية في كتاب قاعدة عظيمة في الفرق بين العبادات :

( ﺃﻣﺎ ﻗﺒﻮﺭ اﻷﻧﺒﻴﺎء، ﻓﻘﺎﻟﺖ ﻃﺎﺋﻔﺔ، ﻣﻨﻬﻢ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﺃﻧﺲ: ﻻ ﻳﻌﺮﻑ ﻗﺒﺮ ﻧﺒﻲ، ﺇﻻ ﻗﺒﺮ ﻧﺒﻲﻧﺎ ﺧﺎﺻﺔ، ﻭﻗﺎﻝ ﻫﺆﻻء : ﻻ ﻳﻌﺮﻑ ﻗﺒﺮ اﻟﺨﻠﻴﻞ ﻭﻻ ﻏﻴﺮﻩ ، ﻭﻃﺎﺋﻔﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﻗﺪ ﻳﻌﺮﻓﻮﻥ ﺑﻌﺾ اﻟﻘﺒﻮﺭ ﻛﻘﺒﺮ اﻟﺨﻠﻴﻞ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼﻡ، ﻟﻜﻦ ﻣﻦ ﻫﺆﻻء ﻣﻦ ﻳﺜﺒﺖ ﺃﻣﻮﺭا ﻣﻜﺬﻭﺑﺔ، ﻣﺜﻞ ﻗﺒﺮ ﻧﻮﺡ اﻟﺬﻱ ﺑﻘﺮﻳﺔ اﻟﻜﺮﻙ ﺑﺠﺒﻞ ﻟﺒﻨﺎﻥ، ﻭﻏﻴﺮﻩ ﻣﻦ اﻟﻘﺒﻮﺭ اﻟﻤﻀﺎﻓﺔ ﺇﻟﻰ اﻷﻧﺒﻴﺎء، ﻓﺈﻧﻬﺎ ﻛﺬﺏ ﺑﻼ ﺭﻳﺐ، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻗﺒﺮ اﻟﺨﻠﻴﻞ ﺻﺤﻴﺤﺎ، ﻭﻛﺬﻟﻚ ﻗﺒﻮﺭ ﻏﻴﺮ اﻷﻧﺒﻴﺎء ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻨﻬﺎ ﻛﺬﺏ، ﺃﻭ ﻣﺨﺘﻠﻒ ﻓﻴﻪ ) .


انتهى المقال بحمد لله ....

الأحد، 25 يونيو 2017

إسبال الغترة بتخريج الأحاديث والآثار الواردة في أهل الفترة


إسبال الغترة بتخريج الأحاديث والآثار الواردة في أهل الفترة



بسم الله الرحمن الرحيم .........

هذا جزء حديثي مفرد جمعت فيه الأحاديث والآثار الواردة في أهل الفترة مع تخريجها وبيان حكمها وقد قسمتها لفصلين : فصل خاص بتخريج المرفوعات وبيان عللها ، وفصل خاص ببيان الموقوفات والآثار التي وردت في أهل الفترة ، وأسميته ( إسبال الغترة بتخريج الأحاديث والآثار في أهل الفترة ) .

فصل : في تخريج الروايات المرفوعة في الباب :

أما المرفوعات فهي مروية عن جملة من الصحابة ، فروي ذلك عن : أبي هريرة وأنس بن مالك ومعاذ بن جبل والأسود بن سريع وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم وله طرق وروايات وألفاظ مغايرة لبعضها ، وإليك تخريج أحاديثهم :

أما رواية الأسود بن سريع : 

رواه الإمام أحمد في مسنده برقم (16256) وإسحاق بن راهويه في مسنده (رقم 41) وابن حبان (برقم 7357 ) ومن طريقهما أبو نعيم في كتابيه معرفة الصحابة برقم (852) وأخبار أصبهان رقم (1451) والطبراني في المعجم الكبير برقم (481) ورواه البيهقي في الاعتقاد برقم (120) والقضاء والقدر رقم (581) وهذا لفظ أحمد قال حدثني علي بن عبد الله ثنا معاذ بن هشام صاحب الدستوائي حدثني أبي عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أربعة يحتجون يوم القيامة رجل أصم ورجل هرم ورجل أحمق ورجل مات في الفترة فأما الأصم فيقول رب لقد جاء الإسلام ولم أسمع شيئا وأما الأحمق فيقول رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر وأما الهرم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أعقل وأما الذي مات في الفترة فيقول رب ما أتاني لك رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم رسولا أن ادخلوا النار ،قال فوالذي نفسي بيده لو دخلوها كانت عليهم بردا وسلاما ."

(قلت) أما حديث الأسود بن سريع ففيه علل ونكارة : العلة الأولى أن معاذ بن هشام الدستوائي تكلموا في حفظه وفي مروياته عن أبيه وهو لا يحتمل التفرد بهذا الحديث ، وأيضا اضطرب في حديثه جدا :

ففي سؤالات أبي عبيد الآجري (رقم 364)": قلت لأبي داود معاذ بن هشام عندك حجة قال أكره أن أقول شيئا ، كان يحيى لا يرضاه .قال أبو عبيد لا أدري من يحيى ، يحيى بن معين أو يحيى القطان وأظنه يحيى القطان ". 

 (قلت) يحيى بن معين هو من تكلم فيه فقد جاء في تاريخ ابن معين (4284) سمعت يحيى يقول: معاذ بن هشام صدوق ليس بحجة ."

وقال ابن محرز في سؤالاته برقم (587) :" سمعت يحيى بن معين وقيل له : أيما أحب إليك في قتادة : سعيد-ابن أبي عروبة- أو هشام-الدستوائي- ؟ قال : سعيد ثقة ثبت وهشام ثقة وأما ابنه معاذ بن هشام فلم يكن بالثقة ، إنما رغب فيه أصحاب الحديث للإسناد ، وليس عند الثقات الذين حدثوا عن هشام هذه الأحاديث ، وزعموا أن أحاديث هشام عشرة آلاف ) اهـ

وفي العلل ومعرفة الرجال رقم (2328) قال عبد الله بن الإمام أحمد قال أبي فقيل لعبد الرحمن بن مهدي إن معاذ بن هشام يقول: في كتاب أبي عن قتادة مرسلا فقال عبد الرحمن : هشام إذاً كان لا يحفظ الحديث مرتين ) اهــــ

(قلت) وقد اكتشف أهل الحديث من معاذ نفسه أن أحاديثه عن والده بعضها سمعها منه وبعضها لم يسمعها من أبيه :
فعن علي بن المديني قال : سمعت معاذ بن هشام بمكة ، وقيل له ما عندك ؟ قال عندي عشرة آلاف فأنكرنا عليه وسخرنا منه فلما جئنا إلى البصرة أخرج إلينا من الكتب نحوا مما قال ــــ يعني عن أبيه 
ـــ فقال هذا سمعته وهذا لم أسمعه فجعل يميزها ".

وقال ابن عدي : ولمعاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة حديث كثير ، وله عن غير أبيه أحاديث صالحة ، و هو يغلط في الشيء بعد الشيء وأرجوا أنه صدوق" [ انظر ترجمته من تهذيب الكمال للمزي (28/142) ]

العلة الثانية : يخشى من تدليس قتادة فهو من الطبقة الثالثة من المدلسين الذين لا يقبل منهم حديث إلا ما صرحوا فيه بالتحديث قال فيه أبو زرعة : يدلس كثيرا ، وقال أبو داود عنه : شديد التدليس" وهو هنا قد عنعن في حديثه هذا ويخشى أنه دلس بل قد دلس قطعا ، ومما يدلك على أنه قد دلس هو:

العلة الثالثة : الانقطاع بين قتادة والأحنف بن قيس لأن قتادة لم يلق الأحنف :

في كتاب المراسيل لابن أبي حاتم برقم (619) قال :" أخبرنا حرب بن إسماعيل فيما كتب إلي قال : قال أحمد بن حنبل : ما أعلم قتادة روى عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا عن أنس رضي الله عنه قيل : فابن سرجس ؟ فكأنه لم يره سماعا ) اهـ

وقال ابن أبي حاتم برقم (640) سمعت أبي يقول قتادة عن أبي هُرَيرة مرسل وقتادة عن عائشة مرسل ولم يلق قتادة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنسا وعبد الله بن سرجس ."

(قلت) وهذه علة ظاهرة في كل أحاديث قتادة عن الصحابة ، والأحنف بن قيس هذا قديم فإنه وإن لم تثبت صحبته إلا أنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره ، بل هو أسن من كثير من الصحابة الذين لقيهم قتادة مثل أنس وعبد الله بن سرجس ، فقد سمع به الرسول صلى الله عليه وسلم فدعى له فقال : " اللهم اغفر للأحنف" فكان الأحنف يقول : فما شيء من عملي أرجى عندي من ذلك . يعني : دعوة النبي صلى الله عليه و سلم".

وقد تنبه لهذه العلة الضياء المقدسي فقال في المختارة (1456) بعد ذكره لهذا الإسناد : آخر إسناده منقطع" .

وتنبه لها أيضا ذاك الذهبي فقال في تذكرته (3/199) عند ذكر حديث الأسود بن سريع هذا فقال :"هذا غريب منقطع. وجاء عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود، ولكن قتادة لم يلق الأحنف ولا سمع منه ) اهـ

فهذه ثلاث علل في حديث الأسود بن سريع وهو كما يقال أصح شيء في الباب على ضعفه !! .

وأما رواية أبي هريرة لها عنه طرق :

الأولى : رواها أحمد وإسحاق في مسنديهما مباشرة بعد رواية الطريق الأول": عن مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَ هَذَا ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ :" فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا يُسْحَبُ إِلَيْهَا" . (قلت) ضعيف ، معاذ بن هشام لا يحتمل التفرد به وقد اضطرب فيه جدا .

الثانية : رواها أسد بن موسى في الزهد (97) وابن أبي عاصم في السنة (323) وابن راهويه في مسنده (514) حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أربعة كلهم يدلي بحجة وعذر يوم القيامة : الشيخ الذي أدرك الإسلام هرما ، والأصم الأبكم ، والمعتوه ، ورجل مات في الفترة . فيقول الله عز وجل : إني مرسل إليكم رسولا فأطيعوه ، فيأتيهم الرسول فيؤجج لهم نارا ليقتحموها فمن اقتحمها كانت عليه بردا وسلاما ، ومن لم يقتحمها حقت عليه كلمة العذاب » وزاد أسد بن موسى في السند رجلا فقال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن أبي هريرة ، مثله .

(قلت) ولها علل :

الأولى : فيه حماد بن سلمة وهو صدوق له أوهام ، اجتنب البخاري روايته في صحيحه ، وما خرج مسلم له في الأصول إلا من حديثه عن ثابت. وقد تغير بأخرة . ( انظر كتاب من تكلم

فيه وهو موثق رقم 91) فروايته لهذا الحديث وهو من الأصول دون متابع قد لا يحتمل

الثانية : وهي أشد ففي هذا الإسناد علي بن زيد وهو ابن جدعان منكر الحديث عند أهل الصنعة ومن نظر في ترجمته علمذلك ( انظر الجرح والتعديل رقم 1020).

أما رواية أنس رضي الله عنه

فقد رواها البزار في مسنده برقم (7594) و أبو يعلى في مسنده برقم (4224) والبيهقي في كتابيه الاعتقاد رقم (121) و القضاء والقدر برقم (581) كلهم من طريق جرير بن عبد الحميد عن ليث عن عبد الوارث عن أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يؤتى بأربعة يوم القيامة بالمولود وبالمعتوه وبمن مات في الفترة والشيخ الفاني كلهم يتكلم بحجته فيقول الرب تبارك وتعالى لعنق من النار ابرز فيقول لهم إني كنت أبعث إلى عبادي رسلا من أنفسهم وإني رسول نفسي إليكم ادخلوا هذه فيقول من كتب عليه الشقاء يا رب أين ندخلها ومنها كنا نفر قال ومن كتبت عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعا قال فيقول تبارك وتعالى أنتم لرسلي أشد تكذيبا ومعصية فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار".

(قلت) ضعيف بالمرة ، ولها علتان هما : 

العلة الأولى : من طريق ليث بن أبي سليم فحاله سيء جدا قد ضعفه غير واحد ، وكان يحيى بن سعيد أشدهم عليه وكان لا يحدث عنه ولا يراجع فيه أبدا ، وضعفه ابن عيينة ووكيع وعيسى بن يونس وابن معين وأحمد وقال البخاري : مضطرب الحديث " وقال أبو حاتم وأبو زرعة : ليث لا يشتغل به . [ أنظر تهذيب التهذيب (3/ 474) ]

العلة الثانية : عبد الوارث الراوي عن أنس : قال البخاري عنه : رجل مجهول " وقال البرذعي : قلت لأبي زرعة : عبد الوارث الذي يروي عن أنس من روى عنه ؟ قال : ليث ويحي الجابر وجابر الجعفي وسلمة بن سابور وأبو هاشم وهو منكر الحديث . 

وقال الدارقطني : ضعيف ." (أنظر سؤالات البرذعي (ص381) وعلل الترمذي (ورقة 24) وسنن الدارقطني (2/211).

أما رواية معاذ بن جبل

فقد رواها أبو نعيم في الحلية (9) و الطبراني في المعجم الكبير(رقم 158) والأوسط رقم (ص278) برقم ( 7955و158 ) وفي مسند الشاميين رقم (2205) قال :حدثنا موسى ثنا محمد بن المبارك ثنا عمرو بن واقد ثنا يونس عن أبي إدريس عن معاذ بن جبل عن نبي الله صلى الله عليه و سلم قال يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلا وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيرا فيقول الممسوخ عقلا يا رب لو آتيتني عقلا ما كان من آتيته عقلا بأسعد بعقله مني ويقول الهالك في الفترة يا رب لو أتاني منك عهد ما كان من آتاه منك عهد بأسعد بعهده مني ويقول الهالك صغيرا لو آتيتني عمرا ما كان من آتيته عمرا بأسعد بعمره مني فيقول الرب تبارك وتعالى إني آمركم بأمر فتطيعوني فيقولون نعم وعزتك فيقول اذهبوا فادخلوا النار ولو دخلوها ما ضرتهم قال فتخرج عليهم قوابص يظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء فيرجعون سراعا قال يقولون خرجنا يا رب وعزتك نريد دخولها فخرجت علينا قوابص ظننا أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء فيأمرهم الثانية فيرجعون كذلك يقولون مثل قولهم فيقول الله تبارك وتعالى قبل أن تخلقوا علمت ما أنتم عاملون وعلى علمي خلقتكم وإلى علمي تصيرون فتأخذهم النار".

(قلت) رواية معاذ بن جبل هذه :فهي لا شيء ولها علة شديدة :

قال عنها الطبراني : لا يروى عن معاذ إلا بهذا الإسناد" اهـــ
وقال أبو نعيم :لا يعرف هذا الحديث مسندا متصلا عن النبي صلى الله عليه و سلم من حديث أبي إدريس عن معاذ إلا من حديث يونس بن ميسرة تفرد به عنه عمرو بن واقد".

(قلت) هذه الرواية من طريق عمرو بن واقد وهو متروك منكر الحديث عند البخاري والدارقطني وغيره بل اتهم بالكذب.

ولهذا قال في العلل المتناهية عند حديث رقم (1540) : هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي إسناده عمرو ابن واقد قال ابن مسهر ليس بشيء وقال الدارقطني متروك وقال ابن حبان يروي المناكير عن المشاهير فاستحق الترك ) اهــ

أما رواية أبو سعيد الخدري :

فرواها ابن الجعد في مسنده ( برقم 2038 ) واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد برقم (854) كلاهما من طريق أحمد بن منصور أخبرنا الحسن الأشيب ومحمد بن جعفر واللفظ للأشيب عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الهالك في الفترة والمعتوه والمولود قال يقول الهالك في الفترة لم يأتني كتاب ولا رسول ثم تلا هذه الآيات ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله الآية ويقول المعتوه لم يجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا ويقول المولود رب لم أدرك الحلم قال فترفع لهم نار فيقال لها ردوها أو أدخلوها قال فيردها أو يدخلها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل قال ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا لو أدرك العمل قال فيقول إياي عصيتم فكيف برسلي وبالغيب أتتكم قال محمد بن جعفر إياي عصيتم فكيف لو أتتكم رسلي ."
أما رواية أبي سعيد الخدري : فهي منكرة وعللها هي :

العلة الأولى : في إسنادها عطية وهو العوفي تركه يحي بن معين ، وقال أبو داود : لا يعتمد عليه " وضعفه أحمد وهشيم وأبو حاتم والنسائي والدارقطني وقال مرة : مضطرب الحديث " .         وقال ابن حبان : لا يحل الاحتجاج به ولا كتابة حديثه إلا على وجه التعجب " اهـ

وكان شيعيا يدلس تدليس الشيوخ خاصة عن الكلبي الذي كان يسميه أبا سعيد وفي هذا الحديث قال : عن أبي سعيد فيخشى أن يكون هو الكلبي المتهم بالكذب .(انظر التاريخ الكبير للبخاري (5/360) وسؤالات الآجري (3/105) وعلل أبي حاتم (1095) وضعفاء النسائي (505) وضعفاء الدارقطني (4/39) والمجروحين لابن حبان (2/176) وتهذيب الكمال للمزي (20/148) ).

العلة الثانية : في إسناده أيضا فضيل بن مرزوق وهو الرؤاسي الراوي عن عطية العوفي وثقه البعض ، ولكن قال يحيى ضعيف وقال مرة ثقة. وقال ابن أبي حاتم :"سألت أبى عن فضيل بن مرزوق فقال هو صدوق صالح الحديث يهم كثيرا يكتب حديثه ، قلت يحتج به ؟ قال لا. قال الحاكم : عيب على مسلم إخراجه في صحيحه" اهـ

وقال ابن حبان : "منكر الحديث جدا ، كان ممن يخطئ على الثقات ويروى عن عطية الموضوعات وعن الثقات الأشياء المستقيمة فاشتبه أمره، والذي عندي أن كل ما روى عن عطية من المناكير يلزق ذلك كله بعطية ويبرأ فضيل منها، وفيما وافق الثقات من الروايات عن الأثبات يكون محتجا به وفيما انفرد على الثقات ما لم يتابع عليه يتنكب عنها في الاحتجاج بها على حسب ما ذكرنا من هذا الجنس في كتاب شرائط الاخبار وأرجو أن فيما ذكرت فيه ما يستدل به على ما رواه إن شاء الله ) اهــــ ( أنظر ترجمته من : الجرح والتعديل (7/423) والمجروحين لابن حبان (2/209) وتهذيب الكمال (23 307) والميزان (3/6772) )

الخلاصة :

أنه لا يصح من المرفوع شيئا من الأسانيد في الباب ، و وإنما الإعتماد على أثر أبي هريرة وآثار التابعين الواردة بأسانيد صحيحة وهي التي ستأتي في الفصل الآتي ، وهي تشير على أن أحد هذه المرفوعات له مخرج وأصل صحيح لأنه محال أن يقال برأي والإجتهاد والله أعلم .

فصل في ما روي من الآثار عن الصحابة والتابعين في الفترة :

أثر أبي هريرة رضي الله عنه : 

وهو العمدة في هذه المسألة الكبيرة ، وله عن أبي هريرة عدة أسانيد أغلبها من طريق معمر ولكن اختلفوا على معمر على ثلاث طرق فتارة يروونه عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن أبي هريرة ، وتارة يروونه عنه عن همام بن منبه عن أبي هريرة ، مرة اخرى يروونه عنه عن قتادة عن أبي هريرة ، وله طريق آخر تماما برويه حماد وسيأتي وإليك سرد أسانيده : 

 الإسناد الأول : ما رواه عَبْدُ الرَّزَّاقِ (1541) عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللَّهُ أَهْلَ الْفَتْرَةِ وَالْمَعْتُوهَ , وَالْأَصَمَّ , وَالْأَبْكَمَ , وَالشِّيُوخَ الَّذِينَ لَمْ يُدْرِكُوا الْإِسْلَامَ , ثُمَّ يُرْسِلُ رَسُولًا إِلَيْهِمْ أَنْ يَدْخُلُوا النَّارَ» قَالَ : فَيَقُولُونَ: كَيْفَ وَلَمْ يَأْتِنَا رَسُولٌ ؟ قَالَ : « وَايْمِ اللَّهِ لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا , ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَيْهِمْ فَيُطِيعُهُ مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُطِيعَهُ» قَالَ: ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : " فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] [ وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم وستأتي رواية ابن أبي حاتم التي ذكرها بلا سند في تفسيره (13213) لكن رواية بن المنذر لم أقف عليها في المطبوع ]

(قلت) وهذا سند صحيح وهو أصح شيء في الباب ، غير أن عبد الرزاق كأنه خولف ، خالفه في إسناده محمد بن ثور فرواه عن معمر بسند آخر ، كما رواه الطبري في تفسيره (17/402) حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة عن أبي هريرة فذكره .. وهذا إسناد منقطع معلول كما سيأتي ، لكن هذا لا يعتبر علة في سند عبد الرزاق بمخالفه ابن ثور ، لأن عبد الرزاق أحفظ الرواة عن معمر كما ذكر أبو زرعة في الضعفاء (432) وقاله ابن معين أيضا كما في الجرح والتعديل (6/37) ولعل لمعمر في هذا الأثر إسنادين عن أبي هريرة فتارة يحدث بهذا وتارة بهذا ؟؟

الإسناد الثاني : وفيه مخالفة ابن ثور المذكورة آنفا رواها الطبري في تفسيره (17/402) حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور عن معمر عن قتادة عن أبي هريرة قال : إذا كان يوم القيامة جمع الله تبارك وتعالى نسم الذين ماتوا في الفترة والمعتوه والأصمّ والأبكم والشيوخ الذين جاء الإسلام وقد خرفوا ، ثم أرسل رسولا أن ادخلوا النار فيقولون: كيف ولم يأتنا رسول ، وأيم الله لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما ، ثم يرسل إليهم ، فيطيعه من كان يريد أن يطيعه قبل قال أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ) .

(قلت) سنده ضعيف لأجل أن قتادة عن أبي هريرة مرسل ، فقد قال أحمد أنه لم يسمع من أحد من الصحابة إلا أنس وقال قتادة عن أبي هريرة مرسل ، ذكره ابن أبي حاتم في المراسيل (619)

الإسناد الثالث : قال الطبري : وحدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثنا أبو سفيان عن معمر عن همام عن أبي هريرة نحوه . 

(قلت) سنده ضعيف جدا ، والمعمري على هذا يكون خالف عبد الرزاق في الإسناد وهذه هي صحيفة همام بن منبه الشهيرة وهي صحيفة ثابتة لكن المشكل في هذا الأثر أنه لم يصح السند إليها : فالقاسم هو بن الحسن شيخ الطبري لم أجد له أنا ترجمة ولا أحمد شاكر في تحقيق المسند ولا صاحب معجم شيوخ الطبري فهو مجهول ، ولم يذكر في الرواة عن الحسين بن داود !!

ويحتمل أن القاسم هذا هو ابن الحسن الذي في تاريخ بغداد (12/ 432- 433) عند ترجمة القاسم بن الحسن بن يزيد ، أبو محمد الهمذاني الصائغ المتوفي سنة 272. فهذا يحتمل أن يكون هو المراد ، دون جزم لأنه لم يذكر في من سمع عن الحسين بن داود لكن احتمال أن يكون هو طارئ جدا ، فهناك طبقة من المؤلفين يكثرون الرواية عن هذا الاسم وكلهم متوفون في سنوات متقاربة كأبي الحسن الغساني في أخباره وأبو سعيد الشاشي في مسنده والخرائطي في كتبه ويلقبون القاسم هذا بأبي محمد الصائغ وله ترجمة في تاريخ بغداد (12/324) فإن كان هذا هو فثقة وإن كان آخر فالله أعلم بحاله .. أما الحسين هو الحسين بن داود الملقب بسنيد ضعفه النسائي وأبو حاتم وأبو داود والساجي وغمزه أحمد .

العلة الثالثة : أبو سفيان هذا هو محمد بن حميد اليشكري وإن كان صدوقا فقد ذكره العقيلي في الضعفاء وقال في حديثه نظر." اهــــ (قلت) وقد خالف المعمري هذا عبد الرزاق في السند لكن لا يعتبر بمخالفته لأن الراوي سنيد عن المعمري ضعيف ، وأيضا عبد الرزاق أوثق منه في معمر ، قال ابن الجنيد في سؤالاته : (312) سألت يحيى بن معين عن أبي سفيان المعمري محمد بن حميد وتفسيره عن معمر فقال: «كان ثقة قال لي: عرضنا بعضها على معمر ، وبعضها كان يحدثنا والكتاب في البيت ، ثم يجيء ويوقع عليه قال: ولو قلت : إني قد سمعته كله ، قلت ليحيى بن معين : فأيما أحب إليك : عبد الرزاق أو هو ؟ قال : عبد الرزاق أحب إليَّ ." وَقَال أبو بكر الأثرم عَن أحمد بن حنبل: حديث عبد الرزاق ، عن معمر أحب إلي من حديث هؤلاء البَصْرِيّين كان يعني معمرا - يتعاهد كتبه وينظر فيها يعني : باليمن وكان يحدثهم حفظا بالبصرة .[ تهذيب الكمال (18/57) ] 

الإسناد الرابع : وروى يحي بن سلام في تفسيره (2/658) : عن حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : ثَلاثَةٌ يَحْتَجُّونَ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَرَجُلٌ أَدْرَكَ الإِسْلامَ هَرِمًا وَمَعْتُوهٌ أَصَمُّ أَبْكَمُ . 

(قلت) وهذا سند فيه بعض الضعف . 

الأولى : أن حماد بن سلمة لم يسمع من حماد بن أبي سليمان قال يحي بن معين في تاريخه رواية الدوري (4159) أنه مرسل ، الثانية : حماد بن أبي سليمان وإن وثق فهو متكلم في حفظه بعض الشيء . 
الثالثة : حماد عن أبي هريرة منقطع ، فإنه لم يذكروا له سماعا عن الصحابة إلا من أنس ، لكن قد عرفت الواسطة بينهما بعد ذلك فوجدت في كتاب الزهد لأسد بن موسى برقم (97) فذكر إبراهيم النخعي بينهما فزالت العلة بهذا .


الحكم العام على أثر أبي هريرة :

تبين من مجموع الأسانيد أن الأثر له مخرج وأصل صحيح عن أبي هريرة فقد تعددت مخارجه وطرقه وإن كان في بعضها شيء من الضعف ، فبعضها سنده صحيح ، ويؤكد أن مخرجه صحيح عن أبي هريرة أيضا ، أنه روي مرفوعا من حديثه بطرق شتى ، وأيضا بعض أصحاب أبي هريرة يقول بمحتوى الأثر كأبي صالح باذان ، ويتبن أيضا أن هذا الكلام لا يقال من قبل الرأي والإجتهاد قطعا فيتقضي الحكم برفعه والحال هذه .

أثر الحسن البصري رحمه الله : 

 رواه يحي بن سلام في تفسيره (2/658) : وَحَدَّثَنِي قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : أَرْبَعَةٌ يُرَجُّونَ الْعُذْرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : مَنْ مَاتَ قَبْلَ الإِسْلامِ ، وَمَنْ أَدْرَكَهُ الإِسْلامُ وَهُوَ هَرِمٌ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ، وَمَنْ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ لا يَسْمَعُ الصَّوْتَ ، وَالَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ، فَكُلُّ هَؤُلاءِ يُرَجُّونَ الْعُذْرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ : فَيُرْسِلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَيْهِمْ رَسُولا ، فَيُوقِدُ نَارًا فَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يَقَعُوا فِيهَا فَمِنْ بَيْنِ وَاقِعٍ وَمِنْ بَيْنِ هَارِبٍ. (قلت) وهذا سند صحيح لا غبار عليه .

أثر أبي صالح باذان التابعي رحمه الله :

روى ابن أبي شيبة في المصنف (35366) إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سِنَانٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: يُحَاسِبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمِ الرُّسُلَ فَيُدْخِلُ الْجَنَّةَ مَنْ أَطَاعَهُ وَيُدْخِلُ النَّارَ مَنْ عَصَاهُ : وَيَبْقَى قَوْمٌ مِنَ الْوِلْدَانِ وَالَّذِينَ هَلَكُوا فِي الْفَتْرَةِ وَمَنْ غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ , فَيَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُمْ : قَدْ رَأَيْتُمْ إِنَّمَا أَدْخَلْتُ الْجَنَّةَ مَنْ أَطَاعَنِي وَأَدْخَلْتُ النَّارَ مَنْ عَصَانِي , وَإِنِّي آمُرُكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا هَذِهِ النَّارَ , فَيَخْرُجُ لَهُمْ عُنُقٌ مِنْهَا , فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ نَجَاتَهُ , وَمَنْ نَكَصَ فَلَمْ يَدْخُلْهَا كَانَتْ هَلَكَتَهُ .
(قلت) رجاله ثقات غير أبي سنان فيه ضعف لكن لعله يحتمل منه هذا الأثر الموقوف لأنه ضعفه يسير ، وهذا ليس حديث مرفوع فيتشدد في إسناده ، لكن من الغرابة في متنه أنه ذكر الولدان !! .

أثر مسلم بن يسار رحمه الله :

روى ابن المبارك في الزهد (1322) أَخْبَرَكُمْ أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيَوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: " ذُكِرَ لِي أَنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَبْدٌ كَانَ فِي الدُّنْيَا أَصَمَّ أَبْكَمَ ، وُلِدَ كَذَلِكَ ، لَمْ يَسْمَعْ شَيْئًا قَطُّ ، وَلَمْ يُبْصِرْ شَيْئًا قَطُّ ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ قَطُّ ، فَيَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : مَا عَمِلْتَ فِيمَا وُلِّيتَ ، وَفِيمَا أُمِرْتَ بِهِ ؟ فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ، وَاللَّهِ مَا جَعَلْتَ لِي بَصَرًا أُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ فَأَقْتَدِيَ بِهِمْ ، وَمَا جَعَلْتَ لِي سَمْعًا فَأَسْمَعَ بِهِ مَا أَمَرْتَ بِهِ، وَنَهَيْتَ عَنْهُ ، وَمَا جَعَلْتَ لِي لِسَانًا فَأَتَكَلَّمَ بِخَيْرٍ أَوْ بِشَرٍّ، وَمَا كُنْتُ إِلَّا كَالْخَشَبَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَتُطِيعُنِي الْآنَ فِيمَا آمُرُكَ بِهِ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَعْ فِي النَّارِ، فَيَأْبَى، فَيُدْفَعُ فِيهَا "
(قلت) سند صحيح ورجاله كلهم ثقات ...

أثر أبي قلابة الجرمي رحمه الله :

روى ابن المبارك في الزهد (1323) أَخْبَرَكُمْ أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيَوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ : يُؤْتَى بِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُونَ أَوْثَانَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ : مَاذَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا ، وَاللَّهِ مَا أَتَانَا لَكَ رَسُولٌ وَأَمَرَ، وَاللَّهِ لَوْ أَتَانَا لَكَ رَسُولٌ وَأَمَرَ كُنَّا أَطْوَعَ خَلْقِكَ لَكَ قَالَ : فَيَقُولُ اللَّهُ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرِي أَتُطِيعُونِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ ، فَيَأْخُذُ عُهُودَهُمْ، وَمَوَاثِيقَهُمْ ثُمَّ يَقُولُ: انْطَلِقُوا فَادْخُلُوا النَّارَ، فَيَنْطَلِقُونَ ، فَإِذَا رَأَوْهَا سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا، فَيَهَابُونَهَا، فَيَرْجِعُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا ، فَرِقْنَا ، قَالَ: فَيَقُولُ: انْطَلِقُوا فَادْخُلُوهَا، فَيَفْعَلُونَ مِثْلَ مَا فَعَلُوا، فَإِذَا كَانَتِ الثَّالِثَةُ قَالَ: ادْخُلُوهَا دَاخِرِينَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ دَخَلُوهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ كَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا »
(قلت) سنده صحيح إلى أبي قلابة .

فصل في ما دلت عليه الآثار من المعاني والقول الأقرب في الفترة

توجيه هذه الآثار الواردة في الفترة ، من الصعوبة بمكان ، بسبب ندرة كلام السلف عليها إنما اكتفوا بالرواية لها دون التكلف في تفسيرها ، ولم يصلنا من كلامهم إلا الشيء النادر مثل كلام يحي بن سلام الآتي ذكره ، وهذا ما يدلك على أن الغيبيات نؤمن بها ونكل علمها إلى الله ، وهذا أريح للعقل ، وأسلم للدين ، ولكن عندنا وقفات مهمة هي :

الوقفة الأولى : هي أنا نعتقد قطعا أن أهل الشرك في الدنيا كفار مشركون غير معذورين لا بالجهل ولا بأي شيء ، يعاملون حسب ما يقتضيه الإسلام في أحكامهم ، وأن المشركين يوم القيامة في النار خالدين فيها ، ونشهد لهم بالنار بعد مماتهم على الشرك كما شهد الصحابة بالنار على أموات أهل الردة . 

 الوقفة الثانية : أن هذه الطبقة النادرة من أهل الفترة الذين لم يسمع أحدهم أي شيئا من أمر الإسلام والنبوة ، هم أندر من الكبريت الأحمر ، بحيث يستثنى مثلا أهل الجاهلية أن يكونوا من أهل الفترة كما قال أبو قلابة ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنهم من أهل النار في غير ما مناسبة ، فعلى هذا يكون أهل الفترة ليس معناه من فتور الوحي فقط فليس انقطاع الوحي عذرا لأحد ، ولكن أهل الفترة شيء يتعلق بالتكليف كالسماع والعقل ، والبلوغ وهي تشبه وضع الثلاثة المذكورة في حديث (رفع القلم عن ثلاث) فإنه لا يتصور أهل الفترة الذين ما وصلهم أي شيء إلا في أطراف الأرض وأقطابها المنقطعين وهم قلة جدا بهذا المعنى لا كما تتصور المرجئة أنهم ملئوا السهل والجبل !! قلنا هذا طبعا إذا صح وجود أهل الفترة افتراضا .

الوقفة الثالثة : ونعتقد أنه لا يجوز تعيين أي بشر ـــ حي كان أو ميت ، دان الشرك والكفر ــــ بأنه من أهل الفترة ، فإن هذا مما لا يمكن علمه ، إلا في المجنون الذي جن قبل البلوغ أو من ولد كذلك أو الولدان إن صح الأثر بدخولهم الإمتحان أيضا فهؤلاء لا إشكال فيهم ، ولهم في الدنيا حكم التبعية كما قاله السلف ، أما غيرهم نحكم على بالكفر ونجريه عليهم في الدنيا ، وإذا ماتوا شهدنا عليهم بالنار على الظاهر  . 

 الوقفة الرابعة : أنه في هذا الإمتحان قد لا ينجو منه حتى المجنون والأصم الأبكم كما في أثر مسلم بن يسار ، وهذا القول يؤكد أن حقيقة هذا الإمتحان مرتبط بالشقاوة والسعادة والميثاق الأول بأنه احتمال قوي وتوجيه معتبر ، فإنه إذا كان أطفال المشركين جاء فيهم حديث ( الله أعلم بما كانوا عاملين ) فغيرهم أولى وأولى .

الوقفة الخامسة :  فأما أن نقول متى ينجو الواحد منهم ؟؟ فالله أعلم بحقيقة ذلك جزما ، فمعنا والحال هذه أقوال واحتمالات مأثورة :

1 ـــ : وهو قول يحي بن سلام وهو أقدم توجيه وصلنا ولهذا فهو معتبر جدا ، حيث قَالَ يَحْيَى بن سلام معلقا على أثر الحسن السابق وكلامه قال : نَرَى أَنَّ الَّذِي يَنْجُو مِنَ النَّارِ: مَنْ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ لا يَسْمَعُ الصَّوْتَ ، وَالَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ، وَالاثْنَانِ الآخَرَانِ لَيْسَ لَهُمَا عُذْرٌ : الَّذِي مَاتَ قَبْلَ الإِسْلامِ ، وَمَنْ أَدْرَكَهُ الإِسْلامُ وَهُوَ هَرِمٌ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ {69} فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ {70} [الصافات: 69-70] .

(قلت) مُعَلقا ، هذا توجيه ممتاز ، ويشهد له أثر أبي قلابة الأخير ، رغم أن أثر مسلم بن يسار السابق كأنه يعكر عليه نوعا ما ، حيث ذكر فيه أن الله تعالى امتحن الأصم الأبكم الأعمى فلم ينج وألقي في النار ، ومع ذلك يبقى توجيه يحيا أقرب قول للصواب .

2 ــ : وهو أن يقال إنا نكل علم ذلك إلى الله ، ولا نقول شيئا في الناجي والهالك ، ونربط الحكم بالشقاوة والسعادة التي سبقت بها الأقدار ، وهذا أيضا قول محتمل ، ويدل عليه سكوت أغلب السلف عن تفسير الأثار وتوجيهها وشرحها إنما فقط اكتفوا بالرواية .






والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات

الثلاثاء، 20 يونيو 2017

تبيان الضعف والوهاء في حديث وافدة النساء

تبيان الضعف والوهاء في حديث أسماء وافدة النساء

انتشر في مواقع التواصل والشبكات هذا الحديث الطويل لغرابته وحسن ألفاظه بشكل سريع ، وينشره الناس على أساس أنه مروي في صحيح مسلم !! وبعد التبين والتحقق من تخريجه ، ظهر أنه لا في صحيح مسلم ولا حتى في السنن والمسانيد ، بل مروي في الكتب التي تجمع عادة الغرائب والشواذ ، كمعاجم الطبراني وأجزاء بن أبي الدنيا والبزار ، بل هو لا يصح أصلا البتة  وإليك البيان :

أخرج البيهقى فى شعب الإيمان (6/420، رقم 8743) وابن عساكر (7/363) وأخرجه أسلم بن سهل الواسطي في تاريخ واسط (ص 83-84) ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (7512) من طريق الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ عن أَبُي سَعِيدٍ السَّاحِليُّ وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، نا مُسْلِمُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّةِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، أَنَّهَا أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، فَقَالَتْ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنِّي وَافِدَةُ النِّسَاءِ إِلَيْكَ، وَاعْلَمْ - نَفْسِي لَكَ الْفِدَاءُ - أَمَا إِنَّهُ مَا مِنِ امْرَأَةٍ كَائِنَةٍ فِي شَرْقٍ وَلَا غَرْبٍ سَمِعَتْ بِمَخْرَجِي هَذَا أَوْ لَمْ تَسْمَعْ إِلَّا وَهِيَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِي، إِنَّ اللهَ بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَآمَنَّا بِكَ وَبِإِلَاهِكَ الَّذِي أَرْسَلَكَ ، وَإِنَّا مَعْشَرَ النِّسَاءِ مَحْصُورَاتٌ مَقْصُورَاتٌ ، قَوَاعِدُ بُيُوتِكُمْ، وَمَقْضَى شَهَوَاتِكُمْ، وَحَامِلَاتُ أَوْلَادِكُمْ، وَإِنَّكُمْ مَعَاشِرَ الرِّجَالِ فُضِّلْتُمْ عَلَيْنَا بِالْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ، وَعِيَادَةِ الْمَرْضَى، وَشُهُودِ الْجَنَائِزِ، وَالْحَجِّ بَعْدَ الْحَجِّ، وَأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ إِذَا أُخْرِجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا وَمُرَابِطًا حَفِظْنَا لَكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَغَزَلْنَا لَكُمْ أَثْوَابًا، وَرَبَّيْنَا لَكُمْ أَوْلَادَكُمْ، فَمَا نُشَارِكُكُمْ فِي الْأَجْرِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَصْحَابِهِ بِوَجْهِهِ كُلِّهِ، ثُمَّ قَالَ: " هَلْ سَمِعْتُمْ مَقَالَةَ امْرَأَةٍ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْ مَسْأَلَتِهَا فِي أَمْرِ دِينِهَا مِنْ هَذِهِ ؟ " فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا ظَنَنَّا أَنَّ امْرَأَةً تَهْتَدِي إِلَى مِثْلِ هَذَا، فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ لَهَا: " انْصَرِفِي أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ، وَأَعْلِمِي مَنْ خَلْفَكِ مِنَ النِّسَاءِ أَنَّ حُسْنَ تَبَعُّلِ إِحْدَاكُنَّ لِزَوْجِهَا، وَطَلَبَهَا مَرْضَاتِهِ، وَاتِّبَاعَهَا مُوَافَقَتَهُ تَعْدِلُ ذَلِكَ كُلَّهُ " قَالَ: فَأَدْبَرَتِ الْمَرْأَةُ وَهِيَ تُهَلِّلُ وَتُكَبِّرُ اسْتِبْشَارًا .

(قلت) سند ضعيف ، أبو سعيد الساحلي ويلقب أيضا بالجبيلي واختلفوا في اسمه ولم أجد له ترجمة وافية ولم يثبت فيه جرح ولا تعديل ، وهذا بعد طول بحث في ترجمته ففيه جهالة واضحة .
ومسلم بن عبيد أبو نصيرة ، مختلف في توثيقه فوثقه أحمد في رواية وقال بن معين مرة صالح وقال ابن حبان : يخطئ على قلة روايته وضعفه الدارقطني وقال لا يحتج به وأشار الترمذي إلى أنه ليس بالقوي واستغرب حديثه .[ راجع تهذيب الكمال (34/345) ]

وله طريق آخر : 

رواه في العيال لابن أبي الدنيا (528) وفي كتاب المداراة (173) وابن بشران في أماليه (11) من طريق عَبْدُ الْمُتَعَالِ بْنُ طَالِبٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْمُؤَدِّبُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ قُعُودٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا وَافِدَةُ النِّسَاءِ إِلَيْكَ، اللَّهُ رَبُّ الرِّجَالِ وَرَبُّ النِّسَاءِ، وَآدَمُ أَبُو الرِّجَالِ وَأَبُو النِّسَاءِ بَعَثَكَ اللَّهُ إِلَى الرِّجَالِ وَإِلَى النِّسَاءِ، وَالرِّجَالُ إِذَا خَرَجُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقُتِلُوا فَأَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَإِذَا خَرَجُوا لَهُمْ مِنَ الْأَجْرِ مَا قَدْ عَلِمُوا وَنَحْنُ نَخْدُمُهُمْ وَنَجْلِسُ فَمَا لَنَا مِنَ الْأَجْرِ؟ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَقْرِئِي النِّسَاءَ عَنِّي السَّلَامَ وَقُولِي لَهُنَّ: إِنَّ طَاعَةَ الزَّوْجِ تَعْدِلُ مَا هُنَاكَ وَقَلِيلٌ مِنْكُنَّ تَفْعَلُهُ حَقُّ الرَّجُلِ زَوْجَتُهُ "

(قلت) سنده ضعيف ، أبو إسماعيل المؤدب روى ابن عدي في الكامل رواية عن بن معين ضعفه واستغربها جدا وخالفها ، وقد اختلفت الروايات فيه عن بن معين فمرة قال فيه ليس به بأس ، وقال مرة : ثقة ، والجمهور على توثيقه لكنه يغرب كما ذكر ابن عدي

وحجاج بن دينار مختلف فيه أيضا فوثقه الجمهور وضعفه بعضهم فهو على اصطلاح المتأخرين صدوق يغرب .

فالسند متصل لولا أنه تفرد به حجاج بن دينار وتفرد به عنه أن أبو إسماعيل المؤدب ، ويخشى أنهما لا يتحملان التفرد بهذا الحديث خاصة المؤدب فإنه موصوف بالغرائب ولهذا لا يمكن الحكم بصحته ولا بحسنه على تعبير المتأخرين .

وله طريق آخر عن بن عباس :

رواه البزار (5209) من طريق مَنْدل والطبراني في "المعجم الكبير (3/ 149/ 2-150/ 1) من طريق يحيى بن العلاء وفي جزء لوين (112) من طريق حبان ـــ وهو متهم ـــ ثلاثتهم عَنْ رِشْدِينَ بْنِ كُرَيب عَن أَبيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم فَقَالَتْ: يَا رَسولَ اللهِ إِنِّي وَافِدَةُ النِّسَاءِ إِلَيْكَ هَذَا الْجِهَادُ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى الرِّجَالِ فَإِنْ نَصِبُوا أُجِرُوا، وَإن قُتِلُوا كَانُوا أَحْيَاءً عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ وَنَحْنُ مَعَاشِرَ النِّسَاءِ نَقُومُ عَلَيْهِمْ فَمَا لَنَا مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم: أَبْلِغِي مَنْ لَقِيتِ مِنَ النِّسَاءِ أَنَّ طَاعَةَ الزَّوْجِ وَاعْتِرَافًا بِحَقِّهِ يَعْدِلُ ذَلِكَ وَقَلِيلٌ مِنْكُنَّ مَنْ يَفْعَلُهُ.

قال البزار : وَهَذَا الْحَدِيثُ لا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم إلاَّ مِن هَذَا الْوَجْهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَرِشْدِينُ بْنُ كُرَيب قَدْ حَدَّثَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ ثِقَاتٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاحْتَمَلُوا حَدِيثَهُ ) .

وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (4/305) : رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَفِيهِ رِشْدِينُ بْنُ كُرَيْبٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.

(قلت) الحديث لا يصح ضعيف بالمرة ، وكلام البزار لا يغني عن رشدين شيئا ، فقد أجمعوا على ضعفه وقال فيه البخاري في التاريخ الصغير (ص 163) : منكر الحديث".                    وقال ابن حبان في الضعفاء (1/ 302) :كثير المناكير يروي عن أبيه أشياء ليس تشبه حديث الأثبات عنه ، كان الغالب عليه الوهم والخطأ حتى خرج عن حد الاحتجاج به".
ولهذا قال ابن الجوزي في العلل المتناهية (2/140) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هَذَا حَدِيثٌ لا يَصِحُّ ) اهـــ .

تنبيه الإخوان بمن كره التعقيب في رمضان


مسألة التعقيب في رمضان


بسم الله الرحمن الرحيم

التعقيب : هو أن يصلوا جماعة ويوتروا ثم يعودون آخر الليل ويصلون جماعة أخرى ، هذا ظاهر كلام الفقهاء ، ولكن مع ذلك ظاهر الآثار تحتمل أيضا أنه جماعة وراء جماعة ولا يشترط الوتر أولها ، ويدل عليه كلام الحسن البصري كما سيأتي ، والأحسن أن يصلوا في آخر الليل في بيوتهم كما قال أنس في روايته الثانية .

ما روي عن السلف في التعقيب :

روى مالك في الموطأ (241) عن ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ يُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ : " وَاللَّهِ إِنِّي لأَظُنُّنِي لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ، ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ قَارِئِهِمْ، فَقَالَ: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ فِيهَا ، يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلِهِ ".

وفي رواية بن شبة في تاريخ المدينة (2/713) : ويرقدون في آخره .

(قلت) فهذا يدل على أن الصحابة كانت لهم جماعة واحدة في رمضان يصلونها أول الليل ثم لا يعودون للمسجد في آخر الليل ويصلون مرة أخرى جماعة ، ولهذا كره الكثير من التابعين التعقيب لأجل هذه العلة ، وكأنهم رأوه محدثا .

روى ابن أبي شيبة (7732) عن عَبَّادُ بْنُ عَوَّامٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ: «أَنَّهُمَا كَانَا يَكْرَهَانِ التَّعْقِيبَ فِي رَمَضَانَ» وقد نقله المروزي كما مختصر قيام الليل (ص226) وروى ابن أبي شيبة (7734) عَنِ الْحَسَنِ : أَنَّهُ كَرِهَ التَّعْقِيبَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ قَالَ الْحَسَنُ: «لَا تُمِلُّوا النَّاسَ » 

(قلت) والحسن هنا أشار لعلة ثانية وهي الإملال .

وروي عن أنس روايتين في التعقيب :

الأولى : ما رواه ابن أبي شيبة (7733) حَدَّثَنَا عَبَّادٌ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ إِنَّمَا يَرْجِعُونَ إِلَى خَيْرٍ يَرْجُونَهُ ، وَيَبْرَءُونَ مِنْ شَرٍّ يَخَافُونَهُ » 

 الثانية : ورواها الخطابي في غريب الحديث (2/512) مِنْ حَدِيثِ ابن المبارك أخبرنا هَارُونُ بْنُ مُوسَى عَنْ مَكْحُولٍ عن أَنَسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّعْقِيبِ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فِي الْبُيُوتِ .  

(قلت) ولم أجد إسناد هذا الأثر عند غير الخطابي في كتب الحديث الأثر المطبوعة ، ولكن ذكره واحتج به أحمد وإسحاق كما في المسائل التي ستأتي فدل على ثبوته عندهما .

علق ذاك الخطابي : التعقيب أن يصلي عقب التراويح وكل من أتي بفعل في إثر آخر فقد عقب به كره أن يصلوا في المسجد وأحب أن يكون ذلك في البيوت .

قال المروزي في مختصر قيام الليل (245) بَابُ التَّعْقِيبِ وَهُوَ رُجُوعُ النَّاسِ إِلَى الْمَسْجِدِ بَعْدَ انْصِرَافِهِمْ عَنْهُ ، سَعِيدٌ عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ أَنَّهُمَا كَانَا يَكْرَهَانِ التَّعْقِيبَ فِي رَمَضَانَ قَالَ سَعِيدٌ : وَهُوَ رُجُوعُ النَّاسِ إِلَى الْمَسْجِدِ بَعْدَمَا يَنْصَرِفُونَ " قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ , عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالتَّعْقِيبِ فِي رَمَضَانَ , وَقَالَ: إِنَّمَا يَرْجِعُونَ إِلَى خَيْرٍ يَرْجُونَهُ أَوْ يَفِرُّونَ مِنْ شَرٍّ يَخَافُونَهُ « وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَعُودُوا إِلَى الْمَسْجِدِ فِي رَمَضَانَ مِنَ السَّحَرِ» وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ كَرِهَ التَّعْقِيبَ فِي رَمَضَانَ وَسُئِلَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنِ التَّعْقِيبِ فِي رَمَضَانَ ؟ فَقَالَ: عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : «فِي اخْتِلَافِ» ) اهـــ 

 قلت ما ذكره عن أحمد رواه أبو داود في المسائل : (91) سَمِعْتُ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنِ التَّعْقِيبِ فِي رَمَضَانَ ؟ قَالَ : عَنْ أَنَسٍ فِيهِ اخْتِلَافٌ.

وجاء في مسائل الكوسج (2/840) قال إسحاق بن راهوية : فأما أن يكون إمام يصلي بهم أول الليل تمام الترويحات ثم يرجع آخر الليل ، فيصلي بهم جماعة فإن ذلك مكروه ، ألا ترى إلى قول عمر رضي الله عنه حيث قال : التي تنامون عنها خير من التي تقومون فيها فكانوا يقومون أول الليل ، فرأى القيام آخر الليل أفضل ، فإنما كرهنا ذلك لما روى عن أنس بن مالك رضي الله عنه وسعيد بن جبير رحمه الله تعالى كراهية التعقيب ) اهــ

وجاء في المغني (2/125) : فَأَمَّا التَّعْقِيبُ ، وَهُوَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ نَافِلَةً أُخْرَى جَمَاعَةً، أَوْ يُصَلِّيَ التَّرَاوِيحَ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى. فَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: مَا يَرْجِعُونَ إلَّا لِخَيْرٍ يَرْجُونَهُ، أَوْ لِشَرٍّ يَحْذَرُونَهُ. وَكَانَ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا. وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ عَنْهُ الْكَرَاهَةَ، إلَّا أَنَّهُ قَوْلٌ قَدِيمٌ، وَالْعَمَلُ عَلَى مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصَّلَاةُ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ، أَوْ إلَى آخِرِهِ ، لَمْ تُكْرَهْ رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا رَجَعُوا قَبْلَ النَّوْمِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ، لِأَنَّهُ خَيْرٌ وَطَاعَةٌ ، فَلَمْ يُكْرَهْ ، كَمَا لَوْ أَخَّرَهُ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ. 


(قلت) قوله عن الرواية الثانية لأحمد أنها قول قديم لا ينفع شيئا في تضعيفها ، ولهذا قد ذهب إليها عامة أصحاب أحمد .

كما قال ابن مفلح في الفروع (2/378) وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يُكْرَهُ نَقَلَهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ ، وَعَلَيْهِمَا أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ، قَالَ النَّاظِمُ يُكْرَهُ فِي الْأَظْهَرِ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ يُكْرَهُ التَّعْقِيبُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالتَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ وَالْمُحَرَّرِ وَشَرْحِ الْهِدَايَةِ وَالْإِفَادَاتِ وَالْمُنَوِّرِ وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الرعايتين والحاوي الصغير. 

 وقد علق عليها أيضا المرداوي في الإنصاف (2/183) بقوله : لَيْسَ هَذَا بِقَادِحٍ .

(قلت) وكيف تقدح وعليها أكثر آثار السلف والعمل عليها فإنهم كما قال إسحاق كانوا يصلون أول الليل ثم لا يرجعون جماعة ثانية في آخر الليل .

وجاء في فتح الباري لابن رجب (9/175) واختلفت الرواية عن أحمد في التعقيب في رمضان وهو: أن يقوموا في جماعة في المسجد ، ثم يخرجون منه ، ثم يعودون إليه فيصلون جماعة في آخر الليل ، وبهذا فسره أبو بكر عبد العزيز بن جعفر وغيره من أصحابنا. فنقل المروذي وغيره، عنه: لا بأس به، وقد روي عن أنس فيه ، ونقل عنه ابن الحكم قالَ: أكرهه أنس يروى عنه أنه كرهه، ويروى عن أبي مجلز وغيره أنهم كرهوه، ولكن يؤخرون القيام إلى آخر الليل، كما قال عمر ، قال أبو بكر عبد العزيز: قول محمد بن الحكم قول له قديم، والعمل على ما روى الجماعة، أنه لا بأس به. انتهى.

وقال الثوري : التعقيب محدث ، ومن أصحابنا من جزم بكراهيته ، إلا أن يكون بعد رقدة ، أو يؤخره إلى بعد نصف الليل، وشرطوا: أن يكون قد اوتروا جماعة في قيامهم الأول ، وهذا قول ابن حامد والقاضي وأصحابه. ولم يشترط أحمد ذلك ، وأكثر الفقهاء على أنه لا يكره بحالٍ ، وكره الحسن أن يأمر الإمام الناس بالتعقيب ، لما فيهِ من المشقة عليهم وقال: من كانَ فيهِ قوة فليجعلها على نفسه ، ولا يجعلها على الناس ، وهذه الكراهة لمعنى آخر غير الصلاة بعد الوتر ، ونقل ابن المنصور، عن إسحاق بن راهويه ، أنه إن أتم الإمام التراويح في أول الليل كره له أن يصلي بهم في آخره جماعة أخرى ، لما روي عن أنس وسعيد بن جبير من كراهته ، وإن لم يتم بهم في أول الليل وآخر تمامها إلى آخر الليل لم يكره ) اهـــ .

الخلاصة :

ترك التعقيب هو الأفضل والأحوط كما قال إسحاق ، وهو الذي عليه عمل الصحابة فإنهم ما صلوا في رمضان إلا جماعة واحدة أوله ، ثم بعد ذلك يصلون في البيوت أفرادا في آخر الليل ما شاؤوا ، ومن صلى جماعة في أول الليل ولم يوتروا ، ثم قاموا في آخره بعد ضجعة وصلوا جماعة ثانية ، فلا ينكر عليه ، إلا أنه ترك الأفضل فقط ، والله أعلم .

الأربعاء، 14 يونيو 2017

تاريخ أهل الزيغ والبهتان مع حديث خلق آدم على صورة الرحمن

تاريخ أهل الزيغ والبهتان مع حديث خلق آدم على صورة الرحمن


بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أما بعد :




عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ , فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» [ أخرجه البخاري (6227) ومسلم (6748) ]


كان فيما أخبر به عليه الصلاة والسلام أن الله خلق آدم على صورة الرحمن ، فأهل التوحيد والسنة استقبلوا هذا الحديث بمحبة وتسليم وانقياد،وأثبتوا معناه دون تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل وأجروه مجرى أحاديث الصفات ، وليس هو بأعجب من إثبات القدم والأصابع والساق وغير ذلك لرب العالمين على ما يليق بجلاله. وهذا الحديث كان ولا يزال فتنة للعلماء قبل طلبة العلم ، وقد كان قديما عند السلف لا يرده إلا جهمي أو ضعيف الرأي ، واليوم صار من أثبته يعتبرا مشبها كما يدعي زعيم الإرجاء !! ولقد زل فيه الكثير من أهل السنة قبل أهل التجهم والأشعرية ، وكان أهل الحديث والأثر من السلف يتداولون هذا الحديث في كتب العقائد والسنة دون تأويل أو تحريف ، حتى زل فيه من زل فاغتر بهم بعض من لا يفهم سبب تأويل الجهمية لهذا الحديث ، وإليك ما قاله السلف في هذا الحديث الخطير فنقول باختصار :                                                                                                                             

روى عبد الله في السنة (1053) حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : سَمِعْتُ الْحُمَيْدِيَّ، وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا الْحَدِيثِ يَقُولُ: هَذَا الْحَقُّ وَهَذَا الْحَقُّ وَيَتَكَلَّمُ بِهِ وَابْنُ عُيَيْنَةَ سَاكِتٌ، قَالَ أَبِي: مَا يُنْكِرُ قَوْلَهُ كَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ "وروى الخلال عن أبي بكر المروذي ،قال :سمعت أبا عبد الله يقول :لقد سمعت الحميدي بحضرة سفيان بن عيينة ،فذكر هذا الحديث "خلق الله آدم على صورته" فقال :من لا يقول بهذا فهو كذا وكذا ،يعني من الشتم ،وسفيان ساكت لا يرد عليه ) .اهــــ                                                                                                        
روى ابن بطة في الإبانة الكبرى (198) عن أبي طالب قال :سمعت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل-يقول :من قال :إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي ٌّ،وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه ) .اهـ وقال المروذي : أظن أني ذكرت لأبي عبد الله عن بعض المحدَّثين بالبصرةِ أنه قال:قول النبي :"خلق الله آدم على صورته" قال:صورة الطين قال : هذا جهميٌّ ، وقال : نسلَّم الخبر كما جاء ) اهــ ــ            

وروى ابن بطة برقم (197)عن إسحاق بْنُ مَنْصُورٍقَالَ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ:  «لَا تُقَبِّحُوا الْوُجُوهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»، أَلَيْسَ تَقُولُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ؟ قَالَ أَحْمَدُ: صَحِيحٌ، قَالَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ: صَحِيحٌ وَلَا يَدَعُهُ إِلَّا مُبْتَدِعٌ أَوْ ضَعِيفُ الرَّأْيِ ) اهـــ                                                                                                               روى الآجري في الشريعة (697) وَحَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ الطَّيَالِسِيُّ , حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ الْكَوْسَجُ قَالَ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ يَعْنِي ابْنَ حَنْبَلٍ: يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ , حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا , أَلَيْسَ تَقُولُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ؟ وَيَرَاهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ يَعْنِي رَبَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ؟ وَلَا تُقَبِّحُوا الْوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ وَاشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى وَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ , وَإِنَّ مُوسَى لَطَمَ مَلَكَ الْمَوْتِ قَالَ أَحْمَدُ : « كُلُّ هَذَا صَحِيحٌ » , قَالَ إِسْحَاقُ : « هَذَا صَحِيحٌ , وَلَا يَدْفَعُهُ إِلَّا مُبْتَدِعٌ أَوْ ضَعِيفُ الرَّأْيِ » 

وروى الآجري أيضا (726) حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ كُرْدِيٍّ قَالَ: نا أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَرُدُّهَا الْجَهْمِيَّةُ فِي الصِّفَاتِ وَالْإِسْرَاءِ وَالرُّؤْيَةِ وَقِصَّةِ الْعَرْشِ؟ فَصَحَّحَهَا وَقَالَ: «قَدْ تَلَقَّتْهَا الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ , تُسَلَّمُ الْأَخْبَارُ كَمَا جَاءَتْ»                                                 
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ: وَأَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَسْتَأْذِنَانِهِ أَنْ يُحَدِّثَا بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَرُدُّهَا الْجَهْمِيَّةُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: حَدِّثُوا بِهَا , قَدْ تَلَقَّتْهَا الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ , وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: تُسَلَّمُ الْأَخْبَارُ كَمَا جَاءَتْ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ , فَذَكَرَ مِثْلَ مَا قِيلَ فِيهِ , ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: نُؤْمِنُ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ الَّتِي جَاءَتْ كَمَا جَاءَتْ , وَنُؤْمِنُ بِهَا إِيمَانًا , وَلَا نَقُولُ: كَيْفَ؟ وَلَكِنْ نَنْتَهِي فِي ذَلِكَ إِلَى حَيْثُ انْتُهِيَ لَنَا , فَنَقُولُ مِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ كَمَا جَاءَتْ ) اهــــ .

وقال ابن بطة في الإبانة الكبرى (7/244) : بَابُ الْإِيمَانِ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ بِلَا كَيْفٍ قَالَ الشَّيْخُ: وَكُلُّ مَا جَاءَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَصَحَّتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَرْضٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَبُولُهَا، وَالتَّصْدِيقُ بِهَا، وَالتَّسْلِيمُ لَهَا، وَتَرْكُ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهَا، وَوَاجِبٌ عَلَى مَنْ قَبِلَهَا، وَصَدَّقَ بِهَا أَنْ لَا يَضْرِبَ لَهَا الْمَقَايِيسَ، وَلَا يَتَحَمَّلَ لَهَا الْمَعَانِيَ وَالتَّفَاسِيرَ لَكِنْ تَمُرُّ عَلَى مَا جَاءَتْ وَلَا يُقَالُ فِيهَا: لِمَ؟ وَلَا كَيْفَ؟ إِيمَانًا بِهَا وَتَصْدِيقًا، وَنَقِفُ مِنْ لَفْظِهَا وَرِوَايَتِهَا حَيْثُ وَقَفَ أَئِمَّتُنَا وَشُيُوخُنَا، وَنَنْتَهِي مِنْهَا حَيْثُ انْتَهَى بِنَا، كَمَا قَالَ الْمُصْطَفَى نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَا مُعَارَضَةٍ، وَلَا تَكْذِيبٍ، وَلَا تَنْقِيرٍ، وَلَا تَفْتِيشٍ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَإِنَّ الَّذِينَ نَقَلُوهَا إِلَيْنَا هُمُ الَّذِينَ نَقَلُوا إِلَيْنَا الْقُرْآنَ وَأَصْلَ الشَّرِيعَةِ، فَالطَّعْنُ عَلَيْهِمْ، وَالرَّدُّ لِمَا نَقَلُوهُ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ طَعْنٌ فِي الدِّينِ، وَرَدٌّ لِشَرِيعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَالْمُنْتَقِمُ مِنْهُ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ) اهــ

قال الآجري في الشريعة (2/106) بعد روايته لحديث الصورة: هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يقال كيف؟ ولم؟ بل تستقبل بالتسليم والتصدق، وترك النظر، كما قال من تقدم من أئمة المسلمين) اهــــ                                                                                                               
ويقول ابن قتيبة: (والذي عندي - والله تعالى أعلم - أن الصورة ليست بأعجب من اليدين، والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد) [تأويل مختلف الحديث ص: 261]                                                                                                                   (قلت) ومما يخنق الجهمية أكثر ، هي آثار بن عباس التي طالما أزعجتهم فمما روي عنه في هذا الباب  :

ما رواه ابن بطة في الإبانة الكبرى (191) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: غَضِبَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْضِ مَا كَانُوا يَتْلُونَهُ مِنْهُ فَلَمَّا نَزَلَ الْحَجَرُ قَالَ: «اشْرَبُوا يَا حَمِيرُ» فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: " أَنْ يَا مُوسَى تَعَمِدُ إِلَى خَلْقٍ مِنْ خَلْقِي خَلَقْتُهُمْ عَلَى مِثْلِ صُورَتِي فَتَقُولُ لَهُمْ: يَا حَمِيرُ؟ " فَمَا بَرِحَ مُوسَى حَتَّى أَصَابَتْهُ عُقُوبَةٌ .                                                                         
روى أبو يعلى في إبطال التأويلات (69) وقد روي عن ابن عباس ما دل أن الهاء راجعة عَلَى الرحمن، ذكره إسحاق بن بشر القرشي فِي كتاب المبتدأ بإسناده، عن ابن عباس، أن ملك الروم كتب إلى معاوية يسأله عن مسائل منها: أخبرني عن أكرم رجل عَلَى الله، فانفذ بها معاوية إلى ابن عباس فقال: أكرم رجل عَلَى الله آدم خلقه بيده، ونحله صورته، ونفخ فيهمن روحه، واسجد له ملائكته، وأسكنه جنته .

الأجيال الثلاثة المتعاقبة على رد الحديث:


قبل أن تأتي فرقة من أهل الحديث يحرفون الحديث ويؤولونه على طريقة الجهمية ، وقع وهم صغير عند الإمام مالك في هذا الحديث ، فإنه لم يصله بسند صحيح عنده فلما وصله من طريق واحدة وهي رواية بن عجلان وكان لا يرضى به مع أنه ثقة حافظ ، توقف في صحة الحديث ورده متوهما أن ابن عجلان تفرد به !! فصار أول من يقع عنده إشكال في سند هذا الحديث ، قبل أن تنبت فئمة تثبته وتحرفه وإليك حقيقة ما جرى :

حديث بن عجلان الذي في الصحيحين الذي اتفق الحفاظ على صحته ، وظن مالك أن ابن عجلان تفرد به ، وغلط رحمه الله كما سيأتي ، لكن لم يضعف الحديث من باب التأويل والتحريف الذي سلكته الجهمية في رد الحديث ، إنما رده من باب ضعف السند عنده فقط ، فهو معذور ، وإلا لو صح عنده لما تأخر في قبوله ، فلا حجة في هذا للجهمية والمرجئة اليوم ، أما جواب عن تضعيف الإمام مالك رحمه الله الذي لا شك في وهمه وغلطه باتفاق الحفاظ لأنه تفرد بتضعيف حديث الصحيحين فنقول :                       

أما عن توثيق كلام مالك عنه :

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ العُقَيْلِيُّ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللهِ بنِ ذَكْوَانَ في الضعفاء(3/219 ـــ 220) ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه (28/61) وابن عدي كما في السير (7/173) : قال حَدَّثَنَا مِقْدَامُ بنُ دَاوُدَ, حَدَّثَنَا الحَارِثُ بنُ مِسْكِيْنٍ, وَابْنُ أَبِي الغَمْرِ, قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ القَاسِمِ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكاً عَمَّنْ يُحَدِّثُ بِالحَدِيْثِ الَّذِي قَالُوا: "إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُوْرَتِهِ"  فَأَنْكَر ذَلِكَ إِنْكَاراً شَدِيْداً, وَنَهَى أَنْ يَتَحَدَّثَ بِهِ أَحَدٌ فَقِيْلَ إِنَّ نَاساً مِنْ أَهْلِ العِلْمِ يَتَحَدَّثُوْنَ بِهِ قَالَ: مَنْ هُم? قِيْلَ: ابْنُ عَجْلاَنَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ ابْنُ عَجْلاَنَ هَذِهِ الأَشْيَاءَ وَلَمْ يَكُنْ عَالِماً, وَلَمْ يَزَلْ أَبُو الزِّنَادِ عَامِلاً لِهَؤُلاَءِ حَتَّى مَاتَ, وَكَانَ صَاحِبَ عُمَّالٍ يَتْبَعُهُم ) اهـ

وروى ابن أبي زمنين في أصول السنة (25) وَقَدْ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ لُبَابَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَد اَلْعتْبِي، عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عبد الرحمن بْنِ اَلْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ: ... وَكَانَ مَالِكٌ يُعَظِّمُ أَنْ يُحَدِّثَ أَحَدٌ بِهَذِهِ اَلْأَحَادِيثِ اَلَّتِي فِيهَا: أَنَّ اَللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ وَضَعَّفَهَا ) اهــــ .

(قلت) قد كفانا الجواب ذاك الذهبي عن جوابه فقال في السير (6/164) عند ترجمة أبي الزناد قال في جوابه عن مالك :قُلْتُ: الخَبَرُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ ابْنُ عَجْلاَنَ, بَلْ وَلاَ أَبُو الزِّنَادِ, فَقَدْ رَوَاهُ: شُعَيْبُ بنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، وَرَوَاهُ: قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي أَيُّوْبَ المَرَاغِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرَوَاهُ: ابْنُ لَهِيْعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ, وَأَبِي يُوْنُسَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ: مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَصحَّ أَيْضاً مِنْ حَدِيْثِ ابْنِ عُمَرَ وَقَدْ قَالَ إِسْحَاقُ بنُ رَاهُوَيْه عَالِمُ خُرَاسَانَ: صَحَّ هَذَا، عَنْ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَهَذَا الصَّحِيْحُ مُخَرَّجٌ فِي كِتَابَيْ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ ، فَنُؤْمِنُ بِهِ, وَنُفَوِّضُ, وَنُسِلِّمُ, وَلاَ نَخُوضُ فِيْمَا لاَ يَعْنِيْنَا, مَعَ عِلْمِنَا بِأَنَّ اللهَ لَيْسَ كَمِثلِهِ شَيْءٌ, وَهُوَ السَّمِيْعُ البَصِيْرُ ) اهــــ .

وقال أيضا في السير (7/173) ردا على مالك : (قُلْتُ) : أَنْكَرَ الإِمَامُ ذَلِكَ، لأَنَّهُ لَمْ يَثبُتْ عِنْدَهُ، وَلاَ اتَّصَلَ بِهِ، فَهُوَ مَعْذُورٌ، كَمَا أَنَّ صَاحِبَي "الصَّحِيْحَيْنِ" مَعْذُورَانِ فِي إِخرَاجِ ذَلِكَ –أَعْنِي: الحَدِيْثَ الأَوَّلِ وَالثَّانِي- لِثُبُوتِ سَنَدِهِمَا، وأما الحديث الثالث، فلا أعرفه بِهَذَا اللَّفْظِفَقَولُنَا فِي ذَلِكَ وَبَابِهِ: الإِقرَارُ وَالإِمْرَارُ وَتَفْويضُ مَعْنَاهُ إِلَى قَائِلِه الصَّادِقِ المَعْصُومِ ) .

الجيل الأول ممن تأول حديث الصورة : 

ومن أوائل من ضل في هذا الحديث أبو ثور وقد رموه السلف بالتجهم بعدما أوّله مع أن أبا ثور فقيه من كبار أصحاب الشافعي :روى أبو طالب قال : قال لي أحمد بن حنبل: صح الأمر على أبي ثور. من قال إن الله خلق اّدم على صورة اّدم فهو جهمي وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه ؟! وروى الخلال عن أبي طالب من وجهين قال : سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل يقول: من قال إن الله خلق اّدم على صورة اّدم فهو جهمي وأي صورة كانت لاّدم قبل أن يخلقه ؟! [ أنظر إبطال التأويلات (1/93) وميزان الإعتدال (1/603) ]                                                                                                                                                       وروى الخلال عن المروذي قال : أظن أني ذكرت لأبي عبدالله عن بعض المحدثين بالبصرة أنه قال: على صورته أي صورة الطين قال: هذا جهمي نسلم الخبر كما جاء.                                                                                                             وقال محمد بن جعفر سألت عبدالوهاب الوراق - من كبار أصحاب أحمد - عن أبي ثور فقال:أتدّين فيه بماحدثني أبو طالب عن أبي عبدالله أنه قال: يُجفى وُيجفى من أفتى برأيه. وقال عبدالوهاب غير مرة: أبو ثور جهمي ، وقال مرة: ما أدين فيه إلا بقول أحمد يُهجر أبو ثور ومن قال بقوله.                                                                            
وفي طبقات الحنابلة (1/236) : إِبْرَاهِيم بْن أبان الموصلي عنده عَنْ إمامنا مسائل: منها قَالَ: سمعت أبا عبد اللَّه وجاءه رجل فقال: إني سمعت أبا ثور يقول إن اللَّه خلق آدم عَلَى صورة نفسه فأطرق طويلا ثم ضرب بيده عَلَى وجهه ثم قَالَ: هذا كلام سوء هذا كلام جهم هذا جهمي لا تقربوه.                                                                         
وفي طبقات الحنابلة أيضا (2/90) قال عبد الوهاب الوراق : من لم يقل أن الله خلق آدم على صورة الرحمن فهو جهمي ) .
الجيل الثاني ممن تأول حديث الصورة : ثم أظهر ابن خزيمة تحريف حديث الصورة وهو دون أبي ثور في العلم والمنزلة وأنكر ذلك عليه علماء عصره وعدوا ذلك من زلاته الكبار وإن لم يبلغوا في الإنكار عُشر إنكار السلف لأنه ما يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه.وقد نقل بن تيمية في ( أجوبة الفتوة المصرية )عن الشيخ أبي الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي أنه قال في كتابه {الفصول في الأصول} قوله :"فأما تأويل من لم يُتابعه عليه الأئمة فغير مقبول ،وإن صدر ذلك التأويل عن إمام معروف غير مجهول ، نحو ما ينسب إلى أبي بكر محمد بن خزيمة تأويل الحديث "خلق آدم على صورته... ) اهــــ .

ونقل بن تيمية أيضاً عن الحافظ أبي موسى المديني فيما جمعه من مناقب الإمام الملقب بقوام السنة أبي القاسم إسماعيل بن محمد التيمي صاحب كتاب {الترغيب والترهيب }قال :سمعته يقول :أخطأ محمد بن إسحاق بن خزيمة في حديث الصورة ،ولا يطعن عليه بذلك ،بل لا يؤخذ عنه فحسب ،قال أبو موسى أشار بذلك إلى أنه قلَّ من إمام إلا وله زلة ، فإذا تُرك ذلك الإمام لأجل زلته تُرك الكثير من الأئمة وهذا لا ينبغي أن يفعل ) اهـ

(قلت) بلينبغي التشديد على ابن خزيمة فإنه فتق في السنة مدخلا ــــ وإن كان بلا قصد ــــ للتجهم لمن بعدهم ، فهو ارتكب ثلاث محذورات في هذا الحديث أكثر مما جاء به أبو ثور ، مع أن القصاب الذي نقل عنه ابن تيمية حاول أن يشكك في نسبته لابن خزيمة وأن مزور عليه ، لكن تتابع مدرسة ابن خزيمة على هذا يقوي احتمال نسبته إليه ، وعلى كل حال ، سواء ثبت عنه ذلك أم لا ، فهو كلام خطير من ثلاث أوجه هي :أولا : تضعيفه لحديث بن عمر الذي صححه السلف فهذه أول مخالفة .ثانيا : تحريف معناه على طريقة الجهمية . ثالثا : لم يكتفي بذلك كله حتى طعن فيمن أثبته وقال بما يقتضيه من الصفة ، أي أنه طعن في جميع السلف وهو لا يشعر .
( ثم انقطع الحبل ) وتتابع بعض من لم يعرف مذهب السلف وشدة تعاملهم مع من حرفه ،بسبب أنهم كانت بينهم فجوة .                 

فتأوله ابن منده في كتابه التوحيد ، وادعى خلاف السلف في تأويله ثم حرفه بكلام سيئ جدا على طريقة الجهمية في تحريفه ولم أر من تصدى للرد عليه وبيان أنه ضل في هذا الحديث !! .                                                                                             ثم وقع فيه أبو الشيخ الأصبهاني من أهل الحديث ، حيث نقل فتوة شاذة مقلوبة عن أحمد نسب إليه أنه حرف حديث الصورة !! ، حتى هجره بعض أهل الحديث بسبب نشره لتلك الرواية المكذوبة على أحمد ، وقد تصدى للرد عليه أبو طالب المكي ، فيما حكاه أبو يعلي الحنبلي .                                                                                              
قال أبو يعلى في إبطال التأويلات (76): وقد ذكر أَبُو مُحَمَّد بن حيان الأصبهاني فِي مجموع له فِي التفسير فِي سورة حم عسق بخط أَبِي مالك المكي، فقال صاحب الكتابة، عن حمدان بن الهيثم المديني، سمعت أَبَا مسعود يَقُول: قَالَ أَحْمَد بن حنبل: معنى قَالَ أَبُو طالب المكي: هَذَا توهم عن أَحْمَد إنما هَذَا قول أَبِي ثور فذكر ذَلِكَ لأحمد فأنكر عليه وَقَالَ: ويله وأي صورة كانت لآدم حتى خلقه عليها يَقُول: إن الله خلق عَلَى مثال، ويله فكيف يصنع بالحديث الآخر: " أن الله خلق آدم عَلَى صورة الرحمن " فهذا هو المحفوظ من قول أَحْمَد، وإنما التبس القولان فنسب ذَلِكَ إلى أَحْمَد لأن أَبَا ثور كان سئل عن قوله: خلق آدم عَلَى صورته " فقال: الهاء عائدة عَلَى آدم فإن قيل: الزيادة المذكورة فِي حديث ابن عمر: " خلق آدم عَلَى صورة الرحمن " غير صحيحة، وقد قَالَ أَحْمَد في رواية المروذي: الأعمش يَقُول: عن حبيب بن أَبِي ثابت، عن عطاء، عن ابن عمر: " إن الله خلق آدم عَلَى صورة الرحمن "، وأما الثوري فيوقفه يعني حديث ابن عمر، وقد رواه أَبُو الزناد، عن الأعرج عن أَبِي هُرَيْرَةَ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(عَلَى صورته) فيقول كما جاء فقد بين أَحْمَد أنبعضهموقفه وبعضهم وصله، قيل هَذِهِ الزيادة صحيحة ثابتة، حَدَّثَنَا بها أَبُو القسم عبد العزيز من الطريق الذي ذكرنا، وذكرها أَبُو الحسن الدارقطني فيما خرجه من أخبار الصفات، وذكرها أَبُو بكر أَحْمَد بن سلمان النجاد فِي السنة، وذكرها أَبُو عبد الله بن بطة فِي كتاب الإبانة، ولا يجوز أن يتطابق هَؤُلاءِ الحفاظ عَلَى نقل باطلة أو ضعيفة، والذي حكاه أَحْمَد عن الثوري وأنه وقفها لا يدل عَلَى ضعفها، لأنه لا يجوز أن لا تقع له هَذِهِ الزيادة وتقع لغيره، ومثل هَذَا لا ترد به الأخبار ) اهــــ           
وقال ذاك الذهبي في ميزان الإعتدال عند ترجمته (2287) : أتى بشئ منكر عن أحمد، عن أحمد بن حنبل في معنى قوله عليه السلام: ( إن الله خلق آدم على صورته )، زعم أنه قال صور الله صورة آدم قبل خلقه، ثم خلقه على تلك الصورة، فأما أن يكون خلق الله آدم على صورته فلا، فقد قال تعالى: (ليس كمثله شيء) ، قال يحيى بن مندة في مناقب أحمد: قال المظفر بن أحمد الخياط في كتاب السنة: وحمدان بن الهيثم يزعم أن أحمد قال: صور الله صورة آدم قبل خلقه، وأبو الشيخ فوثقه في كتاب الطبقات.
ويدل على بطلان روايته ما رواه حمدان بن علي الوراق الذي هو أشهر من حمدان بن الهيثم، وأقدم.
أنه سمع أحمد بن حنبل، وسأله رجل عن حديث خلق آدم على صورته على صورة آدم، فقال أحمد: فأين الذي يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم على صورة الرحمن.
ثم قال أحمد: وأى صورة لآدم قبل أن يخلق.
قال الطبراني : سمعت عبد الله بن أحمد يقول: قال رجل لأبي: إن فلانا يقول في حديث رسول الله: إن الله خلق آدم على صورته ، فقال: على صورة الرجل ، فقال أبي: كذب، هذا قول الجهمية ، وأي فائدة في هذا !! ) وقيل: إن أبا عمر بن عبد الوهاب هجر أبا الشيخ لمكان حكاية حمدان، وقال: إن أردت أن أسلم عليك فأخرج من كتابك حكاية حمدان بن الهيثم) انتهـــى من الميزان.

(قلت) ولا غرابة أن يقولوا هذا ، فإنهم خريجي مدرسة ابن خزيمة وهم تلاميذه ، فلابد أن يتأثروا به ، لأنه ألقى شبهات قوية عليهم في هذا الحديث ، ثم تصدى لنشر هذه الفضيحة البيهقي الأشعري ، وطورها بزخارفه وزاد في تحريفها ونشرها في كتابه : ( الأسماء والصفات ) على أنها مذهب لأهل السنة ، وهذا الجهمي خطير جدا، يدس السم باسم العسل ولا يتفطن له أغبياء السلفية المرجئة اليوم بل ويعظمونه ويعتقدون أنه من الأئمة الكبار !!

مناظرة : 

ثم جرت مناظرة مشهورة بين أبي إسحاق ابن شاقلا الحنبلي وأبي سليمان الدمشقي في هذا الحديث ،  فيما حكى أبو يعلى في إبطال التأويلات (79) قال : وقد ذكر أَبُو إسحاق بن شاقلا فِي جملة ما جرى له فِي مناظرته لأبي سُلَيْمَان الدمشقي عَلَى قول النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " خلق آدم عَلَى صورته " وأن الهاء غير راجعة عَلَى آدم، فقال أَبُو سُلَيْمَان: قد جاء فِي الحديث عن أَبِي هُرَيْرَةَ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أن الله خلق آدم عَلَى صورة آدم "، فقال أَبُو إسحاق: هَذَا كذب عَلَى رسول الله !! ، فقال الدمشقي: بلى قد جاء فِي الحديث: " طوله ستون ذراعا " فعلمت أنه آدم، فقال له أَبُو إسحاق: قد روى هَذَا وليس هو الذي ادعيت عَلَى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنك قلت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله خلق آدم عَلَى صورة آدم " ثم قَالَ أَبُو إسحاق: إن كانت هَذِهِ الزيادة محفوظة كان قوله: " خلق آدم عَلَى صورته " تم الكلام، ثم قَالَ: " طوله ستون ذراعا " إخبارا عن آدم بدلالة ما روي جرير عن الأعمش عن حبيب بن أَبِي ثابتعن عطاء عن ابن عمر عن رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تقبحوا الوجوه فإن الله خلق آدم عَلَى صورة الرحمن " قَالَ أَبُو إسحاق: هَذَا الحديث يذكر إسحاق بن راهويه أنه صحيح مرفوع وأما أَحْمَد فذكر أن الثوري وقفه عَلَى ابن عمر وكلاهما حجة لأنه إن كان مرفوعا فقد سقط العذر، وإن كان من قول ابن عمر فهو أولى ) اهـــ

(انفلات) ثم انفلت الحبل فصار من بعدهم يحكيه خلافا بين السلف ، بل أنه هو الحق ومذهب السلف شاذ !! وقد لخص ابن تيمية الكلام في هذا الجيل ، فقال كما في تلبيس الجهمية (3/376) :     ( لما انتشرت الجهمية في المئة الثالثة جعل طائفة الضمير عائدا إلى غير الله تعالى ) اهــــ


الجيل الثالث ممن تأول حديث الصورة

وفي عصرنا أظهر بعض المرجئة المعاصرين كالألباني وغيره تحريف حديث الصورة وكان التعامل مع هذا التحريف أضعف بكثير من التعامل مع ابن خزيمة فضلاً عن تعامل السلف مع أبي ثور حاشا ما كتبه الشيخ حمود التويجري وإخوانه من بقايا أهل التوحيد والسنة  ، فمن العجائب والعجائب جمة ، أن يقول ذاك الألباني في تعليقه على كتاب الأدب المفرد (1/372) : لقد أساء الشيخ التويجري رحمه الله إلى العقيدة والسنة الصحيحة معا بتأليفه الذي أسماه ( عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن ) .. الخ !! وقال : إن من أعاد الضمير على الله وقع في التشبيه !! وقال : إن من قال ( الضمير يعود على آدم هو جهمي ) فقوله من التشدد والتحمس والحرارة !! ثم وصف نقل بن تيمية إجماع السلف على عدم تأويل هذا الحديث : بأنه تناقض !! [ أنظر سلسلة الهدى والنور شريط 295) ] 

(قلت) يقول هذا وهو الذي أتى في تعليقه على السنة لابن أبي عاصم أتى بأعجب من هذا التناقض ، فإنه عندما روى ابن أبي عاصم في السنة (485)  ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى ثنا ابْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ عن ابن طاووس عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَ رَجُلٌ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَانْتَفَضَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا بَالُ هَؤُلاءِ يَجِدُّونَعِنْدَ محكمه ويهلكون عند متشابهه ) قال الألباني في تعليقه على هذا الموضع عند ابن ابي عاصم في تخريجه : ( ولم أقف على من نبه على المراد بهذا الحديث, ويغلب على الظن أنه حديث ( إن اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ) "

(قلت) يقول هذا وهو بنفسه قد انتفض منه ثم حرفه !! وقد رد عليه الشيخ التويجري وقصده بكتابه : ( عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن ) وأفحمه بالحجج الدامغة فلم يرتدع بل قرأ كتابه وأنكره !! ، وهلك في هذا الحديث عن بينة وجحود !! ثم بعد ذلك قذفه بشهاب آخر ردا عليه الشيخ عبد الله الدويش بكتاب سماه ( دفاع أهل السنة والإيمان عن حديث خلق آدم على صورة الرحمن ) حيث قال في مقدمة كتابه (ص5) عن تحريف الألباني للحديث : ( ولما تأملته وجدته عاريا عن التحقيق والبرهان ، بعيدا عن قول أهل السنة والجماعة ، موافقا لقول أهل الضلال الجهمية ، فنبهت عليه نصحا للأمة ، وخوفا من الإغترار به ...) إلخ  .                       
وعادة المتأخرين المعاصرين إذا فاجأتهم المسائل الكبار التي لم يتعودوا عليها ولا يريدون الانقياد لها رغم وضوحها أن يستقبلوها بالأمور التالية: أن يزعموا أن المسألة خلافية بين العلماء ولا يشدد فيها الإنكار ثم يؤول بهم الأمر إلى أن يكون مذهب الصحابة والتابعين هو الشاذ الضعيف ومذهب الأكثر هو التحريف كما صنع ابن حجر في شرحه للبخاري فقد قال: في المسألة ثلاثة أقوال: الأول: قول الأكثر أن الضمير يعود على المضروب أي خلق اّدم على صورة المضروب. القول الثاني: أن الضمير يعود إلى اّدم وهذا محتمل. القول الثالث: أعاد بعضهم الضمير على الله متمسكاً بما ورد في بعض طرقه ( أن الله خلق اّدم على صورة الرحمن) انتهى. واللفظ الأخير الذي وهنه ابن حجر صححه أحمد وإسحاق وغيرهم ممن لا يقترب ابن حجر من عشر معشارهم في العلم بالتصحيح والتضعيف. والعجيب من ابن حجر أنه لم يحك سوى ثلاثة أقوال فقط !! لأن عادته أن تصل الأقوال في بعض المسائل إلى أربعين قولاً فكل ماقيل من القرون الفاضلة إلى وقته ينصبه قولاً ولو كان من زبالات الأراء ونتائج الأذهان الكليلة، حتى يخرج القارئ من هذه الكتب وهولا يعرف شيئاً من الدين قد أُجمع عليه، حتى وصل الأمر إلى عصرنا فأصبح الشرك وتكفير المشرك من المسائل الخلافية، وترك الصلاة من المسائل الخلافية بل يقولون: الجمهور على عدم تكفير تاركها، وإجماع الصحابة والتابعين على كفره هو القول الشاذ الذي ينسب إلى بعضهم!!! والقول بأن العمل ليس من الإيمان بل هو من الكمال هذا يعد من أقوال أهل السنة في عصرنا وهكذا يهدم الدين ويضل الناس .وما أحسن قال محمد تقي الدين الهلالي عفا الله عنه : تضمن هذا الحديث الشريف ثلاث صفات لله عز وجل ، أولها: إتيان الله تعالى. وثانيها: الصورة. وثالثهما: رؤيتهم له بأبصارهم، وقد غص بذلك نفاة الصفات المعطلة الجهمية وتخطفتهم شياطينهم فأخذوا يهرفون ويهذرون بأنواع من التأويلات الباطلة التي تضحك الثكلى وتكشف عن تمكن البدعة من قلوبهم وسريانها في عروقهم ودمائهم وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين شبه البدعة بداء الكلب لا يترك عرقًا ومفصلًا إلا سرى فيه ) .

شبهة وجوابها :

وهي تتعلق بالحديث الذي هو شوكة في حلوق الجهمية والأشعرية ومن تأثر بهم حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه الذي رواه الأعمش وحدث به الأئمة وتناقلوه في كتب السنة والعقيدة إرغاما للجهمية وهو ما رواهابن أبى عاصم في السنة (2/229) وابن خزيمة في التوحيد (1/85) ح (41) وعبد الله في السنة (498) والآجري في الشريعة ص (315) والبيهقي في الأسماء والصفات ص (371) بسند صحيح عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُقَبِّحُوا الْوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ»

فقالوا : الحجة في تعليل الدارقطني وابن خزيمة لرواية عبد الله بن عمر التي فيها ( على صورة الرحمن ) فأعله ابن خزيمة في كتاب التوحيد بعنعنة حبيب بن أبي ثابت والأعمش لأنهما مدلسان !!  وأعله الدارقطني بالإرسال عن عطاء في علله (3077) !! والجواب من وجهين :                                                                                                                                         
الأول : بغض النظر عن ذكر طرق الحديث ونحو ذلك ، فنقول باختصار تلقى السلف حديث بن عمر بالقبول وحدثوا به الناس في المجالس ودونوه في كتب العقائد والرد على الجهمية وأنكروا على من رده أو حرفه ، قبل أن يخلق ابن خزيمة والدارقطني بقرون ، فإنهما متأخران جدا عن طبقة القرون الأولى وطبقة كبار الأئمة فالمتقدمين الذين صححوه دون خلاف ، رغم أن الدارقطني رحمه الله يصحح حديث الصورة الذي في الصحيحين ويثبته ولا يتاوله في كتابه الصفات ، ورى أيضا حديث ابن عمر في كتاب الصفات ولم يتكلم فيه ، بخلاف ابن خزيمة الذي زل فيه زلة عظيمة    

فممن صحح حديث بن عمر : أحمد وإسحاق وغيرهما وكفا بها حجة وعلما .               

وروى ابن بطة في الإبانة الكبرى (191) : عن الْمَرُّوذِيُّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: " كَيْفَ تَقُولُ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ؟» قَالَ: أَمَّا الْأَعْمَشُ فَيَقُولُ: عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ» فَنَقُولُ كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَذَكَرَ لَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ قَالَ: خَلَقَهُ عَلَى صُورَتِهِ، قَالَ: عَلَى صُورَةِ الطِّينِ، فَقَالَ: هَذَا كَلَامُ الْجَهْمِيَّةِ )                                                                   
قال حرب الكرماني في كتاب سمعت إسحاق بن راهوية يقول: "صح أن الله خلق آدم على صورة الرحمن". وقال إسحاق الكوسج: سمعت أحمد يقول: هو حديث صحيح. وقال الطبراني في كتاب "السنة": حدثنا عبد الله بن أحمد قال: قال رجل لأبي: إن رجلا قال: خلق الله آدم على صورته - أي صورة الرجل - فقال كذب هو قول الجهمية ) اهــــ [ الفتح (4/183) ]  

ونقل أبو يعلى في إبطال التأويلات (68) وقد روى أَبُو عبد الله بن منده بإسناده، عن إسحاق بن راهويهقَالَ: قد صح عن رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ: " إن آدم خلق عَلَى صورة الرحمن ".

وروى أيضا (73) وقد ذكر عبد الرحمن بن منده فِي كتاب الإسلام فقال: قَالَ أَبُو إسحاق إبراهيم بن أَحْمَد بن فراس فِي كتابه، عن حمدان بن علي قَالَ: سمعت أَحْمَد بن حنبل يَقُول وسأله رجل فقال: يا أَبَا عبد الله، الحديث الذي روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أن الله خلق آدم عَلَى صورته " عَلَى صورة آدم قَالَ: فقال أَحْمَد بن حنبل: فأين الذي يروى عن النبيصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أن الله تَعَالَى خلق آدم عَلَى صورة الرحمن عَزَّ وَجَلَّ " ثم قَالَ أَحْمَد: وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلق ) اهـــ                                                                                                    
قال أبو يعلى معلقا على كلام الإمام أحمد :وهذا من أَحْمَد دليل عَلَى صحته ) اهــــ         

قال الآجري في الشريعة (725) بعدما روى حديث بن عمر (.. فَإِنَّ ابْنَ آدَمَ خُلِقَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ»: هَذِهِ مِنَ السُّنَنِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْإِيمَانُ بِهَا , وَلَا يُقَالُ فِيهَا: كَيْفَ؟ وَلِمَ؟ بَلْ تُسْتَقْبَلُ بِالتَّسْلِيمِ وَالتَّصْدِيقِ , وَتَرْكِ النَّظَرِ , كَمَا قَالَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ) اهـ

الوجه الثاني : أننا إن تنزلنا معهم وضعفنا رواية بن عمر فتبقى رواية أبي هريرة في الصحيحين حجة عليه وقد أعاد السلف الضمير على الله بإجماع ، قال بن تيمية: هذا الحديث لم يكن بين السلف في القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة من عدة من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك. (بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية تحقيق: د. عبد الرحمن اليحيى (2/356)ومن للطائف ما يروى في هذا الباب ما ذكره أو يعلى في إبطال التأويلات(80) ورأيت فِي أخبار أَبِي الحسن بن بشار الشيخ الزاهد رواية أَبِي حفص عمر بن أَحْمَد بن إبراهيم البرمكي عن أبيهقَالَكنت أسمعالشيخ إذا دعا يَقُول فِي دعائه: اللهم صل عَلَى أبينا آدم الذي خلقته بيدك وأنحلته صورتك وأسجدت له ملائكتك، وزوجته حواء أمتك، فسبق عليه قضاؤك وقدرك فأكل من الشجرة وأهبطته إلى أرضك )

[ أنظر للمزيد : كتاب السنة لعبد الله (ص230) تحقيق آل حمدان وكتاب إثبات الحد للدشتي (45) تحقيق آل حمدان والرد على المبتدعة لابن البناء (74) تحقيق آل حمدان فيها تعليقات مفيدة حول هاته المسألة ، وكتاب الصفات للدارقطني (ص59) بتعليق الفقيهي ، وكتاب عقيدة أهل الإيمان في إثبات أن الله خلق آدم على صورة الرحمن للشيخ حمود التويجري ، وكتاب عبد الله الدويش الذي سماه : دفاع أهل السنة والإيمان عن حديث خلق آدم على صورة الرحمن  ]


انتهى هذا البحث المختصر بحمد لله بقلم أبي عبيد الجزائري

يوم الأربعاء 22 رجب 1438 الموافق ل : 19/4/2017 م