الاثنين، 29 يناير 2018

مدونة أبي عبيد الجزائري للحديث والأثر: الموقف من حديث الإستلقاء

الموقف من حديث الإستلقاء

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :

هذا فصل في تخريج لحديث الإستلقاء المشهور الذي دار حوله نقاش كبير وخلاف بين المتأخرين ولم نجد له عن أئمة النقد من المتقدمين أي كلام !! ، وإلا لكان حجة لنا ننهي بها الموضوع ، والغرض من هذا المقال هو بيان تخريجه وحكم الجلسة التي وردت في الحديث ، ومن أراد التوسع فليرجع إلى ما علقه عادل آل حمدان في كتاب الدشتي إثبات الحد (53) فقد أطال في التعليق عليه بكلام طويل على أني لي ملاحظات في جزمه بصحة هذا الحديث ففي ذلك نظر فالأقرب ضعفه. 

حديث قتادة بن النعمان رضي الله عنه : عَنْ عُبْيد بْنِ حُنَيْنٍ قَالَ : بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ ، إِذْ جَاءَهُ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ ، فَجَلَسَ فَتَحَدَّثَ ، ثُمَّ ثَابَ إِلَيْهِ نَاسٌ فَقَالَ : انْطَلِقْ بِنَا يَا ابْنَ مُنَيْنٍ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، فَإِنِّي قَدْ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ قَدِ اشْتَكَى قَالَ : فَانْطَلَقْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي سَعِيدٍ ، فَوَجَدْنَاهُ مُسْتَلْقِيًا رَافِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ، فَسَلَّمْنَا وَقَعَدْنَا ، فَرَفَعَ قَتَادَةُ يَدَهُ فَقَرَصَهُ قَرْصَةً شَدِيدَةً ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَوْجَعْتَنِي. قَالَ : ذَلِكَ أَرَدْتُ ، أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : « لَمَّا قَضَى اللَّهُ خَلْقَهُ ، اسْتَلْقَى ، ثُمَّ وَضَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى » ثُمَّ قَالَ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ مِثْلُ هَذَا ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : نَعَمْ . 
 تخريج هذا الحديث : 
 أخرجه ابْن أبي عَاصِم فِي السّنة (248/1-249) ومن طريقه أبو نعيم في معرفة الصحابة (5752) وابن منده في المعرفة (2/132/1) وأبو نصر الغازي في جزء من الأمالي (77/1) والْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات (ص355-356) وأخرجه الطبراني في الكبير (19/13) ورواه ابن أبي يعلى في إبطال التأويلات (179) وقال (183) وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلالُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي سُنَنِهِ ، ورواه أبو موسى المديني في جزء مخطوط بعنوان ( الكلام على حديث الاستلقاء لأبي موسى المديني الحافظ ) لم يوجد منه إلا أول صفحة السند ، ورواه الدشتي في إثبات الحد (53) وابن المحب في الصفات (1/241/أ) وذكره بدون سند الدرامي في كتابه النقض على بشر المريسي العنيد (ص311) 
 بيان طرق هذه الرواية : 
رواه عن قتادة بن النعمان رواه عنه كل من : عبيد بن حنين وسعيد بن يسار أبو الحباب وبسر بن سعيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة . 
وراه عن عبيد بن حنين سعيد بن الحارث وعنه فليح بن سليمان وعنه ابنه محمد . 
رواه عن محمد بن فليح : ابراهيم بن المنذر :                    وعن إبراهيم انتشر جدا : فرواه عنه ابن أبي عاصم وجعفر بن سليمان النوفلي وأحمد بن رشدين وأحمد بن داود المكي وأحمد بن الحسين الرقي ومحمد بن إسحاق الصاغاني ومحمد بن المصفى وحمد بن المبارك الصوري وابن الأصفر وغيرهم .  

الكلام على هذا الإسناد ورجاله : 
مداره على محمد بن فليح عن أبيه وفيهما كثر الكلام من حيث هذا الإسناد وإليك البيان : أولا : أما محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي ويقال الخزاعي المدني ت 197 هـ . قال أبو زرعة : ( فليح بن سليمان ، ضعيف الحديث إلا أنه من حسن حديثه نعمة) وقيل له: فليح؟ فحرك رأسه ، وقال ( واهي الحديث، هو وابنه ، محمد بن فليح جميعا واهيان ) قال العقيلي في الضعفاء (1682) مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ مَدِينِيٌّ لَا يُتَابَعُ فِي بعض حَدِيثِهِ . علق ذاك الذهبي على العقيلي في تاريخه (291) : قلت : كثير مِن الثَّقات قد تفردوا ، فيصحّ أن يقال فيهم لا يُتابَعُون عَلَى بعض حديثهم !!. 
أما يحي بن معين : فقد لخص المعلمي الكلام عن مرويان بن معين فيه فقال في التنكيل (229) محمد بن فليح بن سليمان. مرت الإشارة إلى حكايته في ترجمة سليمان بن فليح «يقول عنه ابن معين : إنه ليس بثقة» أقول: روى أبو حاتم عن معاوية بن صالح عن ابن معين: «فليح بن سليمان ليس بثقة، ولا ابنه» . فسئل أبو حاتم فقال: «ما به بأس، ليس بذاك القوى» وقد اختلفت كلمات ابن معين في فليح قال مرة: «ليس بالقوي ولا يحتج بحديثه، هو دون الدراوردي» وقال مرة: «ضعيف ما أقربه من أبي أويس» وقال مرة: «أبو أويس مثل فليح: صدوق وليس بحجة» . فهذا كله يدل أن قوله في الرواية الأولى: «ليس بثقة» ، إنما أراد أنه ليس بحيث يقال له ثقة وترداد الوطأة خفة في قوله: «ولا ابنه» فإنها أخف من أن يقال في الابن: «ليس بثقة» ويتأكد ذلك بأن محمد بن فليح روى عنه البخاري في (الصحيح) والنسائي في (السنن) وقال الدارقطني: «ثقة» وذكره ابن حبان في (الثقات) . 
أما الدارقطني : قَال في التهذيب : قال الدارقطني ثقة روى عنه عَبد الله بْن وهب مع تقدمه ) اهــ وقال في حديثٍ هو فيه : "إسناد ثابت". 
(قلت) أما رواية البخاري له في صحيحه فقد أخرج نسخة من روايته عن أبيه ... توبع على أكثرها عنده ، وله عند البخاري نسخة أخرى توبع عليها ، واجتنبه مسلم فلم يخرج له شيئا . [ انظر الجرح والتعديل ج 4/ ق1/ 59، تهذيب التهذيب ج 9/ 406- 407، ميزان الاعتدال ج 4/ 10، هدي الساري (ص441-442) ] 

الثاني : أما فليح بن سليمان : في تاريخ بن معين برواية الدوري (766) سَمِعت يحيى وَذكر فليح بن سُلَيْمَان فَلم يقو أمره . وفي سؤالات ابن الجنيد (817) سألت يحيى عن فليح بن سليمان فقال: ضعيف الحديث . 
وفي سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني (137) وَسَأَلت عليا عَن فليح بن سُلَيْمَان فَقَالَ كَانَ فليح وَأَخُوهُ عبد الحميد ضعيفين . وقال النسائي في ضعفاءه (486) فليح بن سُلَيْمَان لَيْسَ بِالْقَوِيّ مدنِي . وفي ضعفاء أبي زرعة (2/366) قال : "فليح بن سليمان ، ضعيف الحديث . وفي الجرح والتعديل (7/85) عن يحيى بن معين انه قال فليح بن سليمان ليس بقوى ولا يحتج بحديثه، وهو دون الدراوردى والدراوردى اثبت منه، نا عبد الرحمن قال سألت ابى عن فليح بن سليمان فقال ليس بالقوى . وقال ابن عدي : لفليح أحاديث صالحة يروي عن الشيوخ من أهل المدينة أحاديث مستقيمة وغرائب وقد اعتمده البخاري في صحيحه ، وروى عنه الكثير ، وهو عندي لا بأس به". وقال أبو أحمد الحاكم : ليس بالمتين عندهم" . وقال البرقي عن ابن معين: "ضعيف وهم يكتبون حديثه، ويشتهونه". وقال الساجي: "هو من أهل الصدق ويهم" وذكره ابن حبان في الثقات. [ وانظر ترجمته وأقوال العلماء فيه في : تهذيب التهذيب (8/ 303- 305) وميزان الاعتدال (3/365) وهدي الساري (ص435) ] 

علة ثانية في السند : وهي تخص رواية عبيد بن حنين عن النعمان قيل منقطع . قال ابن رجب وبدر الدين بن جماعة : وفي الحديث علة أخرى وهي أن قتادة بن النعمان مات في خلافة عمر رضي الله عنه ، وعبيد بن حنين مات سنة خمس ومائة وله خمس وسبعون سنة في قول الواقدي فتكون روايته عن قتادة بن النعمان منقطعة . [ راجع فتح الباري (3/406) ]

الطريق الثاني عن سعيد الخدري : 

رواه أبو النضر ، وهو سالم بن أبي أمية القرشي . يرويه يونس بن محمد والحسن بن سوار كلاهما عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي النضر به ، ولفظه : عَنْ أَبِي النَّضْرِ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ كَانَ يَشْتَكِي رِجْلَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَخُوهُ وَقَدْ جَعَلَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى وَهُوَ مُضْطَجِعٌ ، فَضَرَبَهُ بِيَدِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْوَجِعَةِ فَأَوْجَعَهُ، فَقَالَ : أَوْجَعْتَنِي ، أَوَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ رِجْلِي وَجِعَةٌ ؟ قَالَ : بَلَى ، قَالَ : فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ ؟ قَالَ " أَوَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى عَنْ هَذِهِ ؟. 

رواه أحمد (11375) والحارث ابن أبي أسامة (زوائده/861) وأحمد بن منيع كما في المطالب العالية (2830) لكن هذه الرواية ، ليست فيها الزيادة التي في الرواية الأولى وبهذا أعله ابن رجب في الفتح الباري (3/406) وهذه علة تبدو في ظاهرها قوية !! قوله (دخل عليه أخوه) هو قتادة بن النعمان كما هو جد واضح ، فعاد الحديث إليه ، وبهذا جزم به ابن رجب في الفتح الباري (3/406) و لما قال ذاك العسقلاني في أطراف المسند (6/356) أخو أبي سعيد كأنه قتادة بن النعمان ، لأنه أخوه لأمه )        علق عليه أحمد شاكر في تحقيق المسند عند حديث (11375) فقال : قلنا جاء مصرحاً به في رواية عند الطبراني في الكبير (19/ (18) (قلت) وقد عاد ذاك العسقلاني وجزم بأنه قتادة بن النعمان في المطالب العالية (2811) .                              
قال الهيثمي في المجمع (8/100) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا النضر لم يسمع من أبي سعيد . وقال البوصيري في المجردة (2/158) رواه ابن منيع والحارث وأحمد وسنده صحيح . 
(قلت) أما الإنقطاع الذي ذكره الهيثمي ، فإننا قد عرفنا الواسطة وهما : إما أبو الحباب سعيد بن يسار وإما عبيد بن حنين ، غير أن عبيد بن حنين عن النعمان قيل منقطع ، كما سبق وهذا يشكل على الإتصال هنا ، ويبقى الإشكال أيضا أن رواية الليث هذه بدون تلك الزيادة في الرواية الأولى . 
 ذكر من صحح سند عن هذا الحديث : 
أبو بكر الخلال : قال ابن أبي يعلى في إبطال التأويلات : قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلالُ : هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ ، وَهُمْ مَعَ ثِقَتِهِمْ شَرْطُ الصَّحِيحَيْنِ مُسْلِمٍ وَالْبُخَارِيِّ . 
أبو نصر الغازي قال في الأمالي (77/1) : إن رواة طريق قتادة من رجال الصحيح . 
القاضي أبو يعلى : فقد روى حديث قتادة بن النعمان المنكر ، وقال : هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ ، وَهُمْ مَعَ ثِقَتِهِمْ شَرْطُ الصَّحِيحَيْنِ مُسْلِمٍ وَالْبُخَارِيِّ " [ إبطال التأويلات (ص189) ] . ابن القيم الجوزية : قال : " وَرَوَى الْخَلَّالُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( لَمَّا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ )" [ أنظر اجتماع الجيوش (2/ 107) والصواعق (4/1522) ] . 
 وقال ابن عبد الهادي في الكلام على مسألة الإستواء (ص38) : رواه الخلال بإسناد على شرط الشيخين . 

وقال الذهبي في العلو (ص63) :حَدِيث قَتَادَة بن النُّعْمَان سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لما فرغ الله من خلقه اسْتَوَى على عَرْشه ) رُوَاته ثِقَات ، رَوَاهُ أَبُو بكر الْخلال فِي كتاب السّنة لَهُ . 
وقال في العرش (62) رواه الخلال في السنة بإسناد صحيح على شرط الصحيحين. 
 قال الحافظ أبو موسى المديني : رواه ابن الأصفر عن إبراهيم بن محمد بن فليح عن أبيه عن سالم أبي النضر عن أبي الحباب سعيد بن يسار عن قتادة، ورواه محمد بن المبارك الصوري عن إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح عن أبيه عن سالم أبي النضر، عن عبيد بن حنين وبسر بن سعيد كلاهما عن قتادة، ورواه عن قتادة أيضا سوى عبيد بن حنين وأبي الحباب وبسر بن سعيد - عبيد الله بن عبد الله بن عتبة. ورواه عن إبراهيم بن المنذر محمد بن إسحاق الصغاني ومحمد بن المصفى ومحمد بن المبارك الصوري وجعفر بن سليمان النوفلي وأحمد بن رشدين وأحمد بن داود المكي وابن الأصفر وغيرهم، وحدث به من الحفاظ عبد الله بن أحمد بن حنبل وأبو بكر بن أبي عاصم وأبو القاسم الطبراني، وروي عن شداد بن أوس أيضا مرفوعا. وروي عن عبد الله بن عباس وكعب بن عجرة رضي الله عنهما موقوفا، وعن كعب الأحبار أيضا، وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) هذا المعنى، ورواة هذا الحديث من طريق قتادة وشداد عامتهم من رجال الصحيح، وذلك كله بعد قول الله تعالى (أفمن يخلق كمن لا يخلق) إنما يوافق الاسم الاسم، ولا تشبه الصفة الصفة ) اهـــ [ نقله عنه الدشتي في إثبات الحد (53) ]

خلاصة الكلام : 
 لم أقف على أي تصحيح من المتقدمين من طبقة أحمد ونحوه ، لهذا الحديث أو من ذكره في كتب المعتقد والسنة والصفات إلا ابن أبي عاصم فقط في السنة ، وقيل الخلال في السنة لكن لفظ أبي يعلى في إبطال التأويلات قال ( في سننه ) لا السنة ، بينما ابن القيم والذهبي وابن عبد الهادي قال ( في السنة ) والملاحظ أن كل من مشاه إنما صحح إسناده فقط أو وثقوا رجال سنده ، وادعوا أنهم على شرط البخاري !! والحقيقة أن قولهم على شرط البخاري فيه نظر لأسباب : 

الأول : أن البخاري تجنب إخراج هذا الحديث ، وهو قوي على شرطه كما يدعون . الثاني : أن مسلم تجنب الرواية مطلقا لرواية فليح وابنه في صحيحه . الثالث : وهو السبب الأقوى ، وهو أنه أخرج لَهُ البُخَارِيّ نُسْخَة من رِوَايَته عَن أَبِيه عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَبَعضهَا عَن هِلَال عَن أنس بن مَالك توبع على أَكْثَرهَا عِنْده وَله نُسْخَة أُخْرَى عِنْده بِهَذَا الْإِسْنَاد لَكِن عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ بَدَلَ عَطاء بن يسَار وَقد توبع فِيهَا أَيْضا ، وَهِي ثَمَانِيَة أَحَادِيث ، فهذا يدل على أن البخاري لم يعتمد عليه كثقة حجة ، وإنما كان ينتقى من حديثه مرويات قليلة جدا ، وقد عددت كل ما في صحيحه فإذا هي ستة عشر حديثا (16) فقط ، كل متونها معروفة مشهورة ، مروية من عدة طرق . الرابع : أن كتب السنن والعقائد والمسانيد كلها لا أحد منهم خرج هذا الحديث بروايته الأولى ، وهذا ما يثير الشك والإضطراب جدا في مدى صحة كلام المتأخرين عن تصحيح سنده على شرط البخاري !! ولا يكفي الاحتجاج بإخراج ابن أبي عاصم وحده لهذا الحديث ، فقد عودنا أن يتفرد بإخراج أحاديث يتفرد بها فتكون ضعيفة عادة ويتجنبها باقي أصحاب السنن والصحاح ، كما تفرد بحديث (لكل نبي حوض) دون سائر من كتب في العقيدة والسنة من أهل الحديث ، ولهذا يبقى هذا الحديث محال إشكال كبير بروايته الأولى دون رواية أحمد فليس فيها موضع النقاش والجدل ؟؟ لهذا تجد أن أبا محمد الدارمي لما ذكره في كتابه النقض على المريسي (ص331) سكت عنه ولم يصحح ولا يضعف إنما ، رد تأويله وتحريفه على المريسي على فرض صحته فيما يظهر ، ورفض ابن رجب أن يصحح هذه الرواية الأولى واكتفي بتجويد رواية أحمد فقط ، ومثله ذاك البيهقي . 

وأنا صراحة لا أجزم بصحته ولا نكارته ، لكن الأقرب ضعفه على منهج الحديث ، من جهة السند ، لا على طريقة الجهمية والأشعرية ومن تأثر بهم من المعاصرين بسبب المتن !!          إنما من جهة السند فقط ، وإن صح فلا إشكال في متنه كما سأتي في هذا التنبيه . 

تنبيه مهم : حديث الإستلقاء هذا لا ترتبط صحته أو ضعفه بسبب ورورده ، أو ما إذا كانت تلك الجلسة مباحة أو لا ؟ لأننا إذا قلنا أن الجلسة مباحة فهذا لا يعني نفي الصفة التي وردت في الحديث عن الله تعالى ـــ إن صحت ـــ لأنه لا تلازم بين هذا وهذا ولا تعارض ، فمن جعل إثبات هذا ينفي وجود هذا ، هذا غلط فاحش في الفهم !! فإن صحت فنحن نثبتها على طريقة السلف في الصفات في الإمرار بما يليق الله لا مانع منه ولا يوجد فيه أي نكارة ، فنقول الصفة ثابتة لله تعالى لا على سبيل الإستراحة كما ادعت اليهود لعنهم الله ، وإنما الله يفعل ما يشاء وما مسه من لغوب ، وليست بأغرب من الإستواء والجلوس لله تعالى على العرش وقد نبه على هذه القضية ابن أبي يعلى في إبطال التأويلات فقال : أعلم أن هَذَا الخبر يفيد أشياء منها : جواز إطلاق الاستلقاء عليه ، لا عَلَى وجه الاستراحة ، بل عَلَى صفة لا تعقل معناها ، وأن له رجلين كما له يدان ، وأنه يضع إحداهما عَلَى الأخرى عَلَى صفة لا نعقلها ، إذ ليس فِي حمله عَلَى ظاهره ما يحيل صفاته ..... قولكم أنه لا يجوز حمله عَلَى ذَلِكَ غلط ، لأنا قد بينا أنا لا نحمله عَلَى صفة تستحيل فِي صفاته ، بل يجري فِي ذَلِكَ مجرى غيره من الصفات... قال .. والثاني : منع هَذِهِ الجلسة وكراهتها ، قام الدليل عَلَى جواز هَذِهِ الجلسة لخلاف السلف وأجازتهم له ، وبقي إثبات الرجلين عَلَى ظاهره لأنه لم ينقل عنهم خلافه ولا رده ، فوجب الرجوع إليه ، لأنه لا يجوز فِي حقه إثبات صفة برأيه واجتهاده حديث آخر فِي هَذَا المعنى ) اهـــ  

(قلت) فعلى هذا لا حاجة لترجيح المنع لهذه الجلسة كما فعل عادل آل حمدان في تعليقه على إثبات الحد للدشتي ، فرارا من الإلزام الذي ذكره بعض المتأخرين ، فترجيحه للمنع ضعيف خلاف جماهير السلف وأهل الحديث الذين أباحوها ، فإنه لا تلازم بين إثبات الصفة ، وبين إباحتها للمخلوق أن يجلسها أولا ، وقد ثبت عندنا أن الله سبحانه يجلس على كرسه ، فهل يعقل أن نقول لا يجوز الجلوس على الكرسي أيضا ؟؟ 

فصل إباحة جلسة الإستلقاء ووضع الرجلين على الأخرى :

جلسها النبي صلى الله عليه وسلم عدة مرات ، كما في عدة روايات ومنها ما روي عن عباد بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله عليه وسلم مستلقيا في المسجد ، واضعا إحدى رجليه على الأخرى. رواه البخاري وترجم له بـ : باب الاستلقاء في المسجد .                                                                  
من فعله من الصحابة : أبو بكر وعمر وعثمان وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف وبلال بن رباح وأنس وأسامة بن زيد وابن عمر والبراء بن مالك ومعاوية .                           
ومن التابعين : ابن الحنفية والشعبي والحسن وأبو مجلز وابن سيرين وعكرمة ومحمد بن علي .  
قال ابن رجب في الفتح (3/406) وأما أكثر العلماء ، فرخصوا فيه ، وممن روي أنه كان يفعله: عمر، وعثمان ، وابن مسعود ، ونص أحمد على جوازه ) اهــ . 
 قال المَرُّوذِيّ : سَأَلْتُ أبا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يَسْتَلْقِي عَلَى قَفاهُ ، وَيَضَعُ إحْدى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرى؟ قال: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، قَدْ رُوِيَ . [ الآداب الشرعية (3/401) ] 

من قال إن النهي منسوخ بالإباحة : 

قال أبو موسى المديني في اللطائف من علوم المعارف (ص43) وَحَدِيثُ الاسْتِلْقَاءِ ذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ . 

قال ابن شاهين في ناسخ الحديث (1/504) بعد ذكر حديث جَابِرٍ قَالَ: « نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْتَلْقِيَ الرَّجُلُ عَلَى قَفَاهُ ، ثُمَّ يَضَعُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى » قال : وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الِاسْتِلْقَاءِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ، عَنْ عَمِّهِ ، وَالَّذِي يَصِحُّ عِنْدَنَا نَسْخُهُ فَعَالُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مِثْلَ ذَلِكَ سَوَاءٌ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلصَّحَابَةِ فِي هَذَا فِعْلٌ لَقُلْنَا : إِمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ ، لَأَنَّهُ نَهَى عَنْ أَشْيَاءَ وَخُصَّ هُوَ بِفِعَالِهَا أَوْ نَقُولُ نَسْخَ النَّهْي الْفِعَالَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . [ ونقله ابن الجوزي في منسوخ الحديث (1/441) ] 

(قلت) وهو ظاهر صنيع مالك في الموطأ في الموطأ حينما ذكر في أحد تبويباته روايات الإباحة وفعل الصحابة مشيرا للإباحة وبهذا بوب جميع أهل الحديث في تبويباتهم في الصحاح والسنن والمسانيد مما يدل أن الأمر عندهم على الإباحة . 

ومن كرهها من السلف : أبو سعيد الخدري ، وقتادة ابن النعمان وابن عباس وسعيد بن جبير وكعب بن عجرة ورواية عن بن سيرين والحسن وبه قال مجاهد وطاووس . 

سبب كراهة بعض السلف لهذه الجلسة : 
 في إتحاف الخيرة (5830) قال إسحاق بن راهويه : أبنا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ثَنَا عَبْدُ الْجَلِيلِ- وَهُوَ ابْنُ عَطِيَّةَ- ثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ قَالَ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- اسْتَلْقَى فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ ، فَوَضَعَ إِحْدَى رجليه على الأخرى وكان الْيَهُودُ تَفْتَرِي عَلَى اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- يَقُولُونَ: إِنَّ رَبَّنَا- تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فَرَغَ مِنَ الْخَلْقِ يوم السبت ثم تروح ، فقال الله- عز وجل-: ( ولقد خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أيام وما مسنا من لغوب ) فَكَانَ أَقْوَامٌ يَكْرَهُونَ أَنْ يَضَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ على الأخرى حتى صنع عمر". [ قال البوصيري : هذا إسناد رواته ثقات ]. 

وروى ابن أبي شيبة (25516) والخطيب في تاريخه (3990) بسند صحيح عَنِ الْحَكَمِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا مِجْلَزٍ عَنِ الرَّجُلِ يَجْلِسُ وَيَضَعُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى , فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ ، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ كَرِهَتْهُ الْيَهُودُ ، قَالُوا : إِنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ، ثُمَّ اسْتَوَى يَوْمَ السَّبْتِ فَجَلَسَ تِلْكَ الْجِلْسَةَ " 

وروى ابن أبي شيبة (25523) حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ حَبِيبٍ قَالَ: رَآنِي مُحَمَّدٌ وَقَدْ وَضَعْتُ رِجْلَيَّ هَكَذَا - وَوَضَعَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى - قَالَ: فَقَالَ: « ارْفَعْهَا ، قَدْ تَوَاطَئُوا عَلَى الْكَرَاهِيَةِ لَهَا » قَالَ : فَذَكَرْتُ لِلْحَسَنِ ، قَالَ : فَكَانَتِ الْيَهُودُ يَكْرَهُونَهُ , فَخَالَفَهُمُ الْمُسْلِمُونَ عن عقيل : قيل للحسن : قد كان يكره أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى. فقال الحسن: ما أخذوا ذلك إلا عن اليهود. 
وعن حُمَيد عن الحسن : أنه كان يفعله ويقول : إنما كره أن يفعله بين يَدَي القوم مخافة أن ينكشف . 

روى ابن أبي شيبة (25511) عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: « إِنَّمَا يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ أَهْلُ الْكِتَابِ » 
قال ابن رجب في فتح الباري (3/406) ملخصا كل الروايات : واختلفوا في أحاديث النهي : فمنهم من قال : هي منسوخة بحديث الرخصة ، ورجحه الطحاوي وغيره. ومنهم من قال : هي محمولة على من كان بين الناس فيخاف أن تنكشف عورته ، أو لم يكن عليه سراويل ، روي ذلك عن الحسن ، وروي عنه ، أنه قال فيمن كره ذلك : ما أخذوا ذلك إلا عن اليهود ) اهـــ . 

(قلت) يفهم من هذه الآثار ، أن اليهود ابتدعت شيئين :          الأول : أنها فسرت تلك الصفة لله تعالى وهي الجلوس ووضع الرجل على الأخرى بأنها من تعب والعياذ بالله ، وهذا من كفرهم وسوء طويتهم وخبثهم . 
الثاني : أنها ادعت أن هذه الجلسة لا تجوز ، لأنها خاصة بالخالق أو نحو هذا . لكن لا ندري هل من كره هاته الجلسة من الصحابة والتابعين كرهوا ذلك مخالفة لأهل الكتاب . كما يدعي أبو مجلز والحسن وعكرمة ، أم أنهم سمعوا الكراهة من النبي صلى الله عليه وسلم لما نهى عن ذلك أول مرة ، فبقوا على تلك الكراهة ولم يصلهم النسخ بفعله ؟ والله أعلم وبالله التوفيق .






كتبه أبو عبيد الجزائري عفا الله عنه

مدونة أبي عبيد الجزائري للحديث والأثر: المد والجزر بين تفسير الفلاسفة والمنجمين وآثار المتقدمين

المد والجزر بين تفسير الفلاسفة والمنجمين وآثار المتقدمين

بسم الله والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :

زعمت الفلاسفة أن الشمس إذا حركت الريح حدث المد والجزر ، بينما زعم المنجمون أن للقمر والنجوم دخلٌ في حركة البحر مدا وجزرا ، ومما يجعلك لا تدخل معهم في مثل هذه التفسيرات أنك تعلم أن أكثر خرابيطهم فيما يسمونه بالظواهر الطبيعية !! أغلبها إن لم يكن كلها مخالفة لما يعتقده السلف ، كتفسير الرعد والبرق والريح والزلزال والكسوف والخسوف والمطر من أين ينزل ... وغير ذلك من الآيات الكونية التي ورد فيها آثار عن السلف ما يشفي ويكفي . وهاته من تلك ، فالمد والجزر آية من آيات الله والبحر هذا له معتقد عند السلف وورد فيه آثار كثيرة على خلاف المنجمين والملاحدة والجغرافيين والفلاسفة وغيرهم ممن تأثر بهم من المنتسبين للإسلام . ثم إن أغلب الآيات الكونية وكَّل اللهُ عليها ملائكة يسيرونها كما أمرهم الله ، فلا غرابة أن يكون للبحر ملك موكل به ، وأن يكون المد والجزر بسبه أو بسبب غضب البحر من البشر ، أو له سبب آخر نحو هذا ، كما سياتي في المرويات . والبحر كائن حي يعقل عن ربه ، ويسبح ويسجد ويوحد ويخاف الله عزوجل ويسمع ويطيع ، ويعرف عما يجري حوله من أفعال وذنوب العباد ، وعليه ملائكة موكلين به فلما نريد أن نتكلم عن تحركاته لابد نستحضر هذه الأشياء ، ولا يوشوش علينا الفلاسفة والمنجمين ديننا , ومن العجائب أن تجد بعض المعاصرين لما تذكر لهم الآثار في هذه المواضيع يقولون لا تشوش علينا بآثار جديدة !! يعني أقوال الفلاسفة والجغرافيين ليست تشويش والآثار تشويش !! وذلك لأنهم تربوا عليها في المدارس والإعلام فالدخيل عندهم أقوال السلف وهي مصدر تشويش لديهم ، وكلام الملاحدة هو الصفاء والمنطق والعقل !! فإذا كانت الأرض لا يجادل أحد من هؤلاء المتأخرون المنتسبين للإسلام أنها تعقل وتعرف ربها وما يجري فوقها كم يقرؤون في سورة الزلزلة فما بالك بهذا البحر وهو أعظم من الأرض أضعاف مرات لا يعلمها إلا الله !! 

روى ابن أبي الدنيا في العقوبات (281) بسند حسن عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْأَرْضَ قُبِضَتْ وَقَالَتِ : الْخَلْقُ عَلَيَّ آدَمُ وَذُرِّيَّتُهُ فَيُلْقُونَ عَلَيَّ نَتْنَهُمْ ، وَيَعْمَلُونَ عَلَيَّ بِالْمَعَاصِي ، فَأَرْسَاهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْجِبَالِ ، فَمِنْهَا مَا تَرَوْنَ ، وَمِنْهَا مَا لَا تَرَوْنَ ، فَكَانَ أَوَّلُ قَرَارِ الْأَرْضِ كَلَحْمِ الْجَزُورِ إِذَا نُحِرَتْ فَاخْتَلَجَ لَحْمُهَا " 

ـــ رورى سعيد بن منصور في سننه (2389) من طريق خالد بن عبد الله الواسطي وابن أبي الدنيا في العقوبات (280) من طريق عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ و والعقيلي في الضعفاء (2/338) من طريق وهيب كلهم عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إِلَى الْبَحْرِ الْغَرْبِيِّ حِينَ خَلَقَهُ : قَدْ خَلَقْتُكَ فَأَحْسَنْتُ خَلْقَكَ وَأَكْثَرْتُ فِيكَ مِنَ الْمَاءِ ، وَإِنِّي حَامِلٌ فِيكَ عِبَادًا لِي يُكَبِّرُونِي وَيُسَبِّحُونِي وَيُهَلِّلُونِي وَيُقَدِّسُونِي ، فَكَيْفَ تَفْعَلُ بِهِمْ ؟ قَالَ : أُغْرِقُهُمْ، قَالَ تَعَالَى: فَإِنِّي أَحْمِلُهُمْ عَلَى كَفِّي، وَأَجْعَلُ بَأْسَكَ فِي نَوَاحِيكَ ثُمَّ قَالَ لِلْبَحْرِ الشَّرْقِيِّ : قَدْ خَلَقْتُكَ فَأَحْسَنْتُ خَلْقَكَ ، وَأَكْثَرْتُ فِيكَ الْمَاءَ ، وَإِنِّي حَامِلٌ فِيكَ عِبَادًا لِي ، فَيُكَبِّرُونِي وَيُهَلِّلُونِي وَيُسَبِّحُونِي فَكَيْفَ أَنْتَ فَاعِلٌ بِهِمْ ؟ قَالَ : أُكَبِّرُكَ مَعَهُمْ ، وَأُهَلِّلُكَ مَعَهُمْ ، وَأَحْمَدُكَ مَعَهُمْ وَأَحْمِلُهُمْ بَيْنَ ظَهْرِي وَبَطْنِي ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْحِلْيَةَ وَالصَّيْدَ وَالطَّيِّبَ " [ وهذا سند صحيح ] 

ـــ ورواه البزار في مسنده (9108) وأبو الشيخ في العظمة (4/1412) والعقيلي في الضعفاء (2/338) وابن عدى فى الكامل (4/1588) وابن حبان في المجروحين (591) والخطيب فى تاريخه (10/234) ومن طريقه ابن الجوزي فى الواهيات (1/37-38) من طريق عَبْد الرَّحْمن بْنُ عَبْد اللَّهِ بْنِ عُمَرَ العمري عن سهيل عن أبي عن أبي هريرة مرفوعا ولا يصح لأن العمري متروك وتفرد به بهذا السند المرفوع ، وقد أنكروا عليه جدا كما ذكر ابن عدي والبزار والعقيلي والخطيب وابن الجوزي والذهبي وغيرهم . والصحيح الرواية الأولى : أنه موقوف على ابن عمرو بسند صحيح ، وقال العقيلي : "وهذه الرواية أولى ".

وهذه الرواية الموقوفة على ابن عمرو لها حكم الرفع عندنا أهل الأثر لا كما يقول الآرئيون أنه يروي الإسرائيليات ولا يبين !! وهي تبين أن ما يحدث في أطراف البحار من حركة إنما هي بأمر الله ، صرفا لبأسه عن الخلق ، والجوانب هي الأطراف التي يحدث فيها المد والجزر . 

وروى سعيد بن منصور (2390) بسند جيد عن الْعَلَاءَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ أَنَّهُ ذُكَرَ لَهُ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ الْبَحْرَ قَالَ: كَيْفَ إِذَا حَمَلْتُ عَلَيْكَ خَلْقًا مِنْ خَلْقِي ؟ قَالَ : لَا أُقِرُّهُمْ عَلَى ظَهْرِي قَالَ : بَلْ لضعر لَكَ وقما سَأَجْعَلُ بَأْسَكَ فِي أَطْرَافِكَ » 

ــــ روى عبد الرزاق في تفسيره (3004) وأحمد في مسنده (23238) والبخاري في التاريخ الكبير (2/42) وأبو الشيخ في العظمة (928) وابن قتيبة في غريب الحديث (2/346) وأبو طاهر السلفي في المشيخة البغدادية (33) وابن الجوزي في المنتظم (1/163) من طريق مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ صَبَّاحٍ عَنْ أَشْرَسَ قَالَ : سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْمَدِّ وَالْجَزْرِ فَقَالَ : إِنَّ مَلَكًا مُوَكَّلٌ بِقَامُوسِ الْبَحْرِ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فَاضَتْ ، وَإِذَا رَفَعَهَا غَاضَتْ " . وقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ صَبَّاحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَشْرَسَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مِثْلَهُ .

جاء في الصحاح للجوهري (3/699) : وقاموس البحر : وسطه ومعظمه وفى حديث المد والجزر قال : ملك موكل بقاموس البحر، كلما وضع رجله فيه فاض، فإذا رفعها غاض ". 

[قلت] سنده فيه ضعف ، فالصبَّاح روى عنه ابنه والمعتمر بن سليمان ولم يوثقه أحد ففيه جهالة . أما أشرس -وهو ابن الحسن وقيل: ابن أبي الحسن المازني- ذكره البخاري في "الكبير" وابن أبي حاتم ولم يورِدا فيه جرحاً ولا تعديلاً، وقال ابن عدي : له أقل من عشرة أحاديث ، وأرجو أنه لا بأس به ، وذكره ابن حبان في "الثقات". 

 لما أورده أحمد في المسند يدل على أن لا نكارة في متنه وله شاهد وهو : 

ـــ ما أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (10556) حَدَّثَنَا أَبِي ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ ثنا طَلْحَةُ بْنُ زَيْنٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْبَحْرَ رَقَّ بِيَدِ مَا كَانَ يَغْفُلُ عَنْهَا الْمَلَكُ لَطَمَ عَلَى الأَرْضِ. [قلت سند رجاله كلهم ثقات غير طلحة بن زين لم أعرفه ! وهو شاهد لما قبله] ـ

ــ روى ابن أبي الدنيا في العقوبات (323) وأبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (4/1405) وأبو نعيم في الحلية (6/7) من طريق عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ كَعْبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ : فحكى قصة طويلة عن الخضر وأنه التقى بملك تحت البحر ...فسأله فقال : فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْمَدِّ وَالْجَزْرِ قَالَ : الْمَدُّ : مِنْ نَفَسِ الْحُوتِ ، فَإِذَا تَنَفَّسَ كَانَ الْمَدُّ ، وَإِذَا رَدَّ النَّفَسَ كَانَ الْجَزْرُ ".
[ سنده ضعيف لضعف عبد الله بن صالح وخالد بن يزيد وإن وصفوه بالصدق لكنه يهم . ] ـ

ــ روى الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده" (303) والمقدسي في التوحيد (77) قال : حَدَّثَنَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ حَدَّثَنِي شَيْخٌ كَانَ مُرَابِطًا بِالسَّاحِلِ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا صَالِحٍ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ( لَيْسَ مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا وَالْبَحْرُ يُشْرِفُ فِيهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ عَلَى الْأَرْضِ، يَسْتَأْذِنُ اللهَ فِي أَنْ يَنْفَضِخَ عَلَيْهِمْ، فَيَكُفُّهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ )


ــ وأتم منه لفظا ما رواه المقدسي في التوحيد (78) وذكره في المطالب العالية (9/472) قال إسحاق بن راهوية أخبرنا يزيد بن هارون أنا العوام بن حوشب حدثني شيخ كان مرابطا بالساحل قال: خرجت ليلة حرسي لم يخرج أحد ممن كان علية الحرس غيري ، فجعل يخيل إلي أن البحر مشرف حتى يحاذي برؤؤس الجبال ، ففعل ذلك مرارا وأنا مستيقظ ، ثم نمت ، فرأيت في النوم كأن معي رآيه ، وكان أهل المدينة يمشون خلفي ، وأنا أمامهم ، فلما أصبحت رجعت إلى المدينة ، فلقيت أمير الجيش ، وأبا صالح مولى عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فكانا أول من خرج من المدينة ، فقالا لي: أين الناس ؟ فقلت: رجعوا قبلي ، فقالا: لم لا تصدقنا نحن أول من خرج من المدينة ؟ قال: فأخبرتهما أنه لم يخرج أحد غيري ، قال أبو صالح : فما رأيت ؟ فقلت : والله لقد خيل إلي فيما رأيت أن البحر يشرف حتى يحاذي برؤوس الجبال ! قال أبو صالح : صدقت حدثنا عمر بن الخطاب ـ رضي لله عنه ـ عن رسول الله قال :" ما من ليلة إلا والبحر يشرف ثلاث مرات على أهل الأرض يستأذن الله تعالى إن ينقضي عليهم " يعني : يتدفق ، فيكفه الله تعالى . 
[ وأورده ابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 52) والمنتظم (1/152) بسنده ، لكن قال ابن الجوزي في علله العوام بن حوشب ضعيف والشيخ مجهول . 

(قلت) سنده رجاله ثقات وعلته فقط جهالة الشيخ ، أما العوام وهو ابن حوشب متفق على عدالته فهذا وهم فاحش من ابن الجوزي الذي لم يعرفه . ورواه يعقوب بن شيبة السدوسي كما في ملخص المسند [مخطوط : ص43/أ] عن يزيد بمثله ، وقال : حديث صالح الإسناد إلا أن فيه رجلا لم يسم فوهى الحديث من أجله . اهـ . (قلت) وهذا أحد الشواهد القوية في الباب . 

ــــ روى الطبري (22/460) وابن أبي حاتم (18677) بسند حسن عن ابن عباس في قوله : (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) يقول : المحبوس. قال ابن كثير : وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْمَسْجُورِ : الْمَمْنُوعُ الْمَكْفُوفُ عَنِ الْأَرْضِ لِئَلَّا يَغْمُرَهَا فَيُغْرِقَ أَهْلَهَا ، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ يَقُولُ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ... ". 

(قلت) إثبات أصل ذلك المعنى : أن يكون البحر مملوءا بالماء ، ولولا الله تعالى بمنه وكرمه ، لفاض على أهل الأرض ، وفي ذلك بيان المنة وتمام النعمة ، كما هو شأنه تعالى ، بلطفه وقدرته ، في أمر السماء والأرض قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } [فاطر/41] . 

قال ابن القيم في المدارج(1/430-431) : فَالسَّمَاءُ تَسْتَأْذِنُ رَبَّهَا أَنْ تَحْصِبَهُ وَالْأَرْضُ تَسْتَأْذِنُهُ أَنْ تَخْسِفَ بِهِ وَالْبَحْرُ يَسْتَأْذِنُهُ أَنْ يُغْرِقَهُ ،كَمَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،مَا مِنْ يَوْمٍ إِلَّا وَالْبَحْرُ يَسْتَأْذِنُ رَبَّهُ أَنْ يُغْرِقَ ابْنَ آدَمَ وَالْمَلَائِكَةُ تَسْتَأْذِنُهُ أَنْ تُعَاجِلَهُ وَتُهْلِكَهُ ، وَالرَّبُّ تَعَالَى يَقُولُ : دَعُوا عَبْدِي فَأَنَا أَعْلَمُ بِهِ إِذْ أَنْشَأْتُهُ مِنَ الْأَرْضِ ، إِنْ كَانَ عَبْدَكُمْ فَشَأْنُكُمْ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدِي فَمِنِّي وَإِلَيَّ عَبْدِي ، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي إِنْ أَتَانِي لَيْلًا قَبِلْتُهُ ، وَإِنْ أَتَانِي نَهَارًا قَبِلْتُهُ ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا ، وَإِنْ مَشَى إِلَيَّ هَرْوَلْتُ إِلَيْهِ ، وَإِنِ اسْتَغْفَرَنِي غَفَرْتُ لَهُ ، وَإِنِ اسْتَقَالَنِي أَقَلْتُهُ وَإِنْ تَابَ إِلَيَّ تُبْتُ عَلَيْهِ مَنْ أَعْظَمَ مِنِّي جُودًا وَكَرَمًا وَأَنَا الْجَوَادُ الْكَرِيمُ ؟ عَبِيدِي يَبِيتُونَ يُبَارِزُونَنِي بِالْعَظَائِمِ وَأَنَا أَكْلَؤُهُمْ فِي مَضَاجِعِهِمْ ، وَأَحْرُسُهُمْ عَلَى فُرُشِهِمْ مَنْ أَقْبَلَ إِلَيَّ تَلَقَّيْتُهُ مِنْ بَعِيدٍ وَمَنْ تَرَكَ لِأَجْلِي أَعْطَيْتُهُ فَوْقَ الْمَزِيدِ وَمَنْ تَصَرَّفَ بِحَوْلِي وَقُوَّتِي أَلَنْتُ لَهُ الْحَدِيدَ وَمَنْ أَرَادَ مُرَادِي أَرَدْتُ مَا يُرِيدُ ، أَهْلُ ذِكْرِي أَهْلُ مُجَالَسَتِي، وَأَهْلُ شُكْرِي أَهْلُ زِيَادَتِي، وَأَهْلُ طَاعَتِي أَهْلُ كَرَامَتِي، وَأَهْلُ مَعْصِيَتِي لَا أُقْنِطُهُمْ مِنْ رَحْمَتِي إِنْ تَابُوا إِلَيَّ فَأَنَا حَبِيبُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا فَأَنَا طَبِيبُهُمْ أَبْتَلِيهِمْ بِالْمَصَائِبِ لِأُطَهِّرَهَمْ مِنَ الْمَعَايِبِ ) اهــ ـ

ــ قال البكري في كتابه المسالك والممالك (1/209) بعدما ذكر علل المد والجزر عن الجغرافيين قال : وقال الشرعيّون : كلّ حال لا يعلم له في الطبيعة مجرى فهو فعل إلاهيّ لا يدخله قياس ولا يدرك بحسّ . 

ـــ قال ابن الوردي في كتابه خريدة العجائب (1/46) وقد روي في بعض الأخبار أن الله جعل ملكاً موكلاً بالبحار ، فإذا وضع قدمه في البحر مد وإذا رفعه جزر ، فإن صح ذلك والله أعلم كان اعتقاده أولى من المصير إلى غيره مما لا يفيد حقيقة ، ولو ذهب ذاهب إلى أن ذلك الملك هو مهب الرياح التي تكون سبباً للمد وتزيد في الأنهار وتفعل ذلك عند امتلاء المقر حتى يكون توفيقاً وجمعاً بين الكل لكان ذلك مذهباً حسناً. والله أعلم 

(قلت) المقصود أن الموحد السني الأثري عليه يتوقف أن يتكلم في الغيبيات والآيات الكونية التي يسميها هؤلاء ( ظواهر الطبيعة !! ) ويفسرها بالرأي وبكلام الجغرافيين والفلاسفة والمنجمين والعلمانيين ، الذين لا يؤمنون برب ، فضلا أن يؤمنوا بالأحاديث والآثار ، فإن أكثر هذه الآيات ( الظواهر ) لها تفسير عند السلف فلابد من الرجوع لكتب الحديث والأثر لنجد حقيقة هذه الآيات في ديننا ، وأن نعيد النظر في كل ما تعلمناه في الجغرافيا والفلك ونلغيه ونتوقف فيه ، ونرجع للأصول الأثرية ونصفي معلوماتنا القديمة فإن أكثرها مخالفة للسلف والله المستعان .

.. كتبه أبو عبيد الجزائري ..

الاثنين، 22 يناير 2018

مدونة أبي عبيد الجزائري للحديث والأثر: قنواتي على التلجرام لمن أحب الإنضمام

قنواتي على التلجرام لمن أحب الإنضمام

الاولى قناة البحوث الأثرية
https://t.me/abouObaid

الثانية : قناة علوم الحديث
https://t.me/hadjou2014

الثالثة : قناة الذب عن منهج السلف في فهم الوحي بالأثر .
 https://t.me/elatharia

الرابعة : التعليق على شرح السنة للبربهاري
 https://t.me/charhsouna

الخامسة : قناة شعر التوحيد والسنة بقلمي
https://t.me/Chiareltawhid

مدونة أبي عبيد الجزائري للحديث والأثر: بيان تلبيس الأشعرية في تعريف الأحاديث القدسية

مدونة أبي عبيد الجزائري للحديث والأثر: التابعي لا يكون حجة على الصحابي

التابعي لا يكون حجة على الصحابي

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :

روى الهروي في ذم الكلام (794) عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ قال رجلٌ للشعبي : ( اتّفَقَ شريحٌ وابنُ مسعود , فقال له الشعبي : ( بل تَبِعَ شريحٌ : ابنَ مسعود وإنما يَتَّفِقُ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , والناس لهم تَبَع ) .

وقال الهيثم بن جميل : قلت لمالك : إنّ عندنا قوماً وضعوا كُتُباً ، يقول أحدهم : حدثنا فلان عن فلان عن عمر بكذا ، وكذا فلان عن إبراهيم بكذا ، ونأخذ بقول إبراهيم فقال مالك : وصحَّ عندهم قول عمر ؟ قلت : إنما هي رواية ، كما صحّ عندهم قول إبراهيم ، فقال مالك : هؤلاء يُستَتابون. [إعلام الموقعين (2/ 201)]

قال أحمد في رواية أبي الحارث، وقد سأله : إلى أي شيء ذهبت في ترك الصلاة بين التراويح ؟ فقال : ضرب عليها عقبةُ بن عامر، ونهى عنها عبادة بن الصامت .

فقيل له : يروى عن سعيد والحسن : أنهما كانا يريان الصلاة بين التراويح ، فقال : أقول لك : أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وتقول : التابعين ! وسأله أيضًا عن عدد قتلوا رجلًا ، قال : يقادون به ، يروى عن عمر وعلى ، فقيل له : يروى عن بعض التابعين : أنه لا يقتل اثنان بواحد فقال : ما يصنع بالتابعين ؟!

نقل أيضًا أبو عبد اللَّه القواريري قال : سمعت أحمد يذاكر رجلًا فقال له الرجل : قال عطاء ، فأخذ أحمد نعله وقال : أقول لك : قال ابن عمر ، وتقول : قال عطاء ، من عطاء ؟! ومن أبوه ؟!. [ هذه النقولات من كتاب الروايتين والوجهين المسائل الأصولية (ص 55) وكتاب العدة (4/1153 – 1157) والجامع لعلوم الإمام أحمد (6/440) ] 

قال أحمد في رواية ابن القاسم وقد ذكر له عن شريح وابن سيرين فقال : هؤلاء لا يكونون حجة على من كان مثلهم من التابعين ، فكيف على من قبلهم من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- اللَّه عليه وسلم ؟! [ العدة (4/1133) ]

أمثلة مما رد من آثار الصحابة بآثار التابعين :

المثال الأول : رد آثار الصحابة في أن إبليس كان من الملائكة بأثر الحسن البصري . قد ثبت عن ابن مسعود وعلي وابن عباس وجمع من الصحابة ولم يخالفهم أحد أن إبليس كان من الملائكة لا من الجن كما هو منتشر عند المتأخرين ، وهذا خلافا للسلف . والحجة عند المتأخرين أن الحسن البصري قال ( لم يكن إبليس من الملائكة ) مع أنه رحمه الله خالف كل السلف في قوله هذا ، فلم يتعبروا بكلام الصحابة كلهم !! 

المثال الثاني : رد المتأخرين لآثار الصحابة في تفسير الحروف المقطعة بكلام الحسن البصري ، أنه لا يُعلم تفسيرها !! مع أنّ له روايات أخرى عديدة يفسر فيها الحروف المقطعة ، فقد ثبت عن ابن مسعود وعلي وابن عباس وكل التابعين ، خلافا لرواية شاذة رويت عن الحسن البصري ، وقد ثبتت عنه روايات أخرى يفسر الحروف المقطعة ، موافقا فيه لبقية الآثار عن السلف ، ومع ذلك يصر المتأخرون على الإحتجاج برواية الحسن في رد آثار الصحابة !! 

المثال الثالث : رد أثر ابن عباس رضي الله عنه في أن الصورة هي الوجه ، وأن تصوير ذوات الأوراح لا يعتبر من التصوير المحرم ونص ابن عباس على إباحة تصوير الشجر ونحو من غير ذوات الأرواح ، وعلى هذا الأثر كل التابعين وأهل الحديث والفقهاء ولا نعلم مخالفا لهم في ذلك ، حتى جاء بعض المعاصرين ووقف على أثر لمجاهد رحمه الله يقول فيه ( أكره صورة الشجر المثمر ) فاعتبره مخالفا لأثر بن عباس !! ورد به أثر ابن عباس رضي الله عنه الذي مشى عليه كل السلف ، مع كلام مجاهد لم يعمم ، وقيده بالشجر المثمر ، واكتفى بالكراهة فقط ، ثم إنه كلام ابن عباس صريح المخالفة لهذا الأثر إذ قال ( عليك بالشجر ونحوه ) بل إنَّ قتادة خالف مجاهدا مخالفة صريحة جدا فيما : روى معمر في جامعه (19493) عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : « يُكْرَهُ مِنَ التَّمَاثِيلِ مَا فِيهِ الرُّوحُ فَأَمَّا الشَّجَرُ فَلَا بَأْسَ بِهِ » . 

فصار هذا الأثر الشاذ الذي رُوي عن مجاهد ،كما قال بعض الفقهاء لا يصلح الإحتجاج به بأي وجه من الوجوه ، في رد آثار الصحابة !! والعجب ممن يحتج به إذْ يعيَّرُ ويعيبُ غيره لما يتركون أثرا عن صحابي ، ونسي نفسه في هذا المسألة التي رد فيها قولا لصحابي جليل بردٍّ مباشر ، لا حجة له في ذلك ، ولا عذر له في رده .


بيان تلبيس الأشعرية في تعريف الأحاديث القدسية


بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء
والمرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد :

هذا تنبيه مهم جدا لأهل التوحيد والأثر ، يتعلق بمسلك الأشعرية في تعريف الأحاديث الإلهية كما يسميها السلف و(القدسية) كما اشتهر عند الخلف ، والأحاديث الإلهية أو القدسية هي : الأحاديث التي يرويها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل (لفظا ومعنى) وهي قسم من السنة المطهرة لها ميزة نسبتها إلى الله عز وجل وأن الله جلّ وعلا تكلم بها وأوحاها إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ليبلغها للناس ، أما بقية الأحاديث فلفظها من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ومعناها من عند الله عز وجل لأن السنة كلها وحي . والأشعرية الجهمية المخانيث على طريقتهم في لا يواجهون بكفرهم أهل السنة وينافقونهم في تحريف صفة الكلام بالحيل والنفاق والزندقة ، كما حرفوا وعطلوا صفة الكلام في عقيدتهم في القرآن فقالوا خداعا ( القرآن كلام الله غير مخلوق ) ثم أضافوا خبثا كفرا ( بلا حرف وصوت ) أو (هو عبارة ) أو ( حكاية ) أو ( كلام نفسي ) ونحو هذه من الكفريات القبيحة في إنكار صفة الكلام لله تعالى ونفس الشيء لما وقفوا على الحديث الإلهي ( القدسي ) استعملوا نفس التعبير فقالوا ( المعنى من الله واللفظ من الرسول ) أي أن الله لم يتلفظ به بالصوت والحرف حقيقة بل هذا معنى وحكاية للكلام النفسي عبَّرَ عنه النبيُّ بألفاظه الخاصة ، فلعنة الله على المنافقين المحتالين !! والعجيب أن المتأخرين وأغلب المعاصرين اغتروا بقولهم هذا ، بل وقع فيه حتى ممن ينتسب للسلفية ويعتقد إثبات الصفات !! فهم ما أدري عرفوا ثم أنكروا !! أم غفلوا عن هذا التعبير الجهمي ولم ينتبهوا لهذا التعطيل !! ولم ينجو ويتفطن لحيلهم إلا القليل ممن ينتسب للعلم . 

منهج السلف وأهل الحديث مع الأحاديث الإلهية ( القدسية) 

 في كل هذه الأحاديث يصرح النبي صلى الله عليه وسلم بأنه من قول الله سبحانه فيقول مثلا : ( قال الله تعالى ، أو أوحى الله إلي فقال .. ) فلا يجوز تحريف ظاهر هذه النصوص بلا حجة صارفة ، فإن هذا هو التحريف الذي اخترعته الجهمية والأشعرية ، ثم إنه لم يُأوِّل أي أحد من السلف هذه الأحاديث الإلهية فقال ليس ألفاظها من الله تعالى فأولوها أو شي من هذا القبيل بل أجروها على ظاهرها كما يجرون باقي الصفات ، ويرونها في الكتب المسندة ويبوبون لها بما يدل على أنها من قول الله تعالى لفظا ومعنى ، والأمثلة في ذلك كثيرة نذكر بعضها :                                  بوب البخاري في صحيحه بقوله [ باب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وروايته عن ربه تعالى ] وذكر فيه ثلاثة أحاديث يرويها النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه ، وكذا عنون في مواضع من كتاب التوحيد في إثبات كلام الرب وذكر فيها الأحاديث القدسية 

ومن ذلك : وعنوان (10) [باب كلام الرب مع جبريل ونـداء الله الملائكة]وذكر فيه ثلاثة أحاديث قدسية . 
ومما يؤيد بأن رأي البخاري في الأحاديث القدسية هو أنها هي من كلام الله تعالى بلفظه ومعناه : 
عنوان (11) [باب قول الله تعالى {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ الله} ] ثم ساق تحت العنوان المذكور في حدود عشرة من الأحاديث القدسية مما يشير بأنها من كلام الله تعالى. 

وبوب البخاري في كتابه خلق أفعال العباد (ص94) [ بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ يَذْكُرُهُ وَيَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ] وذكر عدة أحاديث إلاهية 

وقال الدارمي في الرد على المريسي (ص175) كَمَا قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ : {أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} كَذَلِكَ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَنَا الرَّحْمَنُ" .. ثم ذكر بسنده حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : "قَالَ اللَّهُ": أَنَا الرَّحْمَنُ ، وَهِيَ الرَّحِمُ شَقَقْتُ لَهَا مِنَ اسْمِي فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بتته". 

وبوب الكرماني في السنة (ص180) : ( باب في كلام الله ) يعني ردا على الجهمية التي حرفت صفة الكلام ونقل تحت هذا الباب العديد من الأحاديث القدسية ، وهذا صنيع أئمة الحديث والأمثلة كثيرة في هذا تدل دلالة واضحة أنهم لم يحرفوا صفة الكلام كما تفعل الأشعرية ، وأنهم يعتقدون أن الحديث الإلهي على ظاهره هو كلام الله لفظى ومعنى ، وبالله التوفيق .

الأحد، 7 يناير 2018

أهل البدع كلهم خوارج ....


بسم الله الرحيم الرحيم

أهل البدع كلهم خوارج كما قال السلف ، وكلهم من عشرات القرون إذا أتى ذكر السلطان ، انبعثت منهم رائحة الدم ، وتمزقت أنوفهم غيضا ، فما هي إلا لحظات وتجدهم يجتمعون كلهم في السيف ، وقد روي في هذا المعنى عدة آثار عن السلف نذكر منها : أصل كل ما ورد في الآثار : الآثار التي سأذكرها مستنبطة من كلام ابن مسعود رضي الله عنه في قصته مع أهل البدع الذي كانوا يعدون بالحصى في المسجد ، ثم لما نهاهم ابن مسعود رضي الله عنه قالوا : والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير ، قال : وكم من مريد للخير لن يصيبه ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، وأيم الله لعل أكثرهم منكم ، تم تولى عنهم ، فقال عمرو بن سلمة : رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوارج [ رواه الدارمي في مقدمة سننه (210) ] 

(قلت) فانتهت بدعة الحصى إلى الخروج ، فيا سبحان الله !!

ــ روى الفريابي في القدر (375) واللالكائي (290) والآجري في الشريعة (2549) والهروي في ذم الكلام (977) وشرح السُّنَّة للبغوي (10/ 233) بسند صحيح عن سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ قَالَ : كَانَ أَيُّوبُ يُسَمِّي أَصْحَابَ الْبِدَعِ كُلَّهَمْ خَوَارِجَ وَيَقُولُ : إِنَّ الْخَوَارِجَ اخْتَلَفُوا فِي الِاسْمِ , وَاجْتَمَعُوا عَلَى السَّيْفِ . 

ــ وروى الفريابي في القدر (367) والدارمي في سننه (100) والهروي في ذم الكلام (825) بسند صحيح عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ : إِنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ أهل الضلالة، ولاأَرَى مَصِيرَهُمْ إِلَّا إِلَى النَّارِ , فَجَرِّبْهُمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَنْتَحِلُ قَوْلًا , أَوْ قَالَ رَأْيًا , فَيَتَنَاهَى بِهِ الْأَمْرُ دُونَ السَّيْفِ ، وَإِنَّ النِّفَاقَ كَانَ ضَرُوبًا ، قَالَ : وَتَلَا : {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ} {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ} {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} قَالَ : وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ وَاجْتَمَعُوا فِي الشَّكِّ وَالتَّكْذِيبِ ، وَإِلَى هَؤُلَاءِ اخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ , وَاجْتَمَعُوا فِي السَّيْفِ . 

ــ وروى غبد الرزاق في المصنف (18660) وابن سعد (7/ 184) والدارمي في السنن (99) والفريابي في القدر (368) وأبو نعيم في الحلية (2/287) والآجري في الشريعة (1/460) بسند صحيح عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ : مَا ابْتَدَعَ رَجُلٌ بِدْعَةً قَطُّ ، إِلَّا اسْتَحَلَّ السَّيْفَ . 

ــ وروى أبو نعيم في الحلية (2/287) عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ : « مَثَلُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مَثَلُ الْمُنَافِقِينَ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْمُنَافِقِينَ بِقَوْلٍ مُخْتَلِفٍ وَعَمِلٍ مُخْتَلِفٍ ، وَجِمَاعُ ذَلِكَ الضُّلَّالُ ، وَإِنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ اخْتَلَفُوا فِي الْأَهْوَاءِ وَاجْتَمَعُوا عَلَى السَّيْفِ » 

ــ وروى الدارمي في سننه (101) عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ : إِنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ أَهْلُ الضَّلَالَةِ ، وَلَا أَرَى مَصِيرَهُمْ إِلَّا إِلَى النَّارَ ، فَجَرِّبْهُمْ فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَنْتَحِلُ قَوْلًا أَوْ قَالَ : حَدِيثًا فَيَتَنَاهَى بِهِ الْأَمْرُ دُونَ السَّيْفِ .. ثم قال: وإنَّ هَؤُلَاءِ اخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ وَاجْتَمَعُوا فِي السَّيْفِ وَلَا أَرَى مَصِيرَهُمْ إِلَّا إِلَى النَّارِ. 

ــ وفي الشريعة للآجري (2062) قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : اتَّقُوا هَذِهِ الْأَهْوَاءَ الْمُضِلَّةَ , ثم ذكر المرجئة وقال : وَهُمْ يَرَوْنَ السَّيْفَ عَلَى أَهْلِ الْقِبْلَةِ .. ثم ذكر الفرق وعرف ببعضها وقال : وَكُلٌّ أَهْلُ هَوًى , فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ السَّيْفَ عَلَى أَهْلِ الْقِبْلَةِ ، وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَإِنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ السَّيْفَ عَلَى أَحَدٍ . 

ــ وعن عنبسة ابن سعيد الكلاعي قال : « ما ابتدع رجل بدعة إلا غلّ صدره على المسلمين واختلجت منه الأمانة » قال نعيم : فسمعه مني الأوزاعي فقال: أنت سمعته من عنبسة، قلت: نعم. قال: « صدق لقد كنا نتحدث أنه ما ابتدع رجل بدعة إلا سُلب ورعه» [ رواه الهروي في ذم الكلام وأهله (5/ 126) ] 

ــ وقال سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى: « هذه الأمة ثلاث وسبعون فرقة : اثنتان وسبعون هالكة ، كلّهم يبغض السلطان ، والناجية هذه الواحدة التي مع السلطان » [ قوت القلوب (2/209) ]
ــ وفي الرسالة الوافية للداني ( ٢١٠ ) بإسناده عن الحسن قال : كل صاحب بدعة حروري. 

ــ وفي السنة لابن شاهين ( ٣٦ ) قال سُفيان الثوري : كل أهل الأهواء فإنهّم يرون السَّيف على أهل القبلة . 

ــ وقال البربهاري في شرح السنة (136) : واعلم أن الأهواء كلها ردية تدعو كلها إلى السيف . 

(قلت) وهذا الأمر الذي قرره السلف هو الواقع ، فكل مبتدع انتهى قوله عند السيف وأضرب أمثلة هنا : 

القدرية : وروى الفريابي في القدر (341) وابن بطة في الإبانة الكبرى (1962) عَنْ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ قَالَ : سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَقُولُ : وَيْحَكَ يَا غَيْلَانُ ، رَكِبْتَ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِضْمَارَ الْحَرُورِيَّةِ ، غَيْرَ أَنَّكَ لَا تَخْرُجُ عَلَيْهِمْ بِالسَّيْفِ. 

أصحاب الرأي : روى عبد الله في السنة (382) وأبو زرعة في تاريخه (1/506) عن سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُبَارَكِ ، قَالَ : ذَكَرْتُ أَبَا حَنِيفَةَ عِنْدَ الْأَوْزَاعِيِّ وَذَكَرْتُ عِلْمَهُ وَفِقْهَهُ فَكَرِهَ ذَلِكَ الْأَوْزَاعِيُّ وَظَهَرَ لِي مِنْهُ الْغَضَبُ وَقَالَ : " تَدْرِي مَا تَكَلَّمْتَ بِهِ تُطْرِي رَجُلًا يَرَى السَّيْفَ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ ، فَقُلْتُ : إِنِّي لَسْتُ عَلَى رَأْيِهِ وَلَا مَذْهَبِهِ، فَقَالَ: قَدْ نَصَحْتُكَ فَلَا تُكْرَهْ فَقُلْتُ قَدْ قَبِلْتُ " (قلت) ثم صار ابن المبارك يحذر من أبي حنيفة بنفس العلة كما :

ــ روى عبد الله في السنة (349) عن مُحَمَّدُ بْنُ أَعْيَنَ وَصِيَّ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ : دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَلَى ابْنِ الْمُبَارَكِ وَالدَّارُ غَاصَّةٌ بِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَسْأَلَةُ كَذَا وَكَذَا ، قَالَ: فَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ فِيهِ أَحَادِيثَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ خِلَافَ هَذَا فَغَضِبَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَقَالَ : أَرْوِي لَكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ تَأْتِينِي بِرَجُلٍ كَانَ يَرَى السَّيْفَ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟؟ 

أما المرجئة : روى عبد الله في السنة (233) قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ الْمُبَارَكِ وَنَحْنُ عِنْدَهُ « إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ مُرْجِئًا يَرَى السَّيْفَ» فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ ابْنُ الْمُبَارَكِ . 

ــ وقيل للإمام عبد الله بن المبارك : ترى رأي الإرجاء ؟ فقال ابن المبارك -رحمهُ اللهُ- : كيف أكون مرجئاً فأنا لا أرى السَّيفَ ؟! [ انظر: الكتاب اللطيف لابن شاهين (ص/17) ]. 

ــ وفي عقيدة السلف أصحاب الحديث (109) لأبي عثمان الصابوني بسنده إلى أحمد بن سعيد الرِّباطيِّ أنَّه قال : قال لي عبد الله بن طاهر: ( يا أحمد ! أنّكم تبغضون هؤلاء القوم [ أي: المرجئة ] جهلاً ! وأنا أبغضهم عن معرفة إنّهم لا يرون للسلطان طاعة ...) . 

(قلت) : لأنهم يرون الخروج على الأئمة بلا تكفير ولهذا قال فيهم إبراهيم النخعي: الخوارج أعذر عندي من المرجئة . [ السنة لعبد الله (684) ] وذلك لأن الخوارج غالبا لا تخرج إلا بعد أن تُكفر ، على خلاف المرجئة ترى السيف بمجرد الظلم والجور . 

ــ روى عبد الله في السنة (325) والضعفاء للعقيلي (4/283) عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ مُرْجِئًا يَرَى السَّيْفَ » 

ــــ قال الجصاص الحنفي في أحكام القرآن (1/86) وهو يدافع عن أبي حنيفة : وكان مذهبه مشهورا في قتال الظلمة وأئمة الجور .  

ــ وتطببيق ذلك ما في السنة لعبد الله (372) عن أبي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيَّ يَقُولُ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: «يَا أَبَا إِسْحَاقَ أَيْنَ تَسْكُنُ الْيَوْمَ ؟ » فَقُلْتُ لَهُ بِالْمِصِّيصَةِ قَالَ: « لَوْ ذَهَبْتَ حَيْثُ ذَهَبَ أَخُوكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ ، وَكَانَ أَخُو أَبِي إِسْحَاقَ خَرَجَ مَعَ الْمُبِيِّضَةِ فَقَتَلَهُ الْمُسَوِّدَةُ » 

ــ عن أبي إسحاق الفزاري قال : سمعت سفيان والأوزاعي يقولان : إن قول المرجئة يخرج إلى السيف» [ السنة لعبد الله (1/ 217) وتاريخ بغداد (15/530) ] 

ــ وقال الإمام أحمد في كتابه الرد على الزنادقة (ص74، 78) : إن الخوارج هم المرجئة ." 

ــ وفي المعرف لابن قتيبة (1/250) واللالكائي في أصول الاعتقاد (5/ 1077/1850) والإبانة الكبرى (2/ 7/906/ 1273) وتاريخ ابن عساكر (47/65) وكتاب الإنتصار على المعتزلة للعمراني (3/802) وتهذيب الكمال (22/ 457) وتهذيب التهذيب (8/ 172) قال : قيل إن عون بن عبد الله بنعتبة بن مسعود كان مرجئاً فرجع عن الإرجاء وأنشأ يقول : وأول ما نفارق غير شك ... نفارق ما يقول المرجئونا وقالوا مؤمن من آل جور ... وليس المؤمنون بجائرينا وقالوا مؤمن دمه حلال ... وقد حرمت دماء المؤمنينا 

ــ وفي السنة للكرماني (190) عن يوسف بن أسباط قال : أما المرجئة فهم يقولون ... فذكر كلامهم ثم قال : وهم يرون السيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم . 

ــ وقال إسحاق بن إبراهيم تعقيباً على حديث " خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم .. قالوا يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف ؟ قال : لا ما أقاموا فيكم الصلاة ..." قال إسحاق : ( والسنة عليه ، وفيها هلاك المرجئة ) [مستخرج أبي عوانة حديث ( 5774 )] 

(قلت) وقد ذكروا في كتب الفرق أن من الفرق ما يسمى ( مرجئة الخوارج ) [ الفرق للشهرستاني (1/162) الفرق (202) ومقالات الإسلاميين (1/202) ] ولهذا قال الإمام أحمد -رحمهُ اللهُ- : وأما الخوارج فإنهم يسمون أهل السنة والجماعة مرجئة وكذبت الخوارج في قولهم بل هم المرجئة يزعمون أنهم على إيمان وحق دون الناس ومن خالفهم كافر" [ انظر: رسالة الإصطخري كما في طبقات الحنابلة (1/36) ] 

أما الجهمية : روى ابن بطة في الإبانة الكبرى (2387) عن ابن شوذب قال : ترك جهم الصلاة أربعين يوما وكان فيمن خرج مع الحارث بن سريج . 

ــ أما الرافضة : قال الآجري في الشريعة (5/2512) : وَمِنْهُمْ [أي الروافض] مَنْ يَرَى السَّيْفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا خَنَقُوهُمْ حَتَّى يَقْتُلُوهُمْ . ـ

ـــ التبليغ والإخوان والصوفية : واليوم الصوفية والإخوان والتبليغ كلهم خوارج يرون السيف ، ويستحلون دماء أهل التوحيد والسنة ، وأنتم ترون الشغب الذي يصدر منهم في الطرقات والمظاهرات وقتالاتهم مع الجيش والعسكر لأجل السلطة والفوضى والدماء ثم يسمون كل ذلك بالربيع العربي !! فما أدري عن هذا الربيع الملطخ بالدماء ، وكيف استحمقوا في تسميته ربيعا !! ومن أمثلة النزعة الخارجية الصوفية ما حدث في السودان حينما أصدر الأمين العام للصوفية بيانا طويلا يعترض فيه على إلغاء الحكومة محاضرة لهم فكان مما قال مهددا بالثورة : ( سيسجل مجموعة الخمسمائة شخصية حزبا سياسيا داخل السودان ليواجه ونمتحن الحريات والديمقراطية ، فإما أن نصل للغايات أو نمضي شهداء ) وقال أيضا : (لا بد أن يتيقن الصوفية أن الحكومة هي عدوهم الأول قبل الوهابية حيث أنها لا يضيرها تمكن أي فكر في هذه البلاد سواء كان شيعة أم وهابية أم صوفية بل ما يهمها هو السلطة والريال ! ) .

كتبه أبو عبيد الجزائري .. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ...

مسألة هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه أم لا ؟؟


...بسم الله الرحمن الرحيم ...

أما بعد : فقد اقطعت هذه الفقرة من شرحي على كتاب البربهاري يسر الله طبعه تعجيلا للفائدة ، ملخص هذه المسألة ما يلي :  اختلفت الرواية عن السلف في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه على ثلاث أقوال :

القول الأول :

نفي الرؤية مطلقا : فقالوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه ليلة المعراج ، وهو قول عائشة ويُروى ابن مسعود ، وبه قال الدارمي وغيره .

القول الثاني :

وهو إثبات الرؤية القلبية فقط ، وروي هذا عن أبي ذر وابن عباس ومجاهد وأبو العالية ، وأبو صالح والربيع بن أنس ، وهو رواية عن كعب ، ورجحه أحمد في رواية ، ورجح هذا القول الكثير من المتأخرين كالسمعاني في تفسيره وابن تيمية وابن القيم وأرجعوا الخلاف إليها أنه لفظي !! . 
(قلت) وهذا الجمع غير جيد ، فالخلاف بين السلف لو كان لفظيا لما اشتد بينهم الإنكار حتى قالت عائشة ما قالت ، ووقع فيها جدل ونقاش بينهم ، وحتى كان الحسن يحلف عليها ، ويشتد على عروة قول عائشة وغير ذلك ، بل الخلاف الحقيقي ، والذي ورد عن السلف من الروايات ، إما أثبتت الرؤية مطلقًا ، أو قيدتها بالرؤية القلبية ، أو نفتها مطلقًا . 

القول الثالث :

هو إثباتها مطلقا : وهو المروي عن أبي هريرة وأنس وابن عباس ، والحسن وعروة بن الزبير إثباتها وبه قال سائر أصحاب ابن عباس كعكرمة ، وجزم به كعب الأحبار ، والزهري وصاحبه معمر وآخرون ، وبه الإمام أحمد في رواية مطلقة ، والآجري .

القول الرابع :

وهو التوقف ويُروى هذا عن سعيد بن جبير ، وهو اختيار بعض الأشعرية كالقرطبي والقاضي عياض ونسبه لبعض مشايخه من المالكية ل أدري من هم ، والذهبي في السير ، وهذا القول غريب .                                                                                                                                    
القول الخامس :

أنها رؤية بصرية بالعين : ويقال تفرد بهذا القول الصريح ابن جرير وابن خزيمة في التوحيد ، تابعهم بعض المتأخرين كأبي عبد الله بن حامد وأبو بكر النجاد والقاضي أبو يعلى والأصبهاني التيمي ، والجيلاني وآخرون ، وقد اعتبرتُ هذا القول قولا مفردا ، لأنه صريح جدا في إثبات الرؤية بالعين على خلاف القول الثالث ، فإن فيه إطلاق محتمل ، مع أنه ظاهره يفهم منه إثبات الرؤية بالبصر ، لكن احتطتُ في التفريق بينهما للتدقيق ، وقد نسب القاضي أبو يعلى هذا القول رواية عن أحمد ، فقد اعترض عليه ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، والله أعلم بصحة ذلك ، فالذي جاء في أصول السنة عنه إثبات الرؤية ثم قال ما في معانه لا نفسرها ولا نناظر فيها ، فالظاهر أن مذهبه مطلق الرؤية دون تفسير لهذا اختلفوا عنه .

والترجيح :

الظاهر أن القول الثاني الذي عليه الكثير من السلف هو الصحيح والله أعلم لأن عليه ظواهر النصوص ، ومن نفى مطلق الرؤية لم ينف الرؤية القلبية ، ويُحتج له بحديث أَبِي ذَرٍّ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ قَالَ : نُورٌ أَنَّى أراه . [ رواه مسلم (261) ] 
ومِمَّا يؤكّد عدمَ رُؤْيَةِ النبيّ ربَّه بعينيه ليلة الإسراء حديثُ أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ الله عزَّ وجلَّ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهار وعَمَلُ النَّهارِ قبل عَمَلِ اللَّيْلِ ، حجابه النور -وفي رواية أبي بكر : النَّار- لو كَشَفَهُ لأحرقتْ سُبُحاتُ وجْهِه ما انتهى إليه بصرُه من خَلْقِه ".

[ يراجع في نسبة هذه النقولات : التوحيد لابن خزيمة (1/477) والدارقطني في الرؤية ، وتفسير ابن جرير (27/44) والشريعة اللآجري (3/1541-1551) الرد على بشر الريسي (ص523) وعقيدة عبد الغني المقدسي (138) وإبطال التأويلات (1/113) والروايتين والوجهين (ص 63-64) الحجة في بيان المحجة (2/252-253) والشفا (1/261) والغنية لطالبي طريق الحق (1/66) ومجموع الفتاوى (6/509) واجتماع الجيوش الإسلامية (1/12) وزاد المعاد لابن القيم (3/36) والعرش للذهبي (48) والعلو (ص81) والبداية والنهاية (3/112) والتفسير لابن كثير (7/448) والدر المنثور (6/160) ]

كتبه أبو عبيد الجزائري